أخبار عاجلة

المقامرة بالمرجع في الشعر في مرايا بعض المحدثين

 

قد لا يكون من الشطط القول بأن علاقة الأدب عامة والشعر منه على وجه الخصوص بالعالم فد مثلت إشكالية جوهرية متجددة غالبا ما قادت إلى أجوبة متباينة وأفضت إلى نظريات متعارضة وأسلمت إلى تصورات متحركة غير مستقرة. وهي، وإن كانت إشكالية قديمة حديثة في آن واحد، فإننا نقدر بأنها قد أضحت، بدءا من ظهور الأفكار الكانطية والمبادئ الرومنطيقية في منابتها الألمانية، أشد تعقيدا من ذي قبل وأدعى إلى التدبر وأحق بالمساءلة أكثر من أي وقت مضى بسبب ما صارت إليه من توالد في الأسئلة وتدافع في القضايا وتشابك في الأبعاد على نحو غير مسبوق.
والحق أن هذه الإشكالية لا تعدو أن تكون تنويعا على سؤال فلسفي محير مداره على ما يمكن أن تقيمه اللغة مع الوجود الموضوعي الخارجي. وليست اللغة، هنا، مجرد وسيلة تخاطبية بسيطة قد يقتصر دورها على محاكاة عالم الأشياء المرجعي والخضوع لضغوط التواصل العرضي النفعي المباشر، وإنما هي، إلى ذلك، أخطر ما امتلك الإنسان على الأرض في ما يقول مارتن هيدجير Martin Heidegger (1889- 1976)1 على الأقل.
وليس من شك في أننا واجدون، لا محالة، شيئا من الوجاهة لاعتبارها على مثل تلك الصفة متى أنعمنا النظر في مختلف ضروب العلاقات التي من الممكن أن تقيمها مع السلطة والفكر والإنسان والكون إقامة بالفعل أو بالقوة؛ أو لم ينبر ليدفنغ فيتغنشتاين Ludwing Wittgenstein (1889- 1951)، ذات مرة، يقول: «إن حدود عالمي توافق حدود لغتي»(2)؟!
لذلك كله لا غرابة في أن يطالعك إيميل بنفنيست mile BenvenisteÉ وقد بدا أذهب في الإعلاء من شأن اللغة وأوغل في الإقرار بفعلها التأسيسي الخلاق إلى درجة أوصلته إلى رهن انبثاق العالم بها وتأكيد سلطانها عليه وقدرتها على تحويله والتأثير في منطقه وتلوين الموجودات فيه بألوانها مادامت، عنده، هي التي «تخلق واقعا خياليا، وتحيي الأشياء الجامدة، وتجعل الذي مازال غير موجود مدركا، وتستحضر، هنا، ما غاب»(3). وبغض الطرف عما انطوت عليه مثل هذه النزعة إلى إخراج اللغة على تلك الصورة وذلك النحو من أمارات مبالغة وغلو ومغالطة ليس أقلها من تعمد حجب ما عبر عنه محمد الشاوش بـ«أثر العالم في توجيه النظام اللغوي وجهة أو وجهات معينة دون أخرى»(4)، فإن ما لا نستطيع أن ننكره، مع ذلك، هو الإقرار بحاجة الإنسان الماسة إلى الكلمات من أن أجل أن يخلع بها معاني ما على إقامته على الأرض ويثبت لنفسه بعض مقومات إنسانيته بالبرهنة على قدرته على إظهار انفعالاته وتسميتها في آن واحد على خلاف الحيوان(5).
وإذا كانت هذه حال الإنسان مع الكلام على وجه العموم فإن حاله مع الكلام الشعري، لاسيما ذلك الذي هبت عليه رياح التجريب وسكنته روح الحداثة، لم تكن إلا أحوالا متقلبة غير ثابتة. ومرد ذلك إلى ما صارت إليه علاقته به من اهتزاز حينا وتنافر حينا ثانيا وانقطاع حينا ثالثا. وربما كان مثل هذا الأمر معزوا، في بعض وجوهه، إلى تصاعد اتجاهات في التنظير والإنشاء على حد سواء لعل أكثر ما بدا لنا موحدا بينها إنما هو عزم غامر أهوج على قطع الشعر عن العالم الماثل خارجه بكل ثقله وصخبه وامتلائه ومفارقاته وخيالاته عسى أن يرتد إلى ذاته ويسترد حقيقته الخاصة الكامنة فيه ويمسي غاية نفسه لا مجرد وسيلة تسلم إلى غيره وتقود إلى سواه.
