أخبار عاجلة

اللغة العربية من خلال نظرة عصرية

ما أكثر ما تحدث الناس ، قديما وحديثا، عن اللغة العربية ما بين مناصر لها، مدافع عنها، وما بين مناوىء لها، مهاجم إياها. ولا تخلو الساحة العربية ، على عهدنا هذا، شيئا من التعصب الأعمى على اللغة العربية : من ذويها والناطقين بها أنفسهم حيث ما أكثر ما نلفيهم يزعمون أنها عاجزة عن التطور والتطوير وأنها عسيرة النمو، وأنها معقدة التركيب ، وأنها لغة محنطة … وهو ادعاء غير مؤسس ومز عم لا يخلو: إما من حقد عليها واما من جهل بها وفي الحالتين الاثنتين لا عذر للمتخرسين .

من أجل ذلك ترى هؤلاء يجنحون لاصطناع العامية في أحاديثهم وربما في أحاديثهم العامة بوسائل الإعلام (الاذاعة والتلفزة خصوصا) طورا، ولمحاولة الترطين في شيء من التكلة ، البادي بإحدى اللفات الأجنبية الغربية (الفرنسية في المغرب العربي، والانجليزية في المشرق ) طورا آخر. وقد لاحظنا أن اللغة العربية أمست غائبة من لغة السياحة في المشرق والمغرب > أما في المغرب فيوظف الفتيان الذين يتقنون الفرنسية وبعض الانجليزية للتعامل بهما مع السياح في الفنادق الفخمة … وأما في المشرق العربي فلا تكاد تصطدم في الفنادق الفخمة … إلا برطانة الهنود وسواهم من الجنسيات الأسيوية الذين لا يتحدثون لفة انجليزية راقية صوتا وتركيبا، وانما تردهم يقطعون جملهم تقطيعا بدائيا يؤذي ولا يمتع .. ولا يعني شي ء من هذا الا امتداد الهيمنة الثقافية الأمريكية مشرقا، والفرنسية مغربا، أو مقاربيا كما يقال الآن في المغرب العربي.

مع أن جمال اللغة العربية لا يكاد يعادله جمال ، وهي نتيجة لذلك ، أولى بلغة السياحة على الأقل فيما يعود الى التخاطب مع السياح العرب لو كون فتيان وفتيات على ذلك وحملوا عل استعمال العربية استعمالا أنيقا سليما وخصوصا من الفتيات لكننا نعلم مسبقا بأن الاستلاب الثقافي الذي يعانيه العرب وبأن تهاونهم في تقدير لغتهم أمام الامم الأخرى، واعتقادهم بأن المسألة اللغوية هي مجرد مسألة شكلية . سيجعل من اقتراحنا مجرد نفخ في رماد، وصرخة في واد.. ومما يزيد مسألة اللغة العربية تعقيدا أن كل قطر يعول على آخر في خدمتها وتطويرها وعصرنتها بحيث تغدو لغة الحياة اليومية كما تمسي لغة الفكر والعلم والبحث والاختراع … ومثل هذا التواكل سيذر هذه اللغة العزيزة على ما هي عليه .. والجامعة العربية بحكم أنها جسد مشلول في منظورنا على الأقل لا تستطيع أجهزتها أن تصنع شيئا ما عدا انتظار الراتب الشهري!…

ويبدو أن كتاب : "اللغة العربية إضاءات عصرية " (236 صفحة _ نشر : الهيئة المصرية العامة للكتاب ) للدكتور حسام الخطيب جاء ليقدم مقاما وسطا بين أولئك وهؤلاء : فلا العربية قادرة على تناول كل شيء والنهوض بكل شيء؟ ولا العربية ، أيضا خاملة متخلفة وعاجزة عن النهوض بأي شي ء، إنها لفة أزلية حقا. ولكن هل ننظر الى هذه الأزلية فيها على أنها مزية ومحمدة أم على أنها عب ء ومرزاة ! إننا ، في تصورنا الخاص ، لا نجعل من أزليتها محمدة ولا مرزاة ؟ فهي لغة كبيرة يسمح لها كبرها وعظمها أن تتكيف بسرعة على النحو الذي يراد لها وخصوصا في المجال التقني، بشرط واحد ووحيد: أن يرقى أهلها الى مستوى الايقاع الحضاري للعصر، وأن يستعيدوا الثقة فلي النفس فيبادروا الى الايمان بقدرة لفتهم وقد برهنت اللغة العربية بعد ، في بعض بلدان المشرق ، على كفاءتها العليا في التكيف مع كل العلوم العصرية . وواضح أننا نومي، الى التجربة السورية الرائدة التي لم تعمم في كل العالم العربي.. كما أن التجربة الجزائرية يجب أن تكون رائدة في المغرب العربي حيث إن الجزائر في ظرف زمني قصير استطاعت أن تمحو رطانة اللغة الفرنسية من جميع الإدارات الجزائرية ، وتحل محلها اللغة العربية كما أحلت اللغة العربية ، محل الفرنسية في جميع مستويات التعليم الثلاثة ؟بما في ذلك الاقتصاد، والتجارة والحقوق ، والفلسفة والرياضيات ، وعلم الأحياء (البيولوجيا) … ولم يبق إلا بعض الفروع القليلة التي لم تعرب كالعلب مثلا..

لكن ذلك كله لا يعني أن اللغة العربية جاوزت المحنة ، وأن أهلها أصبحوا يتحكمون فيها تحكما عاليا ابتغاء اصطناعها في كل مضطربات الحياة وفروع المعرفة والعلم … فإننا لسنا راضين عن الطرائق التي تدرس بها العربية ولا عن كيفية استخراج المصطلحات العلمية وغير العلمية … إننا مطالبون جميعا بتنسيق الجهود وتوحيدها من أجل التوصل الى نتائج مثمرة توشك أن تنفض غبار الخمول عن العربية .

إني أتمثل اللغة من حيث هي كائن اجتماعي كالطفل الذي نستطيع أن نكونه للمستقبل بتعليما وتثقيفه وتربيته والأخذ بيده سلوكيا ومنهجيا وفكريا ليكون رجلا صالحا نافعا لمجتمعه وللانسانية كلها.

العربية لغتنا تحتاج منا الى أن نبذل جهدا أكبر في خدمتها وترقيتها نحويا، واملائيا ومطبعيا ومصطلحاتيا.

ولعل أول ما يجب البدء به ، إن كنا حقا نريد أن نبدأ (والحديث مساق هنا الى مجامعنا العلمية التي تتعلق بالسحاب ، ولا تنزل الى التراب ل تراما تبحث في قضايا العربية في مجالسها ودوراتها، ثم تجتزي، بنشر مقرراتها في مجلاتها التي لا يقرؤها أكثر من بضعة آلاف قاريء من أصل مائتين وعشرين مليون عربي… بل ربما وضع مقرراتها في أدراج المكاتب أو رفوف الخزائن حتى تأتكل بالبلى ، وتأتخذ بالرطوبة … والحال أنه يجب تعميم المقررات والفتاوي اللغوية بين عامة المتعلمين العرب في المستويات التعليمية الثلاثة (توضع ملاحق في كتب القراءة والنحو مثلا… حتى تعم فاشدتها)، هو أن ننقي (وأكاد أقول : نطهر) السنتنا من اللغات الأجنبية والألفاظ العامية في حياتنا العامة (في التدريس ، والاذاعة والتلفزة ، وفي الصحافة المكتوبة وفي كل الأحاديث الثقافية المبسطة ) فليس هناك أي مبرر ولا حجة ولا عذر لنا في المضي في احتقار لغتنا، وتعفير خدها في الرغام ، وتلطيخ محياها الكريم بالتراب ، يوميا أمام ضرائرها من اللفات الأجنبية .

وأما الأمر الآخر فهو أن ننشر وعيا لفريا في مدارسنا ومعاهدنا، وجامعاتنا وجميع مؤسساتنا الثقافية بضرورة استعمال اللغة العربية الفصحى (والفصاحة تعني في أصل العربية الخلوص والنقاء)، وذلك كيما نهيىء الاجيال الصاعدة الى تحمل الرسالة والنهوض بعبء الأمانة ونفض غبار الخمول ، وقتام الدهور من على وجه هذه اللغة الأزلية الخالدة .

ويمكن أن نحلل نص بعض هذه المقدمة فنستخلص منه أنه ينهض على أربعة محاور كبرى.

أولها : انه يركز على الجوانب العملية في ترقية اللغة العربية ومعالجة المشاكل التي تساور مستعمليها على مستويات النحو، والاملاء، والبحث عن الألفاظ في المعجم وملم جرا..

وثانيها: يركز الكتاب على القضايا اللغوية في مجال التعليم العالي ، ونتيجة لذلك في مجال البحث العلمي أيضا، لأن أشق المعاب ، وأكاد العقاب ، يقلقاها أساتذة التعليم العالي لارتفاع مستوى التلقين والتعليم ، ولبلوغ القضايا المعرفية المطروحة للتعلم حدا عاليا من التجريد. فأشد الأقطار العربية إخلاصا للغة الضاد وتحمسها لها، لم تستطع تذليل جميع المعاب المتصلة بلغة التبليغ في المستوى المعرفي الرفيع .

وثالثها : يركز الكتاب كما يستخلص ذلك من بعض سقدمته نفسها التي استشهدنا بنص منها، والتي نحن بصدد تحليل مضمونها؟ على لغة الاعلام ، أو على لغة "الاتصال " كما نطلق نحن على ذلك في الجزائر. (والمسألة اصطلاحية ودلالية )، في "الاعلام " لفظة عامة وبسيطة وكأنها تقتضي البث دون الاستقبال ، والارسال دون التلقي. على حين أن مصطلح

"الاتصال" يعني، حتما، التواصل المتبادل أو المتفاعل بين قناتي الارسال والاستقبال . فهو، إذن ، أعم وأدق .

والحق أن لغة الاتصال يجب أن تدرس بعناية شديدة ، وذكاء حاد، حتى يمكن لف "الرسالة " المبثوثة في ثوب لفري جميل . ذلك بأن لغة الاتصال لا تعني العناية بسلامة اللغة ، والاجتهاد في اختيار ألفاظها طبقا لمستويات المتلقين ، (وعلى أنه من العسير ترصد مستويات المتلقين التي هي متباينة حتما، ومتراوحة بين العلو والدنو..) وانما تقوم خصوصا ، أو يجب أن تقوم على ما نود أن نطلق عليه "جمالية الاتصال "،

يركز كتاب الدكتور حسام الخطيب ، في خاتمته على اللغة لدى المرأة (سنتناول هذه المسألة بتفصيل عند نهاية هذه المقالة ) لأن المرأة أم ، ولأن الأم المؤسسة التربوية الأولى التي يتعلم فيها الطفل ، فكم من رجل اغتدى عبقريا بفضل طفولته المرتبطة بعظمة أمومة أمه .

فلعل هذه هي الخلاصة العامة لمضمون هذا الكتاب : لكني أعتقد مخلصا أن مثل هذه الخلاصة لا تستطيع أن ترسم تفاصيل كل القضايا التي عولجت وبحثت ضمن هذا الكتاب الذي أجدني عاجزا ، أنا أيضا، أن أنقل للقاريء الكريم كل ما فيه من تفاصيل في هذه المقالة القصيرة التي لم تكن الغاية منها الا تقديم الكتاب ، والاعلان عن صدوره قبل كل شي ء، لا الإحاطة .

والحق أن الدكتور حسام بإصداره هذا الكتاب كأنه أراد أن يرجع بالأمر الى الحافزة وأن يعيد النقاش من حول مشاكل العربية جزعة ،كما تقول العرب .. وليس ذلك على لفتنا التي يفترض أن يصدر. عنها كتاب كل أسبوع ، أو كل شهر على الأقل ، لمعالجة وضعها، حاضرها. ومستقبلها، وطرائق إصلاحها وكيفيات نشرها بين غير ناطقين أصلا.. إذا شئنا حقا أن نسعي لتطوير اللفة وعصرنتها، وجعلها في مستوى المشاكل الحياتية المختلفة التي تساور سبيلنا، وتعرض لنا في يومياتنا .

واذن فماذا كتبنا، الى اليوم عن اللغة العربية ؟ وماذا قدمنا من اقتراحات عملية لإصلاحها وتيسيرها؟ إن معظم الجهود فردية ومشتتة مما يجعلها تظل مهدرة .. فمشكلة اللفة العربية مشكلة قومية حضارية حيوية بالقياس الى جميع العرب … فليعتبر كل عالم من العلماء العرب هذه اللفة همه الأول حتى يمكن أن ننهض بها، ونيسرها ، ونطورها فنجعل منها لفة يومية للناس جميعا كما نرقي بها الى البحث العالي في المختبرات .

اللغة العربية والاعلام

لغة الاعلام ، عادة ضعيفة وفي كل لغات العالم تقريبا ،ولكنها في اللغة العربية أضعف . ولعل ضعفها يعود الى جملة من الأسباب ، منها: إن الكاتب الصحفي يحرص على أن يفهمه أكبر عدد ممكن من المتلقين باعتبار أن جريدته السيارة أو نشرته المذاعة يقلقاها ، في الغالب عدد ضخم من الناس . ولو اصطنع الكاتب الصحفي لغة جزلة (على افتراض أنه متمكن من هذه اللغة الجزلة ) وأسلوبا أنيقا (على افتراض أنه يتقن الكتابة بمثل هذا الاسلوب لم لنفر من كتابته كثير من القراء ممن لا يعرفون من ألفاظ العربية إلا بما يسمح لهم بقراءة محدودة .

ويتخذ عامة الصحفيين هذا السبب تكأة في كتاباتهم الركيكة : وقد يصدق عليهم المثل العربي القديم . "خرقاء وجدت صوفا" !نعم للبساطة في العربية واليسر، ولكن لا للركاكة والاسفاف !.

إنا لا نقبل هذا السلوك اللغوي الساذج ، غير المسؤول من بعض هؤلاء الذين يحسبون أنهم يشرفون ويعظمون في أعين النظارة حين يرطنون بهذه الانجليزية الممزقة . أم لم يعلموا أن هذي العربية ملك جماعي لكل أبناء العرب ، كالكلأ والماء والحطب ، وليست ملكا خالصا لهم ، وقفا عليهم وحدهم : فيعبثوا بها.

وأمام تخاذل ما يعرف بـ"مجامع اللغة العربية " وفي غياب التوجيه والنقد، والتقريع واللوم والتشنيع واللذع ، والتفظيع والنعي على هؤلاء الذين لا يرتضون باصطناع العامية المحلية ، والنطق المعجم المركك فحسب ، وانما تردهم يفزعون الى الاغتراف الظاميء من هذي الانجليزية التي يزدرينا أهلها، ولم يبرحوا يهينون شرفنا القومي .. أمام هذا الوضع غير المسؤول إذن ، فلننتظر الأسوأ ، إن كان هناك سيىء أسوأ مصا نحن فيه .

3- إن مستوى التعليم في المدارس والمعاهد والجامعات العربية لم يبرح يسف ويتدنى، ويهوي ويسقط من سنة الى أخرى، ومن عقد الى آخر ؟ ابتداء من المدرسة الابتدائية الى الجامعة . والذي لا يتعلم العربية في صغره ، تعلما أصيلا سليما، يوشك الا يتملكها في كبره .

إذن ، فالعوامل الثلاثة التي ذكرناها، والتي أحدها يعود الى المتلقي وأحدها يعود الى المرسل وأحدها الأخر يعود ال نظام التعليم لا يجوز لها أن تكون تبريرا لاستعمال عربية ضعيفة . وان عامة المتلقين يحبون من يرتفع بهم قليلا قليلا عن مستواهم . ولدينا مثال شهير من الصحافة ذات اللفة العالية جريدة "لوموند" (العالم ) الباريسية التي على الرغم من صفتها اليومية ، لغتها ذات مستوى رفيع . وقد كنا طالعنا مقالة للكاتب والصحف الجزائري محمد البشير الابراهيمي الذي كان رئيسا لجريدة "البصائر" الأسبوعية زهاء سنة ثمان وأر بعين وتسعمائة وألف بعنوان "الى الكتاب " طالبهم فيها أن يجتهدوا في الترفه بلغتهم وأن الحد الأدنى للغة البصائر لا ينبغي له أن يسف إسفافا. وكل مقالة لا يوفر فيها هذا الحد الأدني من اللغة

فهذان مثالان من الصحافة السيارة ذات المستوى اللغوي الرفيع : أحدهما عربي، وأحدهما الأخر أجنبي.

إننا لا ننقم من الصحفيين ، وعامة الكتاب : حين يدبجون طومارا ، أو يحررون مقالا، أو يرتجلون كلمة في أحد مآقط العلم

، أو يبتدهونها في بعض مساقط الفكر… ما يعانونه من عنت ،وما يكايدونه من مشات ؟ لضحالة زادهم اللغوي، ولضعف ملكة العربية في نفرسهم : نتيجة للتقصير الذي كان وقع لهم في بعض مراحل التعليم .. ولكن الذي ننقمه منهم ونفعاه عليهم : أنهم لا يعتنون أنفسهم في التعلم ، وكأن هذا التعلم ، لديهم ،أمر مرتبط بمرحلة من العمر لا يعدوها أبدا. وهذا خطأ فادح ،وظن أفن . إن إدمان مطالعة الآداب الراقية والكتابات العالية جدير لأن يجعل هؤلاء يتخلصون من ضعفهم اللغوي،ومن محنة العجمة التي منها يعانون .

وقد لاحظنا على عهدنا هذا، أن كثيرا من القنوات العربية ، أو التي تبث باللغة العربية ، مشرقا ومغربا – والتي تكاثرت في العدد، وتشابهت في الرداءة – أمست تتساهل تساهلا مزريا في اختيار المراسلين الذين جلهم يلحنون اللحنات الغليظة … فقد يفتدي لديهم ، وبقدرة قادر خبر"كان مرفوعا، وخبر "إن " منصوبا ، وقد يمسي ، إن شاء وا وهم يشاء ون اسم كان منصوبا واسم "ان " مرفوعا… ومن ارتاب في سزعمنا فليس عليه إلا أن يسمع نشرة أخبار ليجمع من هذه الهنات والاغثاء ما شاء الله له أن يجمع وحتى يروى ويشبع من شر ما سمع وما يسمع !

ولقد نعلم أن الغربيين لو يلحن أحد صحفييهم في حرف واحد من اللغة – ونحن نصرف هنا معنى "لو" مصرف الافتراض الذي لا يتأتى لا مصرف الشرط الملازم – تعدو من الكبائر التي لا يرتكبها الأكابر، ولأدانوه أشنع إدانة ، ولشنعوا بصاحب اللحن الى حد التجريم .

فانظروا الى مدى اعتزار أولئك القوم بلفاتهم ، وتهاوننا نحن لدى التعامل مع لغتنا بل لقد جاوز هذا الأمر الصحفيين الذين قد نكون قسونا عليهم ، وهم غير المختصين في اللغة العربية الى أساتذة هذه العربية وأساتذة آدابها ونقدها في كثير من الجامعات العربية ، فإذا "الأستاذ الجليل ، والعلامة النحرير" يعمد الى تحليل نص لامريه القيس أو للمتنبيء: "باللغة العامية "وجهارا والشمس وهاجة الضياء ولا يرعوي ولا يستحي من الله والناس !

لغة النساء

عقد الدكتور حسام الخطيب ملحقا في آخر كتابه (ص 207 – 233) هو عبارة عن ترجمة لمقالة طريفة – عن الانجليزية – كان كتبها أوتويسبرن . ولعل أطرف ما في هذه المقالة أنها تحاول البحث في التفاريق اللغوية بين الرجال والنساء: على مستويي الصوت واللفظ وربما على مستوى الدلالة أيضا.

والحق أن الذي لاحظه يسبرن ، وهو يطبق بحثه اللغوي على الطريقة الانثربولوجية على بعض القبائل البدائية من الدومنيك وغيرها ، وهو يكاد يكون عاما لدى كافة الأمم . بل يمكن أن يضاف الى لفة النساء لغة الأطفال حيث إن لفة هؤلاء اما بسيطة جدا (وقد حاول أحد التربويين في الجزائر وضع لغة المحادثة في المدرسة الابتدائية على حسب الشائع الفصيح في اللغة العامية المحلية وادراجه في المنظومة اللغوية في درس المحادثة ، وفي لغة كتب القراءة ) ؟ (والمحادثة درس يومي شفوي تعبيري يتناول في شكل حوار مباشر بين المعلم والتلاميذ، أو بين التلاميذ والتلاميذ؟ والغاية منه تفصيح ألسن التلاميذ وتقييم اعوجاجها العامي في المدرسة الابتدائية … ويا حبذا لو يعمم مثل هذا الدرس اللغوي الشفوي في المدارس الثانوية . أما في الجامعة فنقترح أن تستحدث مادة الخطابة : بحيث يقترح موضوع على الطلاب يتبارون في الخطابة المرتجلة من حوله ؟ حتى تنحل لفتهم وتفصح ألستنهم ويأنق حديثهم الشفوي … فإن كثيرا من الشباب العرب يعانون عجمة مشينة ، والقائمون على التعليم لا يكادون يلتفتون الى هذا الداء العضال …) واما خاصة بهم وبأمهاتهم ، حيث إن اللفة غالبا ما تعول في بعض الالتها على الأصوات المقتضبة ؟ لأن الطفل لا يستطيع في السن الأولى – الى الخامسة – إدراك دلالة الألفاظ اللغوية إدراكا دقيقا، بلة دلالة الجمل وبله الخطاب (كما أنه في مثل هذه السن لا يستطيع التمييز بين النروق الزمنية فقد يكون لديه الأمس اليوم ، واليوم الأمس . ومثل ذلك يقال في تمييز تفا ريق الألوان من أجل ذلك أصبحت بعض العبارات عالمية لدى الأطفال مثل "بابا" و"ماما".

وقد لحن الشعراء العرب ، منذ القدم ، الى لغة النساء (على الرغم من أن النقاد واللغويين لم يلحنوا لها) فنجد امرأ القيس في حواره مع حبيبته في المعلقة يصطنع لغة نسوية بسيطة على لسانها ، وهي لغة ، عادة تتسم بالاستفزاز والاغراء، والتلطف والاشفاق ، مثل قولها له : "لك الويلات !" فأول ما تنطقه المرأة في كثير من المجتمعات العربية قولها : "ويلي … ويلي !" وان كنا لاحظنا أن هذه العبارة تصطنعها الطبقة المسحوقة من المقاربة في المدن العريقة المغربية … ولكنها على ألسنة النساء أجرى، فهي خالصة لهن منذ أن أرسلتها عنيزة ..كما نجد عمر بن أبي ربيعة يتألق في اصطناع اللغة النسوية في شعره ، وخصوصا لدى معالجته لغة الحوار؟ سواء أعانت هذه المحاورة بين النساء أنفسهن أم بينه وبين النساء.

ويلاحظ أن لغة النساء بعامة ، تتصف بالرقة ، وبما فيها عامة اللغة الشعرية لدى الخنساء ، أكبر شعراء العرب ، إذا قيست بلفة الشعراء المعاصرين لها. ومثل هذا الأمر لا غرابة فيه ، لأن الرقة تتلاءم مع طبيعة المرأة الرقيقة وملابسها الشفافة ، وعطورها الأنيقة مع إرهاف في الاحساس وطفوح في العاطفة .

ونلاحظ أيضا على عهدنا هذا ، أن لغة النساء الباريسيات في فرنسا تتميز في نطقها بنبرات وتنفيسات لدى نهاية الجملة كأنها دلال ناطق وتغنج ساحق وطريقة هذا النطق لا نصادفها لدى الرجال الفرنسيين وبعن فيهم الباريسيون وقد شاهدت يوما منشطا لحصة تلفزية في أحدى القنوات الفرنسية ، وهو

يتحادث مع فتاة ضيفة على برنامجه الفكاهي ؟ متخذا في حديثه معها محاكاتها في النبر والتنغيم ، وذلك على سبيل التلطف معها… ولكن أين لفة الرجال من لفة النساء وقديما مدح الشاعر لفة حبيبته الأجنبية غالبا، بأنها ؟ تلحن أحيانا ؟ وخير الحديث ما كان لحنا!( ولا التفات الى من اعترض على الجاحظ وخطأه ، وأن اللحن هنا جار على باب قوله تعال : "ولتعرفنهم في لحن القول " . فإنما الشاعر كان يريد الى اللثغة التي تلزم لغة كثير من النساء (القاهرة – تلمسان دمشق – فاس ) والى وقوعها في بعض الأخطاء النحوية حين تتحدث وهي الجارية الرومية .. غالبا..

ولكن النساء يتميزن أثناء ذلك عن الرجال ، بالقدرة العجيبة على النطق السليم باللغات الأجنبية ، وبسرعة تعلمها. فكأن للنساء ملكة خاصة يستمرن بها عن الرجال في تعلم اللغات . على حين اننا نلفى النساء عادة عييات في مواقف الخطابة ومآقط الجدال حيث إن المرأة نادرا ما تفزع الى المنطق للا قناع … وقد تستسلم بسرعة من أجل ذلك للبكاه والنشيج وقد صور القرآن الكريم بعض هذا السلوك لدى المرأة حين قال . "أومن ينشأ في الحلية وهو في الخصام غير مبين " وبعد ، فإن الفضل كل الفضل في كتابة هذه المقالة يعود الى صديقي الأستاذ الدكتور حسام الخطيب الذي أهدأني كتابه القيم "اللغة العربية : إضاءات عصرية " فتمتعت بتراءته ولم أتمالك أن أكتب عنه ، أومن حوله على الأصح ، هذه المقالة . وقد تركت الحرية في التحليق طويلا على هامش هذا الكتاب لسببين :

أولهما : اني في الحقيقة ظللت أعلم العربية وادباها في كل مراحل التعليم وذلك منذ أر بعين عاما. ومثل هذه الصفة جعلتني أنساق الى هذا الموضوع على السجية ، وأسجل موقفي من بعض قضاياه ؟ انطلاقا من تجربتي الطويلة في مجال التعليم من أجل ذلك لم أتبع طريقة تقليدية في اللصاق بالكتاب المكتوب عنه ، وعدم الحيدودة عن فصوله ؟ وانما تركت لقلمي الحرية في أن يجتزىء بالقناص مع هذا الكتاب في معظم أطوار هذه المقالة ثم يتخذ لنفسي سبيلا نحو تسجيل الأفكار الشخصية التي لم يكن للكتاب فيها إلا المنطلق .

وآخرهما : أن هذه المقالة لا يجوز لها وليس من هدفها أن تلخص الكتاب تلخيصا فجا مبتسرا ، وهو كتاب غني وقيم ويعني ذلك أننا أعلنا عن صدور الكتاب أساسا وقضينا بأهميته حتما وحسبنا ذلك واذن ،فنحن نهيب بالقراء أن يعودوا الى هذا الكتاب الجميل المفيد عسى أن يتمثلوا فيه ما تمثلة وأن يتمتعوا بقراءته كما تمتعت .

 
 
 
عبدالملك مرتاض(كاتب واستاذ جامعي من الجزائر)

شاهد أيضاً

برج مرزوق

في عالم الأبراج يدور الفلك وتبقى النجوم المزدانة بلمعانها معلقة في عتمة السماء لتتعلق معها …