صدور العدد السادس والثمانون من مجلة نزوى

القمر يطلع على البحر كقرص بطيخ أحمر لـ «نكي مرانغو»

نكي مرانغو ( 1947 / 2013) الشاعرة والرسامة جاءت من نيقوسيا لقيتها في لوديف بين شعراء المتوسط كانت تكتنفها هالة من الصمت والشعر كانت تبدو متحفظة… مثل الشرقيات أجل ألم تأتي هي أيضا من قبرص الآسيوية واليونان القديمة شرقية قبل أن يستحوذ على صورتها الغرب في عصر النهضة وينسبها لنفسه… بعد الأمسية كان لنا حديث عن يانيس ريتسوس وإليتيس وجورج سيفريس
عن عجائز قبرص الملفعات بالسواد عن نخيل القرى عن بحر ليماسول المضيئ الشبيه ببحر الحمامات عن أشجار السرو والأوكاليبتوس عن كنائس القرى الجبلية عن غناء القرويين عن مدينة ترودوس التي زرتها في الشتاء ترودوس القابعة في صمت الجبل والمحاصرة بالمطر … قبرص التي انبثقت من شاطئها أفروديت وهي جزيرة النحاس الخرافية التي يصير اسمها في ألف ليلة وليلة مدينة النحاس… استمرت علاقتنا وأرسلت لي ذات يوم قصيدة الورود ونصها الأوتوبيوغرافي نيقوسيا لينشر في كتاب الأسئلة غير الدوري الذي كنت أصدره من تونس… كان قد توقف الكتاب… بعدها بسنوات عرفت أنها صديقة حميمة لشاعر صديق هو الألماني يواخيم سارتوريوس ومن أسرار اللقاءات البشرية أننا كنا نقوم بنشاط متشابه في نفس الوقت بعثت هي دار نشر وأصدرت ترجمة لمختارات من شعر سارتوريوس في نفس الفترة أصدرت أنا أيضا عن دار التوباد التي بعثتها في تونس ترجمة له أنجزها لوران غسبار … أواخر 2014 قرأت صدفة وأنا اتصفح الانترنت خبر موتها قبل عام تقريبا بحادث سيارة في الفيوم وأحسست بلسعة في القلب…
أذكر عندما قرأنا سوية في تلك العشية البرتقالية البعيدة في لوديف داخل حديقة خلفية أو ما يسميه الفرنسيون حديقة الشتاء بين نباتات الجنوب الغامضة وأشجار الدفلى قرأت قصائدها في الأوّل باليونانية ثم مترجمة للفرنسية كانت تلقي شعرها كما لو أنها تتحدث بهدوء لا خطابة ولا تفخيم سوى بعض الشجن الخفي الذي يتبدى في صوتها… بدت لي أبجديتها ومناخاتها الشعرية قريبة من عوالم كفافيس ويانيس ريتسوس أخذت من كفافيس العود إلى الماضي الاغريقي وتتبع مصائر الأشخاص من الماضي ومن محيطها الذين تستحضرهم في شعرها وكذلك أسماء الأماكن ومن يانيس ريتسوس الاحتفاء بالواقع بالتفاصيل والجزئيات النهارية التي تحولها إلى شعر. هي تلتقط الشاعري من الحياة اليومية تجعلنا ندرك المستويات الشعرية والدرامية في تفاصيل الحياة اليومية لذا قد يبدو شعرها في الترجمة تقريريا بيد أنها تلتقط ضوء الأشياء من الأشياء تلتقط روح الأشياء وكأنها تقول مع الشابي ..
كذلك قالت لي الكائنات وحدثني روحها المستتر
هي ومن خلال الأشياء تمس روح الأشياء هو الروح المستتر الذي ذكره بودلير وكان فيما أعلم أول من انتبه إليه… لأن الشعر هو ذاك التطابق بين القصيدة والعالم المخفي الذي هو حقيقة الشعر.
تعد نكي مارانغو من أهم شعراء قبرص لها أربع مجاميع شعرية نالت جوائز كثيرة من بينها جائزة كفافيس كما كتبت الدراما والرواية وقصص الأطفال عدا معارض الرسم.
فيما يلي نص سيرة شاعرة ومدينة. قصة نيقوسيا هنا هي عرض لجغرافية الشاعرة الروحية وتصوير للأماكن التي عاشت فيها الشاعرة والأماكن التي امتزجت بحياتها وروحها وتجلت في رسومها وأشعارها التي تكتظ بالأسماك والنجوم والبحار وأشجار المصطكي والأوكاليبتوس
هنا تحول المكان إلى قصائد وألوان وهي تروي كل ذلك بصدق وبساطة شديدة….
