القوة الناعمة في (محاولة لتسلق ظل الوردة) لـيوسف الحبوب

عن دار صفصافة بالقاهرة بمصر العربية ، صدرت المجموعة الشعرية الثانية للشاعر السوداني يوسف الحبوب ، بعنوان ( محاولة لتسلق ظل الوردة ) ، وتضم أكثر من عشرين قصيدة مكتوبة بأسلوب قصيدة النثر التي يكتبها الشاعر منذ بواكيره الأولى ، قبل حوالي أربعين عاما أو أكثر. ويوسف من مواليد أمدرمان بالسودان عام 1959 وتخرج من كلية الحقوق بجامعة الإسكندرية في مصر ، ويعيش الآن في سلطنة عمان ـ مسقط ـ يمارس مهنة المحاماة ، وهو عضو في العديد من الاتحادات والروابط الأدبية السودانية والعربية ، وشارك في الكثير من المهرجانات الشعرية في الخرطوم وبغداد والقاهرة ودمشق وعمّان وعُمان وغيرها ، ونشرت قصائده في العديد من الصحف والمجلات العربية ،وترجم شعره للفرنسية .
غلاف المجموعة من تصميم الفنان السوداني أيمن حسين ، ويمثل في صفحته الأولى تشكيلا جانبيا نصفيا من وجه يوحي بالتأمل والتفكير ، فيما توحي ألوانه المائلة إلى الأحمر الغامق والبني الغامق والأسود بنصف قناع أو وجه أو ظل وجه أفريقي على أرضية بيضاء مكوِنة هذا الحوار الحميم بين الألوان والخطوط ، أما تصميم الغلاف الأخير فيتضمن صورة فوتوغرافية نصفية للشاعر ، وكأنه يريد أن يطابق النصف الآخر المكمل لتخطيط وجه الغلاف الأول ، مع بعض ما جاء من تقديمات لثلاث مقالات ،سيأتي ذكرها لاحقا .
يهدي الشاعر مجموعته إلى والده الراحل في لمسة وفاء وتقدير وعرفان يستحقها الحبوب الوالد الذي كان بكل تأكيد نبعا من ينابيع المعرفة والموهبة التي استقى منها الشاعر بواكير اهتمامانه وألهمه الكثير مما كتبه . يقول الحبوب عن أبيه ( كان يطالع كتاب الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني… تجرأت يوماً وتناولت الكتاب لأرى ما به من أغانٍ … وتعجبت.. لم أر أغنيات وردي وإبراهيم عوض… تعجبت ) .. وأنت الذي علمتنا أن نطرب كما ينبغي… للغناء الشجي… يا أبي أيها الحبوب وزال تعجبي عندما كتبت القصيدة…) .
بعدها تمر المقالات التي قدمت للمجموعة ، وهي لكل من الشاعر يحيى فضل الله ، والشاعر أمجد محمد سعيد ، والشاعر عبد القادر الكتيابي ، وكان لها تأثير حقيقي في تسليط الضوء على جوانب كثيرة من نتاج الشاعر وشخصيته ، وأشارت إلى زوايا مختلفة من زوايا تجربة يوسف ومنحنياتها ومنعطفاتها الشعرية .
وتزين المجموعة الشعرية تخطيطات جميلة بالأسود والأبيض أبدعتها ريشة الفنان التشكيلي السوداني عصام عبد الحفيظ .
تقديمات :
مما جاء في مقدمتي لمجموعة ( محاولة لتسلق ظل الوردة ) للشاعر السوداني يوسف الحبوب ما يلي :
( ظل يوسف شاعرا، يتعامل مع الشعر تعاملا آنيا، وقد أقول مزاجيا، ينتظر القصيدة إلى أن تأتيه، وقد تأتيه، ولا تجده في البيت، وقد تأتيه وتجده، ولكنها تجده مثلا، قد أضاع قلمه في مكان ما ونسيه البارحة، فترجع إلى حيث كانت فكرة عائمة على سطح الذاكرة ، وهذا التعامل مع القصيدة هو الذي جعل يوسف بعيداً عن النشر، زاهداً، راضياً أن يكون في ظل شجرة الشعر، وليس بعيداً عنها .
ويوسف يكتب قصيدته بانفتاح شديد على الحداثة وقصيدة النثر، منذ زمن طويل قبل أن يشتد ساعد قصيدة النثر هذه في الآونة الأخيرة، وهي أيضا قصيرة مكثفة في غالب الأحيان، إحالاتها غامضة شيئا ما، ولغتها تلعب بالظلال لغة النشوان الساهي) .
وفي هذه الدراسة المتأنية الحميمة ، سأحاول جاهدا أن أغوص في عالم يوسف الحبوب الشعري ، وأن أكتشف أبعاد قصيدته الجديدة ، التي ما يزال مصرا على أن تكون بعيدة قدر ما يستطيع عن السائد حاليا ، وقد يبالغ أحيانا في هذا الابتعاد ، بحيث تختفي بعض ملامحه ، سأحاول أن أكون متجردا من حبي له ولا أدري إن كنت سأستطيع ذلك أم لا . وهو الذي أهداني مشكورا قصيدته الجميلة التالية ، وهي بعنوان ( محبات)، وليس محبة واحدة فقط !!
( محبّات )
إلى أمجد محمد سعيد في غياب فراته
********
صغار الأغنام / بيضُ وسمرُ وبين البين /
يتقاذفون حتماً على ذاكرتك
أعلم أيضا أن أغصان القلب
تلتف على شيء واحد
ثمة كرة واحده هناك لم ترمها
كرة حمراء في طاولة البلياردو
ونخبا مرفوعاً صوب أعالي النيل
ومن فرط ذهولنا مما يجري
تتدحرج كرات الثلج
تتدلى أثمار الغابات
على أصداف الذكرى
… يا الله عليك …
كيف عليك ان تختار
و1000 فرات
يتدفق في القلب
ودجلة خير الارض
يتخطفه الغرباء
…….كيييييييييييييييييييييييف؟ ) .
لقد وضعني يوسف في محنة أن أخفف من انحيازاتي له ولشعره ، كي لا أتهم بأنني أمالئه وأجامله ، ولكن هذا ليس عدلا ، وإذا كنا نحن الشعراء نتحرج من الوقوف على الحقائق ، أو نصمت عن الجمال والإبداع فمن سيفعل ذلك .
وإذا كنت بدأت فقدمت رأيي في قصيدة يوسف فمن حق زملائي الآخرين الشاعر والكاتب السوداني الصديق يحيى فضل الله والشاعر السوداني الصديق عبد القادر الكتيابي أن أورد شيئا مما رأياه في شعر الحبوب يوسف . أما يحيى فضل الله فيقول :
( ما بين الوردة وظلها وفكرة التسلق على الشاعر أن يقاوم النعاس والوظيفة وعليه أن ينفض ملاءة صحوه وجذب غطاء اليقطة.
كيف خطر لشاعر أن يتسلق ظل وردة؟
ويا لها من فكرة، أن تتسلق ظل وردة.
في محاولة تسلق الوردة على الشاعر أن يقاوم موته لحظة خلقه ، وأن يواري ظله ويصادر سكتة موته ، وأن يصير وحده، فكرة تسلق ظل الوردة تدفع بالشاعر كي يرج زجاجة روحه.
على الشاعر أن يجري تعديلا في الروح.
أن يكون كائنا من حنين وضياء.
أن يقبل أن يعاهد العصافير علي البكاء اليومي.
في محاولة تسلق ظل الوردة
على الشاعر أن يتهيأ لإرغام أنفه علي الفاجعة ، عليه أن ينحني للطالبين فجيعته .
