أخبار عاجلة

المعرفة والمدرسة

هذا العنوان الذي يربط المدرسة بالمعرفة يفصح عن تشكك، ويثير تساؤلات. فكأنما يوحي أن مهمة المدرسة لم تعد تلقين المعارف إضافة الى تربية الأجيال. كأنما يريد أن يشير أن شيئا ما قد حصل ربما أخذ ينزع عن المدرسة وظيفتها التكوينية، وأن أحد أطراف الثنائي مدرسة/ معرفة لحقه تحوّل جعل العلاقة بينهما ذاتها تستدعي إعمال فكر وإعادة نظر.
يكفي، لإدراك ذلك، أن ننتبه الى التحوّل اللغوي الذي يطال اليوم المعرفة، واقتحام مفاهيم الاقتصاد والإعلاميات لميدانها، حيث يجري الحديث عن استهلاك المعارف وإنتاجها وتوزيعها واحتكارها، بل تخزينها وتسويقها.. سنحاول في هذا العرض الوجيز أن نتوقف قليلا عند هذه الهزة التي لحقت ميدان المعرفة والتحولات التي أصابت مجالاتها ووسائطها تمهيدا لإبراز الأسئلة التي يطرحها اليوم تطور المعرفة على المدرسة بصفة عامة، ومدارسنا العربية على الخصوص.
ظلت المعرفة لمدة غير قصيرة موسومة بالانغلاق، وبقيت حكرا على دوائر محدودة من العارفين المتخصصين. كانت محط أسرار جماعات معرفية محافظة، ولم تغادر الدير والمساجد والبلاطات والدوائر المغلقة، والمنغلقة على ذاتها، إلا في عصور متأخرة حينما فرض التحوّل الديمقراطي مبدأ الانفتاح، فشَرع الأبوابَ أمام فضاءات عمومية تنشر فيها المعرفة وتبث وتذاع. وقد كان لظهور أدوات الطباعة والنشر دور هام في إخراج المعارف عن دوائرها الضيقة، وجعْلها في متناول عدد متزايد من المستفيدين و«المستهلكين». ولا يخفى ما أخذت تلعبه هذه الفضاءات العمومية من دور كبير في نشر المعرفة وتوزيعها التوزيع العادل. وهكذا ولىّ زمن الدير والمساجد والبلاطات ليبرز زمن المدارس والجامعات، ولتغدو المعرفة حقا من الحقوق الأساسية للمواطن.
إلا أن تطور الأدوات التقنية الذي نشهده اليوم لم يكتف بتوسيع مجال نشر المعارف ورقَََع انتشارها، وإنما خلق هو بدوره فضاءات جديدة لإنتاجها وتداولها، بلا علائق جديدة بين منتجي المعرفة ومستهلكيها، هذا إن لم نقل إنه ألغى التمييز بين منتج ومستهلك وحَوّل طبيعة المعارف ذاتها، والدور الذي تلعبه في سَنّ علائق بين الفرد والمجتمع.
من القول المكرور التأكيد بأن عصرنا مسرح لهزات قوية دفعت البعض إلى الحديث عن ثورة صناعية ثالثة- هي بالضبط ثورة الأشكال الجديدة لتقنيات الإعلام والاتصال، تلك الأشكال التي واكبتها تحولات عميقة في أنظمة المعرفة. إن اتساع هذه التحولات التكنولوجية أخذ يشمل، منذ عشرات السنين الأخيرة، أساليب إبداع المعارف ونشرها وتداولها، الأمر الذي يدفعنا إلى الافتراض بأننا على أبواب عصر رقمي جديد للمعرفة يخلف وراءه العصور التي كانت فيها المعرفة تعتمد الشفوي فالكتابي فالمطبوع. سمح انتشار الرقمي بازدهار لم يتقدم له مثيل للشبكات، وذلك وفق محورين: محور أفقي تسارعت عبره طرق انتشار المعارف وذيوعها، ومحور عمودي تكاثفت عبره الروابط والاتصالات. لقد اقتحمنا عصرا صار من اللازم علينا، إذا ما أردنا أن نوجد ونستمر في العيش ونواكب مجريات الأمور، أن نتواصل بشكل أكثر اتساعا وأقوى سرعة.
