أخبار عاجلة

المشهد الروائي عند علي المعمري في فضاءات الغبة الأخيرة

علي المعمري، أحد كتاب الرواية العمانيين الذين يحاولون التجديد في السياق الروائي للوصول بالرواية العربية الى آفاق ورؤى أكثر عمقا، وارحب مدارا.

ولد علي المعمري في عام 1958م "بعمان". وقابل بدأ حياته قاصا، ينهل من معين العربية شهد الرؤى ويستسيغ من نخل التراث رطب المفردات المموسقة، فخرجت مفرداته مفعمة بأوار التراتيل وبعمق ضارب في الاصالة وتمتد فروعه لتتماس والحداثة في عناق متقد أبدي وممتد وخالد، لا يفصم تشابكهما ووريد أواصرهما حد، اذ تشابكا في سديم غير محد،  ولا نهائي ممتد.

وقد اصدر كاتبنا العديد من المجموعات القصصية منها:"ايام الرعود عش رجبا"، عام 1992م، و"مفاجأة الأحبة" عام 1993م، و"سفينة الخريف الخلاسية" عام 1995م، و"أسفار دملج الوهم" عام 1997 م.

وفي روا يته – الأولى – "فضاءات الرغبة الاخيرة" حاول "علي المعمري" ان يحفر لاسمه مكانا في خارطة الرواية العربية، وأظنه قد نجح في هذا الأمر.

عالمية المشهد الروائي

وأعني بعالمية المشهد – هنا -: “انصهار الرؤى العالمية في بوتقة غير محدة؟ في اطار محد، وبعبارة أكثر وضوحا، انصهار المدارس الأدبية والتيارات الحداثية في عمل يجمع بين دفتيه سمات الحداثة، وما بعد الحداثة، والكونية، والشرق أوسطية، والمتوسطية، العولمة، ثم دمج كل هذه التيارات الحادثة في عمل له سمات العالمية والرؤية المستقبلية، علاوة على مزجها بمدارس الأدب الحداثية والقديمة فهو – أي المشهد الروائي- يضم الواقعية القديمة، والواقعية السحرية، والأنجلوأمريكية، والتفكيكية، والتركيبية، والتحليلية، والوصفية، والرمزية، والشكلية وتيار الفن للفن وغيرها، وصهر كل هذه النتاجات الأدبية في العالم وصولا لعمل يجمع كل هذه التيارات، ويمزجها في نسيج متلاحم ليشكل في النهاية “رؤية عالمية“ للنص الروائي المعنى بالقراءة، وهنا تتجلى عالمية المشهد وتتضح وؤاه.

وقد حاول علي المعمري- بقصد أو بدون قصد- تحقيق ذلك، فنراه يأخذ من الشكلية “التقسيمات الحداثية“ فيقسم روايته الى خمسة عشر فصلا، وان شئت فقل “لوحة“، وكل لوحة يمكن ان نفتتها الى لوحات أكثر عمقا، كما انه يأخذ من الواقعية التركيز على المكان، ومن الرمزية التكثيف في الصورة والبعد عن الضبابية التي قد تفلق النص على الفهم، ومن التحليلية دقة الوصف وتناميه، ومن الواقعية السحرية الاثير المتجلي عبر آفاق السرد الروائي وغير ذلك، بل يأخذنا الى “أدب البورنو” وتيار الوعي العالمي المتمثل في “عولمة الثقافة“، والتحديث المصطلحي الناجم عن ظهور “النحو التوليدي” ونظريات ارتقاء اللغة والاشتقاق، بل انه يعمد الى استخدام صيغ صرفية ونحوية وبلاغية قديمة وحديثة – في آن – فكأنك أمام بنيان شامخ مموسق ومتناسق ومترابط منذ بداية الرواية حين افتتحها بقوله: “أنا لست دفا تنقر على جلده المشدود مشاكلك“ وحتى آخر سطر في الختام حين أنهى روايته بنفس العبارة والتي حين تطالعك تصدمك من أول وهلة، فتتحد معها ذهنيا ووجدانيا فلا تستطيع ان تتركها إلا بعد أن تنتهي من قراءة السطر الأخير منها، والذي يعود بك الى نفس الصدمة الاولي فيكرر نفس الجملة التي بدأ بها روايته فتحن الى قراءة تلك الرواية مرات ومرات.