على الشاعر أن يتوارثه الحنين إلى الرحيل والحنين إلى البلاد
وكي يتسلق الشاعر ظل الوردة عليه أن يجد الوقت كي يحرر قيد الغربة
يتحول فعل بسيط وخافت كتسلق ظل وردة إلى مأزق وجودي )
أما الشاعر عبد القادر الكتيابي فيقول :
( وفي رأيي أنه قد أصاب الطريق والطريقة إلى عافية الكتابة الحرة الناجعة المؤدية إلى عافية النفس، وطلاقة الروح، يشهد على ذلك ما بين دفتي هذا الديوان من لفائف كيمياء المشاعر المشتجنة المتشابكة من نص إلى نص ، أحزانا وأفراحا هدوء وفورة وأشواك الثورة مخبئة رؤوسها الحادة في قطن مفرداته الناعمة.
أعلم أنها ليست المجموعة المنتخبة من أعماله ، لهذه الطبعة، وأعلم أنه لا ينتخب ، ولكنها رؤية الناشر أن يوالينا بها رشفة رشفة، فما أعذب الخواطر الشعرية لدى هذا الشاعر العميق ) .
القوة الناعمة :
إذن ما الذي تجمع عليه الآراء الثلاثة السابقة ، إنها تكاد تؤكد أن الشاعر يوسف الحبوب يتعامل مع الشعر ليس كوظيفة حتمية ، إنما كأغنية يتمتع بها متى شاء ، وسيفا يجرده متى أراد ، ودمعة يطلقها متى غدرت به الأحزان، وربما صمتا وسكوتا إحتجاجيا في محراب القصيدة حين يصل الحزن إلى غايته ومداه، لتكون طقسا يتفاعل في كيانه وكيانها، قد يلتقطها وقد تنساب ضائعة في بحر الزمن . رغم أنه يجاهد عبر الشعر لكي ( كي لا تضيع الأشياء ، وتبقى ملامحها عندي واضحة تقودني وأقودها، ومن خلالها تنضج ثمرة حرية الكلام وتلوين الفضاء الابداعي بريشة متقنة وبألوان زاهية نحبها وتحتوينا ) كما يقول في مقابلة له في صحيفة الخرطوم .
هل يمكن أن أطلق ( مجازا ) على أسلوب كتابة القصيدة لدى الحبوب ، بأنه أسلوب من يستخدم مصطلح ( القوة الناعمة ) السائد حاليا لدى أدبيات بعض الكتاب والمفكرين والفنانين والمثقفين ، بمعنى أن القصيدة تحتفظ بقدراتها الذاتية والموضوعية في أعماق كونها طاقة مخزونة في ماهيات اللغة والأشياء والبشر والعلاقات والطبيعة، وقبل كل شيء لدى أسس وينابيع وجذور ميكانيكا الفعل ، ورد الفعل لدى الشاعر الحبوب .
إنه يريد أن يصل إلى الآخر بكل ما فيه من شفافية وعذوبة وطيبة ، كما بكل ما فيه من رهافة وصلابة وعناد .
ولعل هذه القوة الناعمة في قصيدته هي الوجه الآخر من القوة الناعمة في شخصيته نفسها، فهما وجهان لعملة واحدة ،القصيدة وشاعرها .
وقوة قصيدة يوسف الحبوب الناعمة تكمن في تلك المواصفات المشرعة على حرية الشاعر، وحرية اختياراته موضوعات ومفردات ، وحرية تناوله لكل ما يتعلق ببناء القصيدة ن والمنطلقة من قناعاته التي تخصه هو وحده ، فهو سيرحب بمن يقرأ له ، ولن يتأثر أو يغضب حين يمارس الآخر حريته في عدم قراءتها ، لكنه سيحزن بكل تأكيد حزنا جوانيا شفيفا إذا ما صادفه مثل هذا القارئ المفترض، وسيبحث بكل محبة عن قصيدة جديدة ربما توصله إليه .
هذه القوة الناعمة هي محاولة يوسف الحبوب المستمرة للوصول إلى الجديد المدهش المعبر عن لغة الناس والأشياء والأحداث في فجر تخترعه الكلمات والمشاعر وفي طريق قلما يطرقه أحد .
أنا ويوسف والقصيدة :
مبدئيا و( بكل تواضع ) سأعود هنا إلى القصيدة التي أهداها الشاعر إلي أنا العبد الفقير إلى الله صديقه الحميم ، هي بعنوان ( محبات ) المصدر محبة ، وهو لا يجمع ومحبات كلمة أو صيغة ولَّدها الشاعر من عند ذوقياته الخاصة ، فيها إشارة الى التكثير، ربما هي مسموعة كآسم علم في العربية أو غير العربية أو في اللهجات الشعبية ، فيها شيء أحسه ، ربما لا يكون فصيحا ، ولكنني قد أقبَله، كأن في الكلمة حسا شعبياً وإيحاء غامضاً ولكنه مقبول ، جمالها في كونها مفردة مموسقة تدل أولا وأخيرا على المحبة الغامرة التي يكنها الشاعر لصديقه .
أما الإهداء فهو ( في غياب فراته ) والفرات أكبر النهرين في العراق وأطولهما أيضا ، وفيه إحالة إلى ما جاء في القرآن الكريم ( وأسقيناكم ماء فراتا ) أي ماء عذبا ، والمقصود في القصيدة ضياع الفرات بسبب الاحتلال الأمريكي الغاشم على العراق ، وحزن الشاعر على ذلك ، وما يمثله هذا الرمز العظيم من إحالات لا تعد ولا تحصى .
في الشطر الأول يقول الشاعر يوسف الحبوب :
( صغار الأغنام / بيضُ وسمرُ وبين البين /
يتقاذفون حتماً على ذاكرتك ) ..
هنا يمنح الشاعر للمخاطب صفة الراعي الذي فقد أغنامه ، وخاصة تلك الصغيرة ، الصغيرة من كل لون دون تفريق بين أبيض أو أسود أو ما بينهما ، فقدها بسبب الاعتداء عليها ، أو سرقتها ، بعد الإعتداء على راعيها ، الذي يتذكرها الآن بشوق وحنين ، وهي بعيدة عنه ، ويتألم للمصير الذي سيصيبها ، ورمز الراعي كما هو معلوم ليس جديدا ، فهو يمثل عملا وصفة كان العديد من الأنبياء والمرسلين، ومنهم النبي الكريم محمد (ص) يقومون به ، فهو مهنة شريفة بما تمثله من أبعاد واقعية وتاريخية ورمزية ، إذن فيها مسؤولية واضحة . يحاول الشاعر أن يستعير صفة الرعاة ، لكي يقول إن المخاطب هو أيضا راع، لكنه فقد وطنه وأرضه وممتلكاته حينما غزت القوات الأجنبية بلاده . الرمز ناجح هنا ، والدخول إلى القصيدة بهذه القوة يعطيها زخما لاحقا لإيحاءات أخرى تصب في نفس المعنى . ويستطرد الشاعر قائلا :
( أعلم أيضا أن أغصان القلب /
تلتف على شيء واحد ) ..
هو طبعا البحث عن الوطن الضائع المحتل ، والعمل على استرداده . ثم يستمر الشاعر فيقول :
( ثمة كرة واحده هناك لم ترمها /
كرة حمراء في طاولة البليارد ) .
ولأن الشاعر يعرف أن المخاطب من لاعبي البلياردو الهواة السابقين ،وهي صفة تكاد تصبح شخصية ، فإنه لابد أن تكون هناك محاولات قادمة لم تتحقق بعد ، وأن هناك كرات لم تلعب بعد ، ثم يأتي الشطر التالي :