ومما أفضى إليه هذا العزم الآخذ في التسلل إلى بعض النظريات الشعرية الحديثة المستلهمة لمبادئ الشكلانية وأصول البنيوية بطريقة أو بأخرى نتائج شتى ليس أقلها من الدعاية لكتابة شعرية مصروفة عن خارجها إلى داخلها، ومنشغلة بكونها اللغوي الخالص عن الكون غير اللغوي (L’univers extralinguistique)(6)، ومتلهية بلعبتها البنيوية الذاتية عن ألاعيب السياق المقامي المكتنف لها. وهذا ما كان له أن استوى فاتحة دعوات مازالت إلى اليوم تعاد بين الفينة والأخرى، وإن على شكل ترجيعات ملتوية وأصداء خافتة ذاوية، الحاصل منها، مجتمعة، إعادة النظر في محددات الشعر المستقرة ووضع مختلف الصلات التي كانت تشده إلى غيره من هذه الجهة أو من تلك موضع مساءلة جذرية عاصفة. فصار من المشروع، بموجب ذلك، الحديث معه عن «فراغ الشكل» و«انغلاق الأثر» و«استقلال النص» و«تحرر الدوال» و«لعبة الكلمات» و«موت المعنى» و«غياب الذات» و«انتفاء التاريخ» وما إلى ذلك من المقولات المخبرة عن استحالة الشعر فاعلية لفظية لازمة مكتفية بنفسها غير متعدية إلى ما يمثل خارجها.
وليس أبعث على الحيرة، في ما نعتقد، مما ألفيناه بين كثير من المحدثين الغربيين من الشعراء والنقاد والمنظرين من تواطؤ صريح غير خفي على المقامرة المتعمدة المقصودة بكل ما يمكن أن يزول بذلك النشاط القولي عن عالمه الذاتي الخاص والعناد في محاولة صرفه عما يمثل خارجه في العالم المرجعي غير اللغوي. وهذا ما كان مدعاة إلى إثارة منزلة المرجع منه ومراتبه فيه والعلاقات التي أريد له أن يرسيها معه في ظل ما أسلفنا الإيماء إليه من تلك الأنحاء التي دفعته إليها تلك المناويل الشعرية المغلقة من باب الإيمان بأن تقديره التقدير الجدي الجاد يبقى مسلكا مما لا ينبغي الاستهانة به أو التعامي عنه من المسالك التي يتوسل بها إلى قراءته ويحتاج إليها في تذليل غوامضه واقتناص أسراره(7).
ولما كان «المرجع» (Le référent) مصطلحا فنيا ذا مدلول ملتبس غير واضح «وضوح البديهيات»(8) فقد حسبنا أنه لا مناص من محاولة ضبط مفهومه وتدقيق حقله الدلالي وتحسس أنواعه وتتبع أشكال تجليه في الكلام قبل تدبر الطرائق التي حدث بها رومان جاكبسون Roman Jakobson (1896- 1982) بوصفه أحد أبرز الشعريين الغربيين المحدثين(9) عنه والفحص عن المحال التي أحله فيها والعمل على مساءلة ما عقده له من علاقات بينه وبين الشعر توسيعا لزوايا النظر وتنبيها إلى ما تم السكوت عنه في هذا الباب سكوت عمد أو سكوت عفو.
