أخبار عاجلة

المسافــــر

أبطأ القطار سيره قليلا،ً منبئاً عن اقتراب إحدى المحطات لنزول بعض الركاب وصعود آخرين. غيرتُ وضعي على الكرسي بعد أن أنهكتْ ظهري هذه الرحلة الطويلة، وأغلقتُ الكتاب الذي بين يديَّ، وتأملتُ الخريطة الصغيرة المطبوعة على خلف تذكرة القطار. «سيتوقف القطار في أماكن كثيرة». استحوذ عليَّ قلقٌ مبهم من أن تكون هذه الرحلة مملَّة كسابقاتها من الرحلات؛ إذ أن الرجل الذي صعد في المحطة السابقة وجلس بجواري، لم يلتفت إليَّ مطلقاً، بل إنني لا أتذكر أننا تبادلنا التحية كما ينبغي. تأملته … كان لايزال مستغرقاً في النظر عبر النافذة، ملصقاً جبينه بزجاجها البارد.

لا فائدة! إذ أنه، بعد محاولات متكررة، قد فشل في إبرام أي اتفاقية صلح مع هذا الطقس. كانت الرياح باردة وقوية، والأوراق الصفراء المكتظة والمبتلة بزخات المطر اليومي تلتف حول قدميه كأمواج البحر الجنوبي البعيد. كانت برودةٌ قارسة قد سرت إلى أطراف قدميه عندما تسربت مياه الرصيف الباردة من ثقب حذائه الجلدي وبللت جواربه السميكة.
انتهى الخريف الآن، فكل الأشجار العملاقة التي تزين الطرقات قد نفضت عنها أوراقها الصفراء وأهدتها إلى أرصفة المدينة الصغيرة. أحكم إغلاق أزرار معطفه، الذي أصبح صديقه الحنون منذ أن قدم إلى هذه البلدة. كان يعيد وضع الوشاح الملتف حول رقبته الركيكة بحركة أوتوماتيكية كلما تقاذفته الرياح بعيداً، مطأطئاً رأسه إلى الأسفل تجنباً للرياح الباردة التي كانت تصفع وجهه وتكاد أن «تطفئ عليه شمعة تنفسه»، كما كان يحلو له تصور مثل هذه الأشياء إيماناً منه بأن ذلك يساعده، إلى حدٍ ما، في اختصار مسافة السير الطويلة.

كان القطار قد بدأ يتحرك من جديد بعد أن صعد جميع الركاب من المحطة وأخذوا أماكنهم ولزموا الصمت، فازداد شعوري بالضيق والوحشة. فتحت الكتاب المصور الذي كنت أطالعه، وبدأت أقلب صفحاته الملونة، وسرعان ما أغلقته من جديد، وقذفت به إلى الطاولة الصغيرة المقابلة. مللت القراءة. والتفتُّ إلى الرجل الذي بجواري. كان لا يزال غارقاً في تأملاته. وسرَّحت نظري عبر النافذة. كانت اهتزازات القطار تثقل جفوني المرهقة، وبدأت أغفو رويداً رويداً. لكنها لم تكن سوى بضع ثوانٍ حتى بعثر هذا الصمت صوت غليظ:
– تذاكركم أيها السادة..!!

«لقد أهلكتني هذه البلدة مشياً على الأقدام»، دمدم بتأفف، بينما استمرت قدماه في المسير بعجلة وبوتيرةٍ منتظمة. لم يكن يعي، في مثل هذا الطقس، ما حوله. وجوهٌ كثيرة تظهر ثم تختفي في عتمة هذا اليوم الضبابي. وبدأت أذناه تؤلمانه من لسع الرياح الباردة، إذ أنه نسي قبعته الصوفية المفضلة «ذات الأزرار». لكنه ورغم ذلك لم يبطئ من سيره. كان كمن فقد السيطرة على جسده الذي بدأ يتحرك دون إرادة.
– سيكون يوماً حافلاً دون شك!
قالها في نفسه، وارتعدت مفاصله المتجمدة كأنه تذكر شيئاً كان قد نسيه تماماً.

