صدور العدد السادس والثمانون من مجلة نزوى

الفهم والتأويل .. مكوّنا القراءة الأدبية المتكاملان(1) إريك فالارادو

يمكن للغموض المفهوميّ الذي يحيط بتعريف الفهم والتأويل أن ينعكس على تعلّـمات التلاميذ الذين يسيئون، بسبب خلطهم بين أنماط إدراك النصوص، فهمَ توجيهات القراءة التي يفرضها هذا النمط تارة، وذاك النمط تارة أخرى. ويقودنا النظر من جديد في الكتابات المتوفرة الى اقتراح تمييزات يمكن أن تُـوجّـه الديداكتيكيين والمدرّسين في تدريس القراءة الأدبية: إنَّ المعنى الناتج عن الفهم وإنَّ الدلالة الصادرة عن التأويل يمكن أن يغذي الواحد منهما الآخر، بطريقة متلازمة، داخل دينامية تعيد باستمرارٍ رسمَ قراءة النص الأدبي.
إذا كان ضروريا أن ندرّس للتلاميذ فهمَ نصٍّ أدبيّ يطرح صعوباتٍ مهمة، فمن الضروري كذلك أن نعيّـن بوضوح الانتظارات المرتبطة بهذا الفهم. وإذا كان المدرّس يحصر الفهم في تفكيك الكلمات والجمل والحبكة الرئيسة، فإنه في إطار هذه المهمَّـات الصغرى ينحصر أغلب التلاميذ في قراءاتهم، لأنهم يحتفظون بعمل الاستنتاج للتأويل الذي لا يأتي، في تصور الكثيرين، إلا بعد القراءة الكاملة للنص. وإذن، فمن اللازم أن يكون المدرّس، وهو يحدد مهمةً من مهمَّـات القراءة، قادرًا على تعيين ما ينتظره بشكلٍ واضح: ما هي عتبات الكفاية التي ينبغي للتلاميذ أن يبلغوها بالضبط من أجل «فهم» النص المطروح للقراءة؟ وهل يأتي التأويل بالضرورة بعد عملية الفهم؟ ما الذي يقتضيه التأويل أكثر من ذلك؟
هذه هي الأسئلة التي يستحضرها التلاميذ والمدرّسون في أذهانهم، وهي التي سنحاول أن نجد لها جوابا من خلال تقديم تركيبٍ نقديّ لمختلف الأفكار الملتقطَـة من المقالات والمؤلَّـفات التي قامت بتحليل مجريات أنماط فهم النصوص. وسنركّـز اهتمامنا بشكل خاص على النصوص الأدبية، أو التي اعـتُـبـرَت كذلك من طرف المؤسسة المدرسية، إمَّـا بناءً على طريقة معالجتها للغة التي هي حاملة المعنى، وعلى تمثُّـلها الذاتي للتجربة الانسانية، وعلى الرابط الذي تقيمه بين الماضي والحاضر، بين هنا وهناك، وعلى انتمائها الى بنيات مؤسَّـسية وعلى القيمة الرمزية التي تسندها إليها هذه المؤسسةُ نفسُـها، وإمّـا بناءً على الدور النشيط الذي يلعبه القارئ فيها، باعتباره الفاعل الأول في إنتاج المعنى.
وقبل إبراز المسالك الديداكتيكية المرتبطة بتعلُّـم الفهم والتأويل، يبدو لنا مفيدًا أن نقوم بغربلة بين الكتابات الديداكتيكية التي تٌُـقترَح في تعريف هذه المفاهيم. وهكذا، فمشاريع التعريفات التي نقترحها هي بمثابة مدخل في تحليلنا النقدي نستخدمها كمنارات من أجل أن نسائل، في هذه البداية، الافتراضات القابلة للمناقشة وخاصة منها ما يتعلق بحدود الفهم والتأويل. غير أنه لا يكفي أن نعرف ما لا يحدد هذه المفاهيم، بل ينبغي لنا أن نحاول تحديد خصائصها، والإواليات التي تستخدمها، وهو ما سنسعى الى القيام به من خلال تفحُّـص بعض الاقتراحات المتعلقة بالتصنيفات. وإذا كانت مواقف بعض المؤلفين بخصوص أسبقية التأويل أو الفهم في نشاط القراءة لا تسمح أبدًا بإبراز المسالك الخصبة بالنسبة الى تدريس ــ تعلم القراءة الأدبية، فإننا سنحتفظ في النهاية بتصور تفاعلي لهذين النمطين في إدراك النص الأدبي، وهو التصور الذي سنحاول توضيحه من خلال عملٍ قرائيّ ملموسٍ داخل القسم الدراسي.
محاولات أولية للتعريف
إنّ التراث الهرمينوطيقي، حسب كرستيان فاندردورب(1992)، كان يَـنظرُ دومًا الى التأويل باعتباره نشاطا قرائيا يأتي بعد الفهم. وإذن، فإنَّ التأويل منظورٌ إليه باعتباره كفاية يصعب التحكُّـم فيها، فهي تستدعي براعة في القراءة كبيرة جدًّا. وردّا على هذه الرؤية ذات النزعة الثنائية، فإنَّ فاندردورب وديداكتيكيين آخرين يضعون التأويل أسفل الفهم. لكن هل تحلّ هذه التوزيعة الجديدة هذا المشكل؟ أكيدٌ أن التأويل يغذي الفهم، لكن أيمكن لهذا السبب أن يتقدم عليه من الناحية المنهجية؟ ليس بالضرورة.
سنرى أن القارئ الخبير يستخدم الفهم والتأويل بطريقة متلازمة، وهذه هي الخلاصة الأولية التي تنتج عن هاتين المحاولتين الأوليين للتعريف اللتين اقترحناهما في البداية كمنارتين واليهما نستند في تطوير تفكيرنا النقدي:
* من أجل أن نفهم، لابد لنا من الابتعاد عن البنية المعجمية والتركيبية الصغرى كي نعيد تنظيم المعطيات في بنية عامة، تجعل المعطيات الأساسية في محتوى النص واضحةً. ويسعى هذا التعميم إلى إبراز المعنى، هذه الكلمة الأخيرة التي تتحدد ايتيمولوجيا باعتبارها «إدراكًا حسيّـًا»، وتمثّـلا عامّا يحقّـقه القارئ بواسطة معارفه داخل خطاب هو بالضرورة تفسيريّ. ويسهم المعنى المدرَك في تحقيق توافق معين، وإذا ما استوفى الشروط من الناحية الاجتماعية، فانه لا يتطلب صياغة خطابية ومواجهة اجتماعية من أجل الاعتراف به.
* من أجل التأويل، يصغي القارئ الى النص بانتباه شديد بقصد استكشاف العناصر المتكررة وإظهار إحدى الدوال الممكنة. وهنا لم يعد المعنى قطٌّ هو ما يتعقَّـبه القارئ، بل الدلالة، وهذه الكلمة تحيل مباشرة في الايتيمولوجيا على «فعل التعيين». وبهذا، تصبح القراءة تفعيلا اجتماعيا لعلامة مبتكَـرة، فهي لم تعد تمثلا شخصيا فقط، بما أنه من الضروري أن تمرَّ من المواجهة الاجتماعية من أجل أن تحصل على مشروعية ما. والنص المتعدد المعنى يتحول بهذه الطريقة الى مادة نصٍّ جديدٍ ــ المؤولة عند بورس ــ، أي إلى ثمرةٍ من إبداع القارئ الذي تجاوز النص الأصلي.
في حركة متكررة، يبتعد القارئ عن النص (الفهم) ويتقرَّب منه (التأويل) من أجل أن يغير باستمرار منظوره وأن يكيّـفه في الوقت نفسه مع معارفه ومع العلامات المستخرجة من النص. وهذه التعريفات المختلفة للفهم والتأويل تذكّـرنا حتما بهذا التوتر الدينامي والمحتوم بين رؤيتين: الرؤية المُـعَـمّـمَة، من جهة أولى، وهي تنطلق من النص من أجل الابتعاد عنه، والرؤية التجزيئية، من جهة ثانية، وهي تنطلق من خارج النص من أجل أن تخوض فيه وتستكشف البنيات الصغرى المتواترة ــ البنيات الصغرى التي يمكن أن تضيء النص بأكمله.
بعض المفترضات القابلة للمناقشة
استقلالية التلاميذ المفترضة :
كيفما كان رأي الخبراء، فإنَّ تلاميذ التعليم الثانوي والإعدادي لا يكتسبون الاستقلالية الذاتية والكفايات التي تسمح لهم بإدراك المؤلفات الأدبية الصعبة وتأويلها بطريقة إبداعية مع بقائهم أوفياء للنص. وبهذا الصدد، يشير بيرتراند جيرفي(1993) إلى أنه من السذاجة أن نعتقد أن القراءة مرسومة داخل النص وأن بإمكان كلّ قارئ الحصول عليها، وخاصة التلاميذ الذين تُـعتَـبَـرُ القراءة بالنسبة إليهم عملا مرهقا. إننا نعرّض التعلّـمات للخطر عندما نظن أنهم ينجحون كلهم في استدعاء المعارف الضرورية التي تفرضها قراءة مثالية بالمعنى الذي يقصده أمبرتو إكو (1985) باستحضار قارئها النموذجي. ويشاطره بيير بيرتيي (1999) هذا الرأي على نحو ظاهر: بما أن العلامة الأدبية هي بالتحديد عائمة، فلا يمكن الحصول على أية ضمانة بخصوص معناها، والشأن هنا هو شأن القارئ نفسه. وهذه الحرية التي يثيرها بيرتيي من الصعب جدًّا هضمها بالنسبة إلى تلميذ في طور التعلّـم، ذلك لأنه لا يعرف كيف يضع لعمله في الفهم والتأويل منارات واضحة.