( ونخبا مرفوعاً صوب أعالي النيل ) ذلك أن المخاطب ( الشاعر ) سبق له أن كتب قصيدة بعنوان ( أعالي النيل ) أثناء إقامته في السودان لمدة خمس سنوات . وأنه احتفى بالسودان بلدا وشعبا وثقافة ، تقديرا لكرم ضيافة السودان والسودانيين .
ويشير الشاعر في المقطع التالي الأخير إلى أن تراكم الأحداث والمصائب التي تقع علينا دون أن نستطيع فكاكا منها ، أصبحت مثل كرات الثلج المتراكمة في الوقت الذي يجري نهرا دجلة والفرات ، والبلد مختطف من قبل الغرباء :
( ومن فرط ذهولنا مما يجري /
تتدحرج كرات الثلج /
تتدلى أثمار الغابات /
على أصداف الذكرى / …
يا الله عليك) …
عود على بدء :
لنبدأ إذن من عنوان المجموعة الشعرية ( محاولة لتسلق ظل الوردة ) وهو عنوان إحدى قصائده الرئيسية في المجموعة .
ويشرح الشاعر والكاتب يحيى فضل الله سبب التسمية في كلمته التقديمية، مستندا إلى حوار صحفي سابق مع الشاعر الحبوب فيقول :
( أنا كنت ساكنا في بيت نسابتي في العمارات وكنت في (أبوروف )، جاءت قوة مسلحة من
الأمن وحاصروا البيت وطلعوا الشقة وصادروا كل ما وجدوا من أوراق ومستندات وصادروا روح القصائد ? محاولة تسلق ظل الوردة-(.كان ذلك في يناير 1991 . . وكأن القصيدة اكتفت بعنوانها،واكتفي العنوان بها، العنوان يعلن عن كثافة تعبيرية تحرض على التأمل ولأن قصيدة الحبوب الضائعة من نوع تلك القصائد التي لا تكتب مرتين، ويسمي الحبوب القصيدة الضائعة بروح القصائد. روح القصائد لا تكتب مرتين يجترح الحبوب فعالية شعرية فيكتب ماهو بديلاً عن القصيدة الضائع ) .
الشاعر إذن حين يفقد نص القصيدة ، ولا يستطيع تذكرها ، فإنه يمر بتجربة مريرة ، كأنه يفقد جزءا من فؤاده ، وكلنا مر بمثل هذه التجربة ،لسبب أو لآخر، ونشعر بحزن الشاعر العميق على قصيدته الضائعة . ويلتقط الشاعر هذا الموضوع الجارح، ليكون منه عنوانا شفافا لمجموعته الشعرية ، لتذكره بالفقد الموجع ، ولتدفعه لكتابة نص جديد ، وجديد باستمرار .
يقول الشاعر يحيى فضل الله ( ولان روح القصائد الموسومة بـ )محاولة تسلق ظل الوردة( ضاعت في الغياب بفعل فاعل، وفعول في القبح، ولأن ذاكرة الشاعر تمانعت عليه كي يعيد الحياة إلى قصيدته، فمنح عنوان القصيدة الضائعة لهذه المجموعة الشعرية ) .
وبما أننا قد تعرضنا إلى اسم المجموعة فإننا نعتبر أننا قرأنا قصيدة الحبوب قراءة وافية، ويمكن أن ندرجها كما يلي :
( تتعرضُ القصيدة للخيانة تفرغ من محتواها
ويمحى حبرها المندلق
والأحرف اللامعة
هكذا هم، أشهروا أسلحتهم البلهاء،
انتزعوا وردتك الأنيقة
هكذا هم
أبعدوا الأغصان
عن محاولة بديعة لتسلق ظلك
هكذا هم
دوما
لكنهم لا يدركون
أن الأغصان
تتقن التسلق نحو ظل الوردة
وأن القصائد لا تموت
فحواءها ودود ولوووووووووود
وأحرفها مشروعات مترعات
تنهض القصائد
البدائل
البلاد
ويختفي قبحهم….
أثر على عين
…… أثر من رماد ) .
قصيدة اعتراف :
مرة أخرى أجد نفسي معنيا بشكل مباشر بقصيدة أخرى في المجموعة، هي ( اعتراف ) التي يفسر فيها يوسف الحبوب سبب كونه مقلا في الكتابة والنشر، وكنت قد أشرت إلى ذلك في العديد من التعليقات الصحفية والأعلامية ، بل إنني كنت ، وما زلت منذ أن تعرفت على الشاعر أطالبه أن يكرس وقتا أكبر للكتابة ويهتم أكثر بالنشر ، لأنني أعترف أن في ذلك نوعا من المسؤولية الفنية والثقافية الأعتبارية ، ولأنني في الواقع أعتبر أن الوقت سريع الذوبان في خضم الحياة ومشاغلها ، كما أن التواصل مع الكتابة يعطي ديناميكية واستمرارية للشاعر ، لكي يبقي زخمه الإبداعي متوهجا ، ومندفعا .
ولكن الأمر ظل كما هو وبقي الحبوب مقلا في الكتابة ، صحيح أن ذلك لا يقلل من قيمة النص الشعري الذي يكتبه ، ولا قيمة التجربة الأدبية لدى الشاعر ، ولكن كلما زادت نصوص شاعر ما إزدادت النوافذ والأبواب المشرعة على قصيدته ، وازداد تفاعل تجربته الشعرية ضمن مسيرة الشعر في مجتمعه . ولكن حين نستمع إلى يوسف ( الشاعر والمحامي ) وهو يبرر قلة نتاجه الشعري لا نستطيع إلا أن نتعاطف معه ، وأن نتفهم وجهة نظره التي يقدمها في مقاطع عديدة من قصيدة ( إعتراف ) .
واستنادا إلى قوله ( أنا شاعرٌ كي لا تضيع الأشياء ، وتبقى ملامحها عندي واضحة تقودني وأقودها ، ومن خلالها تنضج ثمرة حرية الكلام وتلوين الفضاء الإبداعي بريشة متقنة وبألوان زاهية نحبها وتحتوينا ) ، فإننا لنفس الأهداف نجد أن مواصلتة الكتابة والأبداع هو ما يجعل الأشياء عصية على الضياع ، وبالتالي تبقى في دائرة التفاعل الشعري والعاطفي .
يجد يوسف أن مسؤولية الكتابة كبيرة وخطيرة وشاقة، وأنها تعري الشاعر وتضعه أمام مرآة نفسه قبل أن يكون أمام نقد الآخرين ومحاسبتهم على ما يقول إن لم يكن جاهزا للتعامل معها تعاملا إبداعيا عميقا شاملا مسؤولا ، إذ تصبح الكلمات كائنات مرعبة وجارحة لابد لها من تهيؤ واستعداد حتى يمكن أن تُجرَّدَ الفوضى من عبثها ، وتقلم أظافرها، وحينها يمسكها الشاعر ويحيلها بإبداعه وبقوته الناعمة إلى جواد أصيل يعبر كل الحواجز والحدود إلى ضفاف جديدة ، يكون فيها الإنسان في قمة سعادته متمتعا بالحرية والقدرة على ضبط نبضات فؤاده . الكتابة لدى الشاعر مغامرة محسوبة ، إنها قد تجرده حتى من حياته خاصة إذا ما كان قلبه عليلا موجوعا من الحياة نفسها ومن جورها وظلمها . ولذلك يعترف الشاعر أنه شاعر مقل ، يحاول أن يتأكد من موضوع قصيدته ، وأن يتقن الدخول إلى محرابها ، وأن يروضها بحذر شديد ثم بقوة ناعمة متقنة وروح متماسكة .
في المقاطع التالية صور من محاذير الحبوب :