و ”على الزمان“ هو الشخصية المحورية للرواية فهو يبحث عن حلول لذات هائمة في سديم الكون، تحاول جادة أن تبحث عن الحقيقة فتواجه أحداث وصراعات وشخصيات وتنتقل من مكان الى مكان في زمن قياسي، ثم تصدمك بواقعك وزمانك فلا تنفك تلهث مع علي الزمان باحثا عن حقيقة لغز (البانجلو6ا) وهو رقم حجرة الفندق، والذي تدور أحداث الرواية حوله، ويأخذنا الكاتب في رحلته بداية من عمان حيث “خيام الشعر” وحياة البادية الخشنة، حتى يصل بنا الى المقاهي والحانات في العالم، حيث مقهى الحياة الذي يضم المسلم والمسيحي واليهودي والبوذي وغير ذي الديانة، وحيث الرؤية الانسانية المتركزة على الانسان دون النظر الى لغته او ديانته او هويته او وطنه.

هو يأخذنا للعالم ومشكلات البشر، حيث الرأسمالية والاشتراكية وطبيعة الحكام والسلطة، وحقوق الانسان، ويحيلنا من بعيد الى مشاكلنا الاقليمية كمشكلة النفط والغذاء والمياه والحروب وتوزيع الثروات، والصراعات على الحدود والامن والمخدرات والأحزاب الحكومية والسرية والاقليات والطوائف الدينية والصراعات على امتلاك القوة النووية والسلاح وأسواق المال ثم يحيلنا الى صراع الذات مع نفسها وعندئذ يهرب من كل هذا الضجيج الكوني الى الحضن الدافئ الرؤوم حيث الوطن فنراه يصيح:"الوطن يا رسول الله“.

وهو يسبح بنا عبر هدير بحر الحب المتلاطم الذي جمعه “بجليلة بنت مرة “ تلك الشخصية التراثية، التي أحبها، فهو يحب فيها عروبتها، حيث سواد الليل في شعرها، ولمعان النجوم على صفحة خدها، وتناثر الورود و “الأقمار” و ”الشموس“ على ارجاء صدرها، هي العروبة بكاملها، يحملها في صدره ويجوب بها انحاء العالم، فتراه يتخفى في شخصية “علي بابا” أو “علي الزمان“ او “علي المعمري”- نفسه – فيتخيل امبراطورية شخصية وهمية – أورساء- يتجول داخلها فيرى “العم سام“ او “الانكل توم“ فيعود بالذاكرة الى قصائد الشعر العمودي “للحارث بن حلزة“، وذلك عندما يجلس مع الشاعر “جارث “ النيوزلندي، ويهيم في “حانة الفلاسفة “ حيث يشاهد جليلة الفرنجية او اليهودية او “الافرو-أوروبية“، حيث تتحدث بلكنة اعجمية، الا ان “علي الزمان“ قبل ان يشرب من زجاجة “النبيذ” نراه يطلب قدحا من القهوة، وكأنه يصر على عروبته، ثم ما ان يتطرق الحديث عن الحرب و”ان اموالهم في بنوك سويسرا يديرها اليهود“ فاننا نرى “علي الزمان“ يحاول ان يوجه طاولة الحوار الى الحديث عن الانسانية وان هذا الشأن متروك للعرب وحدهم، فهو يحاول ان يظهر عدم التعصب، مع انه في الاصل حاد في تعصبه لعروبته.

الذات والآخر ومحاولات تقريبية:

 والذات المقصودة هنا تتجلى في شخصية “علي بابا” أو “علي الزمان“ أما الآخر المقصود فيتجلى في هويات جنسيات الشخصيات التي تعامل معها “علي الزمان“، في الحانات والمقاهي وفي الفندق، و في الدول التي طوف حولها، وأرست قلوعه عندها، فهو يتجول بنا من عمان الى الجزائر الى ألمانيا والهند وكل ذلك داخل مملكة “أورساء”- ليست الحقيقية – ومع هذا فهو لم يتجول بنا في هذه المدن، وانما تجول فقط من خلال شخوص الرواية وجنسياتها وكأنه يحيلنا الى ثقافة الوافد- الآخر- ومع هذا فقد اكتفى بالتنقل من حانة الى حانة: ومن مقهى الى مقهى، ولكن “واقعيته السحرية“ أحالتنا الى اماكن أخرى جسدتها تلك الشخوص التي تعامل معها في محاولة منه ليقربنا من هذه الشخصيات فنرحل معهم عبر عوالمهم ومدنهم وثقافاتهم فنشاهد “أفلام البورنو” ومستحدثات التكنولوجيا، وآفاق الانترنت، والأشرطة والاقراص الممغنطة، والكتاب الالكتروني، ثم نشاهد رسائل جليلة بالانجليزية حيث “يتكسر الزمان على طاولة مكان الحلم“ فنشاهد “كسر الروح والفضاء” و"شبح الألفاظ المروية “.

فهو هنا يحاول ان يوجد لغة عالمية للتعامل مع الآخر، فهو بدوي قادم من صحراء النفط، متلفح بتراث وعروبة وقومية ولغة ويجابه عالما مختلفا فيرى “عالم الكاوبوي”، حيث الغرف الحمراء، وحيث اللغات المختلفة عن عالمه فتراه يسمع أحاديث اليومي والحياتي هناك فيجده مختلفا، حيث الاستنساخ والموجات الصوتية التي تحاول أن تستنطق الملائكة والانبياء والقديسين، ومرورا بأسواق الاستهلاك وشركات الانتاج والاعلانات عن مقويات الجنس والتعب النفسي حيث الامبريالية العالمية والسوق الاوروبية المشتركة والشرق أوسطية والمتوسطية والكونية وما بعد الكونية وكلها أحاديث لم يألفها ذلك البدوي.

وهو يحاول ان يفهم ويعي ويستوعب كل النتاجات العالمية المستحدثة يساعده في ذلك حدس البدوي وهو يفعل كل ذلك ليسأل نفسه في النهاية: اين أنا من هؤلاء؟ وما الصواب وما الخطأ؟ لذا نراه يجنح الى تراثه فيتغنى بقول الشاعرة العربية “النوار بنت جل“:

أوردها سعد وسعد مشتمل

ما هكذا تورد يا سعد الابل

ثم نراه يفيق من ذلك فينتبه الى ان العالم قد تغيرت لغتهم ويجب أن يسايره فنراه يغني هو وجليلة وبيد كل منهما زجاجة من الويسكي المحلي ويتحدثان بلغة انجليزية صرفة: وكأنه هنا بهذه الانجليزية يهرب من بداوته وتراثه الى حداثة وتراث الغرب ليساير لغة العصر ولغة العالم حتى لا يفتضح أمره، وكيف لا يساير ذلك وهو “علي الزمان“ المهاب؟

شعرية الخطاب الروائي ومفارقات لغوية:

ومما لا شك فيه ان اللغة عند “علي المعمري” يجب أن تأخذ شكلا مختلفا خاصة وانه يناقش موضوعات كونية تتعلق بحداثة الكون، فنراه لا يعتمد- بالضرورة – على انسيابية السرد وبلاغة الخطاب والصور، وانما يأخذ من النثر بأسبابه، ومن الشعر بأسبابه، ويضفر كل ذلك بمصطلحات حداثية قد تخرج عن الأنساق المألوفة للقارئ العادي، فهي رواية للخاصة، ولخاصة الخاصة، وفقط، فيجب أن يكون التعامل فيها- نقديا- على “المستوى الحدسي” للحالة التي كتبت وقتها، حيث لا وزن هنا لزمان، أو مكان، أو شخصيات، أو أحداث. وانما المحور والتركيز على جزئيات المشهد دون ضبابية او افتعال لأنساق لا تتسق والذهنية الحدسية لعقل المتلقي، اذ أنها تكسر المألوف، وتتعدد كذلك الأمكنة والأزمنة داخل زمان ومكان لمنطقة غير موجودة وتتمثل في عالم غير ملموس واقعيا، بينما هو ملموس في الحدث الآني الكائن في المشهد واللحظة التي يتولد فيها الحدس، اذن وطالما أن الحديث عن مكان وزمان غيرا محدين، بزمان أو مكان فان الأمر يدخل في دائرة الصورة الذهنية غير المعلومة والحادثة، دون ربطها بأحداث وأزمنة وأمكنة، ومع ذلك لا يمكن أن ينتفي الزمان والمكان لوجود شواهد دالة عليهما.