وفضلا عن ذلك، فإنَّ آن جورو (1999) تساند تصورات فيجوتسكي التي فيها «يلعب الصراعُ السوسيومعرفي دورَ المحرّك في التعلم»(ص85). غير أن التعلم التشاركيّ كما تُـقدّمه جورو يكشف دورًا محتشمًا جدًّا للمدرّس. وهكذا، وبعيدًا عن تأكيد ما تذهب إليه جورو من أنَّ « فهم النص (… ) لا يُدرّس «(ص86)، فإننا نعتقد أن بإمكان المعلّـم « أن يُدرّس للتلاميذ كيف يستخدمون في قراءاتهم عملياتٍ معرفيةً يجهلون وجودَها «(جياسون، 1992، ص21)، وخاصة عند قراءاتهم النصَّ بصوتٍ مرتفع تتَّـضح من خلالها سيروراته المعرفية الخاصة. فاقتراح طرائق للقراءة على التلميذ أمرٌ لا يحدُّ من حريته الابداعية، بل على العكس تمامًا، لأن ذلك هو ما يجعل تلك الحرية ممكنة، عندما نحدد له حقلا للاشتغال يحسّ في داخله بأمان أكبر(تروانيي ولافونتين وفانهول، 1999). ذلك لأنه لن يُظهر حريته التأويلية إلا اذا كان يشعر باستناده إلى أسس صلبة نسبيّـًا. ولا يمكنه إنشاء هذه الأسس بطريقة مستقلة من دون مساعدة المدرّس. ولا من دون هذا « التباين التأويليّ الذي يتدفَّـق ( من ) مجموعات العمل»(ص86)، كما وضحت ذلك آن جورو بدقة.
وتوضح مارتين ريموند (1999) هي الأخرى أن المدرّس يلعب دورًا مركزيّـًا في تعلم عمليات الفهم: في بحث قامت بإنجازه، لاحظت أن التلاميذ المدرَّبين بطريقة ظاهرة على استراتيجيات الفهم يُـطَـوّرون آداءاتهم بطريقة دالَّـةٍ مقارنةً بالتلاميذ غير المدرَّبين. وتضيف أنَّ الاشتغال بمشاكل مطروحة بوضوحٍ يساعد كثيرًا على تعلم استراتيجيات الفهم، وهذه من النتائج التي تتطابق مع تلك التي انتهينا إليها في بحثنا للدكتوراه(فالارادو، 2000، أ و ب). إلا أن ماري توفيرون (1999، أ)، في بحثٍ يطرح حلّ المشاكل باعتباره قطبًا مركزيّـًا في تعلم الفهم والتأويل في حصة القراءة بالتعليم الابتدائي، تبدو غير راغبة في أن يقدّم المعلم تفسيراته في حصة الأدب: إنه يملك بالتأكيد تأويله، لكنه لن يقوم بتبليغه. وقد يستخدمه من أجل أن يحدد جزئيا توجهات الدرس من دون أن يتداخل ذلك مع استيعاب النص من طرف التلاميذ. وإجمالا، فمن الضروري أن تبقى قراءة المعلم مقنّـعة، من أجل أن لا تعيق قراءة التلاميذ. غير أن فضائل هذه المقاربات المقنّـعة تتغيَّـر تبعًا لعُـمر التلاميذ: إذا كانت دينامية الجماعة وغياب الكوابح، مع أطفال في سنّ السابعة إلى الثامنة، يسمحان بتبادلات أكثر انفتاحًا بخصوص النصوص، فإنَّ الأحكام المسبقة غير المناسبة للمراهقين وخوفهم من أحكام الآخرين يستدعيان مشاركة وتنشيطا أكثر حيوية من قبَـل المعلّـم من أجل أن يستوعبَ التلاميذُ النصوصَ.
يُـقَـدّم الباحثون المذكورون وجهات نظرٍ متباينةً بخصوص الإطار الذي ينبغي لنا اقتراحه على التلاميذ من أجل توجيههم خلال تعلمهم الفهمَ والتأويلَ بقصد قيادة عملهم نحو هدفٍ محدَّدٍ. ومع ذلك، فهذا التقييد الظاهر يسمح بإظهار الحرية التأويلية بطريقة أكثر تنظيمًا وخصوبة. وفي غياب التجربة، فإنَّ هذه الحرية التأويلية بحاجة الى منارات، إذ من دونها ستكون أقرب إلى الفوضى، وإلى إبداعٍ ينطلق من القارئ، لكنه لن يأخذ النص قطّ بعين الاعتبار. وينبغي للوَصل بين هذين العالَمَـين المختلفين أن يتمّ من داخل تدريبٍ مُـراقَبٍ، يسعى بالتدرّج نحو استقلالية ذاتية للمتدرّبين ــ القرّاء تنمو شيئا فشيئا.
دور الأسئلة في الفهم:
في القراءة، ينتظم الفهم في أغلب الأحيان بواسطة الأسئلة. لأن الأسئلة تمثّـل فخّـًا محفوفًا بالمخاطر يَـصرفُ التلميذَ عن الفهم الحقيقي للنص. « نأسف، تقول جوسلين جياسون(1990)، على استخدام الأسئلة أحيانا من أجل التأكد من قراءة التلاميذ للنص. ومع الأسف، فإنَّ هذه الطريقة في استعمال الأسئلة تجعل التلاميذ يفهمون أن الغاية من القراءة هي الاجابة عن الأسئلة وليس السعي وراء هدفٍ شخصيّ»›ص223). « إنها تٌـبقي القارئ داخل كفايةٍ سطحية»(نفسه)، ذلك لأنها توجّـهه نحو معلومات ثانوية. وباختصار، فهي تعلّـمه أنَّ فهم نصٍّ ما هو أن يتذكَّـر ما يفيد في الاختبارات، من مثل الأسماء والتواريخ، الخ. ويُبدي اروين وباكير(1989) التحفظات نفسها: ان هذه الأسئلة تشجع على عادات سيئة في القراءة، ذلك لأنها تدفع التلميذ إلى الاحتفاظ بهذه العناصر غير الملائمة بالنسبة إلى الفهم العام، بل إنها تكتسي أهمية كبيرة بالنسبة الى تقييم قراءاتهم. وهكذا، يحدث تفاوتٌ غيرُ منتجٍ بين الأهداف البيداغوجية للقراءة والممارسة الفعلية التي يخضع لها التلاميذ، ذلك لأن هؤلاء مؤطٌّـرون بالعناصر التي يستثمرها الأستاذ في حصة التمرين بأكملها.
بما أن الفهم هو بالضرورة شموليّ، بحيث يستبعد المعلومات الجزئية من أجل رسم خطاطات عامة للنص، فإنّه لابدَّ من دفع التلاميذ إلى ممارسة هذا الفهم الكلّـي من خلال الأسئلة. فالتذكير بالنص مرات عديدة هو من الفرص الممتازة بالنسبة إلى التلاميذ ليعيدوا تنظيم المعلومة بطريقة عامة. ومن الضروري كذلك أن يعمل الأستاذ دائما على إدراج أسئلة الاستنتاج المنطقي في أسئلة الفهم (اروين وباكير، 1989)، من أجل أن يربط التلاميذ بين المعارف السابقة والمعطيات النصية، والغاية هي أن تلعب الأسئلةُ دورَها، لا في التقييم فحسب، بل في التنظيم المعرفيّ بالأساس. ولهذا يكون من الضروري، تبعًا لأقوال دومورتيي(1991)، ربط « جدول الأسئلة بالأهداف وبالمتعلمين، وليس بالنصوص. لأن هذه الأخيرة لا تَـفرضُ، في الواقع، أيَّ سؤال… وتسمحُ بجميع الأسئلة»(ص74). وإذن، فمن الضروري أن تدفع الأسئلة التلميذَ، لا إلى تقييم قراءته فحسب، بل إلى تنظيمها بالأساس. ولابد أن تسمح له بالعثور بطريقةٍ مستقلةٍ على البنيات النصية الأساسية: السارد، المؤلّف، الشخصيات، الأماكن، الزمن، الحبكة،…الخ.
الحمولة المُـخـتَـزَلة جدًّا التي نمنحها للفهم:
من أجل أن يستردّ التأويلُ المكانةَ التي تعود إليه داخل القراءة الأدبية، قام فرانسيس جروسمان(1999) بوضعه في مرتبة أعلى من الفهم الذي يحتفظ له بدورٍ محدودٍ قليلا ما. فهو ينظّـم كل الاستنتاجات داخل عمل التأويل، سواء كانت استنتاجات أولية تهمّ المعلومات الضرورية في إدراك الحبكة أو كانت استنتاجاتٍ أكثر تعقيدًا تقتضي قدرًا أكبر من الابداع من قبل القارئ. وهو يقول إنّ « النصوص تٌـؤوَّل أولا «(ص153)، ذلك لأنّ القرّاء يقومون باستنتاجات استنادًا إلى النص وإلى معارفهم. ومثل جروسمان، فإنَّ إيزابيل شولار ــ ماندرو وآن ماري توفيرون (1998) تنظّـمان كل عملٍ استنتاجيٍّ داخل التأويل. وهكذا، وتبعًا لهؤلاء المؤلفين الثلاثة، فإنَّ الفهم يمكن « اكتسابه « مرة واحدة ونهائية ومفصولا عن المضمر. وبتحديدهم الفهمَ باعتباره سيرورةً يمكنها أن تعرف الاكتمال، فإنهم يسلّمون بمعنى لا يمكن اطلاقـًا للتأويل أن يُـغنيه. ومن هذا المنظور، فإنَّ أقلّ مجهود فكريّ من أجل تعويض شيءٍ مضمرٍ أو ربط معلومةٍ ضمنيةٍ بمعارفَ مرجعيةٍ سيكون صادرًا عن التأويل، وهذا ما يحدّ قليلا ما من سيرورة الفهم التي سنحاول تحديدها الآن بطريقة أفضل، بعد أن ألقينا نظرة نقدية على هوامشها.