خالد النجار
نيقوسيا *
التوتر الذي يتملك نيقوسيا كما يقول كريسوفوروس هو بسبب الخط الأخضر. كل الناس الذين من هذه الجهة ليس لديهم سوى فكرة واحدة هي عبور الخط إلى هناك. وكل أولئك الذين في الجهة الأخرى يريدون المجيء إلى هنا. وهذا يخلق نوعا من الشجن في المدينة. قد تتشابه المدينة مع القسطنطينية ومع سالونيك وليس لديها أي شبه بأثينية.
كنا جالسين فوق سطيحة بيت آل كونستونديس. كانت المدينة تمتد من حولنا الشارعان التجاريان وصفوف أشجار النخيل. كاتدرائية القديسة صوفيا ومنارتاها المرتفعتان تحجبهما بنايتان حديثتان. قلت:
ـــــــــ كانت هذه الكنيسة من العظمة حتّى أن ملوك أورشليم وقبرص كانوا يتوجون فيها.
كنا نستمع إلى صوت الإمام بوضوح تام كان يوم أحد وكانت الشوارع خالية سوى من بعض المقاهي الصغيرة المفتوحة وبعض المارّة في شارع المشاة يتفرجون على عارضة المحلات. وقمر بحجم قطعة بطيخ أحمر كان يرتفع في السماء.
جئت إلى نيقوسيا في الرابعة من عمري وذلك عندما انتهى تشييد المصحّ الذي بناه أبي قريبا من المستشفى قبالة المحاكم… كنت أجري بدراجتي داخل رواق المصحّة الذي لا ينتهي من الطرف إلى الطرف الآخر. ورغم صغر سنّي كان انتقالي من ليماسول إلى نيقوسيا قد أصابني بشيء من الكآبة داخل عالم موظفي الإدارة والمستوطنين المختلف كثيرا عن عالم الناس المقبلين على الحياة وعن عالم تجار ليماسول.
لي ذكريات قليلة عن هذه المرحلة في حين استطيع أن استرجع كل زوايا ليماسول الخفية.
كانت مخيلتي وأنا في المدرسة الابتدائية منبهرة بالمنظمة القومية للمقاومين القبارصة. ضد الاحتلال الانجليزي. كنت أتألم كثيرا أن والدي استقدما إلى البيت مربية انجليزية. فكنت أعتبرهما خونة.
فيما بعد وفي الستينات تعرفت على نيقوسيا وقد صرت مراهقة ألفّ المدينة بدراجتي. كنا نقيم قرب النهر في منطقة تنبت فيها أشجار باسقة أوكاليبتوس ونخيل قريبا جدّا من الحي التركي. كنّا نذهب أمي وانا يوميا إلى الحي التركي فالسوق، البلدية توجد هناك وكذلك البريد المركزي حيث نمر لنأخذ رسائل أبي من صندوق بريده. أحببت الحي التركي منذ نعومة أظفاري. كنت أحب البنايات العتيقة وتاريخها. وكنت اختلق الأعذار المختلفة لأنطلق إلى تلك الجهة. في محيط كنيسة القديسة صوفيا توجد شوارع بمختلف المهن هناك سوق الصاغة وسوق الحدادين وسوق الأقمشة. محلات سوق الصاغة صغيرة فتريناتها لا تكاد تلمح وعادة ما يضع الصائغ بضاعته في صناديق البسكويت الانجليزية الحديدية البيضاء فكنت أظل ساعات أفتش داخلها. هناك وجدت بروشا تمثل يدا ماسكة زهرة او أقراطا صغيرة مصنوعة من ذاك الذهب الذي يعود لأيام العثمانيين والذي يكثر في داخله النحاس كل شيء كان رخيصا في ذلك الوقت وكنت أشتري عندما يسمح مصروفي الاسبوعي بذلك. كنت معجبة بعقود تتدلى منها علب صغيرة من فضة كانت تستخدم لدفع الجزية التي فرضها الاتراك على يونانيي الجزيرة فيما مضى. الأتراك الذين كانوا يقطعون رأس من يمتنع عن دفع هذه الضريبة. فكانت العلب تحمل صور قطع الرؤوس وأظل ساعات وأنا اتطلع فيها بيد أنّي لم أشتر أبدا ولا واحدة منها. ثمة أيضا خواتم زواج فضية كثيرة. نساء كثيرات منحن أيام الحرب العالمية الثانية خواتم الزواج الذهبية مقابل خواتم من فضة كتب عليها حرب التحرير 1940. كان غالبية الصاغة من اليونانيين الذين غادروا سوق الصاغة بعد 1963 لينتشروا في رياح العالم الأربع.
