أخبار عاجلة

الفنون التقليدية في محافظة ظفار

تمثل الفنون التقليدية احد منطلقات الربط الحضاري والمدني لمجتمع ما، مهما كانت بنيته الاجتماعية وسمته الثقافية والاقتصادية وتفاعله عبر عصور التاريخ .

فالفنون التقليدية -كما أطلق عليها في العصر الحديث – تمثل الاصالة الوجدانية في التعبير الثقافي والاجتماعي الفطري، الموحى به من أعماق الاحساس الشعبي الوطني والروحي بسجية انسانية تعبيرية خاصة ترفدها وتحفزها للنماء دوما عوامل الحياة ومؤثراتها المختلفة .

والفنون الأصيلة في مجتمع ما ليست منقطعة الصلات والجذور بغيرها ،إن في النمط الفني والتعبير الأدبي ، وإن في النغمة الموسيقية والحركة الأدائية التطبيقية اذا جاز لنا القول :

فالفن الأصيل كذلك أيا كان نوعه ، تحمله سمات التأثير والتأثر، ولا تتخلد أصالة الفن اذا كانت وحيدة ، أي منقطعة الصلات .

 لان الفن نتاج المجتمع والمجتمع امتداد لغيره. فالماضي "الانساني متواجد دائما في حاضر الانسان ، فالتقاليد والعادات والقوانين والعلاقات الاقتصادية والاجتماعية والفنون والملابس والأذواق والمأكل والمشرب واللهجات وخصائص الفكر الانساني نفسه ليست وليدة الحاضر، ولكنها حصيلة تجارب وخبرات تمثل تراثا، يمكن تتبع أصوله في الماضي القريب أو البعيد ومن خلال هذا التراث تتشكل شخصية الجماعة الانسانية وتتحدد درجة وعيها الحضاري".

أما انقطاع الجذور وانتفاء الصلات بالنسبة للفن . بل وللثقافة عموما، فأقل ما يعنيه هذا، هو : انتفاء الأصالة وسيادة التسطير وافتقار الفن ، وتقليب الترقيع من هنا ومن هناك حتى يصبح الفن مشوها بلا هوية أو مضمون لا يسر شكلا أو مضمونا ولا نعني بتأكيدنا على شرعية الصلات والتأثير والتأثر في المجال الفني أو غيره ، لا نعني التبعية وفقدان الهوية والتميز الفني والثقافي . وانما التعويل مناط بملكة الابداع عبر نسيج الكلمات والنغمة الموسيقية . فالذي يوحي به التأثير والتأثر من خارج المحيط البيئي المحلي قد يفجر ينابيع بل وأنهارا متدفقة من الفنون الحية في البيئة الداخلية بطريقة المحاكاة ثم الابداع .

ومن هنا يتأسس الفن ويكتسب ملامحه المحلية وتتحدد خصوصيته على مر الأيام والليالي ، فتبرز شخصيته للعيان بهوية فنية وطنية راسخة لا تزيلها العوارض .

ولعله من هذا المسار، يجوز لنا التحدث عن الفنون التقليدية في محافظة ظفار. فبحكم الموقع الجغرافي ، فان ظفار مفتوحة الأبواب والنوافذ لمختلف النفحات عبر تاريخها فمن فسمات افريقيا المنعشة وتيارات الهند الموسمية وصحراء الربع الخالي الى عبق بخور المساجد الحضرمية وما يصاحب ذلك من وجد روحي في حلقات الذكر، يحلق بمشاعر النفس الانسانية في علياء رسوخها الايماني، بل ونشوة الطرب الخالد التي يفيض بها المجتمع اليمني عموما على شبا الجزيرة العربية عبر تحولاته الايجابية والسلبية في أزمنته المختلفة .

وما يرفد هذا كله من تراث تاريخي زاخر، قائم على أجناس حضارية عميقة متوالية ومتعاقبة مازال طابعها متمثلا بجوانب شتى من حياة مجتمع ظفار الى يومنا هذا وخصوصا التراث الحميري.

إن كل هذا يتداخل اليوم ويتفاعل في جوانب شتى من الفنون التقليدية في ظفار.