كيف نعرّف الفهم؟
مُـكـوّناته:
إنّ معنى النص هو أول ما يسعى الفهم إلى استخراجه، والمقصود بــ « معنى sens « فكرة أو مجموعة من الأفكار الواضحة التي يدركها القارئ داخل النص ــ الجذر اللاتيني sensus يحيل مباشرة على فكرة « الإدراك الحسّـي «. والإدراك الحسّـي هو نشاط ذاتي يستلزم نوعا من العقلنة. وهو لا يُترجَـم بالضرورة إلى خطاب أو إلى شيء ذي طابع اجتماعي، ومن هنا المفهوم الفرداني جدًّا لكلمة « معنى « التي تحيل على الإدراك الحسي الشخصي للعالم الخارجي بواسطة النظر والسمع والشمّ… وهكذا، فإنّ فهم محكيٍّ ما سيكون هو إعادة تنظيم المعنى من خلال تفعيلٍ ذاتي يستجيب لما توافقت عليه جماعة من القرّاء، أي أنه بناء لا ينبغي له أن يُـبرَّرَ بالضرورة اجتماعيّـًا، بالضبط لأنه صادرٌ عن توافقٍ ما.
من الضروري أن يتفادى الفهم أو يتغلّـب على الحواجز الموضوعة من طرف الشكل والبنية والأفكار، وأن « يعيّن وضع الشخصيات ودورها، ويستخرج الخطوط العريضة للحبكة»(توفيرن، 1999 ب، ص 17). فالفهم يستدعي معارف القارئ، والمقصود بهذه الأخيرة كلَّ المعارف النمطية، المعجمية، والتركيبية، والتاريخية، والسوسيوثقافية، والعملية، الخ. التي يستعين بها القارئ من أجل دعم فهمه: « ليس الفهم مجرَّدَ نقلٍ للنص إلى داخل رأس القارئ، بل إنه بناءٌ يقوم هذا الأخير بإنجازه» (جياسون، 1990، ص18). وإذا عدنا إلى المنظور الهرمينوطيقي، فإنَّ كلّ فهمٍ يتضمّـن فهمًا قبليّـًا، أي بنية للتوقّّـع هي بدورها موضوعة مسبـقـًا من طرف التراث الذي يعيش المؤوّل بداخله»(جادامر، 1996).
نص كتوم:
إذا كنّا نستهدف تطوير كفايات الفهم، فلا بد للنص الأدبي المقدَّم للتلاميذ أن يُـبديَ نوعًا من المقاومة، أي أنّ العلامات التي يستدعيها تخلق حاجزًا أمام امتلاك القارئ للنص، بحيث لا يهتدي إلى الآليات التي تشكّـل عالمه الفكري. وتستخدم توفيرون(1999ب) عبارة «نص كتوم» من أجل تعيين النصوص التي تعرقل الفهم، سواء بمعجمٍ أو تركيبٍ صعبين بالنسبة إلى القارئ، أو بعالَـمٍ مشخّصٍ غير مألوف، أو بأفكار جديدة أو مخلخلة، أو ببنيةٍ سرديةٍ متفجّرة، أو بمنطقٍ متناقض، أو باستعاراتٍ غامضة…الخ. وإذن، من أجل الاحاطة بالمعنى، لابد للقارئ من الالتفاف على الحواجز المتعددة الأشكال التي توضع بين النص وبين معارفه المرجعية الخاصة. وبالطبع، فإن تفكيك المعلومات غير الظاهرة يدخل في إطار عملية إعادة التنظيم، ذلك لأنه لابد لكل عنصر ضروري في إدراك معنى النص أن يندرج في إطار عام، هو الذي يُـترجم فكرةً عامةً معينة.
إنّ مفهوم الصور النمطية التي وصفتها جياسون (1990) تسمح بتوضيح أفضل للعمل الذي ينبغي للقارئ أن ينجزه من أجل فهم نصّ كتوم: أن يعمل على تكييف صوره النمطية الخاصة من أجل أن يعثر داخل صور النص النمطية على علامات مألوفة تسمح له بتحويل المعنى إلى مستوى إدراكه. فالضرورة تفرض أن يتكيّف الفهم مع ما تسمّـيه جورو «بيوغرافية القارئ»، التي تُـعتبر ممرّا ضروريا لصور النص النمطية: من دون تطابق بين عالم القارئ وعالم النص، لن يكون هناك فهمٌ.
وعملُ الأستاذ أساسيّ في عملية الفهم، ذلك لأنه كلّـما كان المؤلَّـف «صعبًا»، كلّـما كان من الضروري أن يَـطولَ التمهيدُ للقراءة «(كالفيز، 1999، ص48)، وبالضبط من أجل إعداد هذه المطابقة في كفايات القارئ أثناء التعلم. والمقصود بنصّ صعب، تبعا لبيير برتيي (1999)، هو كلُّ نصٍّ يتموضع داخل عالمٍ لا يتعرّف فيه القارئ إلى ذاته. وفي هذا السياق، يكون «التعرّف إلى الكلمة» ضروريا بالطبع، لكنه غيرُ كافٍ. فمن أجل أن يحصل تعلّم الفهم، لابد للنصوص الأدبية المقترحة على التلاميذ أن تدفع إلى الاشتغال ببناء معنًى مهمّ نسبيًا، يستتبع حتما مجموعةً من الاستنتاجات. ويطالب إيف روتير (1992) من جهته باستعمال النصوص الصعبة، بغاية توليد «كوارث القراءة» (ص61) التي تعزّز عملية التوضيع، وتسمح إذًا باكتساب عمليات القراءة الأكثر خصوبة.
بُـعدٌ اجتماعي:
ينتمي كلُّ قارئ إلى جماعة من القرّاء وبداخلها يكون محكومًا إلى حدٍّ ما بإيديولوجيات عشيرته، وبالصور النمطية المقبولة اجتماعيّـًا التي تساهم في تشكيل خلفيته الثقافية. وهكذا، وبما أن الفهم يكون إلى حدٍّ ما مشروطًا من الناحية الاجتماعية، فهو لذلك لن يكون مجرد عملية مكتفية بذاتها ــ فهذا المكوّن الاجتماعي يؤثر مُـسبقًا في الفهم، بما أنه يشكّـله ولو جزئيا. ويتجسد هذا البعد الاجتماعي للفهم في كل مكونات الحقل التي شرحها إيف روتير وسوسيولوجيو الأدب الآخرون بغزارة. ينبغي للتلميذ، مثلا، أن يعمل على التفكير في أن «الوضع الاعتباري للنصوص يتغيّـر تاريخيا و(أن) موقعها داخل المؤسسات يحدد متغيراتٍ مهمةٍ في المعنى» (روتير، 1981، ص11). وإذا تبنّـينا وجهةَ نظرٍ قريبة من هذه الأخيرة، فإن السوسيولوجيا ــ الاثنولوجيا كما مارسها بريفا(1985) تضع في المقدمة عوامل أخرى للفهم لا تتعلق بتاتا بالنص الموضوع للقراءة: وعلى سبيل التمثيل، فإن « الفتيات الشابات من الأوساط الشعبية وأبناء الطبقات الميسورة لا يستثمرون لا الانتظارات نفسها، ولا الكفايات ذاتها»(ص137) في ممارساتهم الثقافية. ذلك لأن الفهم، والقراءة بشكل أكثر شمولا، « ليس مُـجَـرّدَ لحظةٍ فيها تتحقق هذه الأخيرة، وإنما هو كلٌّ ينبني على أساسٍ من الممارسات المنظَّمة والمتمايزة اجتماعيا وثقافيا»(نفسه، ص142) هي التي تحكم الى حدّ كبير أنماطنا في إدراك النصوص.
وإذن، فإنّ الفهم يتحقق من خلال اندماج ما هو اجتماعيّ وما هو اختباريّ عمليّ، أي من خلال مكونات متحركة متعددة بالضرورة: لسانية، تاريخية، سوسيوثقافية، سيكولوجية، جيوسياسية. وبالتالي، فالمعنى المستخرَج يتعلق بتوافقٍ ما: ينبغي لجماعة القرّاء أن تعترف بالمعنى المقتَـرَح باعتباره بناءً دلاليا وفيًا للنص. ومن خلال عملية التوضيع هاته، يسعى القارئ الى بناء معنى مقبول اجتماعيا لا تُخفيه الكلمات والجمل إلا جزئيا.
