أخبار عاجلة

الفلسفة والحب في عصر الرأسمالية الشاملة

في عصر التسليع المعمم، حيث كل شيء بات يقاس بمردوده المادي ونفعه وما يدره من أرباح ومكاسب، لم يعد للقيم المتعالية والمتسامية على الربح والنفع من قيمة. فالسلعة أصبحت قيمة القيم، هذا إذا جاز لنا أن نتحدث بعد اليوم عن وجود ما للقيم بالمعنى الأخلاقي أوالرمزي. لقد صار العالم منزوعا رمزيا كما قال عنه داني- روبير لوفور (1)، مع حلول عصر الرأسمالية الشاملة، والفرد، الذي يجد نفسه غارقا في عالم مجرد بمثابة كابوس سرنمة بلا نهاية كما يقول باديو، هو عالم المجتمع الذي تحكمه السلعة ويديره السوق، لا يجد ملاذه سوى في التشبث بالهويات اللغوية والدينية والوطنية والعائلية والإقليمية القادمة من عمق الأزمنة. إنه عالم الانطواء الدفاعي ونقيض عالم اللقاءات حيث يولد ويشُبَُ الحب، يؤكد باديو. ومن هنا فإن الدفاع عن الحب هو شكل من أشكال مقاومة التسليع الذي يطاول المشاعر والأجساد، والارتياب من الاختلاف وعبادة الهوية.
فما الذي تبقى للحب في هذا الزمن المستغرق في عبادة السلعة وتقديس السوق؟ هل يوجد حب غير محفوف بالمخاطر كما يعد بذلك المجتمع المعاصر أفراده حينما يجري الحديث عن «صفر خطر» في الحب على غرار خرافة «صفر قتيل» في الحرب، وتروج لذلك مواقع غرامية بادعاء القدرة على تقليص المخاطر وعدم ترك الحب عرضة لأهوال الصدفة؟ هل يستقيم الحب بدون وجود خطر ومغامرة؟ وما علاقة الحب بكل من الحقيقة والسياسة؟
مديح المخاطرة
في كتاب»مديح الحب»(2)، يجالس الصحافي الفرنسي نيكولا ترونغ، الفيلسوف الفرنسي اليساري اللامع آلان باديو بشأن الحب بوصفه أحد شروط الفلسفة، حيث يسائل بشغف وصرامة تصورات الحب في الزمن الحديث، ويلاحق انجرافاته في الزمن المعاصر، ويتعقَّبُ تحولات العشق إلى مادة استهلاكية بوقوعه تحت تأثير الوسيط الإلكتروني (الإنترنت)، وهو التحول الذي يعمل تحت طائل نوع من «الدمقرطة» المبتذلة والتتفيهية لأشكال وصيغ من التداول داخل غرف الدردشة والمواقع الغرامية والبورنوغرافية؛ وذلك في حد ذاته يمثل تحديا جديدا للفلسفة في العصر الليبرالي العولمي، ما يدعو الفيلسوف إلى استنفار طاقته التحليلية وشحذ الأدوات والتصرف كعالم محترس ويقظ، وتعبئة وتنشيط خياله عندما ينبغي أن يتأمل الوجود كعاشق للشعر، والتحفُّز والاستعداد للمخاطرة بجسده وموقعه ورفع التحفظ حينما يحين الدور عليه كمناضل سياسي. إنما على الفيلسوف ألا يخطئ الموعد مع الطوارئ العنيفة والمخلخلة للحب وينعزل بالفكر عنها. فلن يكون جديرا بصفته «الفلسفية» إذا لم ينغمس في التفكير في الحب وينطلق إلى إعادة ابتكاره كلما تحسّس المخاطر التي تتهدده، خاصة من نوع ما نعيشه اليوم من إقحام للحب في ممارسات تجارية، وكما يحدث في مواقع التواصل الغرامي على الشبكة العنكبوتية. ألم يقل أفلاطون بأن «من لم يبدأ بالحب لن يعرف أبدا ما هي الفلسفة»؟
إنه لحقيق بالفيلسوف الاقتناع بأن الفكر لا ينفصل أبدا عن الرجَات العنيفة للحب؛ ولعل في هذا الاتجاه بالذات ينتصر باديو لقناعة مفادها أن الحب هو بمثابة اختبار مضاد لذلك الاعتقاد الشائع على نطاق واسع الذي يرى أن كل واحد يخضع وينصاع لمصالحه. فالحب هو بالذات هذه الثقة التي تساورنا إزاء الصدفة. وبالنسبة لفيلسوفنا، فليس فقط يتوجب إعادة ابتكارالحب وإنما أيضا الدفاع عنه في مواجهة الأخطار التي تتهدده من كل حدب وصوب؛ وهو يساير أفلاطون أكثر من غيره من كبار الفلاسفة بحثا عن إيثيقا جديدة للعلاقة العشقية والغرامية، تجمع بين الفردانية والتضامن، بين الشجاعة والهجران، وبين العابر والدائم، حيث يجعله اختبارا للعالم في الاختلاف وليس فقط انطلاقا من الهوية. فالحب تجربة «الاثنين» واللقاء، وليس بتجربة «إغمائية» ينسى فيها العاشق نفسه لفائدة الآخر، ولا هو كذلك بتجربة لاهوتية يتعالى فيها العاشق عن وجوده الحسي وينصهر في المطلق.
لقد تنبَه باديو للحملة الدعائية التي قام بها موقع «ميتيك» لما يزعم أنه تدريب غرامي يحمي العشاق من الوقوع في الحب ومطباته، وحيث تغزو شعارات فجة مُخيَلة المبحرين من قبيل: «أُحصل على الحب بدون صدفة»؛ «يمكننا أن نكون مغرمين من دون أن نقع في الحب»؛ أو «يمكنك أن تكون مغرما تماما دون معاناة»، وغيرها. وهو مقتنع أن الحب هنا مهدد فعلا بنوع من الرؤية التأمينية واليمينية التي تنعقد حول الحب بعقد «صفر خطر»، نظير الدعاية الغريبة لحروب «صفر قتيل» التي تبثها العقيدة العسكرية الامبريالية الجديدة. وقد تعقّّب المقالب التي ينصبها هذا النوع من الحملات الإعلانية بمواقع مماثلة، وعرّى ما تضمره هذه الأخيرة من تصورات أمنية وبوليسية للحب، وما تُمرّره من قيم تجارية تتخفّى في الممارسات الوقائية المحاكية لممارسة شركات التأمين في مجال حوادث السير. فليس بحب ما لا ينطوي على مخاطر، يقول باديو، ومن ثمّ لا معنى للتدخل من أجل الوقاية من أخطار تنطوي عليها كل مغامرة غرامية. وإذا كانت هناك من حجة لمثل هذا التدخل فهي بالتأكيد ضد الانزلاقات الليبرالية، وتلك هي مهمة الفيلسوف أساسا. ومن هنا الحاجة لإعادة ابتكار المغامرة والمخاطرة في الحب لمواجهة الأطروحة التأمينية\ البوليسية. غير أن آلان باديو مقتنع كذلك بأن وضعية الحب على اليسار ليست بأحسن حال منها على اليمين؛ فتجده على تلك الجبهة مضللا في صورة أفاتار نزعة الاستمتاع الجنسي، وحيث لا يرى الليبرالي والمتحرر في الحب سوى مخاطرة غير مجدية.
التصورات السائدة للحب
ثلاثة تصورات تتجاذب قضية الحب:
– تصور رومانطيقي يرتكز على نشوة اللقاء ويلح على «فورة وشطح اللحظة الآنية»؛
– تصور ميركنتيلي تجسّده المواقع الغرامية الإلكترونية حيث الحب لا يعدو مجرد تعاقد بين اثنين يعلنان عن حب مشترك دونما التخلي عن مصالحهما الخاصة.