فنون القول في مجتمع ظفار :

ومثل ما هو في أي مجتمع وفي أية بيئة توجد أفانين وأشكال من فن القول في مجتمع ظفار، يتنوع ويتفاوت من حيث الشكل والمضمون ويمكن تقسيمه الى لونين هما:

لون قول يؤدى بالعربية (المضرية ) واسمحوا لي بهذا التعبير 

– وهو اللون السائد في بيئة الحضر الساحلية ويتركز أكثر في مدينة ملالة ثم طاقة ومرباط .

وهذا اللون يمثل الرسالة الفنية للمجتمع خارج المحافظة . عن طريق الأغنية والقصيدة المغناة واللحن الموسيقي المحلي ، وهذا هو اللون الأول شأنه شأن الفن القولي الطارب في أي مجتمع أو بيئة له أصوله وقواعده وخلفيته الثقافية  والحضارية .

أما اللون الآخر، فهو ما يؤدى باللسان العربي الجنوبي أي (الحميري). إذ يبدع ويؤدى بلهجات المحافظة الحميرية وهي لهجات تنتشر أكثر في جبال ظفار، وبواديها ففي مجتمع الريف والبادية ألوان من فنون القول كما هو الأمر في منطقة الساحل .

فاذا كنا نجد اليوم في مدن المحافظة ألوانا من الفنون الغنائية ذات الصلة بحياة البحر والتعامل معه وأخرى تتعلق بمواسم الزراعة وغيرها، فكذلك نجد في الجبل والبادية العديد من الفنون الغنائية ترتبط برعي الماشية أو انهالها مورد الماء والاصدار منه وغير ذلك .

فكما يوجد تنوع وتميز في أغاني الصيادين وأرباب البحر عن الذين يعملون في الزراعة من حيث معنى الكلمة واللحن وغير هذا، فكذلك يتميز حداء راعي الابل عن (تركيز) (1) راعي البقر والأغنام في الجبل أو في البادية . فالانسان ابن بيئته فيها يتشكل ويبدع وفقا لنمط حياته ويتميز تقليدا وعادة بل وفنا أيضا وفقا لنمط حياته واذا ما تعمقنا في فنون الحضر والريف والبادية في محافظة ظفار، نجد تنوعا في التعبير الوجداني واختلافا في التصوير والطرح . ففي البيئة الحضرية نجد أجناسا من القوالب الغنائية قد ترسخت في الحياة الشعبية واكتسبت خصوصيتها عبر حياة المجتمع لدرجة الشهرة والعلمية الفنية على المستوى المحلي والوطني حيث حظيت هذه القوالب لدى الآخرين بقبول حسن ، وأصبح لها موقعها في الخارطة الفنية على مستوى الأداء الغنائي والموسيقي.

أما الفن القولي الحميري فمن الطبيعي الا يجد مساحة من القبول والتبني خارج حدود المحافظة نظرا لصعوبة فهم اللغة باستثناء المتخصصين والدارسين الذين يجدون في هذا الفن أصالة تاريخية وعمقا ترائيا يدل على العراقة والتنوع الحضاري لهذه المنطقة الذي يؤكد أصالة أهلها وتنوع روابطهم الثقافية والاجتماعية .

والآن نعرض ( عناوين ) لهذه الفنون التقليدية دون أن يمثل ما سوف نتحدث عنه حصرا شاملا إذ لن نعرض الا أمثلة لكر لون من ألوان الفن القولي (المضري) و(الحميري) في محافظة ظفار وهما وجهان لعملة واحدة هي : التراث اللغوي العربي. فللعوب ثقافات وألسن قبل يوحد لسانهم القران الكريم .

فنون القول في حواضر مدن ظفار :

توجد أجناس فنية تولية في مدن محافظة ظفار، تتوزع أيضا الى نوعين هما:

فن قولي يطرب السامع ويعبر عما تجيش به النفوس من حزن وفرح وما يتخلل حركة المجتمع اليومية ويتمثل هذا في الأشكال الغنائية المصحوبة بالايقاع الموسيقي. وفن قولي حماسي إذا جاز لنا القول ، يتمثل في فن (الهبوت والزامل ) وما يماثلهما من فنون المواجهات الرجالية .

ففي مجال الفن الغنائي يوجد في المحافظة مجموعة من المسميات تتمثل في قوالب غنائية معروفة وقائمة بذاتها مثل (الربوية والزنوج والشرح والميدان والمدار والبرعة وطبل النساء أو الطبل العربي) كما يعبر عنه لدى البعض .

