صدور العدد السادس والثمانون من مجلة نزوى

الفلسفة، السينما والزمان عند «دولوز»

أ- الصورة والمفهوم:
إذا كانت الفلسفة تفكر من خلال المفهوم فالسينما تفكر من خلال الصورة المتحركة ذاتيا. وما يربط السينما والفلسفة ببعضها البعض هو صورة الفكر. إن صورة الفكر هي ما يلهم الفلسفة في إبداعها للمفاهيم أما السينما فهي تنشئ صورة الفكر وهي توضّب الصورة ذلك أن «مكوّنات الصورة السينمائية تتضمن التّوضيب أصلا»(1). يتعلق الأمر إذن في مقاربة «دولوز» بإقامة مناظرة بين السينما والفلسفة،هي في العمق علاقة تناظر تعكس من خلالها الواحدة الأخرى على نحو أصيل،فالهوية الحق مفعول لعلاقة. هوية السينما تتكشف أفضل ضمن علاقة مقايسة مع الفلسفة والعكس بالعكس. في خضم هذه العلاقة يتحوّل منتوج الفلسفة أي المفهوم إلى «كتل من الحركات الدائمة والمتلائمة داخل تشكل الأمكنة و الأزمنة… تصبح المفاهيم أكثر قابلية للفهم لأنها عبارة عن تجل مرئي لتجربة معيشة من طرف كل واحد». لكن من جهة أخرى يعتبر «دولوز» أن «قيمة الصورة تتمثل في الأفكار المتولدة عنها»(2).
صورة الفكر هي مايشغل السينما كما الفلسفة أي الأسئلة التي تثيرها الأولى والمفاهيم التي تبدعها الثانية. لذلك ينبه «دولوز» القارئ منذ الصفحة الأولى من عمله عن السينما إلى أن الأمر «لايتعلق في هذه الدراسة بالتأريخ للسينما بل بصنافة وبمحاولة لترتيب الصور والعلامات»(3). إذن، لا يتعلق الأمر بعمل تحقيبي توثيقي بل باستجلاء الإشكالات والانتقالات والتحولات التي عرفتها السينما.
ينصب اهتمام «دولوز» على سينما مابعد الحرب الثانية كما على بوادرها السابقة على ذلك،لهذا نجد حواره يدور مع «غودار» و«ويلس»، «ريسني» و«أيزنشتاين» كما «أوزو» … تكثّف هذه الأسماء النقلة التي عرفتها السينما إذ بالإستناد على أعمالها نتبين أحوال السينما، أقول أحوالا وليس مراحل فما يهم ليس كرونولوجيا الأفلام بل صورة الفكر المضمر في الفيلم. وإذا كانت الصورة هي الوحدة الأساس للفيلم وكان المنتوج الأساس للفلسفة هو المفهوم فلقاء الفلسفة بالسينما هو لقاء المفهوم بالصورة في أفق استجلاء تحولات صورة الفكر داخل الصورة السينمائية. لاتنتج السينما مفاهيما «فمفاهيم السينما غير معطاة في السينما ومع ذلك فهي مفاهيم السينما»(4). أي مفاهيم تنتجها الفلسفة مستندة إلى الصورة السينمائية.
إن المفهوم لا يباشر الصورة ليجرد منها ما هو استثنائي وشاذ إذ لايحتفظ إلا بما هو عام،إنه لايختزل الصورة في خصائص عامة بل إن المفهوم بوصفه توليفا بين متنافرات فهو يتقصى لحظات الإنفلات والعبور في الصورة،يترصّد للمثير فيها بل للمرعب والمتعذر على الحساب والقياس. ينصبّ المفهوم إذن على مناطق الشدّة والتوتر في الصورة السينمائية. إن هذا التحسس المتبادل بين الصورة السينمائية والمفهوم لم يكن ممكنا لو لم تعمد الفلسفة المعاصرة إلى مراجعة مفهوم المفهوم خاصة مع «دولوز»،هذا بقدر ما عمدت السينما الحديثة إلى إعادة تصورها للصورة خاصة مع «ريسني» «غودار» و «طاركوفسكي»،فقد حلت الصورة – الزمان محل الصورة-الحركة. إن حلول الصورة كوعي عميق بالزمان هو ما جعل «سينما فلليني تقودنا إذن باتجاه ما يدعوه دولوز صورة الفكر،أي باتجاه الفجوة أو الفضاء المحايد»(5). يتعلق الأمر هنا بفجوة الزمان العابر الهارب من زمام الشخوص ونواياهم الخاصة كما يتعلق بالحياد المميز للطبيعة المنسية المنفلتة من مقاصد الوعي.
