أخبار عاجلة

المسرح والسينما .. الواقع والتطلعات

حميد عُقبي *

في ظل الواقع الثقافي والفني بيمن اليوم قد يعتبر البعض أن النقاشات عن هذه المواضيع نوع من الترف في بلد يعيش حروباً وصراعات منذ أكثر من خمس سنوات ليرسم يمناً تعيساً تتصدر صور الموت والخراب قبل ذكر اسمه، مع ذلك فالحلم يظل مشتغلا وحيا رغم قسوة الواقع ومرارته البشعة.
يزخر اليمن بمقومات إبداعية فنية ووجود جيل شاب يتطلع بشغف إلى ممارسة فنية وإن كان ذلك بأدوات بسيطة معتمدا على ذاته ومحاولا البوح برغبات وهواجس مكتومة، شعرت بهذه الأحاسيس عندما نظمنا ورشة إلكترونية لكتابة السيناريو في أبريل الماضي ولمسنا مدى وجود إبداعات من خلال الأفكار المطروحة وبطبيعة الحال فهذه الإبداعات في حاجة إلى تنمية وتشجيع وتوفير دعم ولو جزئي وبسيط وهي تشعر بالضياع لانعدام متنفسات ومناخات فنية حرة.
المسرح اليمني
رغم قلة المراجع حول المسرح اليمني إلا أن الدكتور عبد العزيز المقالح قد أشار في عدة مناسبات إلى أن اليمنيين القدامى عرفوا المسرح، وأن حضارة اليمن كانت حضارة مكتملة شأن كل الحضارات التي عرفتها الإنسانية وكذلك وجود أدلة مادية كثيرة لا تزال حية تثبت وجودَ أشعارٍ ملحمية يمنية على غرار الإلياذة والأوديسة.. وأدلة أخرى، أيضًا، تثبت أن اليمانيين القدامى عرفوا بناء المسارح المتطورة والشواهد حية وموجودة إلى اليوم تثبت وجود مبانٍ مسرحية بجوار (سَدّ مأرب) الذي يعود تاريخه إلى العصر السبئي وبُنيَ على غرار مسارح أثينا القديمة بكل مواصفاتها الفنية والمعمارية.
وحول نشأة المسرح اليمني الحديث وحسب عدة مصادر ترجح أن عام 1910م كان تكوين أول فريق يمني للتمثيل العربي في عدن من طلبة الحكومة وقد عُرِضت حينها مسرحية «يوليوس قيصر» للكاتب الإنجليزي شكسبير على مسرح صغير في ميدان التنس بكريتر، كما تشير مصادر أخرى إلى عرض مسرحي كان في مدينة عدن أول مدينة على مستوى الجزيرة العربية يكون فيها مسرح، في 15 ديسمبر 1917، بعنوان «القط والفأر»، وهو من تأليف الروائي الهندي دماندرهمى، وهنالك من يرجح أن 1904 هو تاريخ إطلاق أول عرض مسرحي بعدن.
كانت عدن في الأربعينات درة الجزيرة العربية وشهدت تأسيس فِرَق وعروض فنية ومسرحية، واستمرت الحركة المسرحية في تطور حتى ستينات القرن الماضي، وبسبب متغيرات سياسية ضعفت الحركة المسرحية والثقافية وخضعت للرقابة.
في اليمن الشمالي بدأ ظهور المسرح مع بداية السبعينات، وفي الثمانينات شهدت مدن شمالية مثل (الحديدة، تَعِز، إب) تطورات فنية، كما شهدت صنعاء قدوم فرق ووفود فنية عربية وتنظيم ورش تدريب وإرسال طلبة لدراسة المسرح إلى عدة بلدان خاصة الكويت والقاهرة كما تمّ بناء المراكز الثقافية بعواصم المحافظات، وجرى إنتاج أعمال درامية تلفزيونية يمنية ـ أردنية، يمنية ـ مصرية من أشهرها مسلسل «ورقة الحناء».
في عام 1990 كان قيام الوحدة اليمنية، فبدأت مرحلة جديدة وكان الأمل أن يحدث تطوراً كبيراً لكن سرعان ما نشبت الخلافات السياسية بين شركاء الوحدة، وهكذا حدثت نكسات عديدة فقلّصت الدّولةُ اهتمامها بالمسرح والفنون.. ومع حرب صيف 1994 وانتصار علي عبد الله صالح تحول المسرح إلى نشاط مناسباتي ينشط في المناسبات الوطنية بأعمالٍ ذات طابعٍ احتفالي مضمونها يخلو من الفن والإبداع، إلاّ أنه مع ذلك كانت تظهر عروض بإمكانات ذاتية وكان المسرح اليمني يحاول الحضور في مهرجانات عربية، كما ظهر مهرجان مسرح اليمن باكثير.. وجرى عقد دورات قليلة خلال فترات متقطعة ولكن سرعان ما توقف المسرح، وحين حدثت أزمة سياسية عامَ 2011 توقفت كل الأنشطة والمظاهر المسرحية ثم اندلعت الحرب لتغلقَ الستارَ تمامًا إلّا على بعض أعمالٍ كانت تُنتج بجهدٍ لا بأس به، ولكن هذه الأعمال القليلة لم تجد حينها أماكنَ للعرض، وحتى اليوم لا توجد قاعة مؤهلة لأبسط عرض مسرحي.