والفن الغنائي المتميز في مرباط وكذلك (الشبواني) وغيرهما. فهذه أجناس غنائية شعبية ومحلية ذات شخصية فنية اعتبارية قائمة اليوم بذاتها وهي فنون احتفالية تعتمد على الأداء الجماعي، مصحوبة بالرقص والايقاع . وتمثل اليوم أوسع مساحة في الخارطة الفنية للتراث الغنائي في سواحل المنطقة وهي فنون واقعة بين التجدد والثبات في كل من ألحانها ومعاني كلماتها ضمن إطارها لأدبي والفني.

واذا كان بعض هذه الفنون قد ارتبط تسمية بما يوحي أنه وافد من خارج الأرض العربية فان الدارس لهذه الفنون والمتعمق في تكويناتها وتفاعيل تقسيماتها، يجدها عربية من حيث جوهرها ونمطها الأصلي ، مع ملامح التأثير الخارجي في بعض الأوجه أو الجوانب ، وذلك على شكل طقوس احتفالية ، ربما لها صلة بعادات أو عقائد دينية أو اجتماعية قديمة وفدت الى المنطقة من افريقيا أو شبه القارة

الهندية .

ولا نقول هذا جزافا فالمتبع لمثل هذه الألوان الفنية يجدها أو القريب في المناطق المجاورة لمحافظة ظفار. مثل منطقة حضر موت وغيرها من مناطق اليمن الأخرى وخاصة الأقاليم الجنوبية منها، ليس هذا فحسب بل وحتى المناطق  الشمالية من اليمن .

ولنا في فنون (الهبوت ) و (الزامل ) مثال على هذا فرقصة البرعة التي تمثل أحدى رقصات الحرب لدى بعض القبائل اليمنية تصل فن رقص الرجال امام آلة الطرب في محافظة ظفار.

ولعل الشرح اليدوي الموجود حتى اليوم في بوادي جنوب شبه الجزيرة العربية والذي يعتمد الأداء الجماعي بين الرجال والنساء في ليالي السمر والأفراح قد عكس نفسا في سواحل ظفار بألوان شتى من حركات الرقص والايقاع الغنائي والمتصل بالحر من لون فني ن الفناء التقليدي في ظفار. فرقصة (الربوية ) مثلا، تجد ما يما أملها وسط حضرموت وسواحلها.

وربما الفارق يتمثل بشمولية الأداء في حضر موت من قبل جميع فئات المجتمع باعتبار ذلك فنا شعبيا أصيلا يعتمد التقابل المزدوج حركة الرقص ما بين الرجال والنساء بخلاف ما هو موجود لدينا في فار حيث يكاد فن (الربوية ) يقتصر أن ادؤه على فئة واحدة من فئات جتمع ظفار بسبب بعض الأعراف والتقاليد القبلية .

أما فن (الزنوج ) وهو أيضا فن غنائي استعراضي احتفالي يعتمد على الحركة الجماعية بتشكيلات فنية متحركة في حلبة قص بين الرجال والنساء مصحوبة بآلات الايقاع .

وهذا الفن ذو سمة استعراضية مهرجانية تتداخل فيا – كما نذهب – مظاهر مختلفة لأكثر من فن من الفنون المتواجدة على أرض ظفار. فهو فن مركب – كما نعتقد – قاسمه المشترك رقصة السيف والخنجر من جانب الرجال ورقص النساء أمامهم بكامل زينتهن .

وقد ارتبط هذا الفن أيضا بمظهر طبقي اجتماعي، إذ أصبح علامة بارزة على فئة خاصة من مجتمع ظفار. ولعل تسميته (بالزنوج ) تلفت اليه الأنظار للوهلة الأولى بأنه فن زنجي مهاجر الى ظفار ،، ولكن الواقع بخلاف ذلك . فالفن محلي الأصل ، اكتسب تأثيرات افريقية تمثلت بآلات الايقاع وربما اقتصار الأداء على فئة السمر، باعتبارهم الفئة المتحررة من قيد التقاليد والعادات القبلية الملتزمة التي كونتها وألزمت بها ظروف استثنائية وغير طبيعية في بعض المراحل من حياة مجتمع ظفار.

ولم تقتصر خصوصية الأداء الفني على كل من (الربوية ) و(الزنوج ) على الفئة السمراء فقط ، بل كادت جميع الفنون الغنائية في سواحل ظفار أن يقتصر أداؤها على هذه الفئة في منطقة الساحل في يوم من الأيام .