كان أبي متشددا جدا ولم يكن يسمح لي بالخروج من البيت إلاّ لقضاء الحاجة حتّى أنّي كنت أذهب خفية إلى المركز الثقافي البريطاني. كنت أجد مختلف الدورات لأحصل على فرصة للخروج من البيت. اكتشفت في الحي التركي امرأة أرمينية تعطي دروسا في الرقن وكتابة الاختزال. لم يكن أبي يرفض أبدا أن تتعلم بناته لأنه كان يرى من الواجب على بناته أن يتثقفن. هكذا وبحجة أن لي درس كنت أفلت من البيت وكثيرا ما كانت تأخذاني قدمي إلى الحي التركي وعندما حان وقت المغازلات الأولى كانت مواعيدي الأولى تقع أعالي قباب القديسة صوفيا كنت أصعد عبر مدرج المنارة الضيق وأستشرف كل نيقوسيا التي تمتد تحت أقدامي حتى سلسلة جبال بنداكتيلوس… كان السند باد البحري يخرج لي من المنارة وجان أوستن من الأخرى كنت أقضي وقتي في المطالعة.
استمررت في الذهاب إلى المنطقة التركية حتّى عندما وضعوا مراكز حراسة على كلا الجانبين. لم يكن أحد يفكر أن يوقف بنتا على دراجة.
كان الخط الفاصل يقسم المدينة نصفين على مستوى شارع عمرو على وجه التحديد كنا أنا وأمي نمرّ به كل يوم تقريبا. كان هناك صف لا ينتهي من الدكاكين الضيقة والمستطيلة تكتظ بالأواني : صحون كؤوس ألعاب… شلال من الألوان. كانت هناك أيضا الأواني البلاستيكية الأولى ذات الألوان التي كانت تبدو ساحرة في ذلك الوقت… أقداح صينية من المعدن الأبيض مزينة بصور أسماك. كان الحي قد أخلي وتحوّلت الدكاكين إلى أماكن أخرى مختلفة. في مقهى استيفر الذي لم نعد نتبين يافطته هناك دراجة نارية فيسبا وراء الفترينة مختلط وأكياس رمل وحفر.
غادرت نيقوسيا سنة 1965 للدراسة في برلين وهناك عشت نيقوسيا أخرى عبر الاحساس النوستالجي ولدى عودتي سنة 1970 وجدت مدينة أخرى متغيرة إلى حد ما ولكن أنا ايضا تغيرت. لقد تهت عن نفسي لم أعد قادرة على الكتابة أو الرسم. كنت أحرر مقالات للصحافة حول الاتجاهات الجديدة للاشتراكية الاوربية مقالات حضيت بردود إيجابية كانت تصلني بيد أنّي أصبت في تلك الفترة بعدوى كآبة أوروبا الشمالية. كنت أضعت أقلامي. كانت عصارى نيقوسيا المرهقة هي الوحيدة التي ساعدتني على تذكر من أنا. حالة التعطل وأشجار النخيل التي في الأفق والبحر والدرب التي تنحدر مباشرة نحو كيرينيا في اتجاه البحر .البحر الساحر.
قبل اجتياح سنة 1974 كانت نيقوسيا مدينة ساحلية على وجه التقريب كنا نجد أنفسنا أمام البحر بعد عشرين دقيقة بالسيارة. كنا نعبر الجبل وكنت كثيرا ما أغمض عيني وأستعيد في ذهني هذه الرحلة نحو البحر. مضت الآن ست وعشرون سنة واليوم لنجد شاطئا شبيها علينا أن نقطع بالسيارة ساعتين ونصف الساعة. اختفى البحر من الحياة اليومية لهذه المدينة. عندما أتطلع نحو الشمال إلى جبل بنداداكتيلوس الذي يفصلنا عن البحر أرى علما تركيا كبيرا مرسوما على الجبل. أتجنب النظر إلى الشمال.