السينما اليمنية حلم لم يولد
لا يوجد أي مصدر يتحدث عن السينما اليمنية حدّ الآن وقد نجد مقابلاتٍ صحفية يتحدث فيها بعض المخرجين في اليمن عن أفلامهم وطموحاتهم، لكن الملفت للانتباه أنّ وزارة الثقافة اليمنية ورغم وجود ما يسمّى المؤسسة اليمنية للسينما والمسرح إلا أنها لم تنتج أيّ فيلم. هنالك أسماء تُذكر مقترنة بالسينما اليمنية أهمّها بدر الحرسي، خديجة السلامي، حميد عقبي، فضل العلفي، عمرو جمال، يوسف هبة، سارة إسحاق، سفيان أبو لحم ومريم الذبحاني وعدد من خريجي الكليات ومعاهد الفنون بعضهم أنجز بعض الأفلام القصيرة.
سنجد بعض الأفلام اليمنية المتاحة للمشاهدة على يوتيوب بعدد الأصابع وأغلب صنّاع الأفلام اليمنية يعتمدون على جهودهم الذاتية في الإنتاج ولم يحظَ أي مشروع سينمائي يمني إلى اليوم بدعم إنتاجي من أيّ مؤسسة عربية أو دولية، ولهذا فإنّ المحاولات والتجارب تتعطل وهناك من توقفت أخباره، فمثلًا: بدر الحرسي الذي وجد فيلمه «يوم جديد في صنعاء» شهرة كبيرة وعرض بمهرجان كان في 2005 وعدة مهرجانات عربية انقطعت أخباره منذ ذلك التاريخ، كما أن خديجة السلامي التي أنتجت وأخرجت عدداً من الأفلام الوثائقية يبدو أنها انشغلت وقل نشاطها منذ سنوات وآخر فيلم لها «اليمن: أطفال مراسلو حرب».
غير أنّ كاتب هذا المقال هو الآخر لا يختلف عن البقية في مواجهة صعوبات مادية إنتاجية، ورصيده 8 أفلام قصيرة ويمكنكم أن تجدوا بعص أفلامي على يوتيوب وعندما أخرجت فيلمي «الرتاج المبهور» وصورته في اليمن 2006 يومها التقينا الوزير خالد الرويشان وقد وعدنا بدعوة ودعم ولكن سرعان ما ينسى الوزراء وعودهم، ولكني خضتُ محاولة ثانية في 2007 وحملتُ إلى الوزير محمد المفلحي مشروع مهرجان صنعاء السينمائي وبرنامج تطوير للسينما اليمنية، ففي البداية وجدت ترحيباً وبعد عدة أشهر من التنقل بين باريس وصنعاء، تغيرت تصرفات الوزير وأخلف وعوده ومارست عدة أطراف أساليب تطفيش وهكذا فشل المشروع!
يمكننا أن نستنتج أن السلطات اليمنية لم تفكر أو تشجع أيّ مشروع لميلاد سينما يمنية وأغلب الأسماء التي ذكرناها تقيم في المهجر ولكن لمسنا وجود إبداعات يمنية تحاول أن يكون لها دورها: ففي العام الماضي أسسنا المنتدى العربي الأوروبي للسينما والمسرح، ونتبنى التجارب، وجرى دعم إنتاج فيلم «بين نارين» للمخرج منصور عبد الغني حيث عرض في مهرجان القدس الدولي الرابع في نوفمبر الماضي، كما تمّ تقديم عدة مشاريع لأفلام يمنية إلى مؤسسة الدوحة للأفلام وننتظر النتائج ونسعى تحت مظلة المنتدى إلى إعداد بعض ملفات عدة مشاريع لأفلام يمنية وتقديمها إلى مؤسسات داعمة، طريق الميل يبدأ بخطوة، ونحاول أن نخطو خطواتنا الأولى رغم العقبات الكثيرة.
في الختام نشير إلى أنه لا توجد في اليمن حدّ اليوم قاعة واحدة للعرض السينمائي، وكان يملك أكثر من خمسين دار عرض سينمائية لكنها اندثرت وأُغلِقت، كما يوجد معهد الفنون في عدن وكلية الفنون الجميلة بالحديدة وقسم للفنون بجامعة إب.. لكن كل هذه المؤسسات الأكاديمية تشهد وضعاً متردياً وتمّ إهمالها وتكاد تفقد دورها التعليمي والأكاديمي، بمعنى أننا عدنا إلى مرحلة الصفر.. والأمل أخيراً هو أن تنتهي الحروب والصراعات ويعمّ السلام كي لنبدأ بداية حقيقية نحو مسرح وسينما يمنية جادة.

شاهد أيضاً

في ثقافة القات في اليمن

عبدالله علي الزلب * إن النهج الأكثر ملاءَمة لفهم ظاهرة إقبال اليمنيين على استهلاك نبات …