وقد لا يكون أجدى في إضاءة هذه القضية من إتباع كل ذلك بالوقوف على بعض ما صار إليه اللاحقون من منظري الظاهرة الأدبية عامة وعلمائها ونقادها من جري دؤوب إلى فتحها على مراجعها بمختلف ضروبها وتنوع شكولها مستنيرين في كل ذلك ببعض ما بلغته اللسانيات، لاسيما مع التداولية (La pragmatique)(10) وما لحقها، من خلاصات تحقق بفضلها الاستدراك على ما أسماه رفيق بن حمودة بـ»الأنساق المغلقة»(11)، مما قاد إلى الإفاقة على أنه لا طريق إلى إيفاء الظاهرة اللغوية حقها من الوصف والتفسير والتجريد من دون وصلها بأبعادها الإحالية وسياقاتها المرجعية ومقاماتها الإنجازية…
I- المرجع ومتعلقاته في ضوء بعض الإضاءات اللسانية
لما عزمنا على الانصراف إلى محاولة حد المرجع وتحديد حقله الدلالي واستصفاء مراتبه في الكلام ومنازله منه فإننا لم نر مناصا من التوسل إلى ذلك ببعض الإضاءات اللسانية لوعينا بأن للسانيين، على تباين نظرياتهم واختلاف تصوراتهم، مزية الإبانة عن الفروق بين الظواهر التي احتاجوها في بناء مناويلهم الواصفة للغة وتفسير متعلقاتها. والحق أنه ليس في نيتنا في مثل هذا المقام أن نتقصى كل ما حدثوا به عن المرجع وأناطوه به ولا في مقدورنا، أيضا، أن نجري هذا المجرى. فقصارى ما نطمح إليه، هنا، هو أن نظفر منهم بما ليس منه بد في المساعدة على تمثل المصطلح مناط عنايتنا والقبض على مفهومه أو الاقتراب منه في أسوإ الوضعيات.
والذي بدا لنا شبه دارج بين كثيرين منهم أن الالتفات إلى المرجع قلما تحقق عندهم في منأى عن سياقات مخصوصة مفتوحة على مصطلحات قريبة منه ومجاورة له من قبيل «المدلول» (Le signifié) و«المعنى» (Le sens) والدليل (Le signe) و«الدلالة» (La signification) و»الرمز» (Le symbole)  و»الإحالة» (La référence) و»المرجعي» (Le référentiel) و»الصلة الإحالية» (Le rapport référentiel) و»الوظيفة الإحالية» (La fonction référentielle) والتعيين (La désignation) وما إلى ذلك من المصطلحات التي تمت بصلة إلى ما عبر عنه محمد الشاوش بـ»الدور العلائمي للألفاظ»(12).
والملاحظ أن الإبصار بما يفصل بينه وبينها من حدود، حتى وإن كانت حدودا غائمة هاربة غير بينة، لم يتم في تلك السياقات التي ذكرنا بالصرامة العلمية ذاتها والوضوح المنهجي نفسه. وقد أفضى ذلك، من بين ما أفضى إليه، إلى التباس «المرجع» وغموض متصوره. وليس من شك في أن إدراكنا للحاجة الضاغطة إلى دفع هذا الالتباس وتذليل ذلك الغموض سيدعونا، قطعا، إلى توخي كل الحيطة في سعينا إلى الإفادة من بعض الإضاءات اللسانية في محاولة حد المرجع الحد الذي من شأنه أن يتيح لنا أو لغيرنا تمثله التمثل الإجرائي الناجع الناهض على «فكرة المطابقة» (L’idée adéquate)(13) قدر الإمكان.
على أن ما وجدناه في حكم المجمع عليه بين أغلب اللسانيين وأصحاب القواميس الخاصة باللسانيات والشعرية وعلوم اللغة بصفة عامة هو إطلاق المرجع على العالم الخارجي غير اللغوي (extralinguistique) الذي تحيل عليه العلامات اللغوية التي يستخدمها المتكلمون في مقامات تخاطبية معينة(14). وقد لاح لنا هذا العالم الخارجي غير اللغوي الذي حملوا اللغة على أن تنفتح عليه من هذه الناحية أو تلك لتنشئ معه علاقات إحالة بطريقة أو بأخرى عالما مركبا غير متجانس بالنظر إلى اتساعه لكيانات مختلفة السمات ومتباعدة المقومات منها ما هو حقيقي واقعي وما هو خيالي متوهم لا يدرك إلا بالذهن ومنها ما هو مادي حسي وما هو معنوي مجرد.