شرح واستذكار:
يتحقق الفهم بإهمال المعطيات اللسانية، وبتعميق المحتويات وتوسيعها: ينزاح القارئ عن الكلمة، والجملة (التي يهملها بسرعة كبيرة أيضا)، من أجل استذكار المعنى العام: « وهكذا، فتطوير الفهم أثناء القراءة يعود إلى تدريب التلاميذ على القيام بمعالجة معرفية للمعطيات النصية تكون موسَّـعة ومعمَّقةً ما أمكن ذلك» (فاندردورب، 1992، ص171). ويستلزم مثل هذا العمل التصوري قوة نابذة تُبعد القارئ عن جزئيات النص من أجل حمله على إعادة صياغة النص بتبنّـي رؤية شمولية للمعنى.
إنّ كتابات برتراند دوناي(1997) عن استعادة الشرح باعتباره أداةً في تعلم التفسير الأدبي تشكّل مثالا واضحا في إعادة صياغة المحتوى النصي. فعند التخرّج الاعدادي بفرنسا، « يمرّ تقييم الفهم بالضرورة من خلال إعادة صياغةٍ شارحة»(ص100)، ذلك لأنّ الشرح هو مُـؤلّف الفهم النصي. وهكذا يُـقدّم دوناي الشرح باعتباره شكلا خطابيا ماوراء نصيا يُـشيّد علاقةَ فهمٍ مع النص؛ وبعبارات أخرى، فإنّ الشرح يُـشكّـل « خطابا حول المحتوى منفصلا عن تحليل الشكل»(ص109)، هذا الأخير الذي يتعلق أكثر من ذلك بالتأويل. فالبعد الشرحي للفهم يتوافق تماما مع الحركة النابذة التي وصفناها، يعني أنه إعادةُ صياغةٍ للنص ذات طابع شمولي تبتعد عن المكونات اللسانية.
ووحده هذا الابتعاد هو ما يسمح باستذكار طويل للمعطيات النصية. ولأنَّ الاستذكار والفهم مترابطان بشكل وثيق(لوبران، 1987)، فلابدّ من اهتمام خاصّ بتخزين المعلومات المعرفية. فكلّ المعارف المستحضرة أثناء الفهم صادرة عن الذاكرة، ولذلك سيكون مهمًّا توجيه معارف التلميذ بطريقة منظَّـمة، من أجل مساعدته في عملية الفهم. وبهذا المعنى، فإنّ إروين وباكير(1989) يطالبان بأن يكون مجموعُ معارف القارئ العاملَ المركزيَّ في الفهم. وفي مثل هذا السياق التعلُّـمي، يتصور القارئ المحتوى المقروء، ويتنبَّـأ بما سيأتي منه، ويقارن ذلك بما كان يعرفه، ويسائل المضمون، ويقيّـمه، ويعلّـق عليه، ويركّـبه. إنَّه يبحث عن فهمٍ أفضل، عن إضاءة المسالك التي يبدو فيها المعنى أو المنطق غامضا. ومن أجل ذلك، يبتعد عن النص، ويخرج منه. وإجمالا، ينبغي له أن يبقى نشيطا على الدوام من أجل تحسين فهمه، وبالتالي استذكاره.
أهمية المضمر في الفهم:
منذ القرن السابع عشر، عرَّف فوروتيير المضمر باعتباره عنصرًا « ينطبق على كلّ ما هو ضمنيٌّ بالتقدير، من دون أن يُـعبَّرَ عنه صراحةً». ومن الناحية الايتيمولوجية، فإن عبارة implicite مشتقة من impliquer، enchevêtrer، emmeler. ومن أجل الوصول الى المحتوى المقدَّر الخفيّ، لابدّ للقارئ من أن يستنتج، والمعنى الأول لهذا الفعل يحيل على « فعل الاستيلاد، والإضافة «، ومن هنا استخلاص النتائج وخلق الروابط. وإذن، فالقارئ يُـعَوّض المعطيات الناقصة أو الصامتة، لكنها المعطيات التي تتضمَّنها الجملة والكلمات. وهكذا، فعملية الاستنتاج التي يفرضها المضمر هي موجودة بشكل من الأشكال داخل النص. ولا يمكن لتعريف الفهم أن يستبعد عَـرَضـًا المعطيات المضمرة وأن ينحصر في قراءة خطّية تنقله من كلمة إلى كلمة أخرى.
في الفهم، يكون القرّاء الجيّـدون دومـًا بصدد استنتاج معطيات مضمرة في النص، أي ما يسكت عنه المؤلّف وينبغي للقارئ أن يملأه بنفسه. وهذه الاستنتاجات هي التي تعيد الربط بين الكلمات والجمل والوقائع: « ليست الاستنتاجات مجرد كماليات يستخدمها التلاميذ الممتازون كلَّـما فهموا النص. فهي أساسية في فهم النص واستذكاره»(إروين وباكير، 1989).وإذن، فلا يمكن أن نحصر الفهم في الدرجات الدنيا وأن نستبعد منه العمليات الاستنتاجية. وينبغي للقارئ، من أجل فهم دقيق، أن يكون على وعي « بضرورة الذهاب الى ما هو أبعد من المعلومة الظاهرة للنص كي يفهمه فهمًا حقيقيا»(ديروزيي ـ سبَات، 1992، ص92). ويعني هذا إذًا أننا أمام عمل حقيقي في بناء المعنى يتدخل من خلال استراتيجيات القراءة من أجل ملء البياضات وإظهار المسكوت عنه. فالانحصار في المعنى الظاهر يعني أن لا يفهم القارئ، مثلا، الرسالة المزدوجة في السخرية؛ فلابد له إذًا من الاستنتاج، ومن خلق رابط بين النص وبين معارفه السوسيوثقافية الخاصة التي تسمح له بتفكيك السخرية.
ومن أجل أن يكون التلميذ أثناء تعلّم القراءة الأدبية قادرًا على فهمٍ أفضلَ للعمليات التي يستحضرها أثناء عملية الاستنتاج، فلابد للأستاذ أن يدفعه الى أن يتحقَّـق من اللحظة التي يقوم فيها بذلك: « ما هي المؤشرات النصية التي تقودك إلى هذا الاستنتاج؟ وهل هذه المعلومة التي تمَّ استنتاجها مهمة بالنسبة إلى الفهم الشامل للمحكيّ؟». وبهذه الطريقة، سيكون التلميذ فضلا عن ذلك في المستوى الذي يسمح له بأن يُـميّـز ما يتعلَّـق بالفهم عن ما يُـشكّـل تأويلا مُـبـتَـكَـرًا، ذلك لأن الأمر المهمّ هو أن لا يقوم بإبعاد العمل الاستنتاجي كلّـه إلى داخل عمليات التأويل التي غالبا ما يُـنظر إليها باعتبارها ترفًا في القراءة.
اقتراحاتٌ في التصنيف:
يصف برتراند جيرفي(1993) الفهم على محور ثنائي القطب: « القراءة بالتدرّج « و « القراءة بالفهم «. ويستحضر التوتر الضروري بين هذين القطبين، لأن القراءة الفعَّالة لا يمكنها أن تستبعد أحد هذين الأخيرين. فعند القراءة بالتدرج، يسعى القارئ إلى القيام بأقلَّ ما يمكن من الاستنتاجات، مُـركّزًا انتباهه على المهمَّـات التي تَـضمن تدرُّجَـه. والقراءة بالفهم هي فوق ذلك عملٌ في العمق، أي أنها فهمٌ للمُـضمر.
ويحدد جيرفي(1993) بوضوح شديد كيف أنه لا يمكننا أن ننصرف إلى أحد هذين التدبيرين مع إبعادٍ كليّ للآخر: « أن نقرأ معناه أن نتدرَّجَ وأن نفهمَ، والأهمية الممنوحة لهذا التدبير أو ذاك تتعلق بأهداف القارئ وصلاحياته»(ص43). وفضلا عن ذلك، فهو يذهب الى أن القراءة الأدبية « تظهر في الوقت الذي ينصرف فيه القارئ عن التدبير بالتدرّج، الذي سمح له في المرحلة الأولى بالتعرُّف الى النص، لصالح تدبير الفهم الذي يقوده الى تعميق معرفته بالنص»(نفسه، ص97) وعلى الأرجح، فهو يضع التدبيرين داخل لحظات متتالية ويرتّبهما في الوقت نفسه داخل التعلُّـم.
ويقترح بيير بيرتيي(1999) تعلُّـمًا ثانيًا يجعله متميّزًا عن «القراءة الاخبارية» القريبة من القراءة بالتدرج عند جيرفي: «إنَّ تجميع المعلومات في الذاكرة (الاحتفاظ)، وتعيين العلامات المعيَّنة فعلا بالتخزين البصري (الاستكشاف)، وتصور البقية المحتملة للنص (التوقّع)، هو ما يشكّل خطاطة سيرورة «القراءة الأولى»(ص25). ويوضح أن تفكيك العلامات المكتوبة الذي يتعلق بالقراءة البسيطة قد اتَّضحَ أنه غير كافٍ لقراءة مؤلَّف صعب. وإذن لابد من اللجوء الى قراءة ثانية ــ ليست بالضرورة لاحقة بالأولى ــ تأتي فهمًا للغة بعيدًا عن ما تحيل عليه مباشرة. ويفرض هذا العمل إعادة بناء المعنى الذي لا يبدو على الفور واضحا ومفيدًا: « القراءة الثانية ذات مفعول رجعي ولا تعرف الاكتمال أبدًا» (ص25)، لأنَّ الاستكشاف والتعيين هما على الدوام خائبان. ويتبنَّـى كَـانفا (1999) هو الآخر تعريفا للفهم ثنائي القطب، مُـتحدّثًا عن «الفهم الوظيفي» و«الفهم الأدبي»، مُـتقاطعًا في ذلك مع أفكار جيرفي وبيرتيي، مع وجود بعض الفروق بينهم.