أمعنتُ النظر في وجه الراكب بجواري، الصامت، وهو يعرض تذكرته لمفتش التذاكر. كانت تلك هي المرة الأولى التي تسنى لي فيها رؤية وجهه بوضوح. كان وجهه عريضاً، محمراً، وممزوجاً بسمرة فاترة، وقد ارتسم لون أخضر على جلده الحليق، ذا أنفٍ بارز وعيون شابة يكسوهما بريقٌ خافت. كان أكثر ما شدني هو رقبته الركيكة، التي لا تناسب حجم رأسه الكبير، وشفتاه المشقوقتان تكادان تسيلان دماً. لاحظ نظراتي إليه، فتطلع إليَّ مبتسماً وهز رأسه بلطف. انتهزتُ هذه الفرصة فبادرته بالحديث:
– جميلٌ هو هذا اليوم! الشمس مشرقةٌ منذ الصباح على غير العادة!
ابتسم لي مؤيداً، وأشاح بوجهه نحو النافذة، وبدأ ينظر إلى البعيد، وتمتم قائلاً:
– نعم، إنه جميل على غير العادة!
قالها بلكنة شرقية واضحة.

أخرج يده من جيب معطفه، وفتح باب البناية بسرعة، فاصطدم وجهه بدفء المكان الذي لم يخفف من برودة جسمه الفاقد للإحساس. ارتقى السلم إلى الدور الرابع حيث يقع المقهى. لم يستخدم المصعد كعادته في أيام الشتاء، «آملاً في نيل قليلا من الدفء الناتج عن جهد الصعود»، كما كان يزعم دائماً . دلف إلى داخل «المقهى العالمي» المزدحم كعادته بأجناس من البشر مختلفي الأحجام والألوان والطبائع. أصواتٌ متفرقةٌ بلغاتٍ متعددة تعلو من كل أركان المقهى المكتظ «كعلبة سردين»… حتى العاملون فيه كانوا من جنسياتٍ مختلفة.
استطاع بعد جهد أن يظفر بطاولة وكرسيين لمحهما بصعوبة من خلال الدخان الكثيف المتصاعد. كانت الطاولة لمجموعة من السياح اليابانيين الذين انتهوا من تقليب الصور الفوتوغرافية الكثيرة التي التقطوها لمعالم المدينة، وما إن همّوا بالرحيل حتى تخاطفت الأيدي الكراسي لتنضم إلى طاولات أخرى. جلس بسرعة على أحد الكرسيين ووضع وشاحه الصوفي على المقعد الآخر. مد بصره في أرجاء المقهى. كان دخان كثيف يتصاعد من كل مكان حاجباً ضوء قناديل المقهى الفضية الخافتة. بينما كانت أصواتٌ صاخبة وضحكاتٌ عالية تدوي في أرجاء المقهى صادرة من طاولة اليونانيين المجاورة.
جالت في رأسه أفكارٌ عديدة، حاول ترتيبها دون جدوى، فبدأت تسترسل في ذاكرته كشريط سينمائي يدور أمام عينيه دون توقف. كان الدفء قد بدأ أخيراً يغزو أطرافه. وبينما هو مستسلم لتخيلاته، كانت عيناه تراقبان المدخل.
– لقد تأخرتْ! هل ستأتي يا ترى!؟
حدث نفسه بقلق.

تأمل الكتاب الذي بين يديَّ، فبادرته شارحاً:
– إنه كتاب أتسلى به في الطريق، للتسلية ليس أكثر.
قلتُ ذلك ممهداً الطريق، كعادتي، لإخباره بأنني طالب أكاديمي «غير عادي»، إذ أنني خفت، ولا أدري لماذا، أن يعتقد بأنني مجرد قارئ سطحي «لكتبٍ مصورة تشبه كتب الأطفال». هممت بالحديث، لكنه قاطعني سائلاً:
– هل هو عن البحار؟
– نعم! إنه كتابٌ ممتع للغاية، اشتريته من سوق «الحراج» بثمن بخس.
بدأت أتحدث وقد غيرت من لكنة حديثي، ممارساً هوايتي المفضلة بالحديث عمَّا أقرأه من معلومات، كأنني الوحيد في هذا العالم الذي يعرفها:
– هل تعرف أن هناك نوعاً من الأسماك يفقس بيضها في منابع الأنهار، وعندما تصبح قادرةً على الخروج إلى عرض البحر تنتشر في رحلاتٍ بحرية طويلة ومهلكة تتعرض فيها أعداد كبيرة منها للموت، ثم ما تلبث أن تعود إلى النهر الذي ولدت فيه، مهما كانت المسافة بعيدة، كي تعيد دورة حياتها من جديد؟!
– «السلمون» كما أعتقد!
قالها بثقةٍ فاجأتني، فندمت على طريقة حديثي معه، وتوقفت عن الحديث، وابتسمت له بإحراج، فبادرني قائلاً:
– إنها مخلوقات مدهشة حقاً! من النادر أن تستقر في أوطانها. تسلك كل الطرق بحثاً عن الدفء والغذاء. وأحياناً تموت قبل أن تصل. لكنها لا بد أن تعود.
كنت أهز رأسي مؤيداً، فنظر إليَّ وارتسمت ابتسامة عميقة على شفتيه المشقوقتين، وأشاح بوجهه نحو النافذة مرة أخرى، وبدأ ينظر نحو البعيد، وتمتم قائلاً:
– إنها مثلنا تماماً!