وهذا، بالضبط، ما يفضي إلى فكرة مبدئية مؤداها أن للغات الطبيعية، مثلما يحدث عن ذلك كل من طودوروف Todorov وأوزوالد Oswald، «سلطة بناء الكون الذي تحيل عليه»(15). ومعنى هذا أن السمات المحددة لهوية ذلك المرجع المحال عليه تبقى مرتهنة، في المقام الأول، بقدرات اللغة ومسالك توظيفها وألاعيب إجرائها. ولعل أهم ما يمكن أن يستفاد من كل ما تقدم هو أن الإحالة (La référence) منظورا إليها من زاوية لسانية محض ما هي في منتهى المطاف إلا هذا العمل المتعمد المقصود الهادف إلى إقامة علاقة ما بين اللغة والعالم، أي بين الكلمات والأشياء(16). وبهذا النحو تضحي كل علامة لغوية محيلة، بطريقة أو بأخرى، على مرجع خارجي غير لغوي تستدعيه وتشير إليه مخرجة إياه، بالقوة حينا وبالفعل حينا آخر، بمخرج المكون الثالث من المكونات التي تتشكل منها وتبنى بها. وقد عدت هذه المكونات الثلاثة المشكلة للعلامة اللغوية من الأمور المعلومة شبه المستقرة بين معظم اللسانيين منذ صدور دروس السويسري فردينان دي سوسير Ferdinand de Saussure (1857- 1913) في اللسانيات العامة لأول مرة سنة 1916. وهي الدال (Le signifiant) والمدلول (Le signifié) والمرجع (Le référent).
ولا بد من الإشارة، هنا، إلى أن سوسير لم يظهر كبير اعتداد بذلك المكون الثالث ليكتفي، في المقابل، بإقامة العلامة اللغوية على المكونين الأول والثاني مما ذكرنا دون غيرهما. وحسبنا مصداقا على ذلك ما اطرد في «دروسه» من عبارات ممعنة في تأكيد التشكل الثنائي المزدوج للدليل اللغوي من مثل القطع بأن «الوحدة اللغوية شيء مزدوج يتكون من التقريب بين عنصرين» وبأن «الدليل اللغوي (…) كيان نفسي ذو وجهين»(17). وما هذان الطرفان المتحدث عنهما، عنده، إلا الدال بوصفه «صورة أكوستيكية» والمدلول من حيث هو «متصور ذهني»(18). واللافت للنظر في هذا الخصوص أن تنبهه إلى اعتباطية العلاقة الواصلة بينهما لم يمنعه، مع ذلك، من الذهاب إلى أنهما من الالتحام والترابط بحيث يستعصي تصور أحدهما بمعزل عن الآخر أو بمنأى عنه حتى لكأنه ليس من معنى للحديث عن المدلول مفصولا عن داله أو الدال خارج ارتباطه العضوي بمدلوله(19). وقد ألفينا صاحبي «القاموس الموسوعي لعلوم اللغة» أشد إلحاحا من سوسير نفسه في تأكيد هذا التلازم بين مكوني العلامة اللغوية حتى استحال، في منظورهما، أشبه ما يكون بالتلازم بين محسوس (sensible) وغير محسوس (non- sensible)، أو بين حضور (présence) وغياب (absence)(20).
ولما عد سوسير الدليل اللغوي كيانا مزدوجا مركبا من مظهر دالي أكوستيكي حاضر محسوس من ناحية ومظهر مدلولي متصوري غائب غير محسوس من ناحية ثانية فإنه قد أهمل، بذلك، المرجع ولم يضعه في حسبانه ولا في حسبان لسانياته العامة. لذلك لا غرابة في أن يطالعك في دروسه وهو شديد التهيب منه والريبة فيه. وربما لا يكون أدل على ذلك من تعمده إخراجه مما يتكون منه الدليل اللغوي ويدخل في تركيبه(21). وحتى التفاتاته إليه في بعض السياقات من دروسه، لاسيما تلك التي انصرف فيها إلى التأسيس لمفاهيمه اللسانية الأساسية والعمل على التمييز بينها لم تكن سوى التفاتات عرضية عابرة لم تقصد لذاتها لأن ما حمله على إتيانها إنما هو تصميم أهوج على فك الارتباط الإحالي بينه وبين العلامة اللغوية على نحو ما يتجلى في قوله الآتي: «إن الدليل اللغوي لا يجمع بين شيء واسم بل بين متصور ذهني وصورة أكوستيكية»(22) أو في قوله بأن» الدال أمر غير مبرر أي أنه اعتباطي بالنسبة إلى المدلول وليس له به أي رابط طبيعي موجود في الواقع»(23).