( أنا شاعرٌ مقلٌ / لأن الكتابة تُرعبني / تأخُذني من ياقة قميصي …)
**************
( هكذا……../ سابحاً في فضائي / وعارٍ تماماً من ال……./ ومليءٌ / بالفوضى ….)
**************
( هكذا أنا شاعر مقلٌ / لا أتحمل الحروف / خاصة حرف الألف )أ( / حيث ان هذا الحرف بالذات/ يخرج لي لسانه ………. )
*************
( والقلب لم يعد يحتمل / الركض / لأنه علييييييييييييييييييل / والوطن /ي / ن / أ أ أ أ ى ى / كل يوم عنا، / لذا أقر بأنني شاعر/ مقلٌ / وهذا جهدي) .

قصيدة ( أحاديث ووقائع جففتها الذاكرة ) :

نعود إلى القصيدة الأولى في المجموعة ( أحاديث ووقائع جففتها الذاكرة ) التي تبدأ المجموعة بها ، ومن غرائب يوسف الحبوب أنه يبدأ بحرف ( ثُمَّ ) وكأنه يواصل حديثا انقطع بينه وبين القارئ وهو الآن يواصله :

( ثم لهذا الفؤاد
الندي
شرعت أغني :
للشجر
والجدول
وبقايا الطفولة عند باب الذاكرة )

إنه الشاعر يوسف الحبوب بسحر ( القوة الناعمة ) التي اعتمدنا على تحليلنا لقصائده عبر تقنياتها الكامنة والخفية ، يفاجئ القارئ ويذكره بحوار سابق مفترض متواصل معه ، يسترجع العلاقة العميقة بينهما، علاقة الثقافة والإبداع ، وأنهما الشاعر والقارئ باقيان على عهدهما المقدس على ضفة واحدة ، وأنهما يواجهان قدرا مشتركا، وبالتالي فإنهما متضامنان في مقاومة الوجع الإنساني على الأصعدة كافة ليس مهما هنا ما إذا كان القارئ يعرف يوسف، أو العكس أو أنه سبق وأن قرأ له ، هنا تكمن الشعرية العالية لحرف ( ثُم ) وللطريقة الغامضة التي بدأ بها الشاعر قصيدته . بل المجموعة الشعرية كلها كأن حاسة ما ستربط بينهما .
الشاعر يمسك في القصيدة بأعمق ما في النفس الإنسانية من طهر ، ومن نقاء ومسئولية أيضا لدى القارئ ويسحبه إلى جانبه وصفِّه قبل أن تلوثه قوى الشر لكي يغني ليقظة ونداوة الفؤاد ولخضرة الشجر ، للطفولة ، للغناء والرقص ، للوطن الجميل الضائع ،لحرية الإبداع والكتابة ، للحب ، للتفاؤل ، رغم الجراح حتى وإن بَعُد المزار وتكدست الأحزان لابد من وجه جديد سيطل من نافذة الصباح :

( كنا نرتل ، ثم نمكث ساعة في الأرض
فالأرض متسع لنا / والوجه
ساقية الرجوع
…وهذا الليل أيقظ هاجسي
أحاطت الأرجاء سري
ضيعتني الأغنيات الساذجات
وتوارثني الحنين إلى الرحيل
والحنين إلى البلاد
والبلاد قد أنهكتني ) .

قصيدة ( بورتريه ) :

في لحظة صفاء شاسع وتأمل غامض غارق في الحزن البعيد يستذكر الشاعر وهو في غربته الوسيعة حال نفسه حتى إنه يهدي القصيدة إلى ذاته مرتين ، مرة بصيغة المتكلم ( إليَّ في غربتي ) ثم بصيغة المخاطب ( وإليكَ في نشوتكَ ) .
هنا المتكلم والمخاطب واحد مشطور نصفين ، وبتلك القوة الناعمة الخفية يتعامل الشاعر مع ذاته ، ينظر إلى نفسه كأنه ينظر في مرآة ، ويتبادل الحوار ، ربما في الغربة نشوة أليمة ، نوع من الإيمان بالغياب ، والتعلق بالوحدة وربما في النشوة غيبوبة التخلص من الواقع الأليم ، عبور من الواقع إلى الحلم المستحيل ،وها هما وجها الشاعر يوسف الحبوب، كما في الغلاف الأول والأخير، مرة صورة نصفية تنظر إلى ما لا ندري أين ، ومرة تخطيط نصفي بالأحمر والبني والأسود كأنه قناع من أعماق الطبيعة .