كثيرا ما اتجوّل في المدينة العتيقة باختصار فيما بقي منها… كلّ الشوارع تنتهي بمراكز الحراسة. أهبط إلى شارع ليدرا الشارع التجاري القديم وسط البلد والذي صار شارع مشاة. تبدو منارتا كنيسة القديسة صوفيا في آخره تتدلى بينهما أشرطة فوانيس ملونة تعلق أيام شهر رمضان. كنيسة فانيروميني وحمامات عيمركاس في حي المواخير. كلمة عيمركاس مشتقة من اسم المسجد المجاور الذي يدعى المسجد العمري.
أي مقام عمر وهو دير قديم للرهبانية الأوغسطينية. وممّا يروى أنه ومنذ أن قضى عمر بن الخطاب ليلة داخله صار مزارا للمسلمين بيد أن الدير كان أيضا مكانا مقدسا لدى الرومان. ويروي بعض المؤرخين القدامى أن جدث القديس يوانيس مونتوليف المدفون داخله ظل سليما. وممّا يروى أن الرحالة الألمانية أوف ولدى عودتها من الأراضي المقدسة قضت ليلة تتعبد حذو القديس. وقد نهشت قطعة من كتفه لتحملها معها ذخيرة ولكن قاربها لم يتحرك إلى أن اعترفت وذهبت وأعادت القطعة التي استعادها الجسد الذي بلا حياة على الفور.
ونيقوسيا مثل كلّ المدن العريقة تضم داخلها ذكرياتها المرصوفة كالطبقات الأرضية وهي تكتظ بالقصص التي من هذا النوع. أبعد من ذلك بقليل نجد منزل هيرتزيجورغاكي كورنيسيو والكنائس القديمة.
تضم المدينة العتيقة سلسلة من الكنائس القديمة تحوي أيقونات رائعة الجمال وأحد مميزات الأيقونة القبرصية تتمثل في أنك كثيرا ما تجد في أسفلها المتصدق بتكاليف إنجازها وصورته هو أيضا. إن صور المتصدقين تشكل شهادة على العصر الذي أنجزت فيه اللوحات. وهكذا نستطيع أن نرى في هذه الأيقونات تجارا هولنديين، نساء لاتينيات متشحات بالدانتيلا، بنات جميلات جدا مسجيات وأياديهن متصالبة على صدورهن أو أطفالا معتمرين قبعات غريبة. لخدمة الأسبوع المقدس في هذه الكنائس طابع تأمل عميق هناك النقوش التي طرزتها صبايا الجوار في إحالة إلى طقوس عبادة أدونيس المغرقة في القدم. في المدينة العتيقة فقط أحب متابعة جماهير أعياد الفصح. الرجل كلّ الناس حاضرة هنا. الرجل الذي على جانبي بسحنته الاغريقية القديمة يتطلع على صور الملائكة والفرنجة بشعورهم المحفوظة في الشبكة والمغاربة. دياكونوس الفتاة الصغيرة المتشحة بالسواد، واللاهوتي في طقمه القديم كلّهم مأخوذين وسط الذهب والجوخ.
هجر السكان منازلهم على طول الخط الأخضر. الخط الذي يقسم المدينة إلى شطرين وهكذا تحولت تلك المنازل إلى مآرب. غابريال بياع الخردة ومخزن بطرس التاجر المتجول يؤوي فيه عرباته التي يشحنها كل صباح حسب الفصل الليمون والبطيخ والشموع العسلية حذوه بافلوف الأكتع الذي يقطع الخشب يليه حمامات استيفانوس والسيد سبيروس مصلح الأحذية. فوق الجدار بالدهن كلمة احترم. في المساء تفرغ الطرقات وأي شخص يسير على أسوار النخيل يشعر بأن البحر في الخندق او ثمة مسيلا ولكن لا يوجد أي واحة مائية في نيقوسيا لتكسر في الصيف موجة الحر الشديد في سهل ميزوري الذي يمتد حول المدينة أصفر في أغلب ايام السنة. وإنه على امتداد هذه الفترات من الحر الشديد تعجبني نيقوسيا اكثر ما يمكن عندما تهب في المساء ريح غربية خفيفة وتهوي المدينة التي سحقتها الحرارة. وقتها يخرج كل الناس إلى الحدائق والشرفات.