وحده المفهوم إذن كفيل برصد ما هو أصيل في الصورة،لذلك ليس صدفة أن قال «دولوز» «إن المفهوم هو ما يحول دون أن يكون الفكر مجرد رأي، وجهة نظر، تبادل آراء، ثرثرة»(6). غير أن المفهوم ليس في وسعه تقصي الصورة السينمائية إلا لأنها تتضمن ما يسميه دولوز صورة الفكر والتي يقول بشأنها: «صورة الفكر هي ما تفترضه الفلسفة…إنها فهم قبل-فلسفي»(7). لايفيد هذا «القبل» بتراتب قيمي،فالسينما بوصفها تضمر صورة للفكر فهي ليست أقل قيمة من الفلسفة بل إن هذا «القبل» يمثل شرط الإمكان،فصورة الفكر المحايثة للصورة السينمائية تمثل شرطا لإمكان تفكير فلسفي ممكن، إنها بعبارة «هايدجر» ما يعطي فرصة للتفكير. إن فروع المعرفة التي تتضمن نفس صورة الفكر أي نفس الحساسية الفكرية تنعكس في بعضها البعض على نحو مبدع خلاّق ولعل ذلك ما تعبّر عنه العلاقة بين «غرييي» و«غودار» ثم «ريسني» و«دوراس» وأخيرا «ويلز» و«كافكا»…
لقد سعت صورة الفكر الكامنة في الصورة السينمائية إلى تحرير الصورة إذ النتيجة هي اللقاء مع المفهوم. فما فتئت الصورة السينمائية تسقط في «الكليشيهات» أي ما فتئت تقدّم كصورة حسية حركية للشيء أي بوصفها تمثلا مباشرا للشيء، فالصورة هي هنا تحت طلب التمثل. تصبح الصورة هي ما نريده نحن منها، وكما «سبق أن قال «برغسون» إننا لانرى الشيء أو الصورة كاملة بل ندرك منها دائما أقل من ذلك. فما ندركه هو ما يهمّنا إدراكه أو ما لنا مصلحة في إدراكه بفعل مصالحنا الإقتصادية ومعتقداتنا الإيديولوجية أوحاجاتنا السيكولوجية»(8). لكن إذا كانت الصورة ما تفتأ تسقط في «الكليشي» فهي ما تفتأ تقاومه،إنها مجال صراع بين قوى ونقيضها. كيف تتمكن الصورة إذن، من إنجاز انعتاقها؟ يرى «دولوز» أن ذلك يتم عبر مدخلين: «أحيانا يجب استعادة الأجزاء المفقودة أي أن نوجد ما لانراه في الصورة،كل ما أخفينا منها لنجعلها «مهمة». لكن أحيانا العكس يجب حفر ثقوب،إدراج فراغات وفضاءات بيضاء أي تكثيف الصورة مستبعدين الكثير من الأشياء التي أضفناها لنجعل أنفسنا نعتقد أننا نرى كل شيء»(9).
