أخبار عاجلة

المرجبي يواصل سيرته المثيرة في أدغال أفريقيا

ذهبنا الى زعيم رومبا Rmba لم يكن لديهم عاج ولا يهمهم شيء سوى قرون الجواميس. كل القرى التي رأيناها واسعة وتمتد على مساحة كبيرة. مررنا بالزعيم سانجوا Sangwa عبر قرى تابعة لزعماء متعددين. كما مررنا بالزعيم مكافوما Mkafuma بأرض تدعى مفاسينجي Mfisange.

لا تخضع هذه المنطقة لزعيم مطلق إنما يأتي التجار لعرض بضاعتهم على ملاك الأراضي. وهنا قد يكون الغريب زعيما لمدة سنين ثم يأتي غريب آخر ليحل محله ويبني بيتا في الغابات ويتاجر في كل شيء العبيد والخرز وزيت النارجيل ثم يسلم المنزل بعد سنتين لمن يصل أولا. هكذا تسير الأحوال هنا، ومن عاداتهم انه اذا مات شخص وهو مدين فلا يدفنونه حتى يقض دينه ومن دفنه ضمن حقوق الدائنين. واذا عجز عن الايفاء علقوه بين شجرتين ووضعوا تحته فأس الهالك ومعزقه وجرابه (ويصادرون أملاكه). يأتي أصحاب المال ويقولون له: "اذا كنت تريد أملاكك فخذ فأسه أو معزقه". هذه هي قوانينهم في القضاء.

بعد ثلاثة أو أربعة أيام جاء الشيخ ابن نصيب وأخوه عبدالله بن نصيب يرافقهما والدي وناصر بن خميس وهلال بن ماجد وسعيد بن محمد المزروعي وحشد من العرب يقارب خمسين شابا معهم عبيدهم. يبلغ عددهم جميعا 500 رجل مسلحين بالبنادق، وجعلوا والدي يسير في مقدمتهم، أما ابن نصيب وحاشيته فلم يدخلوا القرية وقالوا: "لن ندخل القرية ولن نأكل طعامك حتى تعدنا بتحقيق مطالبنا دون تأخير". قلت: "ادخلوا ومطالبكم مجابة". دخلوا وطلبوا اخلاء سراح النساء اللواتي أخذن أسيرات. قلت: "حسن جدا ولكن ماذا عن تعويض رجالنا القتلى ؟". فوافقوا على دفع التعويض فأعطيتهم حشدا من الأسرى وفي المقابل أعطوني ما يعادل خمسة عشر فرسيلة من العاج. وعلى هذا انتهت القضية بيننا. عاد جميع الحمالين النياموزيين بمكافآتهم كما غادرنا تاركين أقاربنا هناك. ذهبنا حتى بلغنا أوكونونجوه Ukonongo وكاوندي Kawende سلكنا الطريق المؤدية الى أوفيبا Ufipa حيث الزعيم هناك هو كارمبيKarombwe. هنا التقيت أخي ومعه آخرون الذين واصلوا خط سيرهم. وعند حدود أوفيبا وجد أخي مؤونة كافية من الطعام فنزل هناك لانتظاري. أما جمعة بن سيف بن جمعة فقد توجه الى أتاوا Itawa لدى الزعيم السامو وذلك في وقت أسبق.

بلغنا مخيم أخي وأقمنا به ستة أيام لتدبير المؤونة حيث كنا نعاني من نقص في الطعام. ثم أخذنا طريق أوفيبا نفسه سائرين بمحاذاة بسريرة تانجانيقا. وهنا قاسينا الأمرين لأن الطريق جبلية فكنا نتعذب صعودا ونزولا حتى وصلنا أورونجو Uorungu مع نفاذ المؤونة. لقد حلت مجاعة فلدينا قافلة بها أكثر هن أربعة آلاف شخص. عقدنا اجتماعا حضره الجميع عدا جمعة بن سيف الذي غادر ومعه 500 أو 600 رجل. لقد قاسينا حتى نصل الى أوتاوا Itawa.

بلغنا حدود أوتاوا وهي قرية (الزعيم) مكورا Mkura السامو. تضم هذا المنطقة العديد من القرى وبها تجارة ناجحة للكاسافا (1)Cassava  فأصنافها عديدة وجودتها عالية ويغمسها السكان في الماء مدة ستة أيام الى سبعة أيام حتى تتخمر ثم يجففونها لتصير طيبة المذاق لاذعة الطعم. وقبل أن تجف تماما يفضل السكان أن يحمصوها فوق نار هادئة حتى تذهب عنها بعض الروائح غير المستساغة. وهي عندما تكون قريبة من الجفاف التام تجدها طيبة الرائحة.

وفور وصولنا بدأ الحمالون النياموزيون يمضغون اللحم الني، لأنهم لم يأكلوا شيئا منذ أيام عديدة. ومع صباح اليوم التالي كان هناك ما يقارب الـ700 حمال يتقيأون ويعانون من الاسهال. كانوا يتقيأون قطعا بيضاء كالورق. مات أربعة منهم. وصل في هذا الاثناء جمعة بن سيف الذي كان مع السامو وقال لي: "بسرعة، اصنعوا لهم حساء بالفلفل والزنجبيل واجعلوهم يشربونه". وكانت الأغنام متوافرة بالطبع فجمعنا كل ما كان قليل الشحم وطبخنا لهم مرق اللحم وأضفنا اليه الفلفل والزنجبيل. أعطينا أولئك الذين كانوا في حالة حرجة وما لبثوا أن شربوا حتى تحسنت صحتهم ولكنهم ظلوا منهكي القوى مدة ثلاثة أيام. كنت أعطيهم كل يوم هذا الحمية. بعد أن شفوا ذهبنا جميعا لملاقاة الزعيم فقابل أقاربي ولم يقبل أن يقابلني بعد المعركة التي هزمته فيها.

مع وصوله كان جمعة بن سيف قد حقق في تجارته 300 فرسيلة من العاج ولكنه ادعى انه ليس لديه شيء منه. وفي الواقع فإنه جاء بأربعين حمولة وأكثر بقليل عن خمسة وستين فرسيلة كنت أراقبه وأفكر قائلا: "انه لا يريدنا أن نبقى هنا". قال لي: "إن العاج كله انتهى ولم يبق إلا ما خصصته لك". كان في ذلك الوقت الكثير من الأفيال حول أوتاوا فذهب رجالنا مع الغروب وعادوا مع الفجر بحمولة عشرين. وكان الشباب منهم متحمسين للصيد وقتل الجواميس بشكل أكبر. قتلوا اعدادا لا تحصى.