– وأخيرا تصور ريبي شكي يرى الحب مجرد وهم.
ويمكن أن نرصد في تفاصيل محاولة باديو الأخيرة تجميعا لتصورات متنافرة ومتعددة ضمن حزمات تشترك داخلها كل مجموعة في أسس أو فرضية عامة تجعلها تسير جنبا إلى جنب رغم ما يبدو بينها من تناقضات صغيرة وهامشية. وهكذا فإن التصورات الشكية والتجارية والقانونية والليبرالية والتحررية تشترك في فرضية واحدة تكرس «نسيان الحب»، على غرار «نسيان الكينونة» التي تحدث عنها هيدغر بخصوص تاريخ الميتافيزيقا الغربية؛ وذلك سواء جرى تصور الحب كعقد بين فردين حرين يضمن لهما حقوقا متساوية، أو من خلال تحضير عقد تأمين ضد أخطار الصدفة والغرام والمعاناة، أو إخضاع العاشقين لتدريبات تحضرهم لمواجهة اختبار حب بلا التزام ومتحرر من كل القيود الأخلاقية ومفتقر للشاعرية الوجودية؛ حب طائش واستهلاكي لا أهمية ولا قيمة له في ذاته، إذ لا يعدو أن يكون مجرد نزعة استمتاعية معممة تفلت من كل تجربة أصيلة وعميقة للغيرية؛ أو جرى تصوره كمخاطرة غير مجدية وعديمة الفائدة، ما يفرض نوعا من اقتصاد العاطفة والقيام بترتيبات جنسية مشبعة بالمتعة واللذة، أو تم تصوره كإسراف طبيعي للجنس، ورسم خيالي على واقع الجنس، وطريقة لإملاء الفراغ الجنسي الذي يدعو إلى التكرار، أو أيضا مجرد وهم؛ إذ أن ما يوجد حقيقة هو الرغبة، وما الحب سوى بناء خيالي مطلي بالرغبة الجنسية. ومن هنا فإن هذه التصورات جميعها باختلاف خلفياتها الفلسفية تدعو إلى نسيان الحب والذهاب طولا إلى الجنس دونما حاجة لترتيبات أو استنفاد للطاقة العاطفية والنفسية وبالتالي تحمَُل أعباء الغيرية.
الحزمة الثانية تضم التصورات الرومانسية والسوريالية وتلك التي تدور قريبا من فلكها، وجميعها تتقاسم ما يمكن ترجمته بفرضية «نسيان الديمومة». فالحب بالنسبة إليها يتركز على نشوة اللقاء حيث يستهلك ويحترق سريعا. وقد يظهر أن لهذه التصورات نوعا من الجمال الفني الاستثنائي، غير أنها تنطوي مع ذلك على جانب سلبي وجودي، عندما تنكر وجود الحب في العالم/، وهي علاوة إلى ذلك تفتقر لفلسفة حقيقية للحب الذي يوجد في العالم كحدث غير متوقع أو محسوب بموجب قوانين ذلك العالم. فالحب الحقيقي لا يمكن تقليصه إلى مجرد لقاء أو نشوة البدايات، التي لا سبيل لإنكارها، إنما هو أكبر من كل ذلك؛ إنه بناء مستديم، ومغامرة عنيدة لا تستسلم بسهولة أمام العقبات الأولى أو الخلافات الفعلية أو متاعب البداية وما شابه؛ فهو الذي يتنصر في النهاية على كل ذلك على نحو دائم ومتين.
الحزمة الثالثة تضم التصورات الدينية والميتافيزيقية التي تشترك فيما يمكن أن نجمعه في فرضية «سلبية الحب». ففي التصور الديني يتكرَسُ الالتزام بواسطة الزواج، وهو في نظر باديو ليس بتوطيد للرابطة ضد أخطار الهيام الغرامي، وإنما يجعلها فوق إنسانية وأقرب إلى الدافعية الدينية وبلوغ المقام الإلهي. المسيحية مثلا تستخدم الكثافة الغرامية في اتجاه تصور متعال للكوني، حيث جماعة المتحابين تنحو صوب المنبع الأخير لكل حب وهو التعالي الإلهي. والحال أن الأديان لا تتحدث عن الحب في نظر باديو، ذلك أنها تهتم بمورد كثافته، والحالة الذاتية التي يمكن فقط للحب أن يخلقها، وهي تستبدل الحب المقاتل بوصفه إبداعا أرضيا لميلاد متمايز للعالم وسعادة منتزعة بصورة مضطردة، بحب سلبي ومركَع الذي ليس في النهاية بحب، رغم أنه في الحب أحيانا يستسلم المغرم(ة) لمن يحب.
والحال أن أيا من هذه التصورات لا يجسد المعنى الحقيقي للحب. إذ في مواجهتها يطرح باديو تصورا يجعل من الحب تجربة للعالم انطلاقا من الاختلاف وليس من الهوية. فالحب يبدأ من عملية فصل، ومن اثنين كما يقول. ولقاء هذه «الثنائية» هو حدث بالمعنى الذي لا يتوقع فيه الفردان هذا اللقاء ومجيء الغيرية. فمن اللقاء يحدث البناء الذي هو بمعنى ما حياة ليس فقط ثنائية، وإنما حياة من خلال اثنين ومن وجهة نظر اثنين. واللقاء هو ما يحدث صدفة ودفعة واحدة في الوجود من دون تخمين ولا حساب، وهو بداية مغامرة محتملة لا يمكننا أن نضع مخاطراتها ضمن عقد مزعوم للتأمين؛ إذ أن كل محاولة لتفادي الخطر هي إلغاء للقاء نفسه من الأساس، أي أن تلغي إمكانية أن يدخل أحد حياتك؛ وإن هذا لهو ما يميز اللقاء عن الطيش. ما يأتي بعد اللقاء يكون بناء لأنه لا يعود متوقفا على الصدفة طالما هناك حاجة لاتخاذ قرارات وإجراءات.
والحب أيضا بناء وتشكيل للحقيقة، حيث إن هذه الأخيرة تتجسد في إمكانية دائمة لمشاهدة ميلاد العالم من خلال ما يمثله على سبيل المثال ميلاد طفل على أساس علاقة حب صادق. الحب هو فجر اثنين يتجدد باستمرار؛ إنه «إجراء حقيقة» مبلور على الأرض، وبناء صبور «للحقيقة على الاثنين، حقيقة الاختلاف كما هو». على أنه لانبثاق هذه الحقيقة يشترط المرور بتجربة الاختلاف، إذ أن الحب في أصله انشطار واختلاف بين شخصين، رغم أنه يبقى دائما متصلا بما يسمى الارتباط أو العلاقة واللقاء. واللقاء هو حدث؛ على أن الحب يبقى قضية ديمومة وبناء متواصل، ومغامرة عنيدة تتغلب على الحواجز والصعوبات. ومسألة الديمومة هي ما يعني الفيلسوف بالدرجة الأولى، بحيث على الحب أن يبتكر شكلا آخرا لديمومة في الحياة. فالانتقال من اللقاء إلى الحب أمر حاسم ومحفوف بالمخاطر، إذ ثمة ضرورة للمرور إلى الالتزام لأن الحب الحقيقي بناء على الديمومة، ينتصر على نحو مستديم، وأحيانا بشكل قاس، على كل العوائق المرتبطة بالمكان والزمان والعالم. فالتصريح بالحب في العبارات المعتادة من نوع «أنا أحبك» ترسخ حدث اللقاء والشروع في البناء. وبموجب ذلك يذهب باديو إلى اعتبار الحب أبديا انطلاق من تثبيت الصدفة/ اللقاء في الديمومة، رغم أن المشكلة تظل قائمة من جهة إدراج هذه الأبدية في الزمن. كما ترتبط فكرة الإخلاص في الحب بالديمومة، من حيث أنها تعني الانتصار الطويل على الصدفة «في ابتكار الديمومة، وفي نشأة العالم».