ب- الصورة والواقع:
إن إعادة صياغة الصورة السينمائية أصبحت هي مهمة المخرج والناقد. ففي غمرة حربين عالميتين متتاليتين تحولت صورة الواقع إلى سؤال،فأشكل الواقع على الواقعية في السينما مما ترتب عليه مولد سينما واقعية جديدة في إيطاليا أولا ثم في فرنسا وألمانيا ثانيا. وعن هذا المخاض تعبّر «دفاتر السينما» التي أسهم «بازان» في تأسيسها إذ عبّرت عن آراء وتطلعات مخرجي الموجة الجديد في فرنسا التي تتوجت بعمل «بازان» المعروف تحت عنوان «ما السينما؟» فالرجل وإن كان يعمل بمعزل عن الإطار الأكاديمي فإن نشاطه البادي من كتاباته المتعددة في مجلات متخصصة في النقد الفني أثر وأسهم في نشأة حساسية إبداعية سينمائية جديدة. وبالرغم مما يقال عن ضعف تأثير النقد في توجيه الإبداع عموما فإن كتابات «بازان» تثبت العكس فقد «كان له مقولة يرى فيها أن أهمية السينما لاتتمحور حول الحدث لكن حول التمعن فيه،فالإهتمام بالحياة المعاشة أكثر أهمية من الحبكة المتصاعدة، والشخصيات ما هي إلا نمادج من هذه الحياة. ما يتعين علينا القيام به هو العمل من خلال عدد من العناصر التي تعبّر عادة عن الواقعية، ومن ضمن هذه العناصر:عدم استخدام الموسيقى إلا إذا كان في المشهد مصدرا لها،واستخدام ممثلين غير محترفين وعدم استخدام الصوت من خارج الشاشة والبساطة، واستخدام الحوار العامي – وأحيانا لانسمع إلا نصفه- وعدم استخدام الإضاءة الصناعية التي تتميز بها الأفلام المصورة في الأستوديوهات،والتخلي عن التصوير الذي يبرز الجمال والمقصود من ذلك أن نحسّ أن حبكة الفيلم تنطلق من مفردات الحياة الحقيقية. وهذا يؤدي إلى إظهار القضايا الإجتماعية بدلا من الهروب منها»(10). تكثف هذه العناصر ملامح حساسية سينمائية جديدة تتمحور حول إعادة صياغة مفهوم الواقع في الصورة السينمائية،وهذا التحول في الصياغة هي ما نستشفه من قول «دولوز» وهو بصدد «آلان روب غريي»:»كانت السينما واحدة من أسباب تطوره فقد جعلته يكشف عن القوة الوصفية للألوان والأصوات من حيث إنها تحل محل الموضوع،بل تمحو وتعيد اكتشاف الموضوع»(11). إن قيمة «بازان» بالنسبة لـ»دولوز» تكمن في قدرته على التقاط إشارة التحولات الجذرية في السينما فـ «ضد من حدّدوا الواقعية الجديدة في إيطاليا بمضمونها الإجتماعي أثار «بازان» ضرورة المعايير الشكلية الجمالية… فالواقع لا يتمّ عرضه أبدا كما لا يعاد إنتاجه،بل هو مستهدف… تستهدف الواقعية الجديدة واقعا هو قيد الكشف،واقع دائم الغموض… إن الواقعية الجديدة،إذن،كشف عن نوع جديد للصورة الذي يقترح «بازان» تسميته بـ«الصورة – الواقعة» «(12). غير أنه بالنسبة لـ»دولوز» تكون الصورة-الواقعة فرصة خصبة للتفكير مجددا في الصورة السينمائية التي ليست من الصورة-الواقعة في شيء هذا إذا كانت الصورة-الواقعة لاتخرج عن أفق الصورة-الحركة. يرى «دولوز» أن مستجد الطفرة السينمائية في خضم الواقعية الجديدة هو حلول الصورة-الزمان محل الصورة-الحركة ذلك أننا «سنعاين في الخمسينيات فاصلا جماليا وتاريخيا في نفس الوقت،يضع من جهة،السينما المسماة «عضوية» والتي تنتظم زمنيتها من خلال حركة الفعل والصيرورة الخطية للحكاية،ومن جهة أخرى،سينما «بلّورية» يمنح الزمن نفسه للتفكير في إطارها على شكل انفصالات وتسلسلات»(13).
لقد كان طموح «بازان» هو استجلاء الواقع كما يعطى للوعي وليس كما يعطى للنظر الطبيعي المباشر، فالواقع لايكشف عن حقيقته الماهوية إلا ضمن بعد الفكر. ولأن ماهية الواقع لا تكمن في الواقع نفسه بل في تخطيه عبر الفكر بقصد الكشف عنه مجددا في أصالته فإن مقاربة «بازان» ظلت تندرج ضمن التصور الفينوومينولوجي للصورة، أي أن الواقعية مفعول لقصدية الوعي.