من الفهم الحَـرفيّ الى الفهم الاستـنتاجي:
إنَّ التصنيف الأكثر صوابا هو الذي تقترحه جوسلين جياسون(1990)، لأنها لا تقوم بحبس الفهم داخل توتر بين شيئين، بل هي تضعه على محور هو ثنائي القطب لكنه متَّـصلٌ زيادة على ذلك، وهذا هو التمثُّل الدقيق الذي يناسب نشاط الفهم كثيرًا. فهي تميّز بين نمطين من الفهم، الحرفي والاستنتاجي، تقريبا على طريقة جيرفي، إلا أنها لا تقوم ولا في لحظة واحدة بتقديم تدبيرٍ على تدبيرٍ آخر أثناء التعلُّم. وهي لا تميّز بينهما إلا في درجة التعقيد. فالفهم الحرفي يهتم بما هو موجود على سطح النص، بطريقة ظاهرة، ومن دون أيّ استنتاج. أما الفهم الاستنتاجي، وهو الأكثر تعقيدًا، فإنه ينظر بالأحرى في الروابط التي تُـنسَـج في الأعماق؛ وهو بذلك يقود القارئ الى سدّ الثغرات والفراغات الخالية أو المضمرة معطياتها.
وتُـميّز جياسون بين ثلاثة أنماط من الاستنتاجات: الاستنتاجات المنطقية، ومكوناتها واردة داخل النص؛ والاستنتاجات التداولية، وهي تقوم على أساس المعارف والصور النمطية للقارئ؛ والاستنتاجات المبتكرة، وهي الأكثر تعقيدًا، لأنها تتطلَّـب الكثير من المعارف المسبقة والصور النمطية المناسبة. وهذا النمط من العمل الاستنتاجي قريب من الابداع الخاصّ بالتأويل، ذلك لأن حصَّـة المواد المستحضرة من خارج النص هي الأكثر حضورًا هنا. لكن هذا النمط من العمل يتميَّـز عن التأويل باعتبار أنه يسعى دائما الى اعادة بناء المعنى الشامل للنص من أجل الزيادة في وضوحه من خلال ملء البياضات.
لا يمكن أن نضع مستويات الفهم هذه على سُـلَّمٍ تراتبيّ إلا تبعًا لتعقيداتها المقدَّرة، فالفهم الاستنتاجي يتطلَّـب مستوى من التجريد أكثر عُـلُـوًا. وعلى عكس الخطابات السائدة، فان مستويات الفهم هذه لا تظهر بطريقة دياكرونية عند التلميذ المفروض فيه أن يتعلم قراءة كل أنماط النصوص باللجوء في الوقت ذاته الى عمليات الفهم الحرفيّ والاستنتاجي. ولا يمكن أن نُـلزم التلميذ بفهم المواد الظاهرة في النص فقط بحجة أنه لا يزال صغيرا جدًّا (توفيرون، 1999ب).
كيف نعــرّف التأويل؟
مكوناته:
إذا كان الفهمُ بناءً للمعنى انطلاقًا من العناصر الظاهرة والمُـضمَـرة للنص، فإن التأويل سيكون تأمُّـلا في « مُـتَـعدّد النص «(كَـانفَـا، 1999، ص 103)، واستكشافًا هيرمينوطيقيًا. وبما أن التأمل والاستكشاف لم يعودا ينتميان إلى مجال التوافق الجماعي على تفسيرٍ ما الذي يرمي إليه الفهمُ، فإن التأويل سيسعى بالأحرى وراء «دلالة»، وهي تحيل ايتيمولوجيا على فعل «التعيين»، أي القيام باختيار بين الدوالّ الممكنة. وإذا كان المعنى في جزء منه بداخل النص، فإن الدلالة توجد بخارجه، يبتكرها قارئ مُـؤوّل يبحث عن إنتاج علامات جديدة انطلاقا من تلك التي يلاحظها داخل النص. وتسمي توفيرون(1999ب) «نصوصا مُـتَـوالدة» هذه البنيات المتعددة المعنى التي تثير في الغالب عملية التأويل.
إنّ القارئ، وهو يَـدرُس النص عن قرب، ويدرس مختلف تواردات علامةٍ متكرّرةٍ، يقترح تأويله الذي يقوم بابتكاره: « يقتضي تأويل نصٍّ ما أن لا أحد يعرف ما يدلُّ عليه، بل الأحرى أننا نظنُّ أنه قد يعني هذا الشيء أو ذاك. وإذن، فالتأويل يُـنظَـرُ إليه باعتباره وجهةَ نظر ذاتٍ ما (القارئ) حول شيءٍ ما (النص)، حتَّـى عندما تقتنع الذاتُ بأنّ وجهة نظرها هي الوحيدة الممكنة «(أولسون، في: جروسمان، 1999، ص 152). إلا أن وجهة نظره هذه لن تكون أبدًا هي الوحيدة الممكنة: ستكون دائمًا عبارة عن مُـمكنٍ من مُـمكناتٍ أخرى.
إنّ نَـظَـرَ المُـؤوّل لم يعد شُـمُـوليّـًا كما هو الحال بالنسبة إلى نظر القارئ في عملية الفهم. فلا يمكننا أن نُـؤوّلَ في الوقت ذاته كلَّ مكونات نصٍّ ما. وإذن، فالمؤوّل يُـركّز على العناصر التي تَـشُـدُّ اهتمامه وبالأخصّ من أجل أن يستخرج منها دلالةً لا تظهر في النص لكنَّـها التي لابدَّ أن تُـستوحى منه بطريقة ظاهرة. وإذن، فإن هذا العمل تجزيئيّ، ينجذب الى الداخل، ويعود الى النص ــ يسمح المعنى الايتيمولوجي لعبارة «دلالة»، الذي يحيل على «التعيين»، بهذا النوع من التقارب، بينما نجد الفهم يؤدي الى التراجع، والى الصوغ الشموليّ للبنيات المعجمية والتركيبية ــ كأنه قوة تُـبعدنا نحو الخارج. ففي التأويل، يتمّ تكبير قرائن من النص داخل عملية استكشاف ممكنٍ من الممكنات. وإذن، فإن المعنى المفهوم هو الذي يعرفُ التقطيع، ونجعله يواجه علاماتٍ أخرى من خارج النص. وعند العودة، فإن هذه العلامة الجديدة المؤَوَّلة تُـغني المعنى المُـشَـيَّد، لأنها ستُـغذي عناصرَ النص عندما تحصل على وضعٍ اعتباريٍّ توافقيٍّ ما.
إن التراث البيداغوجي يضع التأويل دائما في مرتبة أعلى من الفهم: ولا ينبغي الأخذ بهذه التراتبية لحظة ظهورهما في المنهاج الدراسي، بل هي تُُـؤخَـذ بعين الاعتبار في الكفايات المكتسبة بواسطة التأويل الذي يفرض تجريدًا أكثر تعقيدًا. فالابتكار يفرض، في الواقع، كفاياتٍ أكثر دقّةً من مجرّد اختيار معنًى ما. ذلك لأنه يستعين، من بين أشياء أخرى، بثقافة القارئ، ومعارفه، واستعداداته، وبعض مفاهيم التاريخ، أو الأكثر من ذلك، أنه يستعين، من داخل الأدب، بالنظريات الأدبية. وينبغي للتلميذ أن يتعلم في وقت مبكّـرٍ أنّ عملية التأويل لا ترمي الى استخدام النص لصالح فرضيات تأويلية لا تبقى وفيّـةً لمضمونه، بل الأولى أن يعملَ على إبراز دلالاتٍ تُـستوحَـى مباشرةً من النص. ذلك أن ابتكار علاماتٍ خاصّـةٍ بالتأويل يثير مسألة الحدود الهرمينوطيقية أيضًا، هذه الحدود التي بتجاوزها تتحول المغامرة الى مخاطرة. وبالفعل، من الضروري أن ندَرّس أن التأويل هو أولا وقبل كلّ شيء صوغٌ اجتماعي، وصوغ خطابي يستتبع بالضرورة مسؤوليةً. ومن أجل منع هذه التجاوزات التأويلية، لابد للأستاذ من أن يؤسّـس « التأويلات على حدٍّ أدنى من القواعد»(كَـانفَـا، 1999، ص103). ومع ذلك، لا ينبغي لهذه القواعد أن تبقى سجينة قالبٍ جامدٍ من أدواتٍ مستمدّةٍ من النظريات الأدبية: قد تؤدي اللغة الواصفة لهذه الأدوات في بعض الأحيان الى ارتباك كبير بسبب طابع خطابها الغريب الذي غالبا ما يُستخدَم في القسم كمفاهيم جامدة(جورو، 1999).
لابدَّ للدلالات المقدَّمة أن تسعى نحو التفسير، ونحو التوافق الخاصّ بالفهم. فمن واجب المعلّم أن يبحث عن نوعٍ من التوضيع مع التلاميذ بإخراجهم من تأويلاتهم المُـرَكّزة على عوالمهم الذاتية. ومن أجل بلوغ ذلك داخل القسم، لابد أن نُـبيّن للتلاميذ أنه بإمكانهم استدعاء عددٍ وافرٍ من المرجعيات السوسيوثقافية، مدرسيّةً كانت أو غير مدرسيّة: تلفزيون، سينما، تناص، مرجعيات تاريخية أو معاصرة، صور نمطية مرتبطة بالمحكيات والشخصيات والأفكار والأحداث والموضوعات والرموز، الخ. وأخيرًا، من أجل أن يكون التأويل متماسكًا، لابد من أن يتجاوب مع قدرٍ أكبرَ من تشاكلات النصّ، ومع قدرٍ أكبرَ من العلامات الأدبية.
