أخبار عاجلة

الكتابة الاسطورية التكرارية والحوار مع الجذور

رواية الكاتب المصري الجديد محمد ناجي (خافية قمر) رواية جديدة بكل معنى الكلمة. تضع اسم كاتبها باقتدار وتمكن على خارطة الكتابة الروائية العربية الجديدة. فهي رواية ذات لغة متميزة، وعالم قصصي فريد، وأسلوب سردى جديد تتعدد فيها مستويات الدلالات لانتيجة للافتعال التأملي او التفلسلف الذى يتخلل السرد او الاستطرادات الفكرية التي تعترضه كما هي الحال في نصوص تجديدية عديدة، وانما بسبب البنية السردية التي يمتزج فيها الواقعي بالحلمي,والمحكي بالمسرود، والأسطوري بالمتخيل, والقص الشعبي ذوالطبيعة الشفهية بالسرد المكتوب الذي ينتمي إلى الأدبيات الروائية المألوفة. وتتعدد فيه النصوص بطريقة النص داخل النص, الذي يقرأه علينا في الرواية ويحيلنا اليه اكثر من مرة كما تتعدد فيها ضمائر السرد بأصواته ورؤاه ويتوجه, فيه الراوى الى القارىء مباشرة ويخاطبه أحيانا قائلا "حول عينيك عني أيها القارىء، ولا تحرق بهذه النظرة المستريبة أول الخيط الذي أحاول أن أمده بيني وبينك " قاطعا على القارىء أي محاولة للتماهي مع السرد، أو الشخصية الرواية، ومثيرا ريبته فيهما، وموقظا حب تطلعه إلى معرفة المزيد عنهما في الآن نفسه. وتتراكب فيها الأزمنة في علاقة حوارية يتولد فيها المستقبل لا من الحاضر، وانما من الماضي في أغلب الأحيان,ليتحكما معا في الحاضر، وينسجا فيه أسطورتهما التي تنطق هذا الحاضر الكابي المترع بالخيانات والجنون بعلته الدفينة.

فالرواية برغم موضوعها الذي يبدو للوهلة الأولى وكأنه يحيل حكاية رجل مجنون يفتقر سرده للمنطق الى نوع من اعادة كتابة القص الشعبي الشائع في ريف مصر، وإدارة حوار نصي معه, أو إلى أسطورة أو بالأحرى كتابة أسطورية من نوع فريد، وفي الحالين لا يشير إلى أي انشغال بالهم العام, مشغولة إلى أقصى حد بالهم الإنساني بمعناه الشامل, وبالهم المصري الخاص بمعناه الاجتماعي والسياسي المحدد. ولكنها تخفي هذا الانشغال في طوايا بنيتها السردية المراوغة التي تكسبها هذا المذاق الفريد، والجدة المتميزة. وتحيله إلى جزء أساسي من هذه البنية الفريدة المتميزة التي تتخلق فرادتها من طبيعة الحوار الخلاق الذي تديره مع صيغ القص العربي القديم, وأشكاله التراثية، وبنيته التحتية. لأن عالم الرواية كله يتخلق على الوتر المشدود بين الواقع المصري المعاصرة والإنساني من ورائه, والميراث السردي العربي الشفهي منه والمكتوب. هذا الميراث الذي تختلط فيه التواريخ بالأساطير عند الواقدي والطبري والسيوطي والمقريزي والقزويني وغيرهم.