إن أفق الواقعية الجديدة في اعتبار «بازان» هو الكشف عن اللامرئي ضمن ما هو مرئي وليس هذا غير الأفق المحدد للرؤية الفينومينولوجية. فلايجب أن يغيب عن أذهاننا أن الفلسفة الفينومينولوجية قامت مع «هوسرل» من أجل تحرير الأشياء من قبضة المواقف الطبيعية والتصورات الصورية للعلوم الأوروبية التي غيّبت الواقع الملموس خلف المناهج المصطنعة. لقد كان الباعث،إذن،على ظهور الرؤية الفينومينولوجية هو أزمة العلوم الأوروبية،لذلك لم يكن رهانها غير استعادة عالم الظواهر المفقود،عالم الحياة الملموسة. نفس الباعث والرهان نجده عند «بازان». غير أن «دولوز» الذي لم يكن في يوم ما فينومينولوجيا ولا ماركسيا ولاوجوديا تبيّن أن معيار التمييز بين «سينما حديثة» وأخرى «قديمة» هو صيغة حضور الزمان في الصورة،فهناك قطيعة جمالية وفكرية بين صورة تتحدد بالحركة وأخرى تتحدد بالزمان. هناك، إذن، سينما «الصورة-الحركة» وسينما «الصورة-الزمان». لقد كان «دولوز» يميّز بين عصور السينما من خلال التمييز بين نظامين للصورة، نقول نظامان للصورة لأن «دولوز ملزم باعتماد معايير مختلفة عن الصنافة الكلاسيكية: فلا يمكنه التعاطي مع شكل العناصر وكمّها ولا طريقة توزّعها أو المقدار الخاص بكل منها،لأن هذه الخصائص الشكلية بالضبط هي، عنده، مايلزم تفسيره»(14).
ج- الصورة،الحركة والزمان:
إن الانتقالات التي عرفتها السينما بالتحول من نظام للصورة إلى آخر يندرج ضمن سيرورة انعطاف عرفها الفكر الغربي منذ «كانط». فإذا كانت السينما الحديثة هي سينما الزمان فهي صارت إلى ذلك بعد تجاوزها لسينما الحركة الخاضعة للروابط الحسية الحركية المحسوبة،ولايجب أن ننسى أنه إلى «كانط» يعود هذا الوعي العميق بأولوية الزمان إذ منذ فلسفته النقدية أصبح المعنى يتحدد بأفق الزمان. ولعل هذا الإنتقال الجوهري الذي يمتد من «كانط» إلى «هيجل» و«نيتشه» ثم «برغسون» و«دولوز»- مع اختلاف صورة الزمان عند كل منهم- هو ما يكثفه أحسن العمل العمدة لـ«هايدجر» أي «الكينونة والزمان». إن مركزية سؤال الزمان في تدبير شأن المعنى ترتب على تحرير الزمان من قبضة الحركة التي سيطرت على الفكر الغربي وامتداداته الكونية لمدة تتخطى عشرين قرنا أي منذ «أرسطو» الذي عرّف الزمان في كتاب «الطبيعة» «بوصفه عددا ومقدارا للحركة وذلك وفقا لإيقاع السابق واللاحق». فالحركة الأزلية المنتظمة للأجرام السماوية تنسج الزمان في صورة أيام وشهور وسنوات، أي في صورة متعاقبة تعاقب الحركة حيث الزمان ليس أكثر من عدّ لتعاقب الحركة. يمكن الآن أن نكثّف قصة الفلسفة ونقول إنها تحرير للزمان من الحركة وتحديد للمعنى بأفق الزمان هذه القصة هي نفسها التي تحكيها السينما بأدواتها الخاصة. لايجب أن يفيد هذا بأن السينما ليست أكثر من مجرد صدى لما يحدث في الفلسفة الأحرى أن قيمة السينما وعلاقتها بالفلسفة ستتكشف من زاوية نظر أخرى: «ستكون دراسة السينما بالنسبة للفيلسوف، وسيلة لإستخدام أداة غير فلسفية لفهم الفلسفة ذاتها بشكل أفضل، وسيسمح لجوء السينما إلى الفلسفة، بإبراز وعي أكثر،يروم توليد كينونة الفيلم ضمن خصوصية تعبيره الجمالي»(15).