ومما صار في حكم المجمع عليه بين الدارسين من العرب والغربيين فكرة مؤداها أن ما دعا دي سوسير إلى اعتبار المرجع غير داخل في تكوين العلامة اللغوية هو تطلعه المتعاظم إلى إقامة الحجة على علمية اللسانيات وأهليتها للإيفاء بما تمليه عليها تلك الصفة من شروط ليس أقلها من الدوران على كيانات ملموسة مهيأة للملاحظة وأشكال نظامية مستقرة خيل إليه أنه لا عسر في إخضاعها لـ«لتجريب» و«الترييض» و«التخطئة»، إن هي رامت أن تستوي علما على الحقيقة لا على المجاز(24). لذلك لم يكن بالمستغرب أن يلوح لك هذا اللساني السويسري في سياقات غير قليلة من دروسه نازعا إلى إخراج كل ما يند عن الضبط الدقيق ويستعصي على المحاصرة الوافية ويمتنع عن «النظمنة» (La systématisation) من حيز اهتمامه مادامت اللسانيات في منظوره لا تعدو كونها دراسة للغة في ذاتها ولذاتها. وهي دراسة للغة لا من جهة كونها مادة، بل من جهة كونها شكلا مغلقا على نفسه ومقطوعا عن عالم المراجع الخارجي(25). وليس من شك في أن إدراك الموضوع الذي ارتضاه للسانياته العامة على النحو الذي ألمعنا إليه هو الذي حرم الخارج، في ما يحدث عن ذلك محمد الشاوش، «من كل منزلة في نظريته وزهد في فحص الصور التي تتصل عليها اللغة بالواقع»(26).
وليس خافيا أن في هذا التمشي الذي سار عليه دي سوسير في مواضع كثيرة من دروسه ومن جرى مجاري قريبة منه شيئا من الاضطراب والمفارقة وعدم التماسك مما احتاج معه لسانيون آخرون إلى جهود سخية في التمحيص والتعديل والتصويب والاستدراك والاستئناف في رحلة بحث صعبة مضنية عن المنوال الأكمل المنشود لوصف الظاهرة اللغوية وتفسير مسالك اشتغالها. على أن ما يعنينا من كل ذلك أن تلك الجهود قد أيقظتهم على حقيقة مؤداها أنه لا سبيل إلى إقصاء المرجع، أيا كان شكله وكيفما كانت صيغته، من حيز اهتمام اللسانيات لأنه، ببساطة متناهية، ليس عنصرا غريبا عن اللغة ولا عن الدليل اللغوي. ذلك أنه ما من قول، في ما يؤكد أدام شاف Adam Schaff، إلا و»هو دائر دائما على شيء ما»(27). ولما كان الأمر على هذه الهيأة أضحى من الإجحاف تعريف العلامة اللغوية على النحو الذي عرفها به سوسير في دروسه حينما قطع بأن «كل شيء يتم بين الصورة السمعية والمتصور الذهني في حدود الكلمة باعتبارها ميدانا مغلقا موجودا لذاته»(28). فمما بان لمعظم اللسانيين اللاحقين بصاحب الدروس العامة في اللسانيات، بدءا من بنفنيست Benveniste، أن تعريف العلامة اللغوية تعريفا ثنائيا (Définition binaire) إن هو إلا تعريف منقوص لا يمكن، بأي حال من الأحوال، أن يستوفي هويتها ويأتي على جميع مكوناتها مادام المرجع مقصيا منه غير داخل فيه(29). وعلى هذا الأساس فإنك تجدهم مصروفين إلى محاولة إعادة الاعتبار إلى هذا العنصر الثالث بدرجات متفاوتة وطرائق مختلفة ومناهج غير متجانسة(30).