يؤكد باديو هنا على فكرة أن الحب مسلسل تتجلى من خلاله الحقيقة بين شخصين، رغم أن الحب الحقيقي يهم البشرية جمعاء. إننا نحب الحب، يقول القديس أغوستينوس، لأننا نحب الحقيقة. وهنا نتوقع أن تكشف الفلسفة عن فاعليتها وتكتسب مشروعية التدخل، طالما أن جميع الأفراد يحبون الحقيقة حتى وإن كانوا على غير علم بذلك.
ينتصر باديو إذن للحب الذي تثمره لقاءات الصدفة المحفوفة بالمخاطر والشكوك وغياب المراقبة، ويرفض ما تكرسه الإيديولوجيا الوقائية والأمنية من اعتبار الحب مجرد تنويعة من تنويعات الاستمتاع، أو نشاط ثانوي وأقل أهمية في حياة الفرد. وهو يرى أن النزعة التأمينية لهذه الإيديولوجيا الحديثة تدعو إلى الاستمتاع من دون الارتباط بالآخر، وإلى استهلاكه بكل آمان وبدون مخاطر، بينما تستوجب تجربة الحب العكس تماما: الاستعداد للمخاطرة وخوض المغامرة. وإنه أيضا بمعارضته للرومانطيقيين والشكيين والأخلاقيين والصوفيين في الاتجاه الآخر، يؤكد باديو على أن الحب ليس لا بانصهار ولا بأخلاق ولا مجرد وهم.
الدفاع عن الحب هو إحدى مهام الفلسفة
يذكرنا «مديح» باديو للحب على نحو ما بزمن الوجودية الممجدة، وأسماء فلاسفة اقترنت لدينا في لحظة ما من لحظات الافتتان الفسلفي بالانهمام بقضية الانسان والبحث في مصائره وآفاق الكينونة، أمثال شوبنهاور، كيركغارد وسارتر وغيرهم. فقد تميَز شوبنهاور من جملة تأملاته الفلسفية بأطروحته المناوئة للحب بوصفه بلا معنى ولا قيمة، خاصة وأن المرأة هي الكائن الذي يمتلك انفعال الحب؛ في حين جعل كيركغارد من الحب مرحلة أسمى للتجربة الذاتية، وهي التجربة الوجودية التي تنتقل من المرحلة الإستيطيقية حيث تسود نزعة أنانية اللذة ويقترن الحب بالمتعة، مرورا باللحظة الإتيقية حيث يصبح الحب حقيقة مُجربَة نتحقق من صدقها بوصف الحب التزاما خالدا نحو المطلق؛ ثم أخيرا إمكانية الارتقاء من اللحظة الثانية إلى الدرجة الدينية، وهي الأسمى حين تتكرَسُ القيمة المطلقة للالتزام بالزواج، وهو المحرك للحب الحقيقي نحو قدره الأصلي.
غير أن انشغال الفلسفة بقضية الحب يعود إلى بداياتها البعيدة، إذ لا يكاد يمر عصر من عصور الفلسفة دون أن يخلف لنا أطروحاته في الحب والجمال والمرأة، من خلالها نتلمس تحولات الزمن الوجودي وتجربة الذات الإنسانية، ورهانات التاريخ وتطور الاجتماع البشري. ففي العديد من محطات هذا الانشغال برزت مآزق وانسدادات في أفق معالجة الفلاسفة، سواء منها التي اتجهت نحو اعتبار الحب بمثابة شذوذ طبيعي للرغبة، أو تلك التي رأت فيه تصعيدا مثاليا لتجربة الذات أقرب إلى الممارسة الدينية. فأفلاطون القريب إلى قلب باديو، رغم مثاليته، يعتبر أن تجربة الحب تستدعي بالضرورة الفكرة التي من خواصها الكونية، وبالتالي يكون وازع الحب نفسه كذلك.
ومع جاك لاكان، سيُعرَجُ التحليل النفسي، في شكل مميز للتفلسف ما بعد الوجودي، نحو الكشف عن العلاقات الملتبسة بين الحب والرغبة والمتعة؛ فنجده يؤكد على أن الحب هو محاولة للاقتراب من وجود الآخر، وذلك لخلوه من الفعل الجنسي، وتجاوز الذات لنرجسيتها بتعاليها، بينما يظل الجنس كتجربة مسألة ذاتية متوقفة على نيل المتعة من خلال تأمل الآخر كجسد، وارتباط الذات بذاتها، وتحويل الآخر إلى مجرد وسيلة لاكتشاف واقع المتعة. لاكان كان يقول أنه لا توجد علاقة جنسية، والحب يأتي ليملأ نقص الاتصال الجنسي. وفي هذه النقطة يقر باديو بتطابق نظريته الفلسفية للحب مع النظرية اللاكانية، وأنه يتبنى هذه الأخيرة من دون فحص. فالأطروحة اللاكانية تعتبر الحب بمثابة القناع الذي يحجب استحالة العلاقة الجنسية، وهو ما تلخصه العبارة الشهيرة: «ليس ثمة علاقة جنسية»؛ ومن هنا رأى البعض أن باديو يؤسس في هذا الباب لنظرية لاجنسية في الحب.
في الزمن المعاصر، تنحو الفلسفة إلى جعل الدفاع عن الحب شكلا من أشكال مقاومة التسليع الذي يطاول المشاعر والأجساد، والارتياب من الاختلاف وعبادة الهوية، واختار باديو أن يجعل محاولته الأخيرة مناوشة علنية ضد الإيديولوجيا الوقائية والأمنية التي تروج بوسائلها الفعَالة لنوع من «الحب الأمني» هو أشبه إلى ما تروجه تطلعات دولتية من قبيل أن «يكون لك جيش ممتاز وبوليس ممتاز وتأمين ممتاز وسيكولوجية ملذات شخصية جيدة»، ذات المسحة الإعلانية المخادعة للعقل والعواطف.
وقد تميز تصور باديو لقضية الحب بأصالة وعمق فلسفي يستلهم روح التجربة الإنسانية في العالم، وهو التصور الذي جعله يقتنع بأن أي حديث عن الحب لا يستقيم إلا بتمكُن الفيلسوف من أربعة شروط: أن يكون في الوقت نفسه عالما، ففنانا، ومناضلا ثم عاشقا؛ ومثل هذا التصور يستند بالأساس إلى تعريف دينامي ومتفائل للحب. إذ على خلاف فلاسفة آخرين، يلح باديو على معاودة «الاختيار الأولي» بكل وعي على امتداد المسار، والتصريح من جديد بالحب على نحو ما. وسواء على مستوى الاثنين أو على المستوى الجماعي، فإن الحب يستحق أن نبذل من أجله كل المخاطر بالنضال ضد الردة الهوياتية الراهنة وضد المجتمع الليبرالي الذي يعتبر أن الحب استثمار ينطوي على مخاطرة كبيرة لكي نقدم عليه ونجربه. فصدفة اللقاء نستطيع أن نحولها إلى مصير أو قدر، شرط الإصرار والإخلاص والنفس الطويل؛ إنه الاهتداء بنوع من «أخلاق مؤقتة لزمن مرتبك».