يعتبر «دولوز» أن «الصورة-الحركة» هي الصورة المميزة للصورة السينمائية الكلاسيكية،وقد حدد «الصورة-الحركة» من خلال ثلاثة أنماط أساسية: «الصورة-الإدراك»، و«الصورة-الإحساس» ثم «الصورة-الفعل». وهذا ما انصب عليه الجزء الأول من عمل «دولوز» عن السينما، ذلك لأن عمله بجزأيه يسعى إلى تصنيف الأفلام بحسب أنماط صورها. إن كل نوع من أنواع «الصورة-الحركة» له ما يوازيه في سلم اللقطات، فاللقطات العامة تتناسب مع «الصورة-الإدراك» ذلك أن «الصورة-الإدراك هي حركة الكاميرا التي تصنّف الصور وتنتقيها مدركة «الموضوع» من زاوية معينة». هذا في حين أن اللقطة-المتوسطة هي ما يتلاءم مع «الصورة- الفعل التي هي حركة الكاميرا وهي تظهر الموضوعات الأخرى انطلاقا من الموضوع الأساس». وأخيرا فإن ما يناسب الصورة- الشعور هو اللقطة المكبّرة إذ «الصورة-الشعور هي حركة الكاميرا التي تعلّق العلاقة بين الإدراك والفعل المترتب عليه… فالصورة-الشعورية هي على نحو ما بمثابة «شبح» منفلت من قبضة المكان-الزمان أي بعبارة أخرى صورة لاتحيل على المكان بوصفه حيّزا لكل إدراك، ولاعلى الزمان باعتباره مميزا لكل فعل. إن الصورة-الشعور التي تتطابق مع مفهومها يلزمها بالتالي أن تقطع الصلة مع العالم إلى حدّ أنه ليس هناك أي موضوع مدرك أو فاعل للحركة»(16).
طبعا، يمكن لهذه التنويعات الثلاثة لنمط الصورة-الحركة أن تجتمع في فيلم واحد مع هيمنة نوع على آخر وذلك تبعا لنوع التوليف. هكذا يمكن «التمييز بين التوليف المرتبط بالإدراكات]ويتجلى بقوة عند فتروف [والتوليف المرتبط بالأحاسيس] ونجده عند دراير [والتوليف المرتبط بالأفعال] ونجده عند غريفيت[«(17). إن ما أعطى «الصورة-الحركة» للسينما هو إدراج اللقطة،فاللقطة بمثابة «صورة-حركة» وبلغة «برغسون» هي التقطيع المتحرك للديمومة. تتطابق اللقطة مع المحركات الحسية الحركية إذ أن سلاسل الأصوات والصور والمشاهد والكلمات ترتد إلى حركة متصلة أو حتى متقطعة إلا أنها معقولة قابلة للحساب والتوقع،يحمل فيها الشعور كما الإدراك والفعل على الشخصية، أما الإسترجاع فهو عمل تلقائي للذاكرة الخاصة،إنه علاقة إرادية للحاضر بالماضي من أجل إحضاره. الشخصية إذن ذات فاعلة آخذة بزمام أمرها. في هذه الحالة يتماهى المتفرج مع الشخصية ويتعرف على الموضوعات والفضاءات على نحو طبيعي، فدلالة الفضاء هي هنا ماثلة أصلا مثلما أن الوضعيات الصوتية والبصرية كما اللمسية تنحصر في الوظيفة العملية المعتادة أما الحدث فهو متوقع منظور.
هذه الإمكانات الفقيرة للصورة السينمائية مرجعها في نظر «دولوز» اختزال الصورة في الصورة-الحركة بوصفها جماع إدراكات، أفعال ومشاعر إذ يتوارى ما يستحق التفكير في السينما أي الزمان. ففي نمط الصورة- الحركة لايعطى الزمان إلا على نحو غير مباشر، إلا كمفعول للحركة أي مفعول لإدراكات تترجم إلى أفعال وذلك بوساطة الأحاسيس، وهذا كله ضمن خطاطة حسية حركية محسوبة. «السينما (في هذه الحالة) لا تتوقف عن إظهار شخصيات تصدر عنها ردود أفعال بعد إدراكهم لمواقف أحسّوا بها»(18).
إن ما تروم إليه أطروحة «دولوز» ليس مجرد تغيير تقني إذ بدل أن تختزل الصورة في الحركة على حساب الزمان تقوم بالعكس أي تكثيف الصورة في الزمان،الأحرى أن أبعاد إحلال الصورة-الزمان محل الصورة-الحركة تتكشف ضمن قول أساس لـ«غودار». يقول غودار: «السينما هي أن الحاضر لا يوجد أبدا إلا في الأفلام السيئة»(19). ونحن إذا سبق أن أشرنا إلى أهمية «كانط» في ترسيخ أولوية الزمان على الحركة فإن الفضل في إدراك الزمان كتخوم إذ الحاضر ما لايحضر أبدا يعود إلى «نيتشه»، فبدل الزمان الكرونولوجي حلّ الزمان التزامني التصادمي المفتوح على مجهولية خالصة.