وهذا مرجعها – كما أسلفنا الذكر – الى ظروف طارئة غير طبيعية على حياة المجتمع ، ربما سببها الأساسي محدودية النمو وبط ء تطور الاقتصاد والثقافة وعوامل أخرى تتعلق بالاستقرار وإطمئنان النفوس .

فقد عاش مجتمع ظفارأدوارا مختلفة ، كعموم مجتمع عمان ، من عدم الاستقرار النفسي والاقتصادي والانحصار الثقافي مما دفع بجل رجاله الى هجرة دائمة تمثل حجمها الأكبر بفجر الاربعينات من هذا القرن بحثا عن فرص أفضل للعيش والأمن والاطمئنان النفسي .

أما الآن .وقد عاد الاطمئنان والأمن والاستقرار لعمان في عهد باني النهضة وجالب الرخاء جلالة السلطان قابوس حفظه امة ورعاه اختلفت الصورة وتحسنت الأحوال وبدأ التعامل مع مختلف الفنون التقليدية بصورة عامة وشاملة وأصبح ل المحافظة فنانون وشعراء للأغنية من مختلف فئات المجتمع يعملون جاهدين للارتقاء بفنون ظفارالتقليدية ، وهؤلاء الفنانون من الشعراء والمغنين من بيئات ظفار الثلاث : المدن والريف والبادية ، وهذا دليل آخر عل تأصل روح الابداع الفني في كيان ووجدان هذا المجتمع الطيب منذ أزمنته القديمة ، بل ودليل حيوية وتفاعل مع اللحن والكلمة .

فن الهبوت والزامل :

ثم يأتي الجانب الآخر من فنون ظفار التقليدية وهو : فن "الهبوت والزامل "وهو شعار لفن قبائل ظفار يخلد ذكرها ويؤكد أصالتها وكافة فئات المجتمع الأخرى .

ونحسب أن فن "الهبوت والزامل " يمثل مصدرا مهما للمعلومات لدارس تاريخ مجتمع ظفار الحديث أو الوسيط وحتى القديم . فدارس تاريخ مجتمع ظفار لا يجوز له -في نظرنا – أن يتجاوز فن " الهبوت والزامل " إن أراد التعرف حقيقة على حياة مجتمع ظفار وسبل أنماط حياته الاجتماعية والثقافية وعلاقاته اليومية .

وتوجد أمثلة كثيرة من هذا، يصعب حصرها لقصائد فن "الهبوت والزامل " قديمة ووسيطة وحديثة ومعاصرة وكل منها يعبر عن واقع الحال لما طرأ على المجتمع من أحوال أو تغييرات . فقد لعب فن " الهبوت والزامل " ومازال أدوارا أساسية للتعبير عن حركة الواقع الاجتماعي والسياسي والاقتصادي، فشاعر " الهبوت والزامل " هو الناطق بلسان حال الجماعة في اللحظة حينها وخصوصا في المواجهات الاجتماعية .

إن هذا النوع من الشعر الشعبي الاجتماعي يمثل أبرز الفنون الجماعية والاحتفالية على أرض محافظة ظفار. فهو يؤدى في مختلف المناسبات وله خلفية تاريخية واسعة ، تجعله يمتد بجذور عميقة خارج حدود المحافظة من حيث التأثر والاكتساب ، لأنه فن عريق وقديم لدى القبائل العربية الجنوبية .

وقد تختلف تسميته هنا أو هناك ، كالهمبل في شرقية عمان أو الرزحة أو فن العرضة في بقية مناطق الخليج الأخرى.

أما اليمن " فالهبوت والزامل " كما هما في محافظة ظفار، مع نكهة خاصة وطعم مميز في كل منطقة أو بيئة .

كذلك توجد أنماط أخرى من الفن الشعري قد يعتمد الأداء الفردي مثل القصيدة العربية التقليدية ولنفس الأغراض التي تعبر عنها. وهذا النمط الشعري يساير فن الهبوت والزامل من حيث معنى المعالجة ولزوم الأداء طبقا للمناسبة ، لولا أن هذا الأخير يأتي على شكل قصائد مطولة تلقى أمام الناس مدحا أو رثاء أو نسيبا وغير ذلك .