وإذا كان الحب بالنسبة للبعض مخاطرة غير مجدية، فإن باديو بخلاف هؤلاء تماما يدعو إلى «إعادة ابتكار المخاطرة والمغامرة ضد الأمان والرفاهية»، وهو يضع في الحسبان أن الحب مهدد بالذات من جهة المفهوم التأميني الذي يشيع لوهم البحث عن الوجود المثالي بالشبكة العنكبونية والتقليل من مخاطر اختيار هذا الشريك أو ذاك، وتفادي مفاجآت الصدفة غير السارة. والحال أنه في غياب الصدفة واللقاء نفقد شاعرية الحياة بالكامل، والحب لا يمكن أن يكون في غياب تام للمخاطر. فأن نحب معناه أن نخاطر قبل كل شيء : نخطئ ونقاسي وتخيب آمالنا ، وهو ما يمنح بالتحديد المعنى والكثافة للحياة. على أن الحب في نظر باديو غير قابل للاختزال إلى مجرد تصورات ومفاهيم، إنه أغنى وأعمق من ذلك بكثير: إنه بناء للحقيقة، والعالم ممارسا باثنين من خلال الاختلاف لا الهوية؛ يبدأ الحب في اللقاء ليصير ثمَ «اثنين»، وتُبنى الحياة بعده باثنين فيتحقق الحب في المدى الزمني من حيث هو بناء مستديم.
لكن ألا يبدو من التناقض أن يحتفي باديو بالصدفة والمغامرة والمخاطرة ويجعل في الوقت نفسه من الحب «إجراء حقيقة»؟ لا يبدو أن الأمر كذلك كما يوحي به القول لأول وهلة. فأصالة الموقف الفلسفي لباديو تتجلى هنا بالذات: السر الكبير للحب يكمن بالتحديد في تحويل الصدفة إلى اختبار الحقيقة: «حقيقة الإثنين»،»حقيقة الاختلاف كما هو»؛ فإن الحب يجعلنا نخبر ونجرب الكون على نحومختلف مما نفعل لوحدنا، ويجعلنا في حضرة العالم ، «العالم الوحيد حيث تفك شفرة أننا اثنين»؛ أي الاختلاف مقابل الهوية.
إن إعلان الحب هو بمثابة تثبيت للعرضي في الأبدي: أي»هو أن نمر من الحدث-اللقاء إلى بداية بناء الحقيقة(..)، أن تقول: ما كان صدفة، سأشتق منه شيئا آخرا. سأشتق منه ديمومة، إصرارا، التزاما، وإخلاصا»، يقول باديو. والإخلاص هو «النصر الطويل» للديمومة على لحظية وعبورية اللقاء؛ إنه « نزول الأبدية في الزمن». فلا ينبغي أن ننسى أن «كل حب يعلن أبديا»، وبالتالي كل قرار، والأحادي منه بخاصة، لإعلان نهاية حب ما، هو دائما «كارثة عظمى». لقد صار البناء العشقي للديمومة شكلا لمقاومة العالم كما هو؛ العالم الذي يقتضي أن يخضع الناس على نحو رئيسي لما هو فوري، وذلك بكل بساطة لأن الاستهلاك هو استهلاك لما هو فوري. وعندما نقول الفوري فإننا نقول بمعنى أوضح الرأسمالية بوصفها في الواقع نظام قواعد اجتماعي وجماعي للفوري، حتى أن كل ما يشيد الديمومة وما يبني زمنا مقتطعا من ذلك، فهو يشكل خطرا فعليا على هذا النظام في مجموعه. الحب هو هذا بالذات الذي يبني عالما آخر، «عالم الإثنين» الذي لم يسبق له أن وُجد قبل الحب، وزمنا جديدا على طريقته الخاصة على نحو يجعله غير قابل للاختزال إلى أي نوع من أنواع التجارة أو ما شابه، وبالتالي فهو لا ينسجم تماما مع النظام الرأسمالي. إن الحب هو ما يسمح «لاثنين» شيَدا وفكَرا وخبرا فعليا العالم الذي ليس شيئا آخرا غير الذي يشهدان باستمرار على ميلاده، وهو بعيد عن أن يكون ذلك الذي يدركه الوعي الفردي ويراه الفرد في عزلته ووحدته.
ثمَ ثلاثة أزمنة يقطعها الحب: الأول هو زمن اللقاء؛ حيث أن الحب كالفن، هو تلك اللحظة التي يأتي فيها حدث ما ليخرق ويشق الوجود (م.ح/ ص:82)، ويفرض الحقيقة الحميمية للجسد كحجة ملموسة، واعتراف أخير بحقيقة الأرواح. عندما يقول أحد ما للآخر «أنا أحبك»، فإنه بذلك يرسخ ويختم حدث اللقاء، وهذا التصريح جوهري لأنه يلزم صاحبه؛ بخلاف أن يسلم أحد جسده ويتعرى من أجل الآخر وما يرافقه من أفعال وحركات وانفعالات، فإنه لا يعدو أن يكون استعراضا جسديا ودليلا على هجر الحب (م.ح/ ص:43).
الزمن الثاني هو تخطي المستحيل ؛ فالحب يجتاز نقطة الاستحالة، وهو ليس
بالتحديد إمكانية؛ إنما هو بالأحرى تخط لشيء ما يمكن أن يظهر مستحيلا (م.ح/ ص: 72).
الزمن الثالث هو زمن البناء؛ حيث يقترح باديو تصورا للأبدية أقل إعجازا وشاقا أكثر، أي بناء للأبدية الزمنية، وتجربة الاثنين، نقطة نقطة». غير أن القبول بالمعجزة لا يعني ترك الحب بلا توجيه نحو الصيرورة المضنية لحقيقة مبنية نقطة بنقطة؛ فالحب يحتاج إلى عمل وليس فقط إلى معجزة، وهو يتطلب الاحتراس، والاجتماع مع الذات ومع الآخر، التفكير والفعل والتحويل (م.ح/ ص: 83).
ومن وجهة نظر الزمانية، يرتبط الحب كذلك بالأحداث والسياقات التاريخية؛ فالرومانسية العاشقة مثلا ارتبطت بثورات القرن التاسع عشر، فيما ارتبطت السوريالية بالجبهة الشعبية والمقاومة والنضال ضد الفاشية بفرنسا على الخصوص. كما أنه عندما يكون السياق رجيعا ومكتئبا، يقول باديو، تطفو على السطح الموضوعة الهوياتية المتوحشة، ويصبح الحب مهددا، وتنتشر دعاية الحب المؤمن، والتشكيك في افتتانه للاختلاف، وبُعده اللاجتماعي وجانبه المتوحش والعنيف، وبالتالي يتوجب كمهمة عاجلة الدفاع عن الحب فيما يعود له من انتهاك واختلاف مع القانون، ومعارضة العبادة الهوياتية للتكرار بحب ما هو مختلف وفريد من نوعه ولا يتكرر، وما هو غير متوقع وغريب، ما لن نراه مرتين أبدا. فإعادة ابتكار الحب هو في المجمل حركة فنية وجودية وسياسية.
السياسة والحب
ليس هناك ما ينبغي أن يبعث على الاستغراب في مغامرة باديو للخوض في شأن الحب. فبالنسبة لفيسلوف ملتزم مثله يحب الحقيقة، سيكون الحب فعلا نضاليا، إذ أن السياسة هي الأخرى على علاقة وثيقة بالحب والعشق. وبما أن حقل السياسة يقوم على العداء، فإن الحب يبقى بدوره ميدانا من ميادين الحرب، أو على الأقل ذلك ما توحي به الاعلانات التي تروجها بعض المواقع الإلكترونية بشأن الوقاية من انعكاسات الحرب بين العاشقين باقتراح تأمين للعلاقة الغرامية. هذا علاوة إلى أنه يظل ميدانا لحروب خارجية يشنها أعداء مختلفون، بعضهم يصنف ضمن درجة العدو الرئيسي، وآخرون ضمن خانة الأعداء الثانويين. وإذا كانت السياسة حسب باديو هي فن تحديد الأعداء بدقة، فالحب كذلك يفترض هو الآخر أن نحدد له أعداؤه.