ولكنها لا تدير هذا الحوار على سطح السرد كما يفعل الكثيرون ممن يحاولون ربط نصوصهم السردية بعناصر من التراث العربي, وانما تسقطه إلى لاعيه فيبدو الأولى وكأنه سرد واقعي تختلط فيه الأحداث, لأن السارد، الذي يروي معظم أجزاء النص بضمير المتكلم مجنون, أو عاقل متهم بالجنون, وهارب من المصحة العقلية التي يعاني من عجز أطبائها عن فهمه وتصديق قصته. ولكننا ما إن نتأمل اختلاط الأحداث هذا بشىء من العناية، حتى نكتشف مدى ما فيه من عقل واحكام, وحتى يتفتح النص على آفاق أسطورية وسردية خصيبة يفيض معها بالعديد من الدلالات. وقد عززت البنية السردية ذاتها والتي تعتمد على ما أود أن أدعوه بالكتابة التكرارية هذه القدرة النصية على الافضاء بالدلالات على أكثر من مستوى سردي في آن. ويقسم محمد ناجي روايته إلى خمسة أقسام: مقدمة أولى، الخافية، مقدمة ثانية، الخلاء،وأخيرا مقدمة ثالثة وختام. وتتبدى التكرارية التي أشير إليها في تلك المقدمات الثلاث التي تنطوي آخرها على الختام من ناحية، وفي تواتر الأحداث بشكل تكراري لا تعاقبي من ناحية أخرى. فالقارىء لا يعرف أي قصة من قصص هذه الأقسام الخمسة المتراكبة من خلال القسم الخاص بها وحده, سواء تعلق الأمر بقصة الخافية أو الخلاء، ولكن من خلال جماع هذه الأقسام وحوارها، وإلا لظلت معرفته معرفة منقوصة.ومن خلال الجدل بين القسمين الطويلين المعنونين بالخافية والخلاء واقسام المقدمات الثلاث فبنية السرد التكرارية تلك تبلور أليات الاعتماد المتبادل بين جزئيات السرد وأقسامه المختلفة. ولا تقتصر التكرارية على هذا التقسيم السردي, وانما تتجاوزها الى البنية العميقة التي تتكرر فيها الشخصيات وكأننا في حالة حلولية، والأحداث حيث تكرر سلمى خيانة قمر،ويكرر عبدالقهار رد فعل إدريس وهكذا.

ولا تعني البنية التكرارية أن محمد ناجي يعيد علينا ما سرده, فهو حريص على تنمية السرد باستمرار، وعلى تجريده من الزوائد غير الموظفة، ولكن تنميته للسرد ليست من النوع الذي ينمو فيه الحدث في الزمن – فما عاد هناك نمو في الواقع الذي يصدر عنه النص – ولكن من النوع الذي يسعى لسبر أغوار الماضي وقراءة دلالاته الخفية من خلال إدارة حوار سردي شيق بين المحكي واستراتيجيات الكتابة التراثية المتعددة.ومن هنا نجد أنفسنا بإزاء نوع من الحدث الثابت الذي تتكرر دوراته, ولكنها تنتكس وتتراجع في الوقت نفسه, كاشفة في كل مرة عن بعد جديد في الحكاية المسرودة، وعن وجه جديد من وجوه الواقع المتردي المتعددة. ويحرص السرد الذي يتقصى أبعاد الحدث الثابت على حصر الاحداث في اضيق نطاق زمني,ومن هنا فان الحاضر في الرواية، أي زمن الحدث الذي يستغرقه ما يقع فيها من أحداث لا ما ترويه لنا من ماضي هذه الاحداث, وهذا ما يسميه الشكليون الروس بزمن السرد، قصير الى حد كبير. هو زمن المحاولات المتكررة لهرب عبدالحارس من المصحة العقلية، وما جرى له في كل محاولة من هذه المحاولات الثلاث حتي القبض عليه من جديد ورده إلى المصحة. هذا الزمن بالقطع غير المساحة الزمنية الشاسعة التي تغطيها الرواية، والتي توشك, في مستوى من مستويات الدلالة في الرواية، أن تكون زمن المسيرة البشرية كلها، منذ بدء الخليقة وأسطورة آدم وحواء وطردهما من الجنة وحتي الآن, وهذا الزمن هو ها أصطلح على تسميته بزمن الحكاية المسرودة.