( بارعٌ في الزرقة الميتة
كائنٌ من حَجر وضجة
كائنٌ من جحيم
أي ريح عاصف رمتك )

وبعد عشرات الأسئلة الاستفهامية التعجبية في الوقت ذاته ، والتي قد تمنح جوابا أو تحجبه عن القارئ يقول :

( بارعٌ في زرقة الروح
بارعٌ …..يفتح أزقةً ونوافذ للعابرين
كائنٌ من شمس وأسماء
كائنٌ من حنين وضياء
كائنٌ كان جميلا / مثل عصفورة الذكريات
….. أي ملهاة
أي ملهمات
أي نهايات لضجيج قادم
أي حرب لا تقوم
أي ماء
أي سماء / سماء من قلق متناه
أي نساء / نساء من جحيم ).

القصيدة ترمي بالأسئلة الوجودية والحياتية كلها ، دون أن يجد سؤال واحد جوابا شافيا في خضم الفوضى الشاملة التي تأكل حياة البشر( أي نهايات لضجيج قادم ) وسواء أكان الأستفهام بحاجة إلى إجابات أم أنه استفهام تعجب ، فالنتيجة واحدة ) .
قد يقول قائل لماذا لا يكون الآخر ليس الشاعر نفسه هو آخر فعلي ، شخص آخر، أيضا ستكون النتيجة واحدة لنصل إلى تلك القوة الناعمة التي توحد بين الذات وبين الآخر وتفصلهما متى شاءت أو أرادت في ذات الوقت الذي تشطر الذات الواحدة إلى نصفين وتوحدهما متى شاءت.

 

قصيدة ( النخلة تسأل أين التاج ) :

يستذكر الشاعر يوسف الحبوب في قصيدة ( النخلة تسأل أين التاج ) ، الشاعر السوداني الراحل ( الكبير تاج السر الحسن ) ، ويهدي القصيدة إليه ( إلى تاج السر الحسن في عليائه ) ، وحسنا فعل الحبوب وهو يستضيئ برمز من رموز الفكر والثقافة والشعر العربي الحديث في السودان والوطن العربي ،إنه يحتفي به كما يليق بشاعر وطني سوداني عربي كبير ، وكما يليق بالشعر وكما يليق بالوطن والامة ،
والقصيدة تتناص مع ديوان تاج السر ( النخلة تسأل أين الناس 1992 ) ، وإذا كان عنوان ديوان السر هو سؤال النخلة عن الناس فإن النخلة تسأل الآن عن تاج السر الذي غادرنا في رحلته الاخيرة ، وحين أضاف الحبوب بذكاء ( الألف واللام ) على كلمة ( تاج ) من كونه اسم علم إلى كونه ( رمزا ) وصفة ، حيث يوضع التاج فوق الرؤوس علامة المجد والعلو والسؤدد.
وواضح أن لكردفان موقع عميق في حياة وذاكرة الشاعر تاج السر الحسن فهو كان قد قضى شطرا واسعا من حياته هناك ، وله فيها قصائد وأشعار :

( وخريفا كردفاني الرؤى )
بصوت يهدر كما النيل /قديماً/.
بالوجع الطالع من حلق مرارات الشعب
بالصوت / نفس الصوت…. والبسمة الفاتنة
ألق الفصود على الوجه
والتاج على الهمة العالية
…..وخاتمك الفضي
يقسم ببقاء الزهرة اليانعة
وزهو الشعراء
يرفعك أعلى حدائق الإمكان
ويحرق الكلمة العاطلة )

يبدأ الشاعر الحبوب القصيدة بالإشارة إلى قصيدة تاج السر التي يصف فيها الخريف السوداني الغزير المطر، والذي يخصب أرض السودان المعطاءة ، ويفتح الخير على حقولها وبساتينها ( وخريفا كردفاني الرؤى ) ، وهل أجمل من رؤى الخريف في السودان لتخضر الربوع ، ولتندفع المياه لتسقي الوادي كله ، البشر ، والحيوان والنبات ، انه خريف ( زاهي باهي ) حيث تتفجر قوة الماء الكونية الناعمة لتمنح الحياة للكائنات، ولتمنح الشعب فرصة التغني بالحرية وبالوطن وبالأرض الطيبة . كما يذكرنا اسم الشاعر بقصيدته المعنونة ( آسيا وأفريقيا ) التي غناها الفنان السوداني عبد الكريم الكابلي أمام الرئيس جمال عبد الناصر ورؤساء دول عدم الانحياز .

قصيدة ( ظلام ) :

بقصيدته ( ظلام ) المهداة إلى الشاعر السوداني ( محمد عبدالله شمو …. في صحراء متاهته ) يكون الحبوب قد وجه ثلاث رسائل إلى ثلاثة شعراء وصفهم بأصدقائه ، ويوسف ذو القوة الناعمة ، والموقف المرهف حد السيف ، لا يمنح الصفات مجانا خاصة بعد أكثر من ستين عاما على ( قارعة الحياة ) كما قلت له في مقدمتي .
كل قصيدة تلتقط نجمة بعيدة لتسحبها من غموض الضباب الكوني الشاسع إلى مدار قريب ، يستطيع من خلاله توصيف المشهد المركزي في حياة ورؤية المخاطب . في حالة محمد شمو لا غموض في تأويل القصيدة ، إنها مفتوحة على العالم ، مشرعة المعنى ، ( متاهة في صحراء) هل أكثر من هذا الضياع ، والحيرة ، والسكون ، والظلام .
ولكن المدهش هنا هو استخدام كلمة ( يندلق ) إذ إنها تمثل قمة الدقة في تمثيل الحالة ، حيث إن قوتها الناعمة تتمثل بعشوائية الحركة ، ولا قصديتها ، وفجاءتها السلبية ، وبالتالي تكون حركة ( الاندلاق ) هي المتسببة في تخريب انتظام المشهد المعمول عليه ، الأسود باندلاقه تسبب في اسوداد الرؤية ، وتعميم الإعتام في متاهة الصحراء هذه التي زادها الإظلام ضياعا وتيها ، غير أن الأبيض ما زال كامنا في ظل الغمام الذي قد يغير المشهد من أساسه . بفعالية إيجابية توقف التداعي ، وتغير المشهد بإعادة البياض إلى واجهة الحياة . ربما يكون الغمام المعبأ بالمطر صورة أخرى من صور الأمل المتخفي في طيات المستقبل ، ونافذة لصيرورة مختلفة.
في هذه القصيدة يعتمد الشاعر على تقنية استخدام اللونين المتناقضين الأبيض والأسود للتعبير عن مقصد القصيدة وموضوعها ، بشكل مكثف وعميق .

( يندلق الأسود
على الأبيض…..
تسود الرؤيا
يتلألأ بؤبو عين الرؤية
بالأسود
الأسود
لون البؤبؤ
والأبيض ظل غمام
في الصحراء ) .