هكذا فالعدو الرئيسي للحب يتمثل في «الأنا» الذي يريد الهوية في مقابل الاختلاف، وأن يفرض عالمه ضد عالم مُصفَى ومُشكَل من جديد من منظور الاختلاف؛ ولعل ذلك ما تجسده اليوم على نحو واسع الرؤية التأمينية اليمينية المتنفذة في شتى الممارسات والخطابات التي يعج بها المجتمع الليبرالي العولمي. فلا ننسى أن الرأسماليين المتحررين هم الأعداء الأكثر وضوحا، وهم الذين يعيشون في ظل نظام مزدوج من النزعة الاستمتاعية والتأمين ضد المخاطر، وهما في الحقيقة يحيلان على عدوين للحب: سلامة عقد التأمين ورفاهية الاستمتاع اللامحدود. ومن هنا فإن كل من يخفض الحب إلى الحياة الجنسية يسهم حقيقة في إنماء تلك «الأنانية المسعورة». ففي الجنس، يقول باديو، أنت في نهاية المطاف على علاقة بنفسك بواسطة الآخر؛ وفي الحب، بالمقابل، فإن توسط الآخر هو أمر يعني لذاته.
العدو الكبير الآخر للحب هو الأخلاقي أو رجل الأخلاق، المُخلص من الأوهام أو الذي يستنكر أوهام الحب والفضائل المعروضة، أي أوهام الإنسان كما يتمظهر بنفسه وأوهام العمل السياسي. وبالنسبة لباديو فإن هؤلاء الأخلاقيين ليسوا أكثر من عملاء رجعيين ومحافظين إن لم يكونوا كلبيين أو ببساطة جماعة من التافهين. فهم لا يريدون ابتكار الحياة من جديد لا من خلال الاثنين ولا بصورة جماعية، وينتهون عمليا بالالتحاق من سبل أخرى بالليبرالي المتحرر الذي لا يعتبر الحب بالنسبة له سوى «مخاطرة غير مجدية». ومن هنا فرؤية الأخلاقيين تظل ضيقة الأفق، وما يتحدثون عنه في الواقع ليس سوى الحب-الهوى.
أما الأعداء الثانويون فهم من الكثرة بمكان، ونجد بينهم الكاثوليك الذين حولوا الحب إلى استحالة مؤجلة إلى ما بعد، حيث يقرن الموقف المسيحي عموما الحب بمصدر ترسندنتالي ويدعو البشر إلى تحمَُل المعاناة من أجل الخير والجماعة. وهذا النوع من الحب، في نظر باديو، يظل سلبيا ومسخّرا.
ثم هناك الرومانسيون والسورياليون الذين تبدو نظرتهم للحب محدودة رغم أنها صحيحة، إذ هم يركزون على النشوة ونوستالجيا اللقاء. والحال أن الحب بالنسبة لباديو هو «مغامرة عنيدة : جانب المغامرة ضروري، إنما ليس أقل من المكابرة». واللقاء ـ الذي يدعوه حدثا أو صدفة- هو نقطة انطلاق سيرورة من خلالها يمكن للحب أن يتشكل من خلال وجهتي نظر، وهو ما يفتح «إمكانية المستحيل» بتعبيره.
وكمثل أي فيلسوف مهموم بمصير العالم وشقاء الإنسانية، انغمس باديو في شؤون السياسة مبكرا ومارسها كمناضل يساري من موقع معلن،لا كمهنة وإنما كموقف والتزام إلى جانب المغلوبين، بوصفه مثقفا يعي جيدا وظيفته كمنتج أفكار وتصورات في مجتمع رأسمالي يسحق ويشوه ويستلب. ولذلك من العادي جدا أن لا يكون الخوض في شأن الحب ببعيد عن مشاغل السياسة، كيف لا والحب مرآة للعلاقات الانسانية تنعكس فيها الاختلافات بين المواقف الجنسية، بل وهو إنتاج للاختلاف الجنسي نفسه، وللموقفين الذكوري والأنثوي، وهو ما لا يبتعد عن الموقف السياسي. فللحب سياسته، وللسياسة ارتباطاتها الخاصة بالحب والمواقف الجنسية. فالحب في مجتمع تسود فيه المفاهيم التقليدية للنسوانية ليس هو نفسه في مجتمع متحرر من هذه المفاهيم، ولا هو كذلك حيث يسود التصور التجاري للحب الذي يجعل من هذا الأخير ممارسة تقع تحت طائل أحكام العقل البوليسي.
إن وضعية المرأة في المجتمع الحديث تترجم تحولات الحب وتطورات الموقف الجنسي الذي أحرز تقدما كبيرا على مستوى التحرر من سلطة الذكورة ومفاهيم الاتصال الجنسي الكلاسيكية، فيما ترقد وضعية المرأة في المجتمعات التقليدية في ظل مفاهيم للحب والجنس موروثة من العصور القديمة، حيث العلاقات الجنسية والعشقية تخضع لترتيبات سلطة التقاليد والأحكام المشتقة من تأويلات الأديان وتشريعات مفتشي الضمير الديني.
وليست العلاقة بين السياسة والحب متصورة هنا كعلاقة مباشرة، إذ ثم تحويل لحالة الحب في السياسة. ففي الحب يروج العنف والسلام والرومانسية والشجار، كأنه مسرح للعالم يؤدي فيه الأدوار اثنان. يقول باديو إنه «في الحب لا بد من تحمَُل الاختلاف وجعله مبدعا، وفي السياسة لا بد من إبداع المساواة». فالاختلاف يُخصب الحب ويمنحه شرعيته، فيما التناقض في السياسة يحتاج إلى حل، ويحتاج الاختلاف إلى تسوية ما، ومن ثم نفهم معنى أن المساواة هي المطلوبة في السياسة؛ إذ هي قاعدة حل التناقضات وإنهاء الاختلافات المدمرة.
هل ثمة سياسة خاصة بالحب؟ يؤكد باديو أنه في الحب يوجد اختلاف مطلق بين فردين، والذي هو بمعنى ما واحد من أعظم الاختلافات التي يمكنها أن تتمظهر، لأنه اختلاف لانهائي، وباستطاعة تصريح وإخلاص أن يقلبه إلى وجود خلاَق. والحال أن لا شيء من هذا القبيل يمكنه أن يوجد في السياسة، فيما يتعلق بالتناقضات الجوهرية، ما يعني أنه يوجد في الواقع أعداء محددين (م.ح/ص: 64). ومثلما أن تعريف العدو ينبغي أن يكون مراقبا، محدودا ومقلصا إلى الحد الأدنى؛ كذلك الحب كمغامرة متفردة لحقيقة الاختلاف، يتوجب أن يكون مفصولا بدقة عن السياسة (م.ح/ ص:75).
وحيث ان الحب يفيد أن الأفراد يستطيعون على مستوى الاثنين تحمَُل الاختلاف وجعله خلاَقا، بما أن الغاية هنا ليست هي إعادة إنتاج النوع، وإنما تجريب العالم من وجهة نظر الاختلاف، فإن السياسة ليست غايتها أيضا السلطة، وإنما أن تقول ما هي قادرة عليه الجماعة من المساواة وإدماج ما هو مختلف، والتفكير في أنه يوجد عالم واحد؛ أو بتعبير آخر ما يستطيعه الأفراد جماعة. وكما توجد العائلة في أفق الحب وهي التي تقوم بجعل الابتكار المتوحش للحب اجتماعيا من خلال الملكية والأنانية، كذلك توجد الدولة في أفق السياسة التي تخيب الآمال وتقمع الحماس الثوري. ولكي لا تحبط العائلة الحب يتوجب عليها الحفاظ على عناصر إعلان الحب في الابداع الجنسي، والعمل والسفريات والتربية وغيرها من الترتيبات والإجراءات، كما على الدولة لكي لا تخيب الأمل السياسي أن تحافظ في الداخل، ومن وجهة نظر سياسية منفتحة، متساوية وثورية، على القوانين والحدود أو الشرطة. على أن ثم فرق بين الحب والسياسة؛ فهذه الأخيرة تحدد الأعداء بدقة إلى هذا الحد أو ذاك، حيث إن لقاء الأعداء لا يفسح المجال لإعلان الحب، بينما في الحب لا يتعلق الأمر سوى بالمآسي، حيث منظور الهوية يدخل في نزاع مع منظور الاختلاف. إنما السياسة تقترب من الحب مع ذلك عندما نتحدث عن الشيوعية كقدرة على إدماج كل اختلاف خارج سياسي في الجماعة، مثل اللغة والأصل والثقافة وغيرها، أو عندما نتحدث عن الأخوة الأممية بوصفها حضورا متعاونا حميميا يدمج الاختلافات الكبيرة جدا ويراقب التأثير القوي للهوية، كما في حال الأممية. وحيث أن الحب، كإجراء حقيقة، يوجد بعيدا عن المصالح الفورية للفردين الملتزمين، فإن الشيوعية بوصفها فكرة عالم لا يمنح نفسه لاشتهاء الملكية الخاصة، أي عالم الجمعية الحرة والمساواة، تحمل للحب المبتكر من جديد الشروط المثلى للإمكانية أكثر مما يفعل الغضب الرأسمالي، إذا ما أخذنا بعين الاعتبار أن الحب عند باديو هو تخط للاستحالة كذلك. إن الحب هو الشيوعية في حدها الأدنى، بذلك المعنى الذي يُعنى فيه الحب بمصير «الاثنين» أو الزوج، لا بإشباع وتلبية رغبات الأفراد الذين يألفونه.