تؤثر الأشكال الرقمية للتكنولوجيا تأثيرا مباشرا على سرعة انتقال المعلومات، ولكنها تؤثر كذلك، وعلى الخصوص، على معالجة المعارف وكيفية تلقيها. بناء على ذلك لم يعد بإمكاننا أن نفهم عملياتنا الذهنية وفقا للنموذج الذي سنته النظريات التقليدية للمعرفة، تلك النظريات التي تنظر إلى تلك العمليات على أنها أفعال نفسية لا تتعدى الأفراد. إن اللجوء إلى معالجة النصوص الالكترونية أو استعمال محركات البحث عادات مستحدثة، إلا أنها ما فتئت تترسخ في السلوكات واللغة المتداولة إلى حد أن أفعالنا الذهنية أخذت تبدو أكثر فأكثر كأنها عمليات لا يمكن أن تتم من غير سند الحاسوب. لقد مكن الرقمي من اكتمال الأشكال التقليدية لبرمجة المعرفة. وبعبارة أخرى فإن هذه الأشكال أخذت تسمح بتحويل المعطيات إلى لغة هي بطبيعتها، ومن حيث إنها أداة تواصل، جماعية في جوهرها وليست فردية كما كان الشأن في العمليات الذهنية التقليدية. وان نتائج هذه البرمجة تقتضي منا فهما جديدا لعملية المعرفة التي لم يعد بالإمكان اعتبار إنتاجها لحظة متميزة عن باقي الفعاليات البشرية الأخرى. إن الطابع التبادلي للشبكات الرقمية يعطي لمستخدمي التكنولوجيات الجديدة مكانة لم يكونوا ليتبوأوها فيما قبل، إذ لم يعد بإمكانهم أن يمكثوا سلبيين أمام المعلومة، ماداموا لا ينفكون عن جردها، وبالتالي عن ترتيبها حسب الأهمية. على هذا النحو فان تكنولوجيات الاتصال أصبحت تتفاعل بشكل متبادل مع عملية بناء المعرفة وتواكبها بدل أن تتقدمها.
كما أن ازدهار الأشكال التقنية الرقمية أدخل، إضافة إلى الأشكال التقليدية لحفظ المعارف وتسجيلها، حوامل أخرى للتخزين تتمتع بقدرات تظهر لانهائية. الأمر الذي تمخض عنه تحوّل في قدراتنا على التذكر. إن الثورة الرقمية جعلت من الذاكرة وظيفة «مادية» آلية وصنعية. ما أبعدنا إذن عن الذاكرة التقليدية، ذاكرة علم النفس. فعلى غرار اكتشاف الكتابة وتعميم الطباعة، يمكننا أن نعتبر أن اكتشاف الانترنت تحوّل انقلابي في تاريخ الموْضعة الخارجية لقدراتنا الذهنية. فالانترنت، مثله مثل أية وثيقة مكتوبة، هو جهاز تذكّر خارجي، وربما وجب أن نقول إنه جهاز تخزين، فقد لا يصح أن نقول عنه إنه يتذكر لأنه لا ينسى.
 وعلى الرغم مما سبق، فلا ينبغي أن نستنتج أن وظائفنا الذهنية من إدراك ومحاكمة وتذكّر أصبحت تتقوى كوظائف ذهنية، بل إنها لا تتقوى إلا كقدرات. إلى حد أن هناك من يذهب إلى القول: « إنه كلما اتسعت ذاكرتنا قلت ذكرياتنا». وكل منا يشعر أن اعتماده المطول على الآلة، واستعانته الدائمة على التذكر عن طريقها من شأنهما أن يضعفا من قدرة ذاكرته. مما جعل البعض يتخوف مما قد تحدثه الأشكال الجديدة للتقنية على مهاراتنا السيكلوجية، وعلى قدراتنا على العمل التي توجد من خلف كثير من المهن والحرف التي غدت عرضة للضياع بفعل ظهور هذه الأشكال الجديدة للتقنية. ومهما كان الأمر فلا يمكننا هنا إلا التأكيد أن قدراتنا لم تعد قدرات سيكلوجية محض، وأننا أصبحنا نتوفر على قدرات استيعاب وادراك علائق وخزن معلومات مغايرة لما كانت عليه فيما قبل.