تُـميّـز توفيرون(1999ب) بين نمطين في العمل التأويلي، ينتمي الأول ربَّما الى الفهم: « ما نسمّـيه « تأويل 1 »
( تأ1) هو سلسلة من الاختيارات المحلية للمعنى فيها يوجد تعدد الاختيارات التي تساهم في بناء تمثّـلٍ (من بين تمثلات أخرى) شاملٍ ومتماسكٍ للحبكة»(ص20). وبما أنها تستبعد قراءة المُـضمَـر من الفهم، فلا نستغرب إلا قليلا أن نجد في تعريفها للتأويل كفاياتٍ خاصّـةً بالفهم: انتقاء معنًى. أمّا النمط الثاني الذي تقوم بتعريفه، وهو إبداعيّ بشكل خالصٍ، فهو ينتمي كليةً الى تعريفنا للتأويل: « إننا نطرح أيضا أنّ كلّ نصّ يستدعي تأويلا من النمط 2(تأ2) بالمعنى الهرمينوطيقي للعبارة، وهو يأتي بعد الفهم، لكنه يستطيع أن يُـعَدّله بالعودة، ليس الى « ما الذي يقوله النص؟»، بل الى « أبعد ممّـا يقوله النص، الى ما الذي يقوله النصّ لي؟ ما العبرة أو الدرس أو الحمولة الرمزية… التي يمكنني استخراجها منه؟»(ص21). فالتأويل الثاني (تأ2) يُـوَلّد حركةً معاكسةً للتأويل الأول(تأ1) بما أنه تأمّلٌ في المعنى المتعدد. وإذن، فالتأويل يفرض حركةَ ذهاب وإياب بداخلها يحتفظ القارئ بعناصر متعددة المعنى يقوم ببسطها على النص مانحًا إيَّاه دلالةً خارجيةً: إنّهما ــ أي التأويلان ــ يشتغلان معًا في وئام، بحيث يغذي الواحد منهما الآخر بطريقة لا تعرف الاكتمال أبدًا.
إنَّ إدراج الخطاب الايديولوجي داخل النصوص هو مثالٌ ممتازٌ من أجل أن نوضّح هذا التكامل في تدريس التأويل. فمن المؤكد أننا قادرون على فهم ايديولوجية نصٍّ ما، لكن فقط عندما يكون ذلك موضعَ مساءلةٍ بطريقةٍ واضحةٍ. والحالة هي كذلك في المقال الافتتاحي(لجريدة ما) أيضا. ومع ذلك، ففي حالة الرواية، لا يمكن أن نتحدث عن فهم الايديولوجية التي تَـسندُ تشخيصا معيَّنًا للواقع؛ والأجدر أن نؤوّلها، ذلك لأن القراءة الايديولوجية لنصٍّ ما تتطلّـب ابتكار علامات مُـبَـنـيَـنَـةٍ بواسطة معارف تقع خارج النص. فهي نقلٌ لمعطيات النصّ الى قراءةٍ تتغذّى من معايير خارجية، بالنظر الى النماذج الإيديولوجية التي يَـنسُـبها المُـؤوّل الى النص. فلا وجود لهذه النماذج في داخل النص ولو حتى بطريقة مضمرة؛ فهي لا توجد بالضبط في موضع محدد في داخل النص، وحضورها هو بشكلٍ عامٍّ أكثر انتثارًا لا يسمح بإسنادها الى الفهم. وبالطريقة نفسها يمكن أن ننظُـرَ الى النقد النفسي الذي يستعين بمعارف ليست مُـدَوَّنةً داخل النص بأيّ شكلٍ من الأشكال.
من الضروري أن نحترسَ من حصر التأويل في مجال الأدب وحده (جورو، 1999). فهناك أنماطٌ أخرى من النصوص اللاتخييلية، كالمقالات الافتتاحية (للجرائد) والأفلام الوثائقية والكاريكاتورات والخطابات الاشهارية والسياسية، الخ.، هي قابلة للتأويل أيضا: خلف الرسالة التي تبلغنا من مقالٍ افتتاحيّ يمكن أن يرتسم موقفٌ ذو مذهبٍ استبداديّ أو جمهوريّ أو نيوليبراليّ أو اشتراكيّ أو مناهضٍ للعقلانية، الخ. ذلك لأن كلّ خطابٍ عموميّ إلا ويكون حاملا للقيم والإيديولوجيات والمقاصد غير المُـدَوّنة داخل النص لكن من الممكن أن نَـتَـعـقَّـبها بواسطة المعارف والأدوات التي نمتلكها. وبناءُ الدلالات ليس خاصّـًا بالقراءة الأدبية، بل هو بالأحرى خاصٌّ بالبنيات المتوالدة التي تتحدَّد بتعدّدية معناها.
ومثلُ أهل الأدب، فالصحفيون ينصرفون غالبًا إلى العمل بالتأويل مع نتائج الانتخابات أو استطلاعات الرأي. فأن نفهمَ أرقام استطلاع رأيٍٍ ما أمرٌ يعود الى قراءتها من أجل أن نعرفَ ما هي النسبة المئوية لهذا الجزء من الساكنة الذي يدعم حزبًا ما، وما هو أحد الجنسين الذي يدعم الجنس الآخر، الخ. أمّا التأويل فإنّه يقود بالأولى الى دلالةٍ جديدةٍ لا تظهر بوضوحٍ داخل المعطيات المُـجَـمَّـعة، لكنّـها تصدُرُ عن تلك القراءة التي يقوم بها المُـحَـلّـلون لهذه المعطيات. وهكذا، يمكن أن نؤوّل انخفاض نسبةٍ ما بعد استطلاعات رأيٍ عديدةٍ باعتباره تعبيرًا عن استياء ناخبٍ ما من سياسةٍ ما. والدلالة المسنودة الى هذه الأرقام هي ابتكارٌ، فهي لا تظهر قطُّ من خلال المعطيات، ولا حتّى بطريقة ضمنية؛ إنّها استكشافٌ لممكنٍ من الممكنات المحتواة في أرقام استطلاعات الرأي. ومن أجل بلوغ هذه الدلالة، يستخدم المحلّـلون معارفهم المتعلقة بالوضعية السياسية، أو بالتاريخ السابق، أو بالناخب، الخ. وهكذا، تصبح الأرقام مادَّةً من أجل نصٍّ جديد. ولا يمكن لهذا التأويل أن يطمح الى الحصول على الوضع الاعتباريّ للمعنى المقبول من طرف الجميع إلا إذا استطاع أن يحصل على إجماعٍ نسبيّ، ويعني ذلك أن يُـدرَك باعتباره تفسيرًا معقولا.
السيميوزيس عند بورس:
إنّ التأويل، مثل الفهم، مُـستَـوحًى بالضرورة من بيوغرافية القارئ: من تجاربه الاجتماعية والثقافية، من معارفه، من أحاسيسه، من أذواقه، الخ. و» المؤوّلات « عند شارل سندرس بورس (في: فرانكور، 1993، ص43) هي هذه العلامات المُـسترجَــعـة بواسطة عملية التأويل. غير أنه من الضروري أن نحترس من حَصر التأويل في العالم الحميميّ للقارئ، ذلك لأنّ معارفه كلّـها هي نوع من الصوغ الاجتماعي النشيط الذي يُـشَـكّـلُ قراءاته بشكل مُـعـتَـبَـرٍ. وإذن، فالإيديولوجية تلعب دورًا أساسًا في عملية التأويل، ذلك لأنها تَـحكُـمُ القارئ بطريقةٍ ماكرةٍ، من دون أن تكون مُـسَـمَّاة: « إنّ الإيديولوجيات، التي نُـعَـرّفُـها باعتبارها أنساقًا لإنتاج المعنى ولإسناد الدلالات، هي، من منظور بورس، مجموعاتٌ من العلامات المُـؤوّلة التي تُـنَـظّم الواقع وتسعى إلى تنظيمه في كُـلّـيته»(فرانكور، 1993، ص59). وحتمًا، فهذه العلامات الفردية والجماعية هي التي تساهم في تشييد دلالةٍ ما.
تحتلّ المؤوّلة، بالنسبة الى بورس (في: فرانكور، 1993، ص43)، وضعين مختلفين: من جهة، هناك العلامات الفردية والجماعية التي يُـعيدُ القارئ تنشيطَـها داخل تأويله؛ ومن جهة أخرى، هناك الدلالة التي تخضع لها العلامة والمدعوة الى المساهمة في تأويلاتٍ جديدةٍ باعتبار أنها علامةٌ جديدةٌ مطروحةٌ للتأويل. وفي هذا العمل، فالأنا المبتكرة تقوم إذًا بإبلاغ كلّ تأويل من خلال رَمي العلامة نَـحوَ دلالاتٍ جديدةٍ سَـتُـستَـعادُ، هي الأخرى، من طرف مُـؤوّلين جدُدٍ.