في السياسة أيضا ثمَ أحداث وإعلانات وإخلاص. فهي إجراء حقيقة ينصب على الجماعة، فيما يتولى العمل السياسي كشف حقيقة ما تستطيع هذه الجماعة أن تقوم به وهي موحدة ومنظمة، وتفكر فيه وتقرره باعتبارها قادرة على إبداع المساواة. وفي حين أن الأمر في الحب يتعلق بمعرفة ما إذا كان الأفراد على مستوى اثنين قادرين على تحمَُل الاختلاف وجعله خلاَقا، فإنه في السياسة يتعلق الأمر بمعرفة ما إذا كانوا قادرين جماعة على خلق المساواة.
وكذلك توجد نفس العلاقة الصعبة بين السياسية كفكر- ممارسة جماعية ومسألة السلطة، والدولة باعتبارها تدبيرا وتطبيعا، وبين الحب كابتكار متوحش للاثنين والعائلة بوصفها خلية قاعدية للملكية والأنانية.
في السياسة يمثل وجود العدو جزءا من ماهيتها، بحيث ان كل حقيقة سياسية تحدد عدوها الحقيقي؛ وبالتالي فالصراع ضد العدو يعد خاصية تأسيسية للعمل السياسي. بينما في الحب لا يوجد عدو بالمعنى المألوف للكلمة، إذ نواجه في الواقع متاعب وعراقيل ومآس محايثة لا أكثر؛ إلا أن الحب أيضا كغيره من إجرءات الحقيقة ليس بمسالم مثله مثل السياسة الثورية. فإن للحب نظامه الخاص من التناقضات وأشكال العنف. وإذا كنا في الحب لا نواجه سؤال الأعداء كما في السياسة، فلأنه هناك مسألة المآسي الداخلية المحايثة التي تضع الهوية في مواجهة مع الاختلاف. فالمأساة الغرامية هي تجربة الصراع بين الهوية والاختلاف، يقول باديو.
والحال أنه لا ينبغي في السياسة، حيث يوجد الأعداء، أن ندرج الحب والكراهية؛ إذ أن كل عمل من هذا القبيل هو في غاية الخطورة دائما. فعلى التنظيم السياسي أن يراقب ويمحو كل أثر للكراهية، وبالتالي إعطاء العدو السياسي التعريف الأكثر دقة والأكثر تقييدا ما أمكن. فالمشكل السياسي يكمن هنا بالذات في مراقبة الكراهية وليس الحب؛ فالكراهية هي ما يثير مسألة العدو. والشيء الجدير بالتفكير هنا هو أن الاختلاف السياسي الصرف مع العدو غير قابل للتسوية وبالتالي لا نظير له في الإجراء الغرامي. وإذا لا ينبغي للحب أن يتورط ويتدخل في العاطفة السياسية.
الحب والرغبة والجنس: اقتصاد العاطفة
ترتبط علاقة الحب في حد ذاتها من وجهة نظر التحليل النفسي «بالرغبة المعبر عنها في شكل من التوتر الواعد بالاشباع»(3)، كما يتمظهر ذلك في الحياة العاطفية للانسان في مرحلة الطفولة في العلاقة مع الأم. غير أن الحب لا يرتبط باشباع فوري للرغبات، ذلك أن اشباع الرغبة في الواقع يقطع النداء، والبحث عن الآخر، وإبداع الوسائل الكفيلة بالايحاء له بذلك»(ل.ر/ ص:292)؛ ذلك أنه «بمجرد ما تمتلأ الرغبة يتوقف النداء، وعندها لا يعود ثمَ توتر ولا رغبة ولا حب» (ل.ر/ ص: 293). باديو بدوره يرى أنه إذا «كانت الرغبة طاقة فورية فإن الحبّ يتطلب عناية أكثر في غير مرة»؛ فالحب يوجد في الجزء المتسامي للرغبة، وهو يشكل واحدا من أعراضها، إنما الرغبة في ذاتها تظل «علاقة متخيلة للذات بموضوعها» (ل.ر/ص: 334). والحال أن كل رغبة تشبع عند الحاجة الضرورية يتم التخلي عنها بمجرد إشباع جسدي فوري، ومن ثم لا يمكن أن تكون «رغبة «شاعرية» لا في ذاتها ولا في توترها ولا في الاستمتاع بها»(ل.ر/ ص: 294). يمكنها أن تكون كذلك فقط «إذا ما أفسحت المجال للابتكار الخلاق لتوسطات متنوعة ومتمايزة، وتعديلات الرغبة لأجل مبادلتها بلذة الغير، المطلوبة والمعطاة، والتي هي تسام للرغبة في الحب…»(ل.ر/ص: 294).
ومن جهته، فإن الحب «يغلف الرغبة في لقاء ما للذات والموضوع في الحقول الثلاثة للرمزي، الخيالي والواقعي في نفس الوقت»(ل.ر/ ص: 332).
تعود الرغبة حسب باديو الى نظام الطبيعة، في حين أن الحب يعود الى نظام الاحداث؛ وهو إذ يأتي بالمصادفة، فلكي يسد النقص، نقص الاتصال الجنسي. في الحب «تعاني الذات من عدم- حضور الشيء، والأشياء الوسيطة لا تكفي». فإذا كان الحب «يكثف الرغبة في اللقاءات الجسدية مع الشيء المعلوم وفي الاعتراف وإعادة الاكتشاف، من أجل لذة اشباع الرغبات الجزئية ورغبات اللغة..»(ل.ر/ ص:332)؛ فإنه ليس مجرد كائنين يرغب أحدهما في الآخر، بل هو حدث يؤلف موقفا وجوديا، ويجعل وجود الفرد كاملا.
(البقية بموقع المجلة على الانترنت)

وعلى خلاف من يقول أن الجنس حقيقة الحب، يرى باديو أن الحب ينتج الجنس، وهو يشكل حقيقته.
لقد استبدلت الإيديولوجيا الحديثة الرغبة بالجنس، فيما نزعتها «التأمينية» تدعو إلى الاستمتاع بجسد الآخر من دون الارتباط به، ولا المخاطرة في استهلاكه؛ إذ أن التصور التجاري يجعل من الحب اختبارا يجري بموجب عقد تأمين يضمن للعاشق نجاحا مؤكدا ويؤمن له خروجا سالما من معركة محفوفة بالمخاطر. ولكي يطمئن العاشق على مستقبل حبه فإن عليه أن يدقق اختياره للشريك من خلال المعلومات المضمنة بملف ترشيحه: كالصورة، والاهتمامات الخاصة، وتاريخ الميلاد والبرج وغيرها؛ ومثل هذا التصور الذي ترعاه الإعلانات على الشبكة العنكبوتية ينطوي على تهديد بوليسي للحب، وهو لا يختلف عن تصورات أو ممارسات أخرى تربط وجود الحب باتفاقات مسبقة وترتيبات تنهل من منابع خارجية كالعشيرة والقبيلة والدين والإيديولوجية والثروة..إلخ.