هذا عن مفعول الأشكال التقنية الجديدة وتأثيرها على الأفراد من حيث يتمتعون بقدرات ويتقنون مهارات، فما هو وقع تلك الأشكال على تداول المعارف وانتشارها؟
معروف أن التحولات التكنولوجية قد قلصت من تكلفة الاتصالات كما سمحت بتضاعف سرعة انتشار المعلومات وكمها، الأمر الذي أدى إلى ظهور ما أصبح يدعى، بعد امانويل كاستيل: بـ«مجتمعات الشبكات». صحيح أن هناك في كل تنظيم اجتماعي خيوطَ شبكات ينسج الأفراد عبرها علائقهم، سواء أكانت تلك العلائق أسروية، عرقية أو اقتصادية أو اجتماعية أو دينية أو مهنية أو سياسية، إلا أن سياق الثورة المعلوماتية، سمح لأشكال جديدة بالظهور لا تخضع لمنطق تمركز الفضاءات المعهود ولا لأقطاب القرار المألوفة. فمقابل الطابع العمودي الذي كان يسم التدرجات التقليدية حل تزايد العلائق الأفقية التي غالبا ما تتخطى الحدود الاجتماعية والوطنية. وهذا لا يعني البتة أن تعميم الشبكات يدل على أن بإمكاننا ولوجها والدخول فيها أينما كنا وبنفس الكيفية سواء في بلدان الشمال أو بلدان الجنوب. وعلى رغم ذلك فلا يمكننا إلا أن نؤكد أن مواكبة ازدهار الانترنت والهاتف النقال والتكنولوجية الرقمية لـ«الثورة الصناعية الثالثة» (التي شهدت، عند البلدان المتقدمة في بادئ الأمر، انتقال جزء هائل من الساكنة نحو القطاع الثالث) قد أحدث هزة كبرى في المكانة التي تحتلها المعرفة، أو على الأقل يحتلها انتشار المعلومات في مجتمعاتنا.
ذلك أن المعلومة إن كانت أداة للمعرفة، فهي ليست معرفة بالرغم من ذلك. المعلومة معطى خام. إنها المادة الأولية لبناء المعرفة. فالشبكات لا يمكنها لوحدها أن ترسي أسس مجتمع معرفة. الشبكات تمكن من التزويد بالمعلومات، بل إن بإمكانها كذلك أن تيسّر انتشار الشائعات. وهكذا فقد تجعلنا نغرق في المعلومات، الصحيحة منها والخاطئة، إلا أن المعرفة وحدها هي الكفيلة بأن تمكننا من أن نقود تفكيرنا ونفحص معلوماتنا. فإذا كان مفهوم مجتمع المعلومات يقوم على تقدم تكنولوجي، فان مجتمع المعرفة يشمل أبعادا اجتماعية وأخلاقية وسياسية، وهي أبعاد أكثر شمولا واتساعا.
والحال أننا أصبحنا اليوم أمام مجتمع إعلام عملت فيه التقنية على الزيادة التي فاقت كل التوقعات من كم المعلومات المتوفرة، وسرعة انتقالها. وعلى رغم ذلك فان الطريق المؤدية إلى مجتمع المعرفة ما زال طويلا. ومادمنا لا نتمتع في مختلف أنحاء المعمور بالحظوظ نفسها في مجال التربية كي نستطيع التمكن من المعلومات المتوفرة، والتعامل معها بروح نقدية متفتحة، بهدف تمحيصها وتحليلها، والتمييز فيها بين ما يصلح قاعدة لبناء معارف وما لايليق، فان المعلومات ستظل مجرد ركام من المعطيات المختلطة. وهكذا فعوض السيطرة على المعلومة وضبطها، تغدو المعلومات هي الموجه المهيمن.
فضلا عن ذلك، فان توافر المعلومات وتراكمها لا يعنيان البتة توفر فائض معرفي. إذ يلزم أن تكون وسائل معالجة المعلومة وفحصها واختبارها في المستوى المطلوب. كما ينبغي لكل فرد في مجتمع المعرفة أن يكون في إمكانه التصرف بكل ارتياح وسهولة في خضم الكم المعلوماتي الذي يغمرنا، والتمييز فيه بين المعلومة «المفيدة» وتلك التي لا جدوى منها. 
نتيجة لما ألحقته الأشكال الجديدة للتقنية بقدراتنا السيكلوجية، وكم معلوماتنا وكيفية توزيعها وتداولها، فقد غيرت بفعل كل ذلك طبيعة المعارف وفضاءات اكتسابها، فلم يعد تحصيل المعارف اليوم محددا بحدود: انه لا يتوقف عند جدران ولا ينحصر في سنوات من العمر. فـ«مواطن» مجتمع المعرفة ما يفتأ يتعلم، بل إنه ما ينفك يتعلم كيف يتعلم. ذلك أن التعلم لم يعد حصرا على نخبة، ولا وقفا على سن. ما يطبعه اليوم هو الامتداد، الامتداد بأوسع معانيه: فلا هو وقف على أفراد، ولا هو يحفظ في الصدور، ولا يؤخذ عن أفواه معينة،  وفي وقت بعينه. بل إنه لم يعد «يؤخذ»، لأنه لم يعد تحصيل معلومات، بقدر ما هو اكتساب مهارات. انه لم يعد تعلما، وإنما غدا تعلم كيفية التعلم. وحتى هذه الكيفية لا تتوزع بين من يمتلكونها ومن يتلقونها. فحتى إن لم يجز لنا القول إننا اليوم أمام عدالة معرفية، فنحن أمام نوع من «الديمقراطية المعرفية».