أما في السينما فقد أعلنت أعمال المخرج الياباني «أوزو» على بشائر حلول عصر الصورة-الزمان. ويمكن التمييز في نمط الصورة-الزمان بين ثلاثة أنواع: الصورة- الذكرى والصورة- الحلم ثم الصورة-البلورة. وهي كلها تدل على عدم كفاية الروابط الحسية الحركية لتشكيل الصورة في السينما الحديثة إذ أصبحت مهمة الفيلم حسب «طاركوفسكي» هي ترسيم الزمان وعرض تدفقاته اللامتناهية، فالكفاءة الإبداعية للسينمائي تكمن في قدرته على «تشكيل الزمان». هكذا التقت السينما الأوروبية لما بعد الحرب الثانية مع الإستشرافات الإبداعية للياباني «أوزو». وبالرغم من أن الثقافة السينمائية لهذا الرجل كانت أمريكية بالأساس إلا أنه تمكّن من اشتقاق مسار سينمائي خاص. فقد كان سبّاقا إلى إحلال الوضعيات البصرية والصوتية الخالصة محل المحركات الحسية الحركية، أصبحت الصور البصرية والأصوات هي المعاني، المعاني الفاعلة للشخصية وليس العكس هذا بقدرما لم تعد الأزمنة الميّتة بمثابة نشاز أو إضافات وأعراض بل إن «اللقطة أو الجواب سيتم تمديدهما من خلال الصمت،من خلال فراغ ممتد جدا»(20). يتابع «دولوز» قائلا: عند «أوزو» الفضاءات الفارغة دون شخوص ولا حركة،الدواخل المفرغة من مقيميها، الخارج المهجور أو المشاهد الطبيعية، كلها حظيت باستقلاليتها… بلغت المطلق بوصفها تأملات خالصة،وضمنت على نحو مباشر وحدة العقلي والفيزيائي،الواقعي والخيالي،الذات والموضوع،والعالم والأنا»(21).
لقد كان تصعيد الوضعيات الصوتية والبصرية واستثمار الطبيعة الميتة هو البديل التلقائي للروابط الحسية الحركية التي أضحت مؤجلة، وبفعل ذلك أصبحت الشخصية تكثّف سلبية ملحوظة فأهميتها كما أفعالها صارت معطلة أمام أبسط الوضعيات اليومية، حالة من التيه والضياع يشكل السياق الأساس لشخصية بدون هدف. انبثاق عنيف في صلب العالم وتوثّب من علاقة عرضية مزيفة إلى أخرى،صحيح أن الحركة ما زالت حاضرة لكنها ثانوية وشاذة كما يكثفها شذوذ أفعال شخصيات «أوزو» التي تذكرنا بـ«غريب» «ألبيركامي»: عند «أوزو» كل شيء عادي وتافه نفسه الموت والموتى موضوعات لنسيان طبيعي»(22).
إن النتائج المترتبة عن هذه المقدمات التي افتتح من خلالها «أوزو» عصر الصورة-الزمن يمكن تلخيصها في: 1- اللامبالاة وغياب المعنى حيث اللامعنى يشكل شرط إمكان المعنى. 2- تهديم الثنائيات: الواقعي/الخيالي، الراهن/الإفتراضي، الأنا/العالم… 3- تفكيك العلاقات المنطقية المعهودة للإنسان بالعالم. 4- استذكار المنسي والعرضي -الطبيعة الميتة-: شجرة،حجرة،عمود كهرباء، مقبرة… إن هذه المستجدات بحسب «دولوز» تجد مرجعها في فتح أساس يتمثل في نهاية الزمان الكرونولوجي أي الزمان الإقتصادي المحسوب.