 

قصيدة ( خرائط لمفردات القصيدة ) :

كما لدى الفنان التشكيلي ، حين ما تزال لوحته في كفي عملية الإبداع ، وفي طور التشكل والتخلق والولادة ، أو أن موضوعها يستدعي تأشيرا ما بخطوط وظلال وأشكال ومساحات بيضاء ، أو ملونه ، كذلك الشاعر يلجأ إلى تخطيطات تتناسب وفن القصيدة ، حين تكون اللقطة الشعرية أكثر تعبيرا عن ماهية الرسالة التي يرغب الشاعر أن يرسلها .
في هذه الحالة ، ترتكز الحالة الشعرية على التقاط بؤرة الحدث ، أو نقطة الارتكاز المركزية إذا كانت تتناول شخصية ما ، أو ظاهرة معينة .
الشاعر هنا يحاول سحب رؤية القارئ إلى رؤيته العميقة بقوة تركيز عميقة ، وصولا إلى تكثيف رسالة يجد الشاعر ضرورتها القصوى في هذا الشكل التخطيطي النافذ .
في ( خرائط لمفردات القصيدة ) يضخ الشاعر الحبوب أربعة عشر مقطعا ، أو قصيدة قصيرة ، تتناول موضوعا محددا ، أو لقطة إنسانية ، أو فكرة ، أو ما أشبه ، سنشير إلى بعضها فيما يأتي :

* المغني :

يهدي الشاعر المقطع إلى الشاعر السوداني الراحل علي عمر قاسم ، المتوفى عام 1989 ، وله ديوان وحيد اسمه حصاد التيه ، وقصائد متفرقة في الصحف والمجلات ، كان شاعرا حداثويا جميلا لم يستكمل مشواره ، فقد رحل عن دنيانا سريعا ، ورثاه الشاعر السوداني الكبير محمد المكي ابراهيم بقصيدة عنوانها ( أنت والشعر أضعتماني ) .
يستذكر الحبوب إبداعه في الشعر والغناء مما قاله فيها إن صوته :
( يقرب لون الضحى لوحة
فوق صمت الأصيل
….. مبحراً خلف ذاك الأثر
تذكرته فجأة
أي صوت نبيل).

*عادة :

قصيدة تعكس تآكل الأيام والليالي في عبث الواقع ، ولا معقولية ما يجري في العالم من أحداث ، تنعكس بصورة أو بأخرى على وضع الأنسان ككائن بشري مكلف بتعمير الأرض وفق العدل والحرية والمساواة والحب والخير ، وحيرة الشاعر ( الأنسان ) نفسه ، ما بين الفعل الجاد الملتزم ، وما بين لا غائية منحدرة من الصحو إلى النوم ، وتسربها من يدي الشاعر، وانحلال كل عزم وتصميم وفعل حقيقي لبناء الأمل ، ليغيب في غياهب الخدر والنعاس والوظيفة .
( تبادؤني في المساء بهجتى
باحتشاد السهر………
أعدلُ في مناخ المزاج
مرة باشتهاء القمر
ومرة
باصطفاء
السفر
وعند رقبة الصباح
أقاوم النعاس والوظيفة
فأين مهرجان الغناء؟
أين ذكريات المساء؟
وأين
أين
المفر………..؟ )

*0 صفر:

مهداة إلى ( أعماق الرَجُل ) ، قصيدة أو مقطع يتكون من كلمتين مشتتة الحروف بعشوائية مقصودة ، يصور الشاعر التيه الذي يملأ حياة الرجل ، أي رجل ، قد يكون الشاعر نفسه ، صفر مفروش على التيه ، وتيه مفروش على صفر ، تيه على تيه . ولا أكثر .حتى الحروف نفسها تعيش التيه والتشتت نفسه ، فكل حرف يعيش منعزلا في القصيدة أو متعثرا بأذياله حتى يسقط وحيدا هو الآخر .
( تيه متتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتتصصصصصصصصص
حرررررررر
تيه….
…………ميم
تاء
صاد
حاء
راء……….)

*يقين :

يتأمل الشاعر الحبوب في قصيدة ( يقين ) قضية وجودية ظلت في محل تساؤل الإنسان وحيرته منذ أن خلقه الله على هذه الأرض ، تلك هي لغز الحياة والموت ، دون أن يستطيع أحد الإجابة عنه ، ولكنه ظل يبحث عن السبل التي تخلده بعد موته ، ومنها الإبداع والفنون والثقافة ، وكذلك فعل الخير وإقامة العدل والسلام ، وغيرها من القيم الخالدة التي بشر بها الأنبياء والمرسلون والفلاسفة والمفكرون .
منذ لحظة البكاء الأولى على ما يعتقد الشاعر ، فإن الإنسان يبدأ بالدفاع عن مصيره ، ويظل يقاوم الغياب عن الحياة ، ولكن يبقى الموت هو اليقين الوحيد أمام الإنسان الذي يعرف أنه قادم لا محالة :
( أُقاوم موتي لحظه خلقي
وأوقن أني
سأوارى ظلي
وأصادر سكتة موتي
سأصيرني وحدي
مرآة لغرامي
من
المهدِ
إلى
المهدِ ) .

أبعاد فنية :

لعل من أولى الملاحظات الفنية الأساسية لقصيدة الشاعر يوسف الحبوب أنها تنتمي إلى ما يطلق عليه ( قصيدة النثر ) ، إنه يمارس هذا الأسلوب الشعري منذ أكثر من أربعين عاما من الكتابة ، والأهتمام بالفن الشعري العربي .
كان من يمارس هذا النوع من الكتابة محدودا جدا ، وترافق مع ظهور قصيدة التفعيلة ، وحاولها الكثير من الشعراء المعروفين مثل إنسي الحاج ومحمد الماغوط وسركون بولص وغيرهم ، يوسف من شعراء السبعينات في الوطن العربي والسودان ، وظهر مع كوكبة من الشعراء الشباب الذين مارسوا النوعين ( التفعيلة ، والنثر ) ثم انحاز بعضهم بشكل نهائي إلى قصيدة النثر ، وقسم انحاز إلى التفعيلة ، وكان يوسف من النوع الأول الذي بقي أمينا على اختياره الأول منذ البداية . وأنجز ما كتبه حتى الآن بقصيدة النثر ، التي ازداد اليوم عدد من يكتبونها مع ضعف عام في مستواها ، وكثرة كاثرة في عدد من يمارسها .
أعتقد أن كتابه قصيدة النثر ليست بالبساطة التي يعتقدها البعض ، إن على الشاعر أن يعوض عن موسيقى البحور الشعرية ، والقافية ، كما تتطلبه القصيدة العمودية ، وكما تتطلب قصيدة التفعيلة وجود تفعيلات الأبحر الشعرية العربية الصافية ، وحين تتخلى القصيدة عن البحور الشعرية والقافية ، لابد لها أن تستند على أدوات فنية تعوض عنهما ، هي ليست مجرد كلمات مصفوفة يكتبها من هب ودب .
في حالة الشاعر يوسف الحبوب نقول إنه اعتمد على بعض الأدوات الفنية التي حاول من خلالها أن يقدم تجربة شعرية خاصة ، إستندت على موقف ذاتي فني لقصيدة لا تشبه السائد من كتابات النثر ، ولا التفعيلة أيضا ، ولأنه مؤمن بمغامرته هذه ، لم يلتفت كثيرا إلى ما يدور من صدام الأشكال الشعرية على الساحة الأدبية ، وبقي مراقبا متابعا يهتم بما أسميناه ( القوة الناعمة ) في التعامل مع الأفكار والتجارب التي يستفيد منها في بناء قصيدته ، وأعتقد أن القصيدة تأتيه دون أن يفكر كثيرا في طريقة استقبالها ، ولكنه إذا صادفها فهو يرحب بها بطريقته الخاصة ، بلا تكليف ، ويحاورها بعفوية .