ومثلُ هذه الطريقة في تأويل علامات الفنّ تؤلّـفُ تعالُـقًا مع مجموع التجارب التي عاشها المُـؤوّل، سواء كانت أو لم تكن ذات طبيعة فنية، وهي أشبه بكلّ المؤوّلات الجماعية التي تتغذَّى منها ثقافته الحيَّـة. وهذه التجربة، تَـنظُـرُ اليها سيميوطيقا الأدب كأنها حركة ذهابٍ وإيابٍ تنشأ بين العمل المؤَوَّل ومُؤوّله والموضوع الذي يتـحـمّـل هذا الأخير مسؤوليتَـه(…). ولهذا لابدَّ من اعتبار التجربة الفنية سيميوزيس، ويعني ذلك أنها علامة دينامية، وفعلٌ للتدلال، وإذن فهي فعلٌ للتأويل(ص66).
وإذن، فالسيميوزيس يستلزم أن نُـعيد مرةً ثانيةً وضروريةَ تداولَ الدلالات، فإنه بذلك نجعل السلسلة التأويلية لانهائية: بلا انقطاع، تبتكرُ المُـؤوّلة وتُـغذّي تأويلا جديدًا بما أنها تندرج ضمن عملية تعميمٍ ضروريةٍ للقراءات.
صوغ اجتماعي ضروري للتأويل:
يَـمُـرُّ التأويل بالضرورة من المواجهة الاجتماعية التي تمنحه المشروعية. فهو تحيينٌ لدلالةٍ من طرف ذاتٍ في قلب عشيرةٍ ما، بالقدر الذي تساهم به في السيميوزيس الذي لا ينقطع: « إنّ تأويل النصوص يقوم بإبراز سيرورات الفهم عند القارئ»(جورو، 1999، ص99). وأمّـا المعنى فإنّه مقبولٌ ــ لأنه يحصل في الأحوال كلّها على إجماعٍ ولو كان معنًى وحيدًا ومحددًا ــ؛ وهو لا يحتاج الى النشر والذيوع من أجل أن يحصل على مشروعيته. وبالمقابل، فالتأويل يستمدّ مشروعيته من هذا الصوغ الاجتماعي. ومن دون صوغ خطابيّ، ومن دون مواجهة مع الآخر، لا يمكن الاعتراف بالتأويل وسيبقى ابتكارًا شخصيـًا. ولهذا ينبغي للمؤوّل أن يسهر على أن يتجاوز تأويلُـه الوضعَ الاعتباري للعلامة الفردية من أجل أن يصبح علامةً اجتماعيةً، ومن أجل أن يكون قادرًا على المساهمة في تداول العلامات، أي في السيميوزيس.
يُـمـيّز جان مولينو(1989) بين عمل المُـؤوّل وعمل المُـحـلّل، هذا الذي ينبغي له أن يذهب بعيدًا في تشييد تفسيره، ذلك لأنه لا يقوم بالابتكار فحسب، بل إنه يقترح تفسيرًا قابلا للفحص: و « لاحدود للتأويل»(ص45)، ذلك لأنه إبداعٌ للدلالة. أمّـا عملُ المحلّـل فهو مختلفٌ: « إنه يرمي لا الى تأويل النص، بل الى تقديم تقريرٍ عنه. وبذلك يحصل إذًا انفكاكٌ بين التأويل والتحليل»(نفسه). فالمحلّـل يَـدرُس « كلّ واحدٍ من الأبعاد الثلاثة (علامات النص، وعلامات المُـؤلّف والقارئ)، ويخلق باستمرارٍ مواجهة بين هذه وتلك»(نفسه). فالمفروض فيه هو الرؤية الشمولية التي لا يملكها المؤوّل، بما أنه سيجعل عاجلا أو آجلا قراءته تواجه عشيرةً من القرَّاء، وإذا كان الأمر هكذا، فمن أين يمكن أن يستمدّ المؤوّل ــ المحلّـل صلاحية عمله؟ يمكنه أن يستمدَّها من تعقيد النص الذي يُـعرَّف تحديدًا بأنه مُـرَكَّبٌ ومتعدّدُ المعنى، وذلك بأن يقترحَ مسلكـًا سيميوطيقيـًا من أجل النفاذ الى هذا النص: « يَـطرحُ المؤوّل ــ المحلّـلُ الأسئلة على النص؛ وعليه أن يؤسس ويقترح النماذج المحدّدة والصالحة من أجل الردّ من داخل النص»(ص50). وهكذا، يمكن أن تُـتَـرجَـمَ خاصية المحـلّـل على أنه يؤدي واجبا علميّــًا.
تكاملية الفهم والتأويل
لا ينبغي لإعادة تنظيم المعنى الملازمة للفهم أن تكون مختزلةً في رسالةٍ وحيدةٍ يكون المؤلّف هو من يسعى الى إبلاغها، بل الأولى أن يسمح الفهمُ بالنفاذ الى تمثُّلٍ للعالم. « ما ينبغي لنا فهمه ليس هو الحياة النفسية لمن يتحدث من وراء النص، بل هو هذا الشيء الذي يتحدث عنه النص(…)، هو هذا النوع من العالم الذي يسعى المُـؤَلَّف الى إظهاره»(بيرتيي، 1999، ص95). وسيكون التأويل هو بالضبط هذه المحاولة في تفسير تعددية العوالم. فهو يسعى الى أن « يستخرج عوالم الأدب الممكنة من عالم الواقع الفردي والمابين ـ فردي»(نفسه). وإجمالا، فإن القراءة تُـؤسس عوالم؛ وإذا كانت تبحث عن فهم معنى النصوص بالتحايل على الحواجز الموضوعة في الطريق، أو بتأويلها من خلال منحها دلالاتٍ جديدةٍ، فإن هدف القارئ لا يتغيّر أبدًا: أن يَـعرض نفسَـه داخل عالمٍ آخرَ من أجل أن يَـتـبـيَّـن من خلاله صورةً عن ذاته، وأن يشعر بالقليل من الألفة من خلال صوره النمطية.
وداخل هذا البناء للعوالم الممكنة، يـتَّـضح كم هو صعبٌ أن نُـعيّن من بين المحطتين تلك التي لها الأسبقية.
هل ينبغي لنا أن نفهم كي نُـؤوّل في ما بعد؟ لقد أتينا في هذه المقالة بجوابٍ يُـؤكّده العديد من الباحثين: إن علامة الفهم خاضعة لمقاييس القارئ ومعارفه، من خلال صوغ مفهوميّ بعيدٍ عن الكلمة والجملة؛ أمّـا علامة التأويل فهي مقذوفةُ نحو دلالاتٍ جديدةٍ. وينتجُ عن ذلك أن هذه المؤوّلات المستمَـدَّة من عمل التأويل تعود لتُـغَـذّيَ فهمَـنا لتعددية المعنى التي كان النصّ مجرَّدًا منها قبل التحليل المُـعَـمَّق. وكي لا نذهب، مثل فاندردورب(19992) إلى أن الفهم يأتي بعد التأويل ــ لأن هذا السجال حول الأسبقية الكرونولوجية لا يسمح بالتقدم كثيرًا، فإننا نؤكد أنهما يشتغلان في تلازمٍ، ويغترف كلُّ واحدٍ من العلامات التي أنتجها الآخر. وهنا سيتحقَّـق تحديد قراءةٍ غنيّـةٍ ومنتجةٍ: المعطيات المفهومة مدعوَّةٌ الى التأويل، ويكون من الضروريّ أن يُـقَـدَّم السجلان معًا في تلازمهما منذ التعلمات الأولى للقراءة. وهكذا، يستكشف القارئ ممكنات علامات النص من أجل أن يعودَ الى إغناء فهمه بواسطة دلالاتٍ جديدةٍ هو نفسه من ابتكرها ومنحها الصلاحية من داخل النص.
والحاصلُ أن « الفهم قد يُـمَـثّل استقرارًا للتأويل: فلن يعود قطُّ مجرَّد «وجهة نظرٍ حول»، بل سيعود تأويلا يُـفتَرض أنه مقبول ومشترَك (أولسون، في: جروسمان، 1999، ص 152). وقد سمَّـيـنَا استقرارَ التأويل هذا، الذي ينتمي تحديدًا الى مجال الاجتماعيّ، «معنًى»، لأنه يساهم في فهمٍ جديدٍ. ويضاف الى ذلك أن المعنى مدعُـوٌ باستمرارٍ الى التحول، في ضوء المؤولات الجديدة التي تُـغَـذّيه. فطابعه التوافقي هو وليدُ الصوغ الخطابيّ للتأويلات المتلاحقة التي ترمي، بعد أن يتمَّ إثباتها، إلى أن تتحصَّـنَ حول دلالاتٍ معيَّـنة، وأن تلتزمَ الصمت بخصوص تفسير النص.
امتدادات ديداكتيكية
من أجل أن يكون تعلّـمُ هذه الحركة الدينامية في القراءة الأدبية يسيرًا ومبَـسَّطـًا، وضعنا، في الجدول رقم 1، الأقطاب الخمسة المُـستخلَـصة من مقالتنا ذات الطبيعة التركيبية النقدية. ولابدَّ من قراءة هذا الجدول باعتباره تفكيكـًا، غيرَ متقنٍ أحيانـًا، للأنشطة المُـتـضَـمَّـنة في نشاط القراءة الأدبية، في الفهم كما في التأويل، أي باعتباره خطاطةً لابدّ من ربطها طبعـًا بمجموع ما تبلورَ في هذه المقالة بقصد التدقيق في النشاط الذي يستتبعه كلّ عنصرٍ من عناصر الثنائيات.