وهذا النمط الشعري الأخير، يعرف بردته وهي: (سامعين ، سامعين ) أو : (هودي وكريم كريم ) وهو نداء الى تنبيه الناس للفت أنظارهم وانتباههم الى ما يقوله الشاعر (سامعين سامعين ).

أما (هودي وكريم وكريم ) فنوع من الدعاء الله يبدأ به الشاعر الى أن ينتهي من قصيدته المطولة .

وهذا النمط الشعري يذكرنا بفن العازي لدى بقية قبائل عمان . الا أن العازي يؤدى وقوفا وبالحركة مع هز السيوف . بينما (سامعين ) يؤدي جلوسا.

ويكاد اليوم هذا الفن ينتفي من الساحة الفنية لمجتمع ظفار نظرا لتطور أوجه الحياة المختلفة ، والبعض يقول : لانتفاء مناسباته كحفلات الختان وقضايا الثأر وغيرها. فقد ازدهر هذا اللون من الفن الشعري أيام كانت مثل هذه المناسبات قائمة فهو شعر سجيلي يرصد الحوادث ويوثقها من حين لآخر.

فن الجبل والبادية :

واذا ما انتقلنا للتحدث عن فن الجبل والبادية فنجد في مجتمع جبال ظفار العديد من أوجه الفنون القولية تعبر عن مناحي شتى :وجه حياة المجتمع مثل :

فن (النانا ودبرارت وفن المشل ) وقت أداء العمل وفن (التركيز) على الحيوانات في أوقات الرعي وهو نوع من الحداء الشرح النسوي في الليال المقمرة وغير هذا كثير.

وين القول أن فن النانا هو الفن الطارب والشجي فهو أداء غنائي يحصد على أداء الفرد أو الجماعة بدون أي أداة إيقاعية إنما متما على الصوت فقط .

وهو متجدد الألحان خفيف في نغماته طارب بألحانه عميق لمعاني وإن كانت قصيدة " النانا" لا يتعدى حجمها بيت الشعر العربي الفصيح والذي يتكون من صدر البيت وعجزه .

وقد مثل فن " نانا"دورا أساسيا في التخفيف من معاناة الانسان ولفن " نانا"قواعد وأصول وله شعراؤه من الرجال والنساء، وله ملحنوه الذين يستوحون ألحانه من مظاهر الطبيعة المختلفة، وهو فن شبابي ذكورا واناثا.

و(النانا) فن مرن يستطيع تطويع مصطلحات اللغة لادخالها ضمن سياقه الفني للقفني بها، كما يعبر شاعر (النانا) عن مخلتف جوانب الحياة .

ومصطلح )النانا) يوجد في التراث البابلي ولكنه لا كمصطلح فني شعري غنائي كما هو الأمر في محافظة ظفار. انما كمصطلح ديني له علاقة بالآلهة ونواحي العبادة .

ثم ياتي اللون الآخر باللغة الشمرية وهو فن شعر ( دبرارت ) وهو مختلف من حيث النمط الشعري عن (النانا) إذ يعتمد القصيدة الطويلة وكذلك الفرض الشعري. فقد تحتوي القصيدة عل أكثر من غرض شعري، تماما، كما هو الأمر في القصيدة العربية التقليدية اذ يصول شاعر ( دبرارت ) ويجول في معان مختلفة في القصيدة الواحدة .

ومازال هذا اللون من الشعر المحلي يتصدى بالمدح أو القدح لحركة المجتمع يرضي هنا ويسخط هناك . وهو مرهوب الجانب حيانا ومرغوب السمع لدى الناس كذلك لما يحتوي من مثيرات منوية .

أما الحانه فغير متجددة إلا نادرا والطرب اللحني فيه محدود، ن معانيه تطرب النفس أحيانا أو تثير السخط والضغينة أحيانا اخرى. فألفاظه جزلة وشاعريته متدفقة يحكمه الوزن والقافية ، بل نوده القافية من حيث الانسيابية والتدفق الشعري ويستوحي صوره الخيالية من الطبيعة الجميلة وهو شعر اجتماعي يختص اكثر بكبار السن الذين أنضجتهم تجربة الحياة .

وقد مثل شاعر هذا الفن دورا في التكسب الشعري في وقت من الاوقات نظرا لما يمثله من خطورة بلاغية إذا هجا، وضمان الشهرة مدح ، لأن قصائده تبقى أعمارا طويلة قبل أن يصيبها الوهن أو ينساها الناس .