في المحاولة الفلسفية الفريدة الأخيرة (مديح الحب)،عمد باديو إلى نوع من التعرية لاقتصاد العاطفة أو الشغف الذي يعمل على تحضير وتسويق جنس منظم للاستهلاك الهادىء والآمن، وترتيب العلاقات الجنسية وفق قواعد العقل الأمني الوقائي. غير أن هذه المحاولة جاءت تتوج في الحقيقة تطور انشغال فلسفي يعود إلى سنوات خلت، وليست مجرد استجابة لطلب ملح في الحاضر لتسليط الضوء على الانحرافات التي طالت تجربة الحب في الزمن المعاصر. ويمكننا هنا استرجاع بعضا من محطاته في محاولتين سابقتين: «شروط»، و«الفلسفة والحدث»، وهما في الواقع تُفصَلان فيما قعَد له في عمله العمدة «الوجود والحدث».
يتحدد الحب في «شروط»(4) انطلاقا من موقفين: موقف الرجل وموقف المرأة، وهما يعيشان كل شيء بصورة مختلفة جذريا؛ وبالنتيجة يستحيل في الحقيقة معرفة ذلك على هذا النحو، وأنه ثم انفصال بين الموقفين «ر» و»إ»، وهي استحالة منطقية. ولإدراك «الاثنين» ينبغي وجود موقف ثالث يلحظ الاختلافات، وهوغير موجود في النسق الفلسفي لباديو. ما يوجد هو فقط سيرورة تكشف حقيقة الاختلاف، حيث يواجه فردان مسارهما في العالم بهذه الفرضية التي تتطلب دائما الاختبار والتحقق من أنه يوجد «اثنان»؛ وذلك هو الحب كأحد إجراءات الحقيقة.
لكن ما المكانة التي يحتلها الجسد في التجربة العشقية بحسب نظرية باديو في الاختلاف الجنسي؟ يتبنى فيلسوفنا تعريف سانت-إكسبيري الذي يقول أن «الحب ليس أن ينظر الواحد إلى الآخر، الحب هو أن ننظر جميعا في نفس الإتجاه»؛ وهذا الاتجاه الذي ننظر إليه هو العالم. ومن ثم ليس للتجربة الإيروتيكية مكانة خاصة في توالي تجارب الحب حيث يتجلى الإخلاص للقاء العشقي الذي يفتتح سيرورة حقيقة الاثنين.إلا أن باديو في بعض الفقرات من «الفلسفة والحدث»(5) يعتبر أن تجربة الجسد في الحياة الجنسية على العكس من ذلك مهمة بالنسبة للحب؛ فهي التي تشهد في الواقع على انفصال في أعلى نقطة، بواسطة الحميمية القصوى التي ينطوي عليها الاتصال الجسدي في حالة التعري(ف.ح/ ص:59). يقول باديو: «على الحب قطعا أن يجند الرغبة. وهذا يعني أن الحب ليس هو الصداقة، ولا هو بالتعاطف. فالجسد نفسه يجب أن يشكل دليلا للحب». غير أن الرغبة نفسها بالمقابل ليست أبدا موصولة مباشرة بالحب؛ إذ ثم قوانين خاصة ليست على نحو فوري بقوانين الحب. فالرغبة تربك الحب، وهي في الواقع ليست إلا رغبة شيء في شيء آخر وليست رغبة في الآخر، بينما الحب هو حب وجود الآخر ( شروط، ص: 256).
والحب إن كان يندرج ضمن موكب الرغبة، فهو ليس له موضوع الرغبة كعلة، وليس بوسع الرغبة أن تؤسس فكر الاثنين.
كان جاك لاكان يعتبر إن الحب هو أول الوجود، فيما موضوع الرغبة يظل جزئيا؛ بينما عند باديو يتعلق الأمر في الحب بكلية الآخر. إنه التكفل بدكان شرقي (بازار) من الغيريات الهائلة. ورغم أننا نسعى إلى ضبطها في بناء عالم مشترك، إلا أننا في الحب نتكفل باللانهائية حيث نكتشف تدريجيا مختلف أقسامها التي هي إحدى المشكلات، إنما أيضا واحدة من بهجات البناء العشقي. الرغبة تحايثها النهائية التي ترجع إلى أن عليتها هي دوما شيء؛ إنما ذلك لا يعني أن الحب لا ينبغي أن يمر عبر الرغبة. فلا مجال هنا للحب الأفلاطوني أو المتسامي اللادنيوي. على الحب أن يمر في إجرائيته التكوينية بشيء ما من طراز آخر غير ذاته. وعليه فإن «الحب وحده يبرز الجنسي بوصفه صورة للاثنين، وإنه بالتالي أيضا المكان حيث يتم إعلان أنه ثمَ جسدين شبقيين، وليس واحدا» ( شروط، ص:265)
إن كل إماطة لثام جنسي للأجساد التي ليست بغرامية هي استمنائية بالمعنى المباشر؛ فبلا حب لا توجد سوى لذة استمنائية.
في «الفلسفة والحدث» يتحدث باديو عن تعريف للمذكر والمؤنث من داخل الاجراء العشقي نفسه، حيث الحب يخلق الأجناس التي تكشف عنه. ومع أنه يوجد تمايز جنسي بيولوجي، إلا أن الاهتمام بمسألة الحقيقة يبين لنا أنه من داخل الحب يتشكل موقف الرجل وموقف المرأة، وهما عامان وليس لهما علاقة بالجنس الأمبريقي للأشخاص الملتزمين في العلاقة الغرامية. فقط يتعلق الأمر من كلمات الرجل والمرأة بمواقف داخلية للإجراء العشقي. ولا يمكن للرغبة أن تؤسس حقيقة الاثنين عندما تكون أسيرة لحجة وجود-الواحد التي يفرضها عليها الشيء.
فالرغبة مُثُلية، والحب يكون مبدئيا بين جنسين مختلفين. فجدلية الحب والرغبة يمكن أن تقال على نحو تمرير المختلف جنسيا المنتمي للحب إلى مُثلية الرغبة. المرأة والرجل يمفصلان على نحو مختلف الإجراءات الأربعة للحقيقة: الحب، العلم، الفن والسياسة. فالمرأة هي من يمنح الحب دور الربط بين إجراء الحب والثلاثة الأخرى. وبالنسبة لموقفها فإنه وحده هذا الربط يجعل من كائن ما إنسانا. فالمرأة كونية بما تملكه حول الانسانية من تصور للكل، والرجل هو من يفك الإجراءات الأربعة، حيث كل واحدة كافية لتخلق إنسانا؛ فهو يجمعها ويفصلها ويمر من الواحدة إلى الأخرى. وهنا يكاد باديو يسقط فيما يقوم عليه الحس المشترك من تصور للاختلاف بين الرجل والمرأة في مسألة الحب والجنس، حسب بعض النقاد.
فهل معنى ذلك أن فلسفة باديو في الحب تنزلق إلى النزعة الذكورية؟
هذا السؤال مشروع جدا انطلاقا مما أورده باديو بخصوص الاختلاف الجنسي في كتاب «شروط»، حيث ثمَ موقفان «الرجل والمرأة» يختلفان بشأن قضية أنطولوجية، وهما الواحد والمتعدد، ما يعني أن هناك فلسفتين. فموقف الرجل يعلن أن لا وجود ل»واحد»، وهو ما رأى فيه البعض تطابقا تاما مع أنطولوجيا باديو حيث الوجود «تعدد محض»، وحيث لا وجود لكلية ما دام لا يوجد مجموع لجميع المجموعات. بينما يميز باديو موقف المرأة في العبارة التالية: «كنا اثنين وغير ذلك لم نكن»، وهو ما قرأه البعض في اتجاه يوحي بأن الاثنين اللذين كاناه الشريكين شكَلا وجودا واحدا من خلاله كانا واحدا.