وحسبنا، هنا، أن نكتفي بالإشارة إلى أن هذا العنصر الثالث الذي أقصاه دي سوسير ومن تبعه من أعلام الأنساق اللسانية المنغلقة قد صار داخلا في المثلث السيميائي (Le triangle sémiotique) الذي أنشأه كل من أوجدن Ogden وريتشاردز Richards(31):
المدلول
المرجع الدال
وهكذا ما عاد من الممكن، علميا، الالتفات إلى اللغة مفصولة عن الكون الحقيقي منه والمجازي، وما عاد، أيضا، من الوجيه، مبدئيا، مباشرة العلامات اللغوية مفرغة من الإحالة مقطوعة عن مراجعها المادية منها والمعنوية لأسباب كثيرة ليس أقلها مما طرأ على الاتجاهات اللسانية، خصوصا بعد أن غدت اللحظة السوسيرية وامتداداتها في المتأثرين بها الناحين مناحيها آخذة في الانحسار والفقدان التدريجي لسطوتها السحرية الأولى على الأذهان، من بدائل في مقاربة موضوعها ومسالك في النظر إلى حيز اشتغالها كان لها، مجتمعة، أن أولت، وإن بطرق مختلفة غير متماثلة في أحايين كثيرة، البعد الإحالي للغة عناية فائقة حتى لا يحكم عليها بأن تبقى «طاحونة تدور دواليبها في الفراغ فلا يتحقق من دورانها شيء ذو بال»(32).
لذلك لم يكن من المستغرب أن يستوي هذا البعد الذي ذكرنا محط كل الاهتمام عند بعضهم وقاعدة كل العناية معهم. الأمر الذي ضاعف من الانشغال بالمرجع مضاعفة أوصلت بعضهم إلى الذهاب شأوا بعيدا في تدبره وتجريده وتشقيق أنواعه وضبط مراتبه في الكلام من باب اليقين بأن «كل ما نحيل عليه لا بد أن يوجد»(33). وهذا يعني، من بين ما يعني، أننا أصبحنا إزاء اتجاهات لسانية بدا أصحابها جارين إلى إدخال عالم الأشياء والموجودات في مناويلهم الواصفة عاملين، في الأغلب الأعم، على عده معطى جوهريا يسندونها به ولا يسقطونه منها على خلاف ما كان يفعل دي سوسير ومن تبعه من اللسانيين.
ومن الواضح أن الترقي في الإخبار عن المرجع من جهات مختلفة وبمناهج متباينة غير متجانسة قد أوصل، من بين ما أوصل إليه، إلى الاقتراب من حقيقته والإبصار بكثير من سماته بما صيره كيانا مركبا ذا وجوه متعددة وأشكال في التحقق غير منتهية. وعلى هذا الأساس أضحى من الممكن الحديث عن مراجع داخل اللغة (Référents intralinguistiques) لا يتصور لها حضور أو تجل بعيدا عن الخطاب أو بمنأى عن منطقه الخاص من جانب ومراجع أخرى خارجها (Référents extralinguistiques) لا تكون معها العلامات اللغوية أكثر من بدائل عن موجودات ماثلة في الكون من جانب ثان. ولنا في كتاب جورج كليبار Georges Kleiber «قضايا الإحالة»(34)، على سبيل الذكر لا الحصر، ما قد يكفينا عناء الخوض في هذه المسألة والاستدلال عليها. صحيح أن علاقة الإحالة (La relation de référence)، لا يمكن، كما يؤكد ذلك ملنار Milner على الأقل، أن يكتمل لها وجود ما لم تنعقد بين عنصر لساني له خصائص الإحالة المتحققة (Le propriétés de référence actuelle) التي تتيح له أن يحيل على شيء من أشياء العالم من جهة وذلك الشيء من أشياء العالم نفسه الذي يمتلك الخصائص المادية (Les propriétés matérielles) التي تسمح له بأن يكون مرجع العنصر اللساني المتقدم ذكره(35).