فنون بادية ظفار :

أنها توازي فنون الجبل والسهل من حيث تعددها وتنوعها مع اختلاف طعمها ومذاقها، فهي قد تختلف بعض الشي ء عن فن الجبل من حيث اللون والأداء الغنائي .

ولقد اختصت البادية بفن الرجز "رجزيت " الذي يؤدى باللغة المهرية ولدى البعض بالمضرية ولعله بالمهرية أبلغ وأعمق .

والرجن فن رجالي يشابه الهبوت والزامل من حيث أهدافه وأغراضه الشعرية ومناسباته .

وهذا اللون من الشعر الاجتماعي، قديم لدى القبائل الجنوبية وخصوصا في البوادي والجبال ، فهو عميق الغور، محبب لدى الناس يثير خماسهم وحميتهم إذا واجه معضلات حياتهم المخكفة . ويمكن اعتبار شعر المواجهة والنقد والدعوة لهذا الهدف أو ذاك بأسلوب مباشر أوغير مباشر.

وطريقة أداء الوجز واحدة لا تتغير ولحنه قريب هن الانشاد (2) (الزاملي ) والطرب فيه ليس للحن وإنما لمعنى القول .

وتكثر في شعر الرجز في محافظة ظفار الرمزية إذ يعتمد على الخيال كثيرا، وقصائده سريعة الانتشار بقصرها من ناحية ولعمقها الرمزي والمعنوي من ناحية أخرى .

والرمز ليس مستحدثا في هذا الشعر أو حديثا كما قد يتبادر الى الذهن ، انما هو تكوين أصيل فيه . فمن حيث شكل القصيدة ، فكما هو التركيب الشعري في (النانا) القصيدة عبارة عن مقطعين أو بيتين من الشعر تؤديهما مجموعتان من الرجال في صف واحد بالتناوب .

ولا يصلح الرجز الا بالمواجهة ما بين شاعرين في صفين متقابلين .

والرجز ألحانه ثابتة وغير متجددة والأداء واحد، بينما المعاني متجددة وفقا لتجدد الحياة وأنماطها.

فن الايوي :

أنه اللون الآخر المشتهر والمحبوب من فنون البادية ويعرف (بالريوي) بمعنى (القصيد) وبعضهم يسميه (أولادي) وهو يماثل فن (النانا) في جبال ظفار من حيث خفة أوزانه وطرب ألحانه المتجددة دوما كما هو الأمر في فن " النانا " إلا أن "الريوي" يختلف عن (النانا) لكونه يعتمد طويل القصيدة أو القصيدة الطويلة . فهو فن طويل النفس – ان جاز التعبير – يؤدى غالبا من جانب واحد أي لا يعتمد أسلوب الحوار كما هو الأمر في (النانا) أو الرجز.

ولفن الريوي شعراء من الرجال ومن النساء فهو لون شعبي طارب ومحبب الى النفوس ، يفنى فرديا وجماعيا بدون أية آلة إيقاع وأشعاره كثيرة الانتشار وهو أيضا شعر تسجيلي يقيد الأحداث ويوثقها مثل شعر ( دبرارت ) وغيره .

أما أغراضه الشعرية فمثل غيره من فنون الشعر الاجتماعي "المحلي " يعالج كل الأغراض الشعرية وموسيقاه متجددة دوما ومستوحاة من حركة الطبيعة وتراث المجتمع الصوتي والنغمي وخصوصا ما يجسد معاناة الذات وتجربتها.

وللريوي فنانوه من الشعراء الكبار والشاعرات الكبيرات من الذين تلهج بهم الألسن في مجتمع هذا الفن .

 والريوي الى روح الشباب  أقرب من كبار السن ، وإن كان هو0 فن الجميع ، إلا أن الشباب يضفي عليه روح المحبة والحياة حينمايؤدونه بتكيف طارب شجي في الأماسي والخلوات الخاصة ، للتر ويح عن النفس والتعبير عما يجيش فيها من أحاسيس .

كذلك في البادية أيضا ألوان أخرى من الفنون التقليدية الغنائية وهي ألوان مرتبطة بنمط حياة. الانسان في البادية كما هو الأمر في جبال ظفار وسواحلها.