وإذا كان زمن السرد زمنا واقعيا صرفا يخضع لقواعد الزمن الكرونوميتري الذي يحسب بالساعات والأيام, فإن زمن الحكاية هو الزمن الأسطوري بكل معنى الكلمة. ومن خلال الجدل المستمر بين الزمنين, وبين الحكايتين: الواقعية التي تحدث في زمن السرد، والأسطورية التي تجرى في زمن الحكاية المتراكب مع زمن السرد والمتجاوز له معا، تتجلى لنا دلالات النص المتعددة، وتتبدى أوجه جدته. فالحكاية التي تدور في زمن السرد الواقعي حكاية بسيطة للغاية لا تتجاوز ما ذكرته من أن عبدالحارس يهرب من مصحة عقلية يعاني فيها من تعذيب الأطباء له بالأسئلة، وعدم تصديقهم لما يقدمه لهم من إجابات عليها، ويتصاعد التعذيب إلى الصدمات الكهربائية، ثم الضرب, ولكن يظل الأطباء على حالهم من إنكار لحكاياته الغريبة. ومن هنا يكتب عبدالحارس حكايته تلك التي يعلق أهمية كبيرة على تصديق قارئها لها، ويحملها دائما في حقيبة يحتفظ بها معلقة على كتفه, ويعدنا بأن نقرأها ذات يوم. بل ويقرأ علينا في عملية هربه الأخيرة صفحات مما دونه في هذا المجال, فيتيح للكاتب أن يستخدم استراتيجيات النص داخل النص في روايته, بطريقة تتجاوز الإحالات إلى نص غامض,وتقترب من تخوم المتاهة النصية البورخيزية التي يكتسب فيه المتخيل صلابة تتجاوز كل ما للواقعى من مصداقية، بينما يشكك النص دوما في الواقعي, وينفي حدوث أحداثه فيه.فالرواية تبدأ في "مقدمة أولى" بالتشكيك في النصي, والسخرية مما يحكيه, وتعمد إلى توسيع دائرة الشك تلك من جرسون الحانة التي يتردد عليها عبدالحارس للشراب, إلى جل زبائنها الذين يبدأون طقوس السخرية والتهكم, إلى أطباء المصحة الذين يشيرون الى عودته لتكرار نفس الحكايات. وتطرح الرواية هذا النصي المدون في الحقيبة في مواجهة الواقعي من خلال تبرير هرب عبدالحارس بأنه من أجل العثور على الأدلة،وتشير من طرف خفي إلى حوارها مع التراث السردي منذ الصفحات الأولى التي يذكر فيها أحد الساخرين من حكاية عبدالحارس كتابا وهميا باسم (حكايات إدريس البكاء في اللعب على النساء). ثم تضع هذا كله بين قوسين من سمادير مخمور وهذيان مجنون يريقان على كل شيء شكوكا لا مناص من الوقوع في شراكها.

لكن الرواية سرعان ما تلغي مسألة العثور على الأدلة بالتهام الفئران لدفاتر الأنساب بإدارة المحفوظات القومية بالقلعة. وتنتقل بعد ذلك مباشرة إلى قسمها الثاني "الخافية"،وهو اسم المنخفض السحيق الغور الذي تكون على حدود قرية "روضة إدريس " عندما انخسفت الأرض بقمر وابتلعتها. لذلك كان طبيعيا ان تفتتحه الرواية بهذه الكلمات التي تموضع السرد كله على الحدود الفاصلة بين النور والعتمة، والليل والنهار، والخيال والواقع. وان تقدم لنا فيه سردا لا ندري ان كان هو المدون في الاوراق التي اودعها عبدالحارس حقيبته ام انه شىء أخر. ولكنه سرد لا ينتمي الى زمن السرد الذي اعادوا فيه عبدالحارس الى المصحة، وانما يعود الى القص الاسطوري الذي يمتزج فيه المحكي بالمسرود داخل النص, ويؤسس جغرافيا المكان الأسطوري الذي تدير فيه البيوت التي التف صفها على نفسه كهلال كبير ظهرها للخافية، ولا تفتح نوافذها عليها، ويتوسط الهلال دار المجروح ومقامه. وتقع الخافية لدلالة الاختيار الجغرافي في الغرب, قابعة على حدود القرية كالفخ, كالرصد. تزرع الخوف على حدود الحياة، ولكن النص لا يتيح لنا حتى معرفة ماهية هذا الاسم الغريب الذي جعله النص عنوانا له إلا في نهاية هذا القسم, وبعد أن يؤسس النص بقية جغرافيا لا الاسطورية فيحدثنا عن عبدالقهار المجروح,وعن جرحه الاسطوري الذي لا يندمل أبدا، بل ينز دما دائما، يدس يده فيه ويبارك به زواره في نوع من المعمودية بالدم, وكيف طمرت الريح دار الجريح حتى استحالت الى ضريح يقصده الزوار وطلاب الحاجات. وبعد ان نعرف ضيق البلدة بإطلاق الاخرين عليها اسم,"خافية قمر" وتفضيلهم لاسمها الأصلي,"روضة إدريس "، وتذكير كل من يطلق على البلدة الاسم الآخر به.