اللغة :

لغة الشاعر يوسف الحبوب عربية فصيحة ، منطلقا من توجه عروبي وطني يعتبر اللغة عمودا أساسيا من أعمدة الأمة العربية الواحدة . وتصادفنا هنا وهناك كلمات شعبية أو من اللهجات المحكية ، ولكن بشكل قليل ، رغم أعتزازه بالأرث الشعبي السوداني المتنوع الذي له مجالاته المختلفة ، لغته سهلة وبسيطة وغير مقعرة او غريبة وشاحبة ، يتقبلها القارئ بسهولة ويسر أيا ما كان تأهيله اللغوي ، أو ثقافته العامة ، ونستطيع أن نعتبر الفصحى هي المرجعية الأساسية التي نشأت طبيعيا في بيت الوالد الذي كان القرآن الكريم وأمهات التفاسير وكتب التراث مورده الأول . ومن ثم كانت كل مراحل التعليم حتى الجامعي تستند إلى قاعدة العربية الفصحى زائدا قراءات الشاعر الأساسية كلها .
من مفرداته ما هو متداول كثيرا ، ومنها ما هو قليل التداول لدى الشعراء ، ولذا فإن قاموسه الشعري منطلق من ثراء اطلاعه على الإرث الشعري العربي والعالمي ، قديمه وحديثه ، ومستوحى من خصوصية التجربة الشعرية لديه، وخصوصية تجربة القصيدة ذاتها ، يقول في قصيدته ( ما تقدم من كتابة ، وما تأخر من جنون ) :
( وفق السائد
أحاول أن أجري تعديلا في الروح
وسط غياب مشروع
لِما ألف الناس من فوضى…/
أو من أصداء…….
لكل صياغات/ منفلتات
من
الترتيب
للضد من الإصغاء )

والشاعر في هذه القصيدة بالذات ، يحاول ان يتعامل مع الطبيعة والأشياء ، ومع الذات والناس أيضا ، بلغة مختلفة ، بعد أن شعر أن التجربة الإنسانية السائدة المعتادة لم تفض إلى شئ يحسن من فرص الحياة الكريمة على الأرض ، ولا تحكم العقل في تسيير حياة البشر، ولذلك أصبحت لغة الجنون هي الفعالة في الفعالية التي لا بديل لها حين يعجز الشاعر عن الفعل والتغيير ، فيستخدم لذلك مفردات معتادة ، ولكن بطرق غير مألوفة وجديدة التفاعل بينها وبين السياق ، تنسجم مع الحالة الضدية المقلوبة هذه ، طريقة وضعها في سياقات غير معتادة ، لتأخذ اللغة مداها في التعبير عن خرائط جديدة للحياة والإنسان :
( لا
وقت
إذا
كي أتخلص من خبل
ظل يلازمني زمنا لا بأس به
ومن عمر ضاع سدى أو كاد
أأأأه
يا…
أجداد
إني أسألكم بحق الذات
كيف أرج زجاجة روحي دون
ممات
أو
دون استعداد لجنون قادم
لفضاء أزرق
لطيف حالم
أو
كيف نعيش الأن دون حياة )
ولغة الحبوب في الغالب أقرب إلى الموضوعية وقلما نجد كلاما رومانسيا أو إنشائيا إلا في حالات جد محدودة ، لغتة مقتصدة ، موجزة لا تسهب أو تثرثر ، أو تطنب ، قد يكرر بعض المفردات لسبب وظيفي أو لتأكيد المعنى ، وقصيدته عموما قصيرة ومكثفة وموجزة ذات دلالات مفتوحة عبر الصور والرموز وغيرها .
( لغة
ت ن
ا ث
ر
ت
حسرتها حولنا
على شكل هذا البكاء الطويل
الطويل………
الطويل…..
الطويل

الموسيقى الشعرية :

من المؤكد أن الشاعر الحبوب وهو يكتب قصيدة النثر ، لا يلتفت إلى موسيقى القصيدة التقليدية المبنية على تفعيلات الخليل ، إنه قانع بما يطلق عليه الموسيقى الداخلية للقصيدة التي قد لا تظهر بوضوح ، ولم يستطع أحد من النقاد الجدد أن يحددها تحديدا علميا دقيقا ، الشاعر إذن سوف يفقد أولا موسيقى البحور الشعرية التقليدية ، وكذلك إمكانيات قصيدة التفعيلة المعتمدة على الأبحر الشعرية الصافية عادة ، وهو يدرك ذلك حين اختار هذا النمط من الكتابة الشعرية ، قاصدا الخروج على تقاليد الشعر العربي المتوارثة والمألوفة ، حسب قناعاته الخاصة ، والوصول إلى قصيدة حداثوية تعتمد تقنيات أخرى ، وإن كنت شخصيا أعتقد أنه لا ضرورة لأن يقاطع الشاعر كل إمكانيات الوزن الشعري ، بل يمكن له أن يحاول الاستفادة منها حيثما استطاع ، وهذا ما صادفنا أحيانا في قصيدة الحبوب ، فنجد أشطرا موزونة على نمط قصيدة التفعيلة مثل :
( تطير العصافير …..واحدة خلف أخرى….
وواحدة خلف أخرى…..
تطير)
أو:
( غريبان
كنا
وكان الفضاء
حليب دمى
وانتهاء الفراغ )
أو :
( إلى جوف هذا الضياع
وهذا الخراب / الجفاء /
وهذا الزبد.
إلى حضن هذا العذاب الجريء
وهذا الكمد .
ألازم صوت الطريق ليطول
: أليس البكاء عبير الجسد .
: أليس الكلام خفيفا يجيء
إذا ما اتحد .
فسافرت صيفا عظيما
على شمس هذي البلاد
فكان البكاء … الطويل .. الطويل ….الطويل
وهذا السهاد .)
واضح أن المقاطع السابقة موزونة على بحر المتقارب ، خاصة المقطع الأخير الطويل ، وهو من قصيدة الشاعر ( هذا البكاء الطويل ) وهو مقفى ايضا بحرف الدال الساكنة ، فهو مبني على صيغة قصيدة التفعيلة . والمقطع جميل جدا .