 فالتغرود في البادية مثلا يمكن سقابلته بفن شعر "المقود" في مدن ظفار الساحلية ، وهو نوع أيضا من الحداء – حداء الابل – وان كان شعر "المقود" يختلف نكهة وأسلوبا وكذلك ما يعرف بـ " التركيز" في الجبل وقت رعي الحيونات .

 كذلك فنون النساء التقليدية متنوعة ومعبرة عن واقع حياة الناس بصورة عامة .

الخلاصة:

إن الفنون التقليدية في محافظة ظفار أصيلة في أساسها عربية في هبناها متميزة في النكهة والطعم مما يجعلها ذات شخصية متفردة بطابعها البيئي الخاص .

ان الفنون التقليدية في محافظة ظفار تعكس أوجها من التراث الحضاري الانساني العربي والافريقي وربما الهندي أو الفارسي في بعض المكونات وهذا شأن التأثر الحضاري على مدى الأزمنة والعصور.

ففي كل مناطق الاتصال ، افريقية كانت أم هندية وفارسية بالسواحل العربية الجنوبية هي مناطق ذات حضارات انسانية وتراث فني لا ينكر تأثيرها بالمناطق المتصلة بها، كما تأثرت هي وتتأثر أيضا.

ان التراث الفني الحميري في محافظة ظفار، يمثل اليوم أحد أوجه التنوع والتفاعل الأصيل في هيكل الفنون التقليدية لمحافظة ظفار، أعان ذلك على شكل ابداع فني وجداني أو عطاء عمليا تطبيقيا يتمثل بالعادات والتقاليد وأونجه من أنماط الحياة الأخرى. ويتمثل التراث الفني الحميري بفنون منطقة الريف الجبلي لمحافظة ظفار وتراث البادية ليس هذا فحسب بل أن المدينة والقرية في محافظة ظفار لتختزن اليوم ألوانا من أوجه التراث الفني الحميري، فلربما امتازت محافظة ظفار عن غيرها من المناطق الأخرى بهذا التراث الجنوبي العربي الأصيل والذي بدأ البعض – وللأسف – يحزب عنه بل ويتأفف وكأنما هو سبة في جبين الحضارة المعاصرة .

وإننا لندعو الشباب المثقف لتصحيح موقفهم نحو هذا التراث العربي الحميري، لأن هذا تراث المنطقة الحضاري ووجه أمالتها يخفي كنوزا من المعاني الحضارية المهمة . فالعز وف عنه وعن التعامل معه يعني التخلي عن جزء أصيل ومهم من تراث المنطقة الثقافي والوجداني .

ويأتي في مقدمة هذا اللغة وهي الوعاء الثقافي كما نعلم . واذا ما فقد هذا فسوف يتبعه فقدان أمور أخرى تتعلق بالهوية الاجتماعية والتاريخ والشخصية الثقافية

المتفردة لمحافظة ظفار.

إن الجيل الجديد هو الذي بدأ ينأى بنفسه بعيدا عن هذا التراث ، تفاعلا وأداء ولا نحسب هذا الا شعورا بالنقص أو الدونية ولهذا تجده اليوم لا يندمج مع هذا التراث كما يجب ، بل ويريد الا يحسب عليه وخصوصا اللغة فكأنما هي ليست بعربية اذا ما تحدث باللغة الشمرية أو المهرية والبطحرية والحرسوسة والسقطرية كذلك . . فهذه لهجات أو لغات بل ولغة واحدة لها أجناسها الأدبية من أشعار وأمثال وأساطير وحكم وأمثال وهي تمثل بصدق حياة شعبنا.

ليس هذا فقط ، إنما هي تختزن معاني كثيرة ومهمة من الماضي البعيد، قد يصعب علينا وجود مثل هذه ا لمعاني أو تلك في اللغة الفصيحة ، وإن وجدناها قد لا نفهمها الفهم الحقيقي. وإننا نأمل من الشباب إدراك أهمية هذا التراث والتعامل معه بجدية وباحترام باعتباره وجها آخر للتراث العربي الوطني والقومي مع مستوى التاريخ والثقافة بدون تعصب أو تحيز.

الهوامش:

1- لفظة محلية .

2- نسبة الى شعر الزامل .

3- المقود من قياد الجمل في خلية نزح الماء من الآبار لسقي الزرع .

 

شاهد أيضاً

طــرنيـــــــب

دفع الباب بقدمه وتقدم إلى الغرفة شبه المفرغة إلا من شخير رتيب يتصاعد من الرجل …