دياليكتيك الحب
«للحب نظام تناقضاته الخاص وعنفه الخاص»، يقول باديو. فهو بقدر ما يوائم بين حدين، يعمل على التقليل من سوء التفاهم. في حين أن الحب الأفلاطوني، وهو المفهوم الذي يرفع الحب إلى درجة المثال، يتسامى على المغامرة الجنسية ويدفع بسوء التفاهم بعيدا في الامتداد اللانهائي في العالم، بما يمكن اعتباره تصعيدا صافيا للعلاقة بين كائنين غير مرتبطين جنسيا. إنما الحب الباديوي تركيب لوظيفة ثنائية لا يمكن معه تجنَُب عدم الارتباط الجنسي؛ فهو تركيب للاثنين من الخارج فقط وليس من الداخل، وحركة بديلة لامتداد الاثنين خارجيا. والعلاقة في الحب بين حركتي الامتداد والتركيب معقدة وتناقضية بين النشاط الجماعي والحميمية، وهي بمثابة قاعدة أساس في دياليكتيك الحب. فليس ثمة استقامة دائمة في الحب، ولا طريق مستقيم؛ والحب إذ يؤسس للاختلاف بين العاشقين بوصفهما اثنين مهما يكونان مرغوبين ومستقلين، فإن العلاقة بينهما تظل مشوبة بسوء الفهم أو صعوبته. ففي المسافة المفتوحة بين الاثنين، يكون الأنت شيئا غير محدد وجد نقصا في الارتباط الجنسي، والأنا آخر رأى إمكانية التواصل مع احترام اللاَرتباط الجنسي. فقط ينبه باديو هنا إلى أن الأنانية هي عدوّ الحب وليست بغريمه. فإذا كان الإنسان الغربي، مثلا، لا يتخلى عن الأنانية ولا عن الحماسة، فلأن ممارسته العشقية تسير من واحد إلى آخر، من الواحد إلى الاثنين، وتتأرجح بين الحرج وقلة الاحتشام؛ وهذا التناقض هو ما يحاول باديو فك طلاسمه. يظل الغريم مطلقا عنصرا خارجيا لا يدخل ضمن تعريف الحب، ومن ثم لا مجال لتصور الغيرة كعنصر مكون للحب، وبالتالي جعل إعلان الحب وبدايته متوقفة على تحديد غريم خارجي؛ فليس العدو الأساسي الذي على العاشق أن يتغلب عليه سوى الأنا الذي يريد الهوية مقابل أو ضد الاختلاف، وليس الآخر.
ومن هنا يرى باديو أن «الأدنى في الحب ثقتنا في الاختلاف بدلا عن الارتياب منه». فنحن « نستطيع على وجه التقريب تعريف الحبّ على أنه صراع ناجح ضد الفراق»، يؤكد باديو. والحقيقة أننا عندما نحب فإن الأزلية تفرض نفسها علينا في لحظة ما، بينما تكمن السعادة العاطفية في «قدرة الزمان على استقبال الأزلية»؛ إذ هي دليله.
يقوم دياليكتيك الحب على الفصل أو الانفصال والاختلاف بين ذاتيتين لانهائيتين، ووضعيتين للتمثيل مختلفتين، أي الاثنين. ولما يدخل هذا «الاثنين» إلى المشهد ويجرب العالم على نحو جديد فإنه لا يمكن إلا أن يأخذ الشكل الصدفوي أو الطارئ للقاء، وبذلك يكون حدثا من جهة وضعه الميتافيزيقي، أي أنه لا يندرج ضمن القانون الفوري للأشياء. فلقاء اختلافين وثنائيتين قويتين وانفصالين جذريين هو شيء طارئ ومفاجئ، من خلاله يتشكل الحب كبناء مستديم للحياة، ليس بوصفه علاقة مغلقة بين فردين، وإنما كسيرورة تجريب للعالم؛ وهو البناء الذي لا يقتصر على خلق الفضاء العائلي. وعندما يقول باديو بناء الحب في الديمومة فلا يقصد من الزاوية الديالكتيكية أن الحب يدوم إلى الأبد ودائما، وإنما لأن الحب يبتكر شكلا مختلفا لكي يدوم في الحياة، بوصفه رغبة في مدة غير معروفة، وإعادة ابتكار الحياة، حتى أن إعادة ابتكار الحب هي بالأحرى إعادة ابتكار هذا المبتكر من جديد. وتشكل المرحلة الأخلاقية لحظة مهمة في السيرورة الديالكتيكية للحب، حيث الحب يختبر جديته الخاصة تحت شكل من الالتزام الأبدي المواجه للمطلق. ومن هذه الزاوية فإن الحب الذي يقبل بالاختبار والديمومة وتجربة العالم من وجهة نظر الاختلاف ينتج في النهاية حقيقة جديدة حول الاختلاف تهم البشرية جمعاء. ورغم أن الحب يتولد من الصدفة التي بمثابة نقطة ارتكاز لبناء الحقيقة، فإنه لا بد أن تأتي اللحظة التي يتوجب أن يتحدد فيها الحب كبداية لديمومة؛ تلك البداية التي تجعل ما يبدو أنه حدث تافه، إنما جذري في الحياة الدقيقة (الميكروسكوبية)، حاملا لدلالة كونية في عناده وديمومته. فإحدى اللحظات الحاسمة في السيرورة الجدلية للحب هي المرور عند إعلان الحب من حدث اللقاء إلى بداية بناء الحقيقة، إذ أن ما يبدأ يدوم طويلا ويحمل تجارب وكل جديد العالم، فيما يظهر أنه ضرورة أكثر منه شيئا طارئا أو مجرد صدفة. ومن ثم يكون إعلان الحب هو العبور أو المرور من الصدفة إلى المصير؛ وهذا العبور هو أيضا اجتياز وتخط للمستحيل. والحال أن الحب ليس مجرد إمكانية من ضمن إمكانيات أخرى، بل هو ما يجتاز دائما منطقة المستحيل أو نقطة الاستحالة؛ أي ما يبدو أنه مستحيل وشيء موجود بلا علة كينونية وليس معطى كإمكانية. وكل اجتياز للاستحالة هو بالتالي عبور للحب.

———————————-

*كاتب ناقد وباحث/ المغرب

هوامش:
1- Dany-Robert Dufour, L’art de réduire les têtes , Editions Denoel, Paris, 2003.
2-Alain Badiou et Nicolas Truong : Eloge de l’amour , Ed.Flammarion, Paris, 2009.
سنشير له عند الضرورة في النص بالرمز «م.ح».
3-François Dolto, Au jeu du désir, Essais cliniques , Ed.du Seuil, Paris, 1981ونشير له أيضا برمز «ل.ر» .
4 -Alain Badiou : Conditions, Ed. Seuil, Paris, 1992. نشير له ب« شروط».
5-Alain Badiou, La philosophie et l’événement, entretiens avec Fabien Tarby, éd. Germina, 2010
نشير له ب«ف.ح».

1

————–

عبد المجيد السخيري

شاهد أيضاً

ارتحالَات النَصّ من بارمينيدس إلى افلاطون ومنه إلى هيدغر

مصطفى الكيلاني* 1 – بَدْءًا: إمْكَان مُغَالَبَة دُوغما القِرَاءَة وَالفَهْم بِالمُقَارَبَة التَنَاصِّيَّة القَوْل بِواحديّة النصّ …