الصورة الشعرية :

يقول الدكتور محمد برغوت إنه ( بتتبعنا للإنتاج الشعري الحديث، يتضح مدى الدور الذي أصبحت تضطلع به الكلمة ووظيفتها الجديدة التي يجب أن تتمرد على سلطة اللغة. لقد أصبحت مصدرا لطاقة شعرية قائمة على إيجاد علاقات جديدة بين الكلمات، وشحنها بمدلولات جديدة لاكتشاف أفق لغوي جديد. وهنا تم تبني مسألة الانزياح اللغوي، لأنه طاقة هائلة ساعدت على خلق علاقات جديدة بين المفردات يمنح الصورة ثراء وغنى لم يتحقق لها في الشعر القديم ، حيث ظلت تكتسي طابعا منطقيا يقوم بوظيفة توضيحية ) .
والصورة عند يوسف الحبوب تلعب دورا مهما في تشكيل قصائده ، وقلما ترد قصيدة إلا وفيها ما يشي بصورة جديدة ، والصورة هي التي ترتفع بالكلام من مستواه العادي إلى مرحلة جمالية عالية ، فبالصورة تتجسد مقدرة الشاعر على اللعب بانزياحات لغوية تعمق المعاني وتشكل علاقات مدهشة بين المفردات والألفاظ تعبر بالنص من نثرية منطقية جامدة إلى شعرية حلمية تجديدية ، يقول الشاعر في قصيدة ( هذا انفعال النبوة وهذا انفعال الجسد ):
( ……السؤال الذي يجلسنا غرباء كغيب التكهن
وحلم المرايا،
المرايا التي أنظرها
فيكون لوني وجهك
ووجهي لونك
ويدي عنقك
وعيناك سكينة تعرش في الفؤاد القصائد
فهذا السؤال كحلم المرايا
وهذا السؤال اشتباك الشذى )
إنها صور عديدة وانزياحات مختلفة ولغة ترتفع بالعادي إلى الشعري ، وتحتاج كل صورة لتفكيكها وتبيان علاقاتها الخفية المدهشة مثل ، الغرباء الذين يشبههم بغيب التكهن ، حيث وجه الشبه هو الحيرة والضياع وعدم القدرة على التصرف بيقينية والبقاء في ظل التوقع المخيف الذي لا ندري ما هو . أو مثل : عيناك سكينة تعرش في فؤاد القصائد ، وما فيها من جماليات الطمأنينة واليقين والإرتياح المطلق والحب الغامر .

الرمز :

ومن أساسيات الصورة الشعرية قضية الترميز، فالرمز لغة أخرى، لغة بديلة وموازية، استخدمها الإنسان في التعبير عن نفسه والعالم المحيط به منذ أقدم الأزمان ، وكان لهذا الاستخدام مبررات فنية وموضوعية مختلفة ، تباينت بتباين الأزمان والشعوب والمناطق والثقافات وغير ذلك . والرمز معروف أنه يأخذ مدارات شتى حسب موضوع القصيدة ، ورؤية الشاعر ، فهناك الرمز التاريخي والاجتماعي والسياسي والإيروسي والحضاري ورمز المرأة وغير ذلك كثير ، ويستخدم كثيرا للعبور من حالة التعبير المباشر إلى محاولة تغليف المعنى بما يوازيه ويشير إليه، أو يستخدم للتغطية على هدف الشاعر المباشر وتعميته قليلا ، والإفلات من الوضوح في التأشير على حالة ما ، خاصة في القضايا التي تقع في دوائر المحظور .
وقد استخدم الحبوب الترميز في مجموعته الشعرية هذه ، ولعل أفضل مثال على ذلك قصيدة العنوان ( محاولة لتسلق ظل الوردة ) التي ينتقد فيها النظام السياسي بلغة غير مباشرة ، وكذلك هذا المقطع من قصيدة ( نحن لا نكتبك في المراثي ..لكنا نكتبك في الأشعار ) المهداة إلى الشاعر العراقي الراحل عبد الأمير المعلة اذ يقول الشاعر :
( أذهب بعيداً ….بعيداً بعيييييييييييييييييييييييد
أتركني
أترك قلبي منفضة للتأريخ
أترك صوتي زغرودة للصحو
ودعني أغني
فنحن لانكتبك في المراثي
لكنا نكتبك تاجاً لهذا النشيد )
حيث يتذكر الشاعر علاقاته مع المعلة ، ولقاءاته به في بغداد أيام مهرجان المربد الشعري وغيرها من المهرجانات الفنية والثقافية ، والأمسيات الحافلة بالثقافة والصداقة والشعر ، كما يتأسف بشكل رمزي لما حدث في العراق وسقوط بغداد بيد الاحتلال الأمريكي وتدمير البلد فيما بعد تدميرا شاملا ، ولكن الشاعر الحبوب رغم ذلك يبقى متفائلا وتعلو قصيدته بتأكيد عودة النشيد إلى سماء الوطن ، الوطن الذي لا يفرق فيه الشاعر ما بين قطر عربي وآخر معتزا بنظرته القومية الشاملة ، كما أنه في الوقت ذاته لا يفرق في نظرته بين أبناء وطنه من أي قومية أو عنصر أو لغة أو دين .

خاتمة :

وبعد ، فإن الحديث عن مجموعة شعرية ما ، لا يغطي كل جوانبها بكل تأكيد، لوجود الكثير من التفاصيل التي لها دور في توصيف القصيدة ، وتبيان مدى تماهيها مع عملية الإبداع الشعري . وقد حاولنا في تناولنا لمجموعة الشاعر يوسف الحبوب ( محاولة لتسلق ظل الوردة ) أن نسلط الضوء على أبرز ما تتميز به قصيدته، من جوانب فنية، وما يهتم به من قضايا وشؤون إنسانية .
ونستطيع أن نقول إن الشاعر قدم رؤيته الجمالية والموضوعية بشكل حر وبسيط ، ونجح في التواصل مع القارئ حتى وإن كانت هناك بعض الاختلافات في وجهات النظر إزاء العملية الإبداعية ، شرط الحفاظ على أساسيات اللغة والجنس الأدبي الذي يطرحه الشاعر .
23/3/2016


أمجد محمد سعيد

شاهد أيضاً

الهوية فـي (سيقان ملتوية) لزينب حفني

تستثمر الرواية النسوية الخليجية إخفاقات وصعوبات حياة الأنثى في المجتمعات الخليجية ، بالعديد من التابوات …