أقمت بأرض السامو مدة خمسة عشر يوما عزمت بعدها على الذهاب الى رويمبا حيث يسكن أصدقائي موامباMwamba  وكيتميكاروKittimikaro  وشانزا Shanza من زعماء رويمبا. هؤلاء الثلاثة هم الأهم وهناك غيرهم من أبنائهم وعمومتهم الذين يديرون منطقة أوبيسا Ubisa بأسرها. أعظم بهم من قوم !. سرت حتى وصلت حدود أرض موامبا فأعطاني ثلاثين شحنة. وفي المقابل أعطيته بعض البضاعة وزدته أخرى مما قيمته 100 قرن أو أكثر بقليل. ذهبت بعد ذلك الى كيتميكارو فأعطاني خمس عشرة حمولة من العاج مقابل بعض البضاعة ثم زدته مما يقيم بستين قرنا. وأخيرا قصدت الزعيم شانزا الذي أعطاني عشر حمولات من العاج مقابل هدايا بسيطة وزيادة بضاعة توازي خمسين قرنا. ثم عدت الى السامو. وجدت في طريق العودة أن رجال كانوا قد قتلوا أفيالا كثيرة غنموا منها 400 فرسيلة من العاج.

كانت رحلتي الأخيرة بصحبة أربعة من العبيد الذين اشتريتهم من عبدالسلام خادم النوخذة هلال. في تلك الأيام كان شراء العبيد لا يكلف كثيرا. امتدحهم عبدالسلام لخميس ود المطوع قائلا: "لماذا لا تشتري هؤلاء العبيد؟ هم من ياووYao  قناصو أفيال، لم أكن لابيعهم لولا الحاجة. خذهم بـ100 دولار كل واحد منهم بخمسة وعشرين دولارا". قال خميس ود المطوع انه لا يملك المال ولكنه أتى بهم الي ونصحني بشرائهم، فأعطيته 100 دولار. بعد فترة هرب واحد منهم في نجوجو Ngogo الثلاثة. الأول اسمه عيسى والثاني اسمه العقل مال Akilimali والثالث اسمه تقادير Takdiri.

بعودتي من رويمبا وجدت أنهم حصلوا على مائة فرسيلة من العاج. ناديت أخي وقلت له: "انظر هنا، أننا نملك بضاعة عظيمة والكثير من الثياب والخرز تقارب ألف فرسيلة. ابق هنا مع بضاعتنا سويا ولا تقلق على الثياب فسوف تبيعها هنا في رويمبا وأما الخرز فهي مطلوبة في أوروا Urua.

عزمت على السفر مع بقاء بضاعتنا في أوتاوا بعهدة أخي محمد بن مسعود وابنائنا. أخذت مائة وخمسين بندقية وتركت معهم أكثر بكثير مما أخذت. كما أخذت جميع الخرز بما فيه ما يخص أخي و 800 من الحمالين النياموزيين. بينما أخذ سعيد بن أحمد بن منصوب (هكذا ولعلها منصور. المترجم) جميع أمواله وبضاعته ولم يرض أن يترك شيئا. قررنا التوجه الى أورورا لنأخذ طريق رواندا الموصل الى كازيمبي. بعد تسعة أيام تقريبا جاءتنا الأخبار من قبل أخي انه اشترى ما يقارب 100 قرن من السامو. كان أخي خائفا من أن أتأخر في العودة. تقدمنا قليلا في سيرنا تحت المطر. وعندما بلغنا رواندا أرض كازيمبي وجدنا نهر كارونجوزي Karongoziالفاصل بين أراضي السامو وكابويري Kabwire من جهة ومقاطعة رواندا من جهة أخرى. من المستحيل عبور هذا النهر أثناء نزول الأمطار والا لغرق من حاول ذلك. عبر البعض الى رواندا لشراء الطعام لنا (فاعتدي عليهم) وقتل أربعة من رجالنا وسلبت ملابسهم وخرزهم. قلت لسعيد بن علي الهنائي: "بماذا تشير" قال: "دعنا نبعث بعضا من رجالنا للاستطلاع فلماذا يقتلون رجالنا وهم اتباع كازيمبي؟" عندما عاد المبعوثون وكانوا قد سألوا عن سبب مقتل رجالنا فقيل لهم: "لقد هجمنا عليهم بقوة واذا كانوا (أي) تيبوتيب ومن معه يريدون الحرب فليأتوا. في هذا الوقت كانت زعامة المنطقة في قبضة السامو وكريمبي وبما أننا هزمنا السامو شعر هؤلاء (وهم اتباع كريمبي) إننا لن نتردد عن الهجوم عليهم لذا فهم يريدون أن يبعدونا عن المنطقة. ولكن سعيد بن علي كان حازما فبعد أن سمع جواب المبعوثين قال لي: "فلنحاربهم". بعثنا لاخبار محمد بن مسعود الوردي الذي بعث أولادنا والاتباع. كنا جمعة بن سيف وأنا القادة وهو تحت امرتي (لأنني أكبر منه) فعندما ولد كنت طالبا في المدرسة.

حاربنا مدة شهر كامل ووصلنا قرية كريمبي نفسه فقتلناه وغنمنا شيئا عظيما من المواد والبنادق والعاج وأسرنا عددا لا يحصى من رجاله. واصلنا في اتجاه أوروا عن طريق مويري Mwere. بلغنا أرض الزعيم مبويتو Mpweto ثم سرنا بمحاذاة بحيرة مويرو حتى بلغنا أقصاها.

وجدنا نهر كونجو Congo مده بالغ لوانجوLuangwa. مررنا بـ وروسي Warsi أسفل مروزي كاتانجا Mrozi Jatanga وداخل بحيرة مويرو. ان المكان الذي عبرنا النهر منه هو المكان الذي يتفرع فيه عن البحيرة نهر يتوجه الى مبويتو. عبرنا بالزوارق وكانت علامات فيضان النهر بادية على الضفاف.

هؤلاء السكان قليلو الحيلة وقراهم صغيرة جدا وهم يدعون واهيمباWahemba  هم عبيد لـ فواكا Vuaka ذلك أنهم يستعملون التبغ بكثرة مضغا وتدخينا. وبالمقارنة فإنه بين ال وارووا Warua – بشكل خاص – يعتبر التدخين والمضغ غير مقبولين (اجتماعيا). كان ال وارووا سابقا أهل قوة وبطش.

واصلنا سيرنا حتى بلغنا أرضا تسمى أوريموتو Urimoto حيث السكان هنا أكثر فقرا من ال وارووا. قراهم الصغيرة جدا بنيت أسفل الكهوف وبها آبار ومياه جارية. كانت هناك مسافة للدخول مساحتها اثنا عشر قدما – من الجانب الأسفل – بالاضافة الى مدخلين. دخلنا لنلقي نظرة حاملين شموعا. عدنا سعيد بن علي وأنا بينما واصل خالي والبقية طريقهم ليخرجوا من البوابة الثانية في الجانب الأعلى. سمع القاطنون أن حربا مع ال وارووا قد قامت – فيما سبق كانوا أصدقاء – فهربوا الى داخل قراهم آخذين معهم الطعام أما الماء فلديهم الكفاية منه (حيث لديهم آبار داخلية). انحسرت رهبة الحرب فعاد السكان الى الخارج فالوارووا ليس لديهم بنادق.