لقد أقامت الشبكة مسلسل توزيع للمعارف يسهم فيه جميع الأطراف، بحيث يتعذر علينا تعيين من فيهم المرسل ومن المتلقي، من المنتج ومن المستهلك، إذ أن كل طرف يعمل في الشبكة حتى إن تطلب منه الأمر مجرد انتقاء مصدر من مصادر المعلومة، ليسهم بذلك في التداول الخلاق للمعلومات والمعارف. وهكذا يغدو مستعملو الشبكة وروادها، ليسوا متلقين ولا مالكين، وإنما أعضاء فاعلين في عمليات لا نستطيع أن نميز فيها الفاعل عن المنفعل.
ما يهمنا في الأمر هو أن التعلم لم يعد مرتبطا بمؤسسات فعلية تحدها جدران، وترعاها إدارة وتسهر على «تلقين» الدروس فيها هيئة مختصة. لقد جعلت الأشكال الجديدة للتقنية التعليم اليوم تعليما عن بعد. ولنا في « الشبكة الوطنية للتعلم» التي أحدثتها المملكة المتحدة خير مثال على ذلك. يتعلق الأمر بالربط فيما بين أكبر عدد ممكن من الخزانات والمتاحف والمدارس والمراكز التربوية بهدف توفير مركز ضخم لكل الموارد الافتراضية ذات الهدف التربوي. هذه الفضاءات لتخزين المعارف، التي بإمكانها أن تتواجد في أكثر من مكان وفي الوقت نفسه، بإمكانها كذلك أن تكون في متناول الجميع وفي أية جهة من جهات العالم. إلى حد أن التعبير : «التعلم عن بعد» أصبح يبدو وكأنه يشمل نوعا من المفارقة، مادام يلغي قي الحقيقة مفهوم البعد ذاته. إن الروابط التي توفرها اليوم الأشكال الجديدة للتقنية لا تكتفي بتقريب المسافات وإنما تذهب حتى «قتلها» والقضاء عليها.
ما أبعدنا إذن عن المدرسة التقليدية التي تخضع لضوابط البرمجة والتفريق بين المستويات، وبين أيام العطل وأيام العمل. فقد نجد أنفسنا في القريب العاجل في مراكز تضم أفرادا لا تميز فيهم بين عارف وجاهل، كبير وصغير، مراكز ترتبط مباشرة بقواعد المعطيات، حيث لا يبقى فيها لـ»المعلم» إلا دور الموجه، وحيث يفرض فيها الافتراضي كامل «واقعيته».
ذلك أن الافتراضي، ليس هو الممكن الذي يقابل الواقع ويعارضه، فهو يتوفر على «واقعية» تجعله نمطا من الوجود يتمتع بخصوبة وقوة يفتحان آفاقا ويحفران عن دلالات فيما وراء سطحية المادي المباشر. فأن يغدو الراهن افتراضيا ليس هو أن يتخلى عن واقعيته، وإنما أن يستبدل هويته ويزحزح مركز ثقله. فبدل أن يتحدد الكيان براهنه، بدل أن يتحدد كحل، فإنه يتحدد كإشكال. بدل أن ينغلق على ممكناته، فإنه ينفتح على دينامية السؤال. وهكذا لن نعود أمام مؤسسات قارة تتحدد مكانا وزمانا، وإنما أمام حركية لامتناهية، ويقظة لا تلين لحل مشاكل لا تنفك تطرح. إننا لسنا أمام ما يمكن تحصيله والبت النهائي في أمره، وإنما أمام ما نفتأ نتعلمه، وما نفتأ نبنيه. 
وعلى الرغم من ذلك فلا ينبغي أن تنسينا «واقعية» الافتراضي هاته، أن الافتراضي ذاته يظل مدينا للبنية المادية التي وفرتها، ومازالت توفرها، الأشكال الجديدة للتقنية، إذ لولا هذه الأشكال لظل الافتراضي ذاته مجرد سراب، ولظلت المعرفة معرفة لا «تؤخذ» إلا عن «أفواه الرجال»، ولظلت المدرسة بناية منغلقة ومؤسسة قارة تحتكر انتاج المعارف وتنفرد بنقلها بل بتلقينها.

شاهد أيضاً

كارين بوي عيناها مصيرها

شعر الشاعرة السويدية كارين بوي كما حياتها يُعنى بأسئلة بسيطة : كيف نعيش وكيف يجب …