على أن أبرز ما تكشف للسانيين في هذا الشأن، لاسيما لأولئك الذين نحوا في تدبر الظاهرة اللغوية مناحي تداولية أو نازعة إلى أن تكون على تلك الصفة، ضروب متنوعة من الإحالة بدا أغلبها مقترنا بالأوضاع المقامية الحافة بالإنجاز غير مقطوع عما كانت تعبر عنه كاترين كيربرات أوركيوني بـ»الظروف السياقية للإنتاج والتقبل»(36). ومن أمثلة ذلك الإحالة الإشارية (La référence déictique) والإحالة المتحققة (La référence actuelle) وإحالة المتكلم (La référence du locuteur)(37). والحق أن هذه الضروب من الإحالة مما ذكرنا ومما لم نذكر ما كان لها لتصبح محط نظر اللسانيين لو أنهم بقوا حبيسي اللحظة السوسيرية غير مستدركين على الأنساق اللسانية المغلقة.
II- الشعر والحاجة إلى التجرد من المراجع في ضوء نظرية جاكبسون الشعرية
لا بد من التنبيه، بدءا، بأن رومان جاكبسون لم يفرد المرجع في القول عامة والقول الشعري منه على وجه التحديد بدراسة خاصة به أو ببحث مستقل دائر عليه وحده. بل إن قصارى ما فعل أنه قد وجد نفسه محمولا، بوعي أو بغير وعي، على الالتفات إليه في السياقات التي عمل فيها على تمييز الوظيفة الشعرية (La fonction poétique) من غيرها من الوظائف اللغوية الأخرى التي كان له أن ضبطها في ترسيمته الشهيرة ضمن مؤلفه «بحوث في اللسانيات العامة»(38). وهي السياقات نفسها التي جرى فيها إلى محاولة الإبانة عن مآتي الشاعرية وجهات تحققها في كل رسالة لفظية تتطلع إلى مؤاخاة الشعر ومشارفة دروبه البهية. لذلك نستطيع أن نقول إن ما قاد جاكبسون إلى الإفاقة على المرجع والوقوف عليه إنما هو، في المقام الأول، عنايته بالوظيفة الشعرية وانشغاله بتبين شروط تجسمها والإنباء عن الإمارات الهادية إليها لا في الكلام الشعري وحده، بل وحتى في سائر صنوف القول الأخرى(39).
وعلى هذا الأساس بدا لنا، هنا، أنه من غير الممكن إجرائيا ولا منهجيا أن نعمد إلى الفحص عن قضايا المرجع في الشعر بمعزل عن وظيفته الشعرية بموجب تلك العلاقة التي أحكم جاكبسون عقدها بينهما في غمرة اندفاعه نحو تشييد نظريته الشعرية؛ وهي النظرية التي أخرجها بمخرج البناء النظري التأليفي المستلهم لأبرز الخلاصات التي انتهى إليها الشكلانيون الروس بعد إكبابهم على الظاهرة الأدبية وتوصلهم إلى نتيجة جوهرية حاسمة مؤداها أن موضوع العلم الأدبي هو الأدبية (La littérarité) لا الأدب استلهامه لأهم المبادئ النظرية التي كان لفردينان دي سوسير أن أقام عليها لسانياته وقد صيرها دراسة للغة في ذاتها ولذاتها. وهو، إذ نحا بها ذلك المنحى، فلا شك أنه كان، أيضا، غير مقطوع عن بعض المقولات المفهومية المتحدرة من الجمالية الكانطية والجمالية الرومنطيقية عامة والألمانية منها بوجه خاص(40).
والذي يستفاد من كل ذلك أن هذا النشاط اللفظي الذي تسكنه الوظيفة الشعرية وتهيمن عليه لا يمكن، في ما يرى جاكبسون، إلا أن يكون الكلام الشعري وقد استحال عالما لغويا مكتفيا بذاته ومنغلقا على نفسه قد لا يتاح لك معه إلا أن «تحس الكلمة باعتبارها كلمة وليست مجرد بديل عن موضوع معين أو مجرد تفجر لانفعال (ما)»(41)، وفيه تستوقفك الأدلة، أول ما تستوقفك، بمظهرها المادي الملموس(42). وبهذا المنطق يكون خضوع أي رسالة لفظية لهيمنة الوظيفة الشعرية سبيلها إلى التحرر من الحاجة إلى المرجع والاكتفاء