بعد كل ذلك نعرف قصة قمر، تلك الراعية الصبية الحلوة الصبوح التي كانت تلعب على العشب, ملكوتها الخلاء وتاجها جسدها الفوار بكنوزه الحسية المذخورة، فرآها إدريس البكاء جذر القرية/ العالم وملكها ومؤسسها في أول الزمان, ولكنه تجاوز الزمان, وأمرها أن تطلب ما تشتهيه نفسها، وقال لها أنه إدريس, وقالت له أنها تريد أن تكون ملكة، فبني بها، وهام بحبها، وكان عمره عند ذاك أكثر من ألف عام, فتاقت الصبية للخروج للخلاء، والعودة لديار أهلها، وهناك كانت تخونه, فلما أخبره وزيره برهان الحيران أن المرأة فتحت أبواب بستانك فدخله غيرك واختلط الزرع, غضب وانفجرت من غضبه العاصفة فهبت على قمر في الخلاء وهي تتقلب عارية في أحضان عشيقها، ثم غارت في الأرض برفق, وهي لا تزال مفرودة الذراعين,. وساقاها ترتعشان بالشهوة حتى اطبقت عليها العتمة. (ص 47) تقول الأسطورة أنها بقيت هناك في هذا الخلاء الذي اختفت فيه, هكذا كتبت عليها الحياة منذ حلت عليها لعنة إدريس البكاء، وحين يعبر الرجال تناديهم, ومن يتلفت تحل به اللعنة، فتنشق الأرض تحت قدميه, ويهوى إلى ملكوتها السفلي. وقد أصبحت تجليا اخر من تجليات النداهة الاسطورية المخوفة التي تغوي الرجال بندائها الذى لافكاك منه, ولكن الرواية تكسب هذه الاسطورة بعدا جديدا حيث تغوى النداهة الرجال الى عالمهم هم فى الحقيقة وليس الى عمالها التحتى فالغواية فى عالم الرواية الاسطوري فى داخلنا لايغوى إلا من غوى. وتتراكب الحكايات مع حكاية قمر تلك, وتتفاعل معها حكاية روضة ادريس التي اسسها ادريس البكاء، وهو رأس العلم " وتاج المعرفة ". والمحارب الذي أمن الأرض وهزم الأعداء، وكيف هبط أرضها الرعاة من بني عبد فسكنوها،وبنوا بيوتهم فيها حول الخافية، وتحولوا فيها من الرعي إلى الزراعة. وكيف يزعمون أنهم انحدروا من اصلاب إدريس البكاء الذي كانت له ساق من خشب, ويد من حديد. وهي حكاية اصلية تنبثق منها حكايات مناقضة عن اللعنة التي أصابت القرية، وتنفي صلة بني عبد بإدريس, وتزعم أن الأدارسة الحقيقيين يعيشون في أرض أخرى غير تلك التي كتب عليها الفقر والخوف, وغارت على حدودها قمر.

وتتعدد الحكايات: حكاية سلمى بنت العربان التي أحبها عبدالقهار في شبابه, وأخذها من العربان الرحل, لتستقر في قرية روضة إدريس, ثم كيف كررت خيانة قمر، وخانته مع جعفر بن الفراغلة، فطردها بعد أن صرحت بأن عبدالحارس،ليس ابنه, زاعما ان ابنها عبدالحارس هو ابنه هو الذي ولده من جرحه ثم دفع به إليها لتربيه. وحكاية غراب العربان الذي رأى دون ان يرى كيف تخلق العالم من امامه, ويقدم لنا قصة خليقة اسطورية خاصة، لا تحكي لنا كيف تخلق هذا العالم الاسطوري الغريب  فحسب, ولكنها تضع عبدالحارس الطفل وسط عملية تخلقه العجيبة التي يشهدها قبل أن يولد بأكثر من ألف عام, ثم قصة عبدالغفار الذي دحرجته الغواية الي خافية قمر فاختفى، ولكنه لم يختف حسب رواية عبدالحارس للحكاية، وانما ترك القرية الى المدينة ليفتح بهجرته تلك صفحة جديدة في تاريخ البشرية بالانتقال من الزراعة لحياة المدن والتجارة في الحبوب. وقصص كوامات المجروح وزواجه من بنات الذين يتلمسون به الكرامة أو رفع الرصد عن بناتهم البائرات, وكيف تزوج "من حميدة بنت عبدالموجود، ثم سيدة بنت عبدالستار، ثم رقية بنت عبدالقيوم, ثم اسماء بنت عبدالظاهر" وسعدي بنت عبدالفتاح "(ص 33) ولكن ظل عبدالحارس هو ابنه الوحيد من جرحه, أو من سلمى بنت العربان لا نعرف على وجه اليقين فليس في عالم هذه الرواية يقين, ولكنها اللغة الشعرية والسرد الاسطوري. وحكاية طقس استيلاء النسوة على عبدالحارس وانتزاعهن أياه من أمه سلمى وتضحيتها من اجل استرداده بشعرها، وأسنانها وعينيها في نوع من السرد الطقسي المهيب.