بعد مغادرتنا لهذا المكان قرر مسيري Msiri كاتانجا Katanga الهجوم على هؤلاء القوم الذين تدفقوا الى داخل مخابئهم. فجمع مسيري حطبا وأشعل القرية نارا الأمر الذي دفع السكان الى الخروج مستسلمين ليصبحوا لقمة سهلة بيد مسيري.

في ذلك الحين كنا قد غادرنا نهائيا (تلك المنطقة) لنصل الى أورورا الى قرية كاجومبي Kajumbe. واسمه الآخر هو شاكوماChakuma  وهو اسم دال على وحشيته. انه زعيم قوي ولديه اتباع كثيرون. ويقتضي النظام – آنذاك – أنك إذا وصلت أورورا حاملا بضاعة فإنه غير مسموح لك بالتقدم الى داخل القرية وعليك أن تبقى مسافة حيث يأتيك بالعاج السكان أنفسهم. وعليك دفع ضريبة تصل الى الربع وقد تزيد قليلا على كل قطعة من العاج. تذهب هذه الضريبة الى الزعيم. وعندما تذهب اليه فإن حرسه يدفعونك ضريبة على كل قطعة من العاج تشتريها أو تبيعها (له). ليس من المسموح بأي حال من الأحوال للعرب أن يذهبوا الى أي مكان مجاور على الواحد منهم أن يلزم مكانه حتى يبيع بضاعته مهما طالت المدة حتى ولو مكث عشر سنين. رأينا أن زبائننا لن يشتروا الكميات العظيمة التي لدينا من الخرز. وهم يريدون الخرز الا أنه ليس لديهم الا القليل من العاج. هنا – لدى الوارووا – نحتاج لنحصل على قطعة واحدة من العاج الى عشرة أيام وحتى الى خمسة عشر يوما من المفاوضات بعض الأحيان. بعد شهر كامل كنا قد حصلنا على ست أو سبع قطع من العاج. وبالكثير قد تصل الى عشرة صغارا وكبارا. انها كارثة. سمعنا في هذا الحين أنه يوجد في مورنجو الخاصة بتامبوي Tambw وموبونجو التابعة لـ كازا نجا Kasanga عاج وفير ولكنهم خائفون من احضاره الى هنا. هذا الرجل – كاجمبو -اتباعه سيئون وهو يفرض ضرائب كبيرة. مكثنا هناك ما يزيد على العام ومحصولنا من العاج لا يزداد الا ببطء. لقد قررنا المغادرة.

ظهر لنا قبيل المغادرة رجال من جهة كاتانجا من طرف الزعيم مسيري حاملين الي اثنتي عشرة قطعة من العاج على سبيل الهدية، سمع مسيري اننا ننوي الهجوم عليه – وفي الواقع ليس لدينا أي مخطط لذلك – لقد كان خائفا بعد أن ظهرنا على السامو ورواندا كازيمبي فبعث الينا بهذه الهدايا وبرسالة على لسان مبعوثيه قائلا: "لقد سمعت أن تيبرتيب ينوي الهجوم علي ولكنني لا أنازعه في شيء" فأجبتهم: "هذا صحيح وقد بلغني انه رجل متعجرف يتعدى على الناس دون مبرر وعليه بالطبع لابد من تأديبه الا إذا أرسل الي عشرين قطعة من العاج فوق ما أرسل". قال المبعوثون: "طيب سوف نأتيك بما طلبت". قلت لهم "أريدها الآن فأنا متوجه الى مرونجو تامبوي". قالوا: "وهل كاجمبي يأذن لك بالمغادرة ؟" قلت لهم: "إن لم يفعل سوف أحاربه. فليس هناك أي سبب لحصارنا هنا، ليس لديه عاج. وال وارووا لن يحضروا ما معهم الى هنا لانه يفرض ضريبة كبيرة". غادر المبعوثون من قبل مسيري وبعد ثلاثة أيام طلبت السماح لي بالمغادرة فرفض طلبي. غادرنا بالقوة بعد حرب دامت مدة الساعة أو أكثر حتى تشتت أتباع الزعيم بين قتيل وأسير. وفي اليوم الثاني بعث ببعض من رجاله طالبا الأمان فضمنا له ذلك. ثم انه بعث الينا تسع قطع من العاج فأعدنا له الأسرى وغادرنا بسلام.

سرنا حتى بلغنا الزعيم مزيكا أورورا Meska Urua وهو على مقربة من كاجيبي. سألنا في اليوم الثاني: "أين مقصدكم ؟" فأجبت: "مقصدنا من يوفر لنا العاج الذي نريد". بقينا هنا يومين آخرين جاء خلالها عشرة من ال وارووا ومعهم ست قطع من العاج واذا ما أردنا المزيد فعلينا التوجه الى زعيمهم. سألناهم: "رجال من أنتم ؟". قالوا: "نحن من قبل تامبوي، هو زعيمنا. وافقنا على مصاحبتهم فتقدم اثنان منهم وبقي الآخرون بصحبتنا. وفي صباح اليوم التالي غادرنا جميعا لنقطع الرحلة في يومين. وفي اليوم الثالث قال لنا هؤلاء الرجال: "هنا طريقان، احداهما تسير عبر الغابة حيث لا قرى هناك والمياه غير صالحة للاستعمال ولكنها خالية من المشاكل". سألتهم: "ما سبب المشاكل في الطريق الأخرى؟". وكانت اجابتهم انها كانت كذلك بسبب المشاكل بين الأخرين مورنجو تامبوي ومورونجو كازنجا اللذين كانا وثيقي الصلة وورثا الزعامة عن والدهما ثم حدث بينهما شقاق وحرب فهرب الخاسر الى الزعامات المجاورة حيث مكث هناك مع أتباعه مجردين من كل شيء. تقوم معيشتهم على الاصطياد من البحيرة واصطياد الأفيال. وهم يصيدونها من زوارقهم في البحيرة لذا فلديهم كميات من العاج.

حجم هذه البحيرة نصف أو ثلث بحيرة تانجانيقا أو جيجي. هنا يلتقي القادمون من مختلف مناطق أورورا يحمل بعضهم بضاعة وبعضهم خرزا وأساور ولا يزال البعض يأتي بنعاج وعبيد وثياب كثياب المدغشقر التي تكشف ست أو سبع بوصات في الطول. كان قرن الجاموس هو (بمقام) وحدة تبادل في هذا الوقت. يحضر بعضهم بضاعة وزيت النارجيل لشراء السمك، الذي يتجمع لشرائه أكثر من خمسة آلاف الى ستة آلاف. يجففه بعضهم بالنار ثم يأخذونه الى بيوتهم لاستعماله في المقبلات، بينما يعاود البعض الآخر بيعه. يقبل بعض الناس من مناطق بعيدة جدا مثل ايرانايIrandi  المكان الذي تصنع فيه الملابس المذكورة سابقا. وهم يقايضون السمك بالعبيد وحتى بالعاج، إنهم تجار عظماء هؤلاء الـ وارووا. كل زعيم منهم يحقق ثروة ضخمة من فرض الضرائب. لم أر في حياتي كميات عظيمة من السمك كالتي رأيت هنا. تذهب في كل مساء مئات الزوارق ولا تعود إلا في الصباح التالي. على كل زورق رجلان، الأول في المقدمة والآخر في المؤخرة فيملآن الزورق من أوله الى آخره ومن أسفله حتى أعلاه بالسمك. وأسماكهم جيدة ورخيصة، الصغير منها يساوي فنجانا من الخرز أما الكبير فلا يزيد على سبعة أو عشرة فناجين. وهم بهذا يحصلون على ثروة عظيمة من الضرائب على السمك والعاج. وكما سبق ذكره فهم يصيدون الأفيال التي حول البحيرة فيذهبون الى الغابات وعندما يرون شيئا منها يلجئونها الى البحيرة حيث ينتظرونها على زوارقهم ويقتلونها (عندما تقترب). الزعيم هنا هو مورنجو بيتو فبعد هزيمته على يد مورنجو كازانجا أصبح هنا حاكما مرة ثانية.