سرت في جسده المنهك ارتجافةٌ محببة عندما احتسى أول جرعةٍ من فنجان الشاي الساخن، ارتجافة محببة كتلك التي كان يشعرها دائماً عند احتسائه كوب الشاي البلاستيكي أثناء نوبة حراسته الليلية منذ زمن بعيد وهو يراقب، من مكانه المرتفع في برج المعسكر الصدئ، دوريات الشرطة التي باشرت عملها المعتاد بإزعاج السيارات القادمة من شارع المطار الفسيح. طارت به الذكرى بعيداً، وأشعل سيجارته المفضلة بالطقوس نفسها التي تعود عليها منذ ثلاثين عاماً عندما اكتشفه مدير المدرسة يدخن في أحد حماماتها المغلقة. نفث من صدره دخاناً تصاعد ليختلط مع الدخان المتصاعد من الطاولات المجاورة.

كان القطار، عبر جسر حديدي ضخم، يخترق بحيرة صغيرة أحاطت بها الأشجار من جميع الجهات. وبدأت السهول الخضراء المتناسقة تتسع أمامنا، وتعكس على زجاج النافذة، لوحة غاية في الجمال. بادرني سائلاً:
– وهل تدرس هنا؟
– نعم. إنني أدرس الطب.
– الطب! سنوات طويلة و…
– نعم، وشاقة أيضاً. ولم أزل في بداية المشوار.
ندمت على مقاطعتي له.
– لا تقلق يا بني! فلم تزل شاباً، وهناك الكثير الذي ستتعلمه.
تابعت حديثي متجاهلاً كلمة «بني» التي أغاظتني كثيراً:
– لقد حصلت أخيراً على إجازة لمدة شهر واحد فقط. لقد أخبروني أن أمي مريضة، إنها تشكو القلب منذ سنوات. من أجلها أردت أن أكون طبيباً… بعد شهر من الآن سأكون هنا مرة أخرى… فكما تعلم لا يستطيع أحد أن يستغني عن طقس هذه البلدة «الرائع» الذي سأفتقده كثيراً.
 لم تعجبه شبه النكتة التي قلتها والتي حاولت بها أن أشده إلى حديثي، بدون جدوى. شعرت بالذنب وأحسست أنني قد جعلته يمل. كان قد أسند رأسه إلى الخلف باسترخاء، وثبت نظره على ساعة القطار الالكترونية في الأعلى، ثم ما لبث أن ألصق جبينه بزجاج النافذة ولزم الصمت من جديد.

لقد أرهقته لحظات الانتظار المخيفة، وتملكه شعور مقلق كذلك الذي يعتريه في صالة انتظار طبيب الأسنان.
– ترى ماذا ستقول…؟
كان قد بكى لها البارحة بكل دموعه الرجولية أن توافق. وها هو ينتظر ردها النهائي الذي ستترتب عليه أشياء كثيرة، بل ربما حياته كلها.
– ليكن!
 قالها مشجعاً نفسه.
– لقد فعلت كل ما أستطيع!
 ضغط بإصبعيه النحيلتين على عنق سيجارته بتوتر.

كنتُ خائفاً من عودة صديقي إلى صمته مرةً أخرى، فبادرته سائلاً:
– وأنت، متى ستعود؟
انتفض فجأة كمن أوقظ من نومه بعنف، والتفت نحوي عاقداً حاجبيه، لكنه، وقبل أن يتوالد في داخلي الندم، ما لبث أن أرخاهما بهدوء، وابتسم إليّ مطمئناً، وأشاح بوجهه نحو النافذة مرة أخرى، وبدأ ينظر إلى البعيد، وتمتم بكلماتٍ لم أفهمها.