وبعد المقدمة الثانية التي نتعرف فيها على رحلة هرب عبدالحارس الثانية من المصحة بعد أن أخذ النقود من حقيبة الدكتور صالح المعالج, وقرر ألا ينفقها إلا في الشراب والطعام وفي أضيق الحدود، وبعد إخفاقه في العثور على رفاق الهروب الأول, يتواصل تراكب الحكايات في "الخلاء" الذي يتخذ له مرتكزا دار عمه عبدالغفار، وهي الدار الوحيدة التي بنيت شرق الخافية على حدودها البعيدة بعد الخلاء، لأن العم عبدالغفار الذي يعى إلى تبديد الأسطورة لا يملك في النهاية إلا تأكيدها،والوقوع كلية في أسرها. في هذا القسم الرابع من الرواية نعود إلى حكايات مرحلة طفولة عبدالحارس وشيطنة الصبية الصغار – حسنين بن السقاء، وبرعي بن الحانوتي, وفاضل بن الحداد – مع الشيخ شاهين معلم الكتاب الضرير، وإخافتهم له, وتجسسهم عليه وهو يفعل الفاحشة مع أم اليسر بائعة الترمس العجوز التي تقتنص القطط الضالة، وتسلخها وتطهيها له كل مساء على أنها أرانب, ويأكلها الشيخ ويتلمظ على ما يعف بها من مسرات. وحكاية العم عبدالغفار مع المشاعلي وقمر،وغير ذلك من الحكايات التي تسلمنا إلى المقدمة الثالثة والختام الذي يكشف لنا غدر الإنسان وأنانيته البشعة وخيانته لعبد الحارس الذي أغدق عليه من حبه وماله وصداقته. وتنتهي الرواية بعودة عبدالحارس من جديد إلى المصحة وانغلاق دائرة الحصار عليه.

ومن خلال تراكب كل هذه الحكايات, وجدل الواقعي فيها مع الأسطوري تتخلق معالجة الرواية المتميزة لعدد من القضايا النصية والفكرية المهمة، وإعادة كتابتها الاستعارية لكثيرمن القصص الاصلي لاننا نقرأ تحت جلد قصص زوجات المجروح اللواتي يخضبن مناديلهن بدم جرحه الدائم كجرح المسيح وينشرنها على حبال غسيلهن قصص الأنبياء والأولياء في سعيهم الحثيث نحو الخير، وفي تشوفهم الدائم لإماطة اللثام عن الحقيقة الغائبة. ونقرأ في بنية النص التكرارية دورة الحياة الأبدية التي تؤكد أن الإنسان لايني يكرر أخطاءه, ولا يتعلم منها أبدا، وكأنه مشدود نحو غواية الخطأ التي لا تقل سحرا عن غواية الحقيقة. ونقرأ تحت جلد عالم الرواية الرجالي وأبوته البادية نزعة أنثوية واضحة للتمرد المستمر عليه, فهو يخفي خوفه الدائم من قمر الثاوية أبدا في خافيتها تشد الإنسان نحو عتماتها المغوية. ونقرأ خلف هذا كله قصة الإنسان, وقصة الواقع المصري المتردي دوما، الباحث أبدا عن مخرج من تلك اللعنة الأبدية التي يحملها إنسانه كصليب لافكاك منه. وسر اختفاء قمر، بل واختفاء كل القيم الجميلة والنبيلة من حياتنا.
 
 
صبري حافظ (ناقد مصري وأستاذ بجامعة لندن)

شاهد أيضاً

الكتابة والتصوّف عند ابن عربي لخالد بلقاسم

لا تكمن أهمية هذا الكتاب في  تصدّيه لمدوّنة هي من أعقد المدوّنات الصوفيّة وأكثرها غموضا …