عندما جاءوا كان رجال مورونجو تيمبو يحملون الينا العاج وقبيل أن نصل حدود أراضيهم قالوا لنا: "لنسلك الدرب الأسلم حتى واذا كانت عبر الغابات وعسيرة، طينا أن نظل بلا طعام أو ماء مدة رحلتنا وفي الصباح التالي سوف نصل الى القرية. ولكننا إذا سلكنا طريق القرية فلن يسمح لنا بالمرور للوصول الى قرينتا". كانوا يعتقدون أننا سنقتل وقلنا لهم: "اعطونا رجلين ليرشدانا الطريق، سوف نموه عليهم أننا عرب، وسيروا أنتم في طريقكم وأخبروا مورونجو تمامبوي اننا سنصل بمشيئة الله فلا يقلق علينا". ذهبوا في طريقهم وغادرنا أيضا ومعنا الدليلان.

بدأنا رحلتنا وبعد ست ساعات توقفنا على مشارف القرى حيث بتنا ليلتنا هناك. وفي الصباح غادرنا لنسير وسط القرى. كان الزعيم قرب البحيرة ويستغرق المسير اليه ست ساعات. قراهم كبيرة جدا ومتصل بعضها ببعض ولكل قرية مخازن تقيم فيها أعداد كبيرة من البشر وهي مجهزة بالمؤونة والطعام. استرحنا حتى الظهر عندما برز الينا رجال مورونجو وقالوا لنا: "عليكم مغادرة هذا المكان غدا لملاقاة الزعيم، وهذه أوامره". قلنا لهم: "نحن لسنا من تظنون. وقصدنا الذهاب ال مورونجو تامبوي". قالوا: "لقد سحقناه في الحرب وهو الآن يتردد في الغابات والأدغال لا تغامروا بالذهاب اليه والا سوف نهاجمكم ونسلب كل ما لديكم" قلنا لهم: " هذا يكفي".

جاءوا في اليوم التالي فقلنا لهم: "سوف نذهب غدا الى مورونجو تيمبو" وفي وقت الظهر جاء بعض رجال ال وارووا الى الآبار فوجدوا بعضا من رجالنا هناك فسرقوا ملابسهم وأحذيتهم جاءوا وأخبرونا بما حدث. اخترت بعض الرجال للتوجه الى اللصوص ولكن سعيد بن علي منصور الهنائي قال لي: "لا تهتم بما حدث فغدا سوف نبعث أحدا الى الزعيم لنستطلع الأمر" ولكننا في المساء سمعنا طبول الحرب تقرع فقال الدليلان اللذان معنا: "انه اعلان للحرب صباح غد". وفي الصباح شحنا الأحمال وضببنا الخيام. ذهب بعض رجالنا للاستقاء ولكنهم عادوا مهرولين، فقد أصيب اثنان منهم بسهام مات أحدهما والآخر بحالة جيدة، قرعنا بالطبول ايذانا بالحرب وذهب رجالنا يتقدمهم النياموزيون لمحاربة ال وارووا. حاربناهم مدة خمس عشرة دقيقة دفعناهم القهقرى. مات جميع الاعداء وأشعلنا النار في قراهم كما أسرنا 400 من نسائهم.

وحوالي الساعة الثالثة ظهرا وصلنا البحيرة وكانت كل القرى على الضفاف مدمرة. هرب الزعيم وجميع الذين أتوا لشراء السمك. عندما رأوا قراهم تحترق ركض بعضهم الى الزوارق لائذين بالجزر وفر بعضهم الى القرى المجاورة، بقي البعض منهم منفردا. عدنا في المساء الى مخيمنا. لم نخسر غير الخمسة المذكورين وشخص سادس سقط في البئر فمات. وبعد أن نمنا سمعنا ضوضاء تقترب منا فاعتقدنا للوهلة الأولى أن الحرب قد اشتعلت ثانيا غير أن الدليلين اللذين معنا وهما من رجال صديقنا الزعيم مورونجو تامبوي أخبرانا أن الصوت صوت قومهم. ظهر حوالي 500 رجل وقالوا لنا: "أتينا لأخذكم الى مورونجو تامبوي الذي أمر بذلك، لقد ذهب الزعيم الى قرى الزعامة قرب الضفاف وعليكم أن تلحقوا به هناك". غادرنا الساعة الثامنة صباحا ووصلنا الثانية ظهرا. اجتمعنا بمورونجو الذي كان قد وصل قبلنا.

بعد عشرة أيام عاد الفارون كل الى قريته وأقيم السوق كالعادة وعادت تجارة العاج شيئا فشيئا. كان هناك سوق ضخم يغص بالمتسوقين، قابلنا الزعيم باحترام بالغ، رأينا مجموعات من البط تسرح وكميات من الطعام والسمك والمقبلات، لم يحضر لنا الزعيم أي شيء عدا الزوارق المليئة بالأسماك. كل يوم يجد رجالنا كميات كبيرة، ذلك لأن أعدادهم كبيرة أيضا، وتأتينا الأسماك الطازجة كل يوم.

أقمنا هناك تسعة أشهر ولم نتمكن خلالها من تجميع أكثر من 100 فرسيلة من العاج وحصلنا من الزعيم كاجمبي على 150 فرسيلة ولا يزال لدينا الكثير من البضاعة. تأكد لنا أنه ليس لديهم كميات أكبر من العاج واقترح علينا بعض السكان الذهاب الى ايراناي Irande حيث وفرة العاج وفي المقابل قال أخرون أنه لا يوجد العاج هناك وانما قرون الجواميس. ولم نصدق الرأي الثاني لأننا لم نسمع ذلك من العرب الذين ذهبوا هناك. كيف يمكن للواحد أن يدعي عدم وجود العاج هناك ؟ قررنا الذهاب الى ايراندى وذكرنا ذلك للزعيم فوافقنا. طلبنا ادلاء يرشدوننا الطريق فأعطانا سبعة من رجاله.