إن فتوحات «أوزو» وجدت لها تنويعات أساسية عميقة في السينما الأوروبية، فقد التقطتها الواقعية الجديدة والموجة الجديدة ذات الجغرافيا الممتدة بين فرنسا، إيطاليا وألمانيا ثم الإتحاد السوفياتي. ولعل مازاد من خصوبة استئناف هذا البدء الأصيل بزوغ الرواية الجديدة التي ساءلت أنماط السرد في الرواية الكلاسيكية للقرن 19 ساعية إلى تطوير الزوايا الميّتة. لذلك فبقدر ما نذكر «غودار» نذكر «غريي» وبقدر ما نذكر «ريسني» نذكر «ديراس»… وبالرغم من أن مجهودات هذه النخبة من المخرجين والكتاب كانت جبارة فإن أعمالهم تجاذبتها تقييمات متناقضة ففي حين «اتّهم النقد الماركسي في اليابان كما في أوروبا هذه الأفلام وشخوصها الأكثر استسلاما وسلبية،أحيانا بكونها برجوازية وأخرى بكونها عصابية أو هامشية»(23). اعتبر «بازان» كما «دولوز» أن هذه الأفلام تناسب الواقع، إلا أن مفهوم الواقع عند «دولوز» يختلف عنه عند «بازان». فإذا كان الواقع عند «بازان» يوجد على نحو أصيل خلف ما يظهر، فإن الواقع في السينما الحديثة كما يراه «دولوز» هو ما يستعصي على المثول أي أن الواقع هو حركة هروبه المنفلتة من صفة الواقعية ليلقى أحواله الإفتراضية، فالواقعي في الواقع لاينفصل عن الإفتراضي ولعل هذا الإنفصام في صميم الواقع وبالتالي في صميم الإنسان وعلاقته بالعالم هو انفصام الزمان ذاته،فما يفصمنا ويجزءنا كما يقول «بورخس» هو الزمان وليس المكان.
هذا الإنفصام، هذا التوهج لمختلف أبعاد الزمان في صميم الشخصية هو ما تكشف عنه الصورة-الزمان بوصفها صورة-بلورة، فبقدرما أن مناطق الإشعاع المنبثقة من البلورة هي متساوية الإشعاع فكذلك الصورة-البلورة تكشف عن التوازي في القيمة والحضور بين الفضاءات والأصوات والأزمنة ولاتظهر الشخصية إلا كمفعول، إنها «وجود-في- العالم». هكذا تحولت الشخصية لأول مرة مع «هتشكوك» إلى مجرد متفرج بمنظور رؤيوي يستشرف فواعل الزمان التي تنخرها.
إن اللاتشخيص هي سمة الصورة-البلورة، لاتشخيص الحركة الذاتية التي أصبحت مفقودة ليحل العالم محل الذات الفاعلة، العالم هو ما يقوم بالفعل، فالشخصية تحلم ضمن العالم وتتذكر ضمن العالم. وبقدر ما أن الشخصية لا تتضمن الزمان بل هو الذي يتضمنها فكذلك الشأن بالنسبة للحلم والتذكر، إنها توجد في الذاكرة وفي الحلم ومثلما ارتأى «سارتر» أن كل حلم هو عالم ذهب «فلليني» إلى «أننا نتشكل ضمن الذاكرة فنحن في نفس الوقت الطفولة والمراهقة والشيخوخة والكهولة»(24). إن الحلم ليس حلم الشخصية بل هو عمل العالم بوسائل العالم يتم بمعزل عن مقاصد الشخصية لكنه يتحقق في صميمها،فكل حلم يعبر الشخصية وهو يتضمن العالم.
لعل طابع اللاتشخيص الذي يميز الصورة-الحلم من أجل تعليق الروابط الحسية الحركية هو ما يميز الصورة-الذكرى، فالذاكرة لايمكنها أبدا أن تحكي الماضي بفعل الثقوب التي تصيبها بها انفصامات الزمان التزامني. لقد تعذر الاستذكار كاسترجاع بما هو إحضار للماضي بدالّة الحاضر،لذلك لم يعر «ريسني» أية أهمية للإسترجاع إذ تبيّن له أن الكوابيس والإستيهامات والإفتراضات والتوقّعات هي أفضل بكثير من الإسترجاع. ولعل ذلك ما يروم إليه «ويلز» عندما يذهب إلى «استحالة الإستذكار… فمناطق الماضي تحتفظ بأسرارها… فلاشيء يمكن استذكاره بل كل شيء مجرد تهيّؤات»(25). ويرى «دولوز» أن هذا ينطبق على كل مخرجي الزمان أي يتعلق الأمر بتلك «السينما التي بتأكيها على تجنب الحاضر فهي تمنع الماضي من أن ينحط إلى مستوى ذكرى»(26). لأن الماضي ما لا يمضي قطعا والحاضرما لايحضر بتاتا أما المستقبل فهو هنا أصلا وأبدا.