مثال: رواية « زبد الأيام « للكاتب بوريس فيان
وفي سبيل الختم، نقترح مثالا موجزًا جدًّأ من أجل تعلّـم ــ تدريس الفهم والتأويل في النصوص الأدبية من خلال استحضار متواليةٍ ديداكتيكيةٍ موضوعةٍ من أجل تلامذة الإعدادي بالكبيك(18 ــ 19 سنة). ومن أجل بناء إطارٍ للتعلّـم، تصورنا مع التلاميذ قبل القراءة وضعيةً ــ مشكلةً نواتُـها التأويلية هي تحريفُ شفرات الحكاية الخرافية من طرف الكاتب بوريس فيان في روايته: زبد الأيام: فالزواج مطروحٌ بوضوحٍ لا باعتباره خاتمةً سعيدةً متوقّعة، بل باعتباره الحدث الذي سيؤدي الى انطلاق مصائب كولان وعصابته. وما أن نتقدّم بهذا المسلك التأويلي حتى تنطلق فعليّــًا عمليةُ الفهم والتأويل: قبل القراءة، يقرأ المُـدَرّسُ بصوتٍ مرتفعٍ مقاطعَ مستهدفة من داخل النص يُـبرز من خلالها عملياته الاستنتاجية الخاصّة محلّــلا، على سبيل المثال، مشهد الزواج الغريب الذي سيظهر به المرضُ لأول مرة. والتلاميذ مدعوون على الفور الى تأويل مقطع ثانٍ يُـوضّح العالم العدائي الذي نشأ فيه كولان بعد زواجه. وبالتدرّج، سيتعلّـمون كيف يربطون، بمساعدةٍ من مُـدرّسهم ورفاقهم، عناصرَ النص بالمسلك التأويلي الذي لا يَـظهر بشكل واضحٍ داخل الرواية.
أثناء القراءة الفردية، تتحدد مهمّـةُ التلاميذ في تعميق التأويل الذي بدأت ترتسم معالمه، مع مدرّسهم، ساعين الى ربطه بقدرٍ أكبر من التشاكلات. وفي مثل هذا الإطار الديداكتيكي، لا يفرض المدرّس قراءةً وحيدةً، بل يسمح للتلاميذ ببناء كفاياتهم التأويلية في علاقةٍ بمسألةٍ مطروحةٍ منذ بداية الاشتغال، لأن المتعلم ــ القارئ لا يمكنه، بمفرده، أن ينخرط في مهمّـة التأويل: لن يتمـكَّــن من عزل مسألةٍ ملائمةٍ تستجيب لخصائص النص من دون انحراف مُـبـتَـدَعٍ. وهكذا، فأثناء القراءة الفردية، يُـؤلّف التلميذ لنفسه فهمــًا يقوم في جزءٍ منه على تأويلٍ يُـغذيه شيئا فشيئا كلَّـما تقدّم في النص. وبارتباطه بالمسألة المطروحة، سـيتعلّم كيف يستشعر أكبرَ قدرٍ من تشاكلات النص. وعند الانتهاء من القراءة، يبقى التعلّـم مستمرّا داخل القسم، بواسطة العمل التشاركي، لفحص فرضيات القراءة، واختبار التوافق الجماعي حيث ينبغي لكل واحدٍ أن يدافع عن استبصاراته التي تكون مترددة أحيانا. وهكذا تتنقَّـل الأسئلة الفردية للقاريء ــ الخبير داخل القسم، من أجل أن يفهم التلاميذ كيف ينبغي للقاريء المؤوّل أن يثبت صلاحية مسالكه التأويلية بالإحالة باستمرارٍ على النص، وهي العملية التي ينبغي للمُـدرّس أن يوضحها ما أمكن ذلك بإلقاء الضوء على آليات التفاوض التي تجري داخل العمل التشاركيّ.
وانطلاقُ القراءة الأدبية بهذا الشكل، في استهلالها، ألا يضع التأويل قبل الفهم؟ لاشك في أنّ هذا ما تؤكده المتوالية الديداكتيكية المقدَّمة هنا، ومن أجل غاياتٍ تعلميةٍ. لكن لا يمكننا أن نجزم بذلك في نشاط القراءة كما تمارسه الذات. وما نعتقده هو أنّ فهمَ محتوى نصٍّ ما أمرٌ يجعل يسيرةً عمليةَ التأويل التي تُـغَــذّي الفهم، هذا الذي يقوم، بدوره، بإغناء التأويل الذي يَـنـفُــذ إلى فهمٍ أكثرَ دقّةً هو الذي… يبدو شرطـًا ضروريــًا من أجل انكشاف لذّةٍ دائمةٍ ومتجدّدةٍ للقراءة الأدبية.
المراجع:
Berthier, P. (1999). Le second apprentissage de la lecture. Paris: Anthropos.
Calvez, V. (1999). Lire (et comprendre) Zadig de Voltaire ou comment y entrer?… et
Comment (s’) en sortir ? Enjeux, 46, 47-56.
Canvat, K. (1999). Comprendre, interpréter, expliquer, décrire les textes littéraires.
Postures de lecture et opérations métacognitives. Enjeux, 46, 93-115.
Chelard-Mandroux, I. et Tauveron, A.-M. (1998). Enseigner la lecture de l’oeuvre
littéraire au lycée. Paris: Armand Colin.
Daunay, B. (1997). La paraphrase dans le commentaire de texte littéraire. Pratiques, 95,
97-124.
Desrosiers-Sabbath, R. (1992). L’inférence en lecture et le profil d’apprenants. In M.
Lebrun et
M.-C. Paret (dir.), L’hétérogénéité des apprenants (p. 91-96). Paris: Delachaux et Niestlé.
Dumortier, J.-L. (1991). Questionnaires en question. Enjeux, 23, 71-87.
Eco, U. (1985). Lector in fabula. Paris: Grasset.
Falardeau, ?. (2002a). Pistes d’entrée pour la lecture de textes littéraires au collégial.
Thèse de doctorat, Université Laval.
Falardeau, ?. (2002b). La préparation à la lecture pour améliorer les compétences des
élèves en littérature. Pédagogie collégiale, 16(1), 6-11.
Francoeur, L. (1993). Grimoire de l’art, grammaire de l’être. Québec/Paris: Les Presses
de l’Université Laval/Klincksieck.
Gadamer, H.-G. (1996). Vérité et méthode. Les grandes lignes d’une herméneutique
Philosophique (trad. P. Fruchon, J. Grondin et G. Merlio). Paris : ?ditions du
Seuil.
Gervais, B. (1993). ? l’écoute de la lecture. Montréal : VLB ?diteur.
Giasson, J. (dir.) (1990). La compréhension en lecture. Boucherville: Gaëtan Morin.
Giasson, J. (1992). Stratégies d’intervention en lecture: quatre modèles récents. In C.
Préfontaine et M. Lebrun (dir.), La lecture littéraire (p.219-239). Montréal :
Les ?ditions Logiques.
Grossmann, F. (1999). Littératie, compréhension et interprétation des textes. Repères,
19, 139-166.
Irwin, J. et Baker, I. (1989). Promoting active reading comprehension strategies.
Englewood Cliff,NJ: Prentice-Hall.
Jorro, A. (1999). Le lecteur interprète. Paris : Presses universitaires de France.
Lebrun, M. (1987). Vers un modèle intégré des critères de compréhension en lecture au
collégial, Université Laval, Thèse de doctorat.
Molino, J. (1989). Interpréter. In C. Reichler (dir.), L’interprétation des textes (p. 9-52).
Paris : ?ditions de Minuit.
Privat, J.-M. (1995). Sociologiques des didactiques de la lecture. In J.-L. Chiss, J. David
et Y. Reuter (dir.), Didactiques du français. ?tat d’une discipline (p.133-153).
Paris: Nathan.
Rémond, M. (1999). Apprendre à comprendre l’écriture. Psycholinguistique et
métacognition :l’exemple de CM2. Repères, 19, 203-224.
Reuter, Y. (1981). Le champ littéraire : textes et institutions. Pratiques, 32, 5-29.
Reuter, Y. (1992). Enseigner la littérature. Recherches, 16, 55-70.
Tauveron, C. (1999a). Des enfants de 6 à 10 ans en quête de sens. Enjeux, 46, 5-25.
Tauveron, C. (1999b). Comprendre et interpréter le littéraire à l’école : du texte réticent
au texte proliférant. Repères, 19, 9-38.
Terwagne, S., Lafontaine, A. et Vanhulle, S. (1999). Lectures interactives d’Amos et
Boris. Pour un apprentissage par étayage de l’interprétation d’oeuvres
littéraires. Enjeux, 46, 27-46.
Vanderdorpe, C. (1992). Comprendre et interpréter. In C. Préfontaine et M. Lebrun
(dir.), La lecture et l’écriture. Enseignement et apprentissage (p.159-182).
Montréal: Les ?ditions Logiques.
1 ــ النص الأصلي:
?rick Falardeau :Compréhension et interprétation : deux composantes complémentaires de la lecture littéraire », Revue des sciences de l›éducation, vol. 29, n° 3, 2003, p. 673-694.


ترجمة: حسن المودن

شاهد أيضاً

التخييل الذاتي فـي كتابات توفيق الحكيم

بالرَّغم من الإشادة النقدية التي لقيَتْها بعض روايات توفيق الحكيم، وخاصة روايتي «عودة الروح» وَ …