عندما كبرت نيقوسيا أول القرن العشرين ولم يعد هناك مكان لبناء بيوت جديدة داخل الأسوار نشأت الأحياء الأولى خارج الأسوار. منازل رائعة ذات عمارة كلاسيكية جديدة. وبيوت على الأسلوب الكولونيالي وسط حدائق شاسعة. هي هناك أجمل أحياء المدينة التي ظلت لحسن الحظ محفوظة لأن المناطق التي بنيت في الآونة الأخيرة ما استطاعت أبدا أن تصير أحياء. أموال كثيرة استثمرت في نيقوسيا في السنوات الأخيرة. بعد الاجتياح كثير من القبارصة الذين فقدوا بيوتهم وأعمالهم ذهبوا إلى البلدان العربية حيث عملوا بكد وعادوا لبناء الجزيرة. الثراء جلي في المناطق الحديثة التي لا تكف عن التمدد. بيوت استلهمها أصحابها من المسلسلات التلفزيونية وما أن يسكنونها حتى تتبدى لهم غير مريحة. هذه الأحياء ليس لها أي لون أو طعم. وهذه البنايات الجديدة بأعمدتها وأحواض السباحة من الممكن أن توجد في كلّ مكان.
المدينة العتيقة هي الأساسية بالنسبة لي. وحس التاريخ الذي يضمه كل جدار ملبد. هناك أمتلك الاحساس بتموضع نيقوسيا في الشرق. وبقدر ما تمر السنون والأعوام أنا من كنت رحالة عنيدة لم أعد أشعر بالرغبة في السفر. ثمة لحظات أحس فيها بأن حديقتي تحوي العالم بأسره حيث
وسط اليرقات والفراشات الملوّنة
زرعت أشجار ورد في الحديقة هذه السنة
بدل أن أكتب القصائد
زرعت سانتفيولا من البيت الحزين في مدينة القديس توماس
زرعت تلك الوردة ذات الأوراق الستّين التي جاء بها ميدياس
من فريجيا
ووردة البنكازية القادمة من الصين
وشتلات من شجرة ورد المسك الوحيدة التي لا تزال تعيش
في باحة المدينة القديمة
وخاصة وردة غاليكا التي جاءت مع الصليبيين
و تسمّى ايضا وردة دمشق
ذات العطر الغامض
وسط اليرقات والفراشات الملوّنة
وسط العنكبوت الأحمر والزنبور والأرقة
و الجعل وخنفس الحقول
و السرعوف الذي يلتهم كلّ شيء
نتقاسم الأواق والبتلات والسماء
في هذه الحديقة الخرافية.
هم وأنا كلنا عابرون
شجرة خروب في غوغل
الغرفة بأرضيتها الترابية الممهدة
كانت الأكثر حرارة
ساعد عمته اذ رش الماء
كنس
كان كل ليلة
يطوف حول البيت والحديقة
يتذكر حتّى ثقوب المسامير
في الجدار
لو يدخل كل بيوت فاسيليس
لو يحصي المسافة إلى كنيسة كناكاري
لو يتنزه بين القرى المجاورة
لما رأى على شاشة جوجل شجرة الخروب
تمنى لو يغادر من هناك كما كان يفعل وهو طفل في الثانية عشرة
أن يعدو في الأول إلى شجرة المصطكي
ومن بعد إلى البحر
حتى لا يحرق قدميه
تلك اللحظة بكى بحرقة.
إلى أصدقائي في الشمال
لأنني أتحدث عن الورد
عن انتشار الضوء
عن استحالة الحب
عن حيواتنا المتحولة
لا تعتقدوا يا اصدقائي في الشمال
أن ما وقع سنة 1974
لا يتمدد كبقعة الزيت فوق حياتي
كل يوم
والقمر الذي يصعد من ماء البحر مثل قطعة بطيخ
وأمّي التي ماتت في فيراندا البيت الذي على شاطئ فماغو ستا
كانت تنادينا لنخرج من الماء
رأيت ذاك اليوم اللوحة الزيتية التي رسمتها
فوق حائط مقهى في اقليم الكارباس
مقهى مؤثث من كراسي
مسروقة وأغطية وطاولات مسروقة
وأبواب ومقابض أبواب مسروقة
إنها لوحة أمي قلت لصاحب
المقهى ها هو اسمها
– ولكن هي لي الآن قال الرجل
الذي جاء من حيث تشرق الشمس
هكذا كانت تناديه زوجته
يقول غانيمي
هكذا يسمونه باللغة التركية.


ترجمة: خالد النجار

شاهد أيضاً

كريستينه ميلان كونديرا

التراضي : في الصباح جاءت، وخلال النهار قامت بشراء بعض الحاجيات التي اتخذتها ذريعة للمجيء …