إن ثورة سينما الزمان انعكست بقوة على تقنيات «المونتاج» فقد «تغير معنى المونتاج، أصبحت له وظيفة جديدة فبدل أن يحمل على الصور-الحركة إذ يتم استخلاص صورة غير مباشرة للزمان،أضحى يحمل على الصورة-الزمان ليستخلص منها علاقات الزمان التي بها ترتهن الحركة التائهة»(27)وبعبارة أخرى «تغيّر معنى المونتاج إذ صار كشفا وإبانة»(28). هكذا أصبحت الذاتية الحقيقية هي الزمان في بنيته المتخالفة. ولعل الحلول المباشر لهذه الشخصية على الصورة السينمائية هو ما جعل السينما تضم صورة للفكر تستفز الفلسفة وتثيرها. إن صورة الفكر في السينما بما هي إنجاز لزمان غير راهني جعلت العلاقة بين الفلسفة والسينما قدرا محتوما.
لائحة المراجع
1-
Deleuze (Gilles),cinéma 2,l›image-temps,p59,Editions de minuit,1985.
2- مؤلف جماعي، حوار الفلسفة والسينما، ص120، ت.عز الدين الخطابي، منشورات عالم التربية،2006.
Deleuze (Gilles),cinéma 1,l›image- 3- mouvement,p7,Editions de minuit,1983.
Cardinal(SerGe),Deleuze au cinéma,p17, 4- www.sergecardinal.ca/pdf/deleuze-au-cinema.pdf .
5- مؤلف جماعي، حوار الفلسفة والسينما، ص120، ت.عز الدين الخطابي، منشورات عالم التربية، 2006.
Magazine littéraire,P16,N°257,1988. 6-
-ibid,p23. 7-
Deleuze (Gilles),cinéma 2,l›image-temps,p32, 8-
Editions de minuit,1985.
– ibid,p33. 9-
10- ماكبين(توني)، عناصر السينما الواقعية، ترجمة ممدوح شلبي ،
http://www.eyeoncinema.net/Details.aspx?secid=56&nwsId=1271
Deuleuze (Gilles), cinéma 2,l›image-temps, 11-
p21-22,Editions de minuit,1985.
– ibid,p7. 12-
13- مؤلف جماعي،حوار الفلسفة والسينما،ص113-114،ت.عز الدين الخطابي،منشورات عالم التربية،2006.
Cardinal(SerGe),Deleuze au cinéma,p18, 14-
www.sergecardinal.ca/pdf/deleuze-au-cinema.pdf .
‎15- مؤلف جماعي، حوار الفلسفة والسينما، ص125،ت. عز الدين الخطابي، منشورات عالم التربية، 2006.
Bolduc(Charles),Le rôle de l’expérience dans la 16-
pratique philosophique de Gilles Deleuze ,p174-190,http://classiques.uqac.ca/contemporains/bolduc_charles/role_experience_deleuze/role_experience_deleuze.html.
17- مؤلف جماعي، حوار الفلسفة والسينما، ص104،ت.عز الدين الخطابي، منشورات عالم التربية، 2006 .
18- نفسه، ص 105.
cité in, Deleuze (Gilles), cinéma 2,l›image-temps,p55, 19-
Editions de minuit,1985.
Deleuze (Gilles),cinéma 2,l›image-temps,p24,Editions 20-
de minuit,1985.
– ibid,p26. 21-
– ibid,p24. 22-
– ibid,p30. 23-
cité in, Deleuze (Gilles),cinéma 2,l›image-temps, 24-
p130, Editions de minuit,1985.
Deleuze (Gilles) ,cinéma 2 ,l›image-temps, p149, 25-
Editions de minuit,1985.
– ibid,p163. 26-
– ibid,p59. 27-
Magazine littéraire,P59,N°257,1988. 28-

————————————————–

محمد مزيان