لا يزال السكون يخيم عليه، رغم ضجيج صاحبة المقهى الصينية التي بدأت بالشجار مع زبائن جدد رفضوا دفع الحساب مقدماً. كان الوقت يمر ببطء. لكن هدوءاً غريباً بدأ يغزو فكره الملتهب، وبدأ توتره يختفي، وتوقف عن هز رجليه تحت الطاولة، وأزاح كرسيه قليلاً نحو نافذة المقهى، وكعادته ألصق وجهه بزجاجها البارد، وبدأ يتأمل الشارع التجاري وتلك الكتل البشرية المتحركة. كان شعورٌ بالسعادة والغبطة ينمو بداخله، وبدأت أصابعه النحيلة ترخي قبضتها على عنق سيجارته المحترقة. وتناهى إلى سمعه صوت بابٍ يفتح ووقع أقدامٍ يعرفها جيداً بدأت تقترب منه، فارتسمت على شفتيه المشقوقتين ابتسامة كبيرة، وقبل أن يلتفت إليها كان قد اتخذ قراره.

عاد القطار للتحرك، بعد أن كان قد توقف لفترة طويلة في إحدى المحطات الرئيسية، وبدأت عجلاته تدور بقوة. كان مزاج الراكب بجواري، الصامت سابقاً، قد تغير تماماً منذ مدة، فغدا بشوشاً، كثير الكلام. كان يتحدث باستمرار عن كل شيء، يعلق على المناظر التي نشاهدها من النافذة، وعلى الركاب الداخلين والخارجين أو أولئك الذين كانوا يمرون بمحاذاة طاولتنا، يروي لي بشغف عن سنوات حياته التي قضاها في هذه البلدة… وكيف أنه قرر أخيراً العودة إلى بلاده… و… و…
وعلى الرغم من أنه كان، بين الحين والآخر، يسدي لي نصائح لم تكن تروق لي، إلا أنني كنت أصغي له سعيداً بهذا التحول في مزاجه، خاصة وأنه لم يشح بوجهه نحو النافذة ولم يلصق جبينه بزجاجها البارد مثل كل مرة.

استيقظ مذعوراً عندما مرَّ قطار سريع في الاتجاه المعاكس بمحاذاة النافذة التي ألصق بزجاجها البارد وجهه الواجم واستسلم لنعاس قلق. أيقن أن كل شيء قد انتهى الآن. تنهَّد بعمق، وتأمل أنفاسه المتكثفة على زجاج النافذة وهي تتلاشى رويداً رويدا. كانت في الخارج طيور تمرح في الهواء وتخترق بعض أغصان شجيرات ضخمة عكست أوراقها اللون الذهبي لأشعة شمس يوم صحو. وراحت أغصان الشجيرات المحاذية، والمثقلة بكربون القطارات المسافرة، تمرّ أمام عينيه بسرعة كبيرة. وتناهى إلى سمعه فجأة صوت مفتش التذاكر الغليظ:
– تذاكركم أيها السادة!

كانت عجلات القطار تداهم القضبان الحديدية بنهم شديد، محدثةً أصواتاً متناغمةً على امتداد شريط القطار المتجه بعيداً نحو المطار. كان الظلام قد خيم فلم يعد باستطاعتنا سوى مشاهدة انعكاس وجوهنا المتعبة على زجاج النافذة. وعلى طول ما تبقى من الرحلة التي أوشكت على الانتهاء، كان الصمت قد لزم «صديقي الشرقي»، وأنهكه التعب. وغالبني النعاس مثل جميع من كانوا في المقصورة. وبين الحين والآخر كنت أره، من بين جفنيّ المثقلين، مطأطئاً رأسه إلى الأسفل وقد غطَّ في نوم عميق، وابتسامة كبيرة تعلو شفتيه المشقوقتين من برد الشتاء، الشتاء الذي ولى بعيداً، بالنسبة له، وإلى الأبد. 
 
همـــدان دمـــاج
 قاص وأكاديمي من اليمن

شاهد أيضاً

اللصُّ الورديُّ

وأنتَ مشغولٌ في عالمِك الذي ينمو، مقتطعاً من رقعتنا كلَّ يوم مساحةً جديدةً، يرافقُني طيفُك …