ومع ذلك فقد حاول “علي المعمري” أن يرتفع بالخطاب الروائي ليقارب به “الخطاب الشعري” فكأنك تقرأ لوحة سريالية، أو تشاهد أحداثا متفرقة في أماكن مختلفة مع ذلك يجمعها نسيج هلامي غير مرئي ولكنه محسوس ضمنيا من خلال الحدس الملموس في النقطة بين بؤرة الشعور وهامش الشعور، فتكون الحقيقة حلما، والحلم حقيقة، وتتشابك الرؤى، فتخرج بعد أن تقرأ الرواية شخصا آخر، وتشعر بغرائبية للكون والحياة.

ومع هذه المفارقات التصويرية لجمال السرد، الا ان مفارقات لغوية يمكن أن نلحظها من خلال السياق المروي، وذلك يتجلى في المزاوجة بين أسلوب السرد بالعربية تارة، وبالعامية “اللهجية “، تارة أخرى، وبالمصطلحات والرسائل الانجليزية تارة ثالثة، وبأنماط وأنساق لغوية متناثرة، ومتنافرة أحيانا، ومتقاربة احايين كثيرة، فتشعر بأن الكاتب قد اختلط عليه الأمر تارة فضرب في بحر تهويمات لغوية واشتقاقات غريبة أحيانا، أو تشعر- وهو كثير- بأنك لا تستطيع ملاحقته وذلك لثراء زخم مفرداته وتراكبيه، او أن الأمر هو ضرب من استعراض أسلوبي لغوي وبلاغي يجنح بالقارئ الى مناح جديدة ولهجات لم يألفها من قبل. ومع كل هذا يتجلى الخطاب الروائي عنده هرما شعريا مقلوبا تارة، ومتسقا- نثريا- تارات عديدة، فتشعر بالدهشة والغرائبية فتتوقف بالتفكير عند هذا الحد لتحاول من جديد- بعد ذلك – أن تعيد ما قرأت لتصل الى قرار، ومع هذا تبقى متعة السرد وجمالياته المدهشة، بغض النظر عن هذه المفارقات، وعدم التقارب الحادث ذهنيا مع جزئيات النص الروائي.

والحديث عن هذه الرواية يحتاج منا الى دراسة مطولة، وليس الى قراءة – كما قدمت – وأرى أن مثل هذه الروايات ما تزال في طور البحث والتجريب بغية الوصول الى نص عالمي يجمع الأنساق المعرفية والدلالية واللغوية ويصهرها-جميعا- في نسيج مترابط لتخرج في النهاية برواية جديدة تساير القرن الجديد والقرون المقبلة، فهي- كما أرى- تكسر “التابو”، وتبحث في اللانهائي، وتتحدث عن غير المألوف والمسكوت عنه وتضيف اليهما رؤى جديدة تصهر المخزون اللهجي الجمالي وتحاول أن توجد لغة عالمية تساير تحديات التكنولوجيا الصارخة ليقف الأدب شامخا بين روافد وفروع العلوم المعرفية المختلفة.

انها رؤية قد تبدو غير مألوفة – حاليا – ولا أدعي بأنني أتيت هنا بفتح جديد للرواية أو أنني أنادي بنظرية جديدة، ولكنها رؤية حالمة في عصر تشابك المعرفة وانصهار الثقافات والانفتاح الثقافي على ثقافات الشعوب والأمم، وعسى أن نقر بأن ما لا يتحقق في هذا القرن، قد يتحقق في قرن آخر، فحري بنا أن نبحث ونتأمل ونقارب ونجرب حتى يمكن لنا أن نساير ونجابه المد الثقافي المتلاحق والحادث في أرجاء العالم الممتد.
 
حاتم عبدالهادي السيد (كاتب من مصر)

شاهد أيضاً

كارين بوي عيناها مصيرها

شعر الشاعرة السويدية كارين بوي كما حياتها يُعنى بأسئلة بسيطة : كيف نعيش وكيف يجب …