ظهر لنا من جهة كاتانجاKatanga  بعض رجال الزعيم مسيري حاملين الي خمس وعشرين قطعة من العاج. سألتهم: "هل هناك الكثير من العاج في هذه المنطقة ؟" قالوا: "نعم ولكن السكان هنا يريدون القماش لا الخرز". قلت لسعيد بن علي أن يعود الى مسيري لأنه لم يوافق على ترك القماش في أتاوا لدى السامو ولا في رويمبا، قلت له: "لقد جلبت معك كل بضاعتك وهي غير مطلوبة في أي مكان نتوجه اليه. اذهب الى مسيري واشرح له الأمر ثم اذهب الى السامو حيث يخيم أقاربنا". أعطيناه ثلاثين بندقية وذهب في طريقه، غادرنا بعده بعشرة أيام وأعطانا مورنجو ادلاء يرشدوننا الطريق. سرنا حتى وصلنا الزعيم كيروا مروا. هنا تنتهي البحيرة حيث يفيض عنها نهر يسميه وارووا كاماروندو Karnarondo بينما يعرفه الناس باسم لوالبا Lualaba.

عبرنا ومضينا مسيرة يومين. وصلتنا الأخبار عن جمعة بن سليمان ود الركاض الذي تعرف قافلته بـ جمعة مريكاني Merkani بلغنا أنه وصل الى أحد الزعماء -نسيت اسمه الآن – القاطن قرب كيروا. قررت الذهاب لزيارته فعبرنا النهر ومضينا في الطريق نفسه الذي أتينا منه. وصلنا الى مخيم جمعه وسألته: "هل تنوي البقاء هنا أو تريد الذهاب؟". قال: "لا أنوي المغامرة في أرض مجهولة. وإذا بقينا هنا فإن ال وارووا سوف يحضرون العاج ويمكننا بذلك شراء ما نريد منهم. وشراء القليل بعد القليل سيوفر لنا في النهاية ما نريد. لا أريد دخول تلك المقاطعات". قلت: "انظر هنا، لدي الكثير من العاج وسوف أتركه في عهدتك لأخذه مع عودتي اليك" قال: "حسن جدا ولكن أليس من الأحسن أن نبقى سويا أم أنك مصر على الذهاب الى مكان لم يذهب اليه أحد. لقد سمعت أن ايراندى عظيمة السكان". قلت له: "لقد عزمت على الذهاب للاقامة". ليس لدي حمالون لحمل العاج لذا تركت 300 فرسيلة في رعاية جمعة متمنيا له حظا أوفر".

وصلنا ايراندي ولم نر أي دليل على وجود العاج أو حتى الأفيال. هنا العديد من القرى المسكونة بالكثير من البشر. بنوا بيوتهم حول منطقة فضاء. مساحة تلك المنطقة أكثر من عشرين ياردة وفي كل جانب حوالي خمسين بيتا وفي المركز الفضاء مجلس جامع حيث يجلسون لتجهيز الكاسافا. يمكن أن تقطع القرية الواحدة في ست أو ثمان ساعات، وكل البيوت مبنية بهذا الشكل. بيوت هنا وأخرى هناك ووسطها مجلس للصناعة. دخلنا منطقة ايراندى ومكثنا طلبا للعاج. لم نجد شيئا منه عدا قرون الجواميس. هنا لا يعلمون أي شيء عن العرب ولم يستخدموا البنادق قط. يأتي الى هنا ال وارووا بالأسماك لشراء قرون الجواميس واذا وجدوا العاج اشتروه بسرعة بأثمان رخيصة ولكن هذا لا يتكرر كثيرا. ال وارووا لا يملكون بنادق وسلاحهم هو السهام والرماح أما البنادق فلا يعلمون عنها شيئا. وعندما وأوها عندنا سألونا: "هل هذه للدق ؟" فقلنا: "نعم انها مدقات".

وفي كثير من المناطق التي مررنا بها حاول بعضهم سرقتنا إلا أننا كنا في غاية الانتباه. وهم يعتقدون أننا غير مسلحين فليس لدينا غير مدقات فقط. على كل حال واصلنا سيرنا وصادفنا في يوم من الأيام رجلا يتحدث لغة الكيرو Kirua لحسن الحظ، فنحن نتحدثها أيضا. سألنا الرجل: "ما هدفكم بالضبط ؟" أخبرناه أننا نبحث عن العاج: قال: "اذا كنتم تريدون عاجا فاعبروا نهر رويمبي واذهبوا الى كوتو حيث ستجدون الكثير من العاج أو اذهبوا لزعماء كوسنجو وموانا مبونجو، وهذه الأماكن لا تبعد كثيرا وبها العاج الوفير.

إن الزعيم كاسونجو روشي Kasongo Rushie رجل مسن جدا ولديه اختان هما: كينا درامومباKkina Daramumba  وكيتوتو Kitoto. وقد سمعت منذ زمن بعيد من كبار السن أن باراموت هو زعيم أوروا وحكم بعده رونجو كاباري Rungu Kabare أرض أوروا وحتى متوا, Mtoa، بما في ذلك أرض مانيماManyame  وضفاف نهر رومامي,Rumami، وفوق ذلك كله خاض حربا ووصل الى أوتيتيرا Utetera وجلب أسرى من هناك منهم الفتاتان اللتان تقدم ذكرهما بالاضافة الى أهليهما وانا Wana ومابونجوMapungu  وجدنا الكثير من العاج. أمامنا الآن طريقان: تذهب احداهما الى نسارا حيث الزعيم مريني نسارا – نسارا اسم المنطقة – وهي نفسها الطريق التي تأخذك الى كاسونجو، علما أن كاسونجو ومويني صديقان، أما الطريق الأخرى فتسير عبر مكاهوجي الذي يحارب كاسونجو لبعض المشاكل بينهم. ان ويني نسارا وواني نجو Wenyi Nguo وواني كيمومي Kibumbe  وواني ايزيواIziwa  وواني مكاتوا Mkatwa مسانجيMsangwe  زعماء مناطق كبيرة وكلهم مستعدون للهجوم على أوتيتيرا Utetera  ان الى أوتيتيرا كثيرو العدد ولكنهم أغبياء الى حد ما لذا فهم يهزمون في المعارك دائما. لقد سجلت هنا كل ما سمعته من أتباعي.

واصلنا المسير حتى بلغنا قوما واقفين على مفترق طريقين. سألونا: "أين تريدون ؟". فأخبرناهم أننا ذاهبون الى كوسنجو روشي في أوتيتيرا، فدلونا الطريق. ذهبنا وقضينا ليلتنا وسط القرى وفي الصباح دخلنا. بلغنا حوالي الساعة التاسعة قرى متعددة الأشكال يتصل بعضها ببعض ومختلفة عن تلك التي قدمنا منها. إنها كقرى أورورا فهي كبيرة ومتعددة. يمكنك أن ترى كيف يتصل بعضها ببعض فالأرض عبارة عن فضاء مستو. أقمنا هناك أثنى عشر يوما وكانت أياما ممطرة. وجدنا كميات عظيمة من العاج معروضة بأسعار زهيدة. فبسوار واحد وصدفة وقطعة من القماش يمكن الحصول على فرسيلتين أو ثلاث من العاج. انها ببساطة بلا شيء (وهم يسيرو المعاملة) يعطونك ما لديهم ثم يمضون في حال سبيلهم، ولكن بعد اثني عشر يوما أصبح العاج شحيحا.

وهنا جاءنا رجل يتحدث لغة الكيورا بطلاقة، شخصية جذابة واسمه بانجي بوندو ,Pange  Bondo، أحضر معه أربع قطع من العاج وسألني أن أصادقه. قلت له: "حسنا، أعتبر نفسك صديقي من الآن". قال: "لقد كنت أحد زعماء هذه المنطقة ويقضي العرف عندنا أن الزعامة تنال بالوراثة وان كل فرقة تتزعم المنطقة لمدة معينة بين سنتين الى ثلاث سنوات تخلي المكان بعدها لفرقة أخرى. ويتم ذلك دون أي نزاع". ثم علمنا أن هذا الرجل رفض التنحي عن الزعامة لخلفه مع نهاية فترة زعامته. فثارت حرب مات فيها الزعيم المرشح فاختاروا غيره وقال لبانجي: "لن تكون زعيما مرة ثانية لا أنت ولا أحد من أبنائك لأنك كسرت قانوننا". وهكذا سقط حقه في الزعامة وعندما يحين دوره سيكون زعيم أخر محله.

عندما تحققنا من كساد التجارة هنا وأن العاج لم يعد يأتينا كالسابق قررنا التوجه الى أوتيتيرا.Utetera ولكن سكان مكاهوجيMkahuga  قالوا: "من غير المسموح لكم أن تذهبوا مباشرة الى أوتيتيرا الا عن طريق كريمبي Kirembue" في الصباح بدأنا الاستعداد للمغادرة لنصل ظهرا. برز الينا الزعيم ومعه 400 من رجاله. سألونا: "أين تقصدون ؟". قلت: "أوتيتيرا". قال الزعيم: "اعطونا بضاعة وسوف نعطيكم ترخيصا لذلك". فأعطيته عشرين قطعة من الثياب ولرجاله عشرا ومقدار فرسيلتين من الخرز فقبلها، وفي هذه اللحظة ظهر رجال من كيرمبي وقالوا لنا: "عليكم اذا ما أردتم الذهاب الى أوتيتيرا أن تتوجهوا الى كيرمبي أولا لأن سكان أوتيتيرا تحت رحمتنا، فلنذهب نحن واياكم الآن ونعلن الحرب عليهم ولكم كل ما نغنمه من العاج ولنا كل ما نأسره من النساء"، قلنا لهم "لن نذهب الى أي مكان أخر سوى كوسونجو Kasong أوتيتيرا". وفي المساء جاء أربعة رجال يسألون: "أين تيبوتيب ؟" فدلوهم وسألتهم: "من أين أنتم." قالوا: "نحن من رجال كوسونجو أوتيتيرا سألت: "وماذا تريدون ؟" فأجابوا: "أرسلنا الزعيم لنطلب منك الذهاب اليه وعنده العاج الكثير مما يمكنك شراؤه من أرضه". قلت: "هذا حسن جدا، فأخبرتهم بالقصة قائلا: "منذ زمن بعيد جدا أعلن الزعيم أوروارنجو كابارا Rungu Kabara على هذه المنطقة وجاء حتى أوتيتيرا وأخذ معه اسيرتين هما كينا داروميمبا وكيتوتو ال أوروا. وحدث ان جدي لامي حبيب بن بشير الوردي راهن واشترى احداهن التي أصبحت أما لجدي. ثم بعد فترة ولدت امي. وكانت (جدتي) تحدثني أن الزعيم في بلادها كان شخصية مهابة وكان ثريا يملك الكثير من العاج. كانت تقول: "أخونا الاكبر هو كارونجي روشي Rushie " ولذلك احرص على الذهاب الى أوتيتيرا فلي فيها مأرب خاصة.

كانوا سبعة (المبعوثون المذكورون في الفقرة السابقة) عاد منهم اربعة فقط اما الثلاثة الآخرون فقتلوا للمهمة التي بعثوا من اجلها. ضربت طبول الحرب في المساء وقال السكان: "غدا ستكون معركة" وفي الصباح جاء زعيم مكاهوجي ومعه 400 من المقاتلين، كنا محاصرين بالقرى المزدحمة. كان جميع رجالنا على اهبة الاستعداد وقد شحنوا بنادقهم بالرصاص. (وفي هذه الاثناء) جاءتنا قطعتان من العاج بينما نحن نشد خيامنا للانطلاق. قال بعضهم: "اذهبأنت  بالسلاح وسوف نبقى هنا لاتمام الصفقة". قلت: "لا داعي لذلك فهؤلاء الناس ضربوا طبول الحرب طيلة ليلة البارحة مع ان الى واتوتورا قالوا لنا اننا في مأمن من أي هجوم وهذا كنجوينجي Kingoigoi زعيم كيريمبي يغلق الطريق. من الافضل ان نواصل تجارتنا بحذر شديد".

 وبينما نحن نجري الصفقة اذ بأولئك القوم يحيطون بنا بأعداد كبيرة يتقدمهم زعيمهم. كنت قد حذرت رجالي من أن يبدأوا بإطلاق النار الا إذا تعرضوا لهجوم مباشر. لقد كانوا في وضع الاستعداد التام. وفجأة سقه اثنان من النايموزيين برمحين فتأكد لنا أن الاعداء بداوا يقذفوننا برماحهم. فتحنا النار عليهم، وعندما سكنت البنادق كان الزعيم ورجاله لا يقوون على الحراك ولم يتمكن من الهرب الا عدد قليل منهم أما حوالي 700 فقد سقطوا موتى. مات جميع ال واتوتورا. (وفي المقابل) أصيب بطلقات خاطئة ثلاثة من رجالنا مات واحد منهم فقط. دخل رجالنا بعد ذلك القرى القريبة ليعودوا بأكثر من ألف أسيرة وعدد لا يحصى من الأغنام. تركنا ذلك المكان الى احدى القرى التي دمرناها وأقمنا مخيمنا هناك. وفي الظهيرة جاء حوالي 200 من الأعداء ووقفوا على بعد. أرسلنا اليهم واحدة من الاسيرات لتخبرهم أن يأتوا الينا. تقدموا الى مقربة منا وسلموا سلاحهم من الرماح والأقواس. انهم يريدون الخنازير، قلنا لهم: "خذوا كل ما تريدونه منها". انشغلوا كلية بالقبض عليها كانت أعدادها عظيمة. ثم ودعونا عائدين. كنا نلاحظهم جيدا وهم يسألوننا: هل لديكم علاج لاخواننا الذين قتلتموهم فتعود، الحياة اليهم ثانية؟" قلنا لهم: "لقد شبعوا موتا". يعد هؤلاء من حماقتهم صوت البنادق رعدا. وفي هذه المنطقة يسقط الرعد في موسم الأمطار العديد من الأشجار ويموت بسببه العديد من الناس ولذا فهم عندما سمعوا صوت البنادق اعتقدوا انها رعد.

طلبت أن أوتي بـ بانجي بوندو – صديقي الذي يتحدث الكيروا -. تعلمت هذه اللغة عندما كنت في أوروا. هذا الرجل يتقن الكيروا. وهو الذي فقد حقه في الزعامة لأنه قتل الزعيم اللاحق عليه. بعثت بعض السكان ليبحثوا عنه انتظرنا ساعة ونصف الساعة وقبيل أن تغيب الشمس سمعنا صوتا يقول: "مرحى بالزعيم العظيم بيننا. هذا أنا صديقك بانجي بوندوا الذي جاءك حافيا. هل يمكنني الدخول ؟" قلت له: ادخل ولا تتردد" فدخل وفي نفسه أمر ما، قال لي مباشرة: "أقبل تهاني لك. ان أكثر ال مكاهوجي أتباع لا خير يرجى منهم، وقد عقدوا اتفاقا مع كيريمبي وكونجو كاوامبا Kungua Kawamba ان يقطعوا عليك الطريق ال أوتيتيرا ولكن من حسن حظك أنني عرفت قبل أن تفاجأ بهم. ومرادي أن تأمر هؤلاء الذين معي ان يجعلوني زعيما فهم محتاجون الى أطفالهم الذين لديك وقد وعدتهم بذلك. وأكثر ما معك هم أطفال ال واتيتيرا أما أطفالهم فهم معدودون". قلت له: "كيف لي أن أميز أطفال ال واتيتيرا من غيرهم." قال: "وافق أنت على العرض وسوف أقوم أنا بالباقي". طلبت الرجال الذين معه وقلت لهم: "اذا أردتم أطفالكم فعليكم أن تجعلوا بانجي بوندو زعيما عليكم". فوافقوا وألحوا على طلب أولادهم. وعدتهم بما طلبوا وفي ذلك المساء نفسه نصبوه زعيما. أخذوا ترابا خلطوه بالماء وصبوه على رأسه ثم أخذوا سلة وضعوها على رأسه وهي تبقى هكذا، وعلقوا حول رقبته عشر دجاجات صغيرة وهم يعتقدون أنها تموت في عشرة أيام".

في الصباح التالي جاءوا مع زعيمهم يطلبون الأطفال. وبوصوله تحدث الي الزعيم سرية قائلا: " أطفالهم لا يزيدون على الـ 100. ولكن أحضروهم الى المجلس واحدا واحدا فإذا رأيتني انظر الى الأسفل قل: هذا الطفل من متاتيزا، واذا رفعت رأسي للأعلى فالطفل لنا". وافقته على الخطة وخرجنا. جلسنا في مكان مفتوح وطلبت كتابا ثم أمرت بعرض الأطفال واحدا واحدا. فتحت الكتاب وعندما يؤتى بطفل انظر الى الزعيم فإذا غمز للأسفل قلت: "هذا من المتاتيزا" واذا غمز للأعلى قلت ان الطفل من أتباعه. قفز الزعيم وقال: "ديار جال مكاهوجي هؤلاء محاربون فكيف عرف (أي تيبرتيب) انهم من المتاتيزا. انه عراف". وبعد فترة مر خلالها خمسون من المتاتيزا برز طفل فرفع الزعيم رأسه فقلت: "هذا حقا طفلكم، فمقدرتي كعراف تخبرني بذلك". قفز الزعيم ثانية مصفقا بيديه ومبديا اعجابه. أكملنا الفرز بعد يومين فوجدنا حوالي 100 فقط يتبعونهم اما الباقي وهم أكثر من ألف طفل فقد رجعوا الى رجالنا لاعادتهم الى اخواتهم.

عزمنا على التقدم للامام فسرنا مسافة ثلاث ساعات حيث رأينا معسكر ال كيريمبي وال مكاهوجي. وكان المعسكر الذي بنوه عظيما وتبدو كثرتهم على الطريق التي كانوا يسلكونها والتي عريت من الأعشاب تماما لكثرة الوطء عليها لعدة أشهر. اننا محظوظون كثيرا فلو هجموا علينا لأوقعونا في خطر عظيم لأنهم كانوا سيأخذوننا على غرة.

قطعنا طريقنا في ثلاث ليال وفي اليوم الرابع أشرفنا على قرية عظيمة للواتيتيرا تسمى مسانجي Msange ويسكنها ناس من مختلف الانحاء وهذا بالضبط معنى اسمها. وقد اختاروا موقعها لقطع الطريق على اعدائهم ال واسونجو. وفور وصولنا سألونا عن رجالهم الثلاثة فأخبرناهم أن البنادق حصدتهم فقد كانوا مضطربين لحظة الصدام فأصابهم الرصاص خطأ. رضي أقاربهم بالأمر واعدوا لنا مكانا للاقامة داخل قريتهم، لكنني رأيت انه من الأصوب أن نذهب الى مشارف القرية ونضرب خيامنا هناك. فقاد رجالنا بعمل ذلك.

جاءنا رجل من أسرة الزعامة في القرية واسمه Ribwe وهو شاب سمح الملتقي. سألني عن الأخبار فأجبته أنني أتيت لمقابلة جدت كاسونجو روشي موانا مابونجا.Mwana Mapunga قال: "وكيف له أن يكون جدك ؟. فشرحت له أن جدي حبيب بن بشير الوردي ترك الساحل متوجها الى أوروا حيث الزعيم رونجو كابارا. رأى هناك جارية جميلة معروضة للبيع واسمها ديريومبا موانا مابونجا فأخذها معه الى الساحل وتسراها فأنجبت أمي. جدتي هذه من بيت زعامة وكانت تخبرني بذلك ثم تحثني على الذهاب الى هناك مع أن ذلك ليس بالأمر الهين. كانت تقول أن أخاها كان زعيما قويا واسمه كوسونجو روشي موانا مبونجا وان جميع رجال واتيتيرا وال كرسو تحت زعامته. وقالت أيضا إن بيت الزعامة ينقسم الى أربع فرق ولكن فرقتهم هي الأكبر. وقد أكد لي هذا الشاب دقة هذه الأخبار. عندما أخبرت ربيوي بالحروب التي خضتها في طريقي الى هنا أعجب بشدة ارادتي لتحقيق هذا الزيارة. غادرنا الشاب الى مسكنه وبعث الى كوسنجو الذي يبعد سكنه مسيرة أربعة أيام.. وفي المساء جاء بمأدبة عظيمة أكثر من 100 رأس من الغنم ومعها عشرون قطعة من العاج.

بقينا ثلاث ليال هناك وفي اليوم الرابع جاء رجل من قبل كاسونجو يدعونا اليه. سرنا مسافة أربعة أيام مارين بعدة قرى متوسطة الحجم. وعندما أشرفنا على قريته الفيناها متوسطة الحجم أيضا، وهي لنسائه، وهناك قرى أخرى مجاورة. قال: "لتقم معنا، فأجبته: "لقد اعتدنا على الاقامة على ضفة النهر"، وافقني على ذلك فغادرناه سائرين مسافة ربع الساعة فقط لنجد نهرا جميلا. هنا نصبنا خيامنا. وفي الصباح جاء الزعيم ومعه بعض رجاله وقال لي: "كل الأمر يعود اليك الآن وكذلك شؤون الزعامة أتخلى عنها لك. احضروا له كل ما لديكم من عاج واذا أشكل عليكم أي أمر فعودوا اليه ولا ترجعوا الي فيما يأمر". جمع رجالا من هنا وهناك ومع حلول المساء جاءوا بما يقارب 0 20 قطعة من العاج مما يزيد على 5ر374 فرسيلة واستمروا في كل يوم يأتون بقطعتين أو ثلاث.

منذ زمن بعيد لم ير كاسونجو العاج كما لم يأكل لحم الأفيال ولم يشاهد طلوع الشمس ولا غروبها. لا تضره الشمس وقت الظهر وانما تضره وقت الطلوع ووقت الغروب فقط. وعندما عرفت ذلك طلبت بعض أسرانا وسألت الزعيم: "هل هؤلاء قومك ؟ قال: "نعم انهم قومي" فأطلقت سراحهم مما زاد تقديري عندهم. كل الأمور كانت بيدي. وعندما يحدث نزاع أتدخل بالفصل فقد أعطاني الزعيم هذه الصلاحيات. لقد أصبحت حقا الزعيم المطلق.

مكثنا هناك مدة من الزمن سافر خلالها خالي بشير بن حبيب الى ريفو RRFU الزعيم كيتيتي Kitete. وعند وصولهم وجدوه مقتولا مع عشرة من العرب وخمسين من النياموزيين. لقد قتلوا ومن تمكن من الهرب التجأ الينا. كان القتلة من قبيلة الكوسو من المناطق الداخلية. قررت أن أهاجمهم. بعد حوالي ثلاث ساعات من بداية رحلتنا لحق بنا أحد رجال كاسونجو وطلب أن نتوقف وننتظره حتى يعود الينا. ظهر يسير بصعوبة اذ كان طاعنا في السن ومعه حوالي أربعين ألف رجل. قلت له: "انت رجل مسن فلا تزج بنفسك في هذه الحروب وعد الى بيتك" ولكنه أمر على مرافقتنا والبقاء بجانبي وقال: "اذا مت أنت فعلينا أن نموت جميعا. لم أر دارمومبا موانجا لقد ماتت دون أن نلتقي. ليس هناك أي مجال للعودة". تضاعف عدد المحاربين مع اليوم الثاني ليصل الى عشرة آلاف محارب. وفي طريقنا أغرنا على عدة قرى. كان المحاربون الذين معي يأكلون لحم البشر، كل رجلين يأكلان رجلا واحدا. منعت ذلك ولكن لم يمتثل أحد لأمري بل قالوا لنا: "انكم أيضا ممنوعون من أكل الأغنام".

عندما سمع الى واسونجي – ممن يتبعون كيريمبي ومكاهوجا – انني غادرت وأن واسونجو غير موجود هجموا على القرى الواقعة على الحدود وساقوا الغنائم وعندما عدنا أعلنا الحرب على الى واسنجي وهاجمناهم. ولم يتخلف عنه واسنجو بل جاء برجاله. كان أعداؤنا عظيمي العدد ولكننا وفقنا في التغلب عليهم. مات كثير منهم وأسرنا آخرين لا يحصى عددهم. غنمنا الكثير من الأغنام كما أن بعض رجالنا قاموا بجمع الخنازير. مكثنا أكثر من أربعين يوما. ثم جاءونا طالبين الصفح حاملين الينا بعض العاج وبعض الأغنام فضمنا لهم عدم الهجوم ثانية. امتلأت مخازننا فما يموت فيل الا يأتوننا بالعاج. كما جاءني صديقي بانجي بوندو بكل ما يملك من عاج ولم يغير بيننا عهدا.

بقيت في أوتيتيرا مدة ثلاث سنوات. بعثت رجالا الى ماريرا Marera، التي لا تبعد من هنا، ولكنهم وجدوا بعض المشاكل، فالمنياماManyama  كانوا في حالة حرب دائمة. ذهبوا الى الزعيم روسونا Rusuna الذي استقبلهم استقبالا حارا وأكرم وفادتهم ثم سألهم: "أريد عقد صداقة مع تيبرتيب. ولكنني لا أعرف ماذا أهدي اليه، هل يفضل العاج أم النساء؟" قال: "العاج، فأعطاهم عشر قطع منه ثم ان هبيانا نجوروي Mpiana Nguruwe علم بما حدث فبعث الى رجالي يستدعيهم وعند وصولهم أكرم ضيافتهم وأعطاهم ستة قرون من العاج. وبعد فترة بعث رسونا أخاه روموانجاRumwanga  وعندما جاء استقبلناه استقبالا حارا واعطيناه الملابس  والخرز.

مات صانع البنادق العامل معي فآلت بنادقنا الى حالة سيئة من الضعف. اخبرت روموانجا بذلك وسألته: "أين تقع بالضبط مانيما Manyema فأجاب: "تقع على الضفة الأقصى لاوكاراوي Ugarawe هناك الكثير من الناس أمثالك (أي عرب)، والسكان يطلقون على ذلك النهر اسم أرجاوري وهو في الواقع نهر الكونجو". قلت له: "اذا تخيرت عددا من رجالي فهل بامكانك أن تأخذهم الى هناك ؟" قال: "نعم انه بالامكان ولكن الطريق مهددة دائما بالحروب فبعد أن تعبر أراضينا تأتيك أرض السامبا Samba بعدها أرض أباري Ibari حيث يصنع الملح. ثم تظهر قرى صغيرة متتابعة تصلك بأوجاروي على الضفة الأقصى". في أوجاري يمكن للواحد أن يرى العرب -أمثالنا – مسلحين بالبنادق. قررت أن أسير بنفسي وتبعني كاسونجو روشي، سرنا في حاشية كبيرة حتى بلغنا ماريرا.

ـــــــــــــ
1- نشرت الحلقتان السابقتان في مجلة نزوى 18 و19 1999.

2- هي شجرة تؤكل جذورها. وتسمى بالسواحيلية مهوجو ,Muhogo  والجاف من جذورها يسمى كوبا Kopa وللأوراق اسم آخر هو كسانفوKisamvu  انظر المرجبي موسى (1997) قاموس المحلل: The Analyst (Al-Nhda APC. Muscat)
 
ترجمة: محمد المحروقي (كاتب واستاذ مساعد في جامعة السلطان قابوس)

شاهد أيضاً

برج مرزوق

في عالم الأبراج يدور الفلك وتبقى النجوم المزدانة بلمعانها معلقة في عتمة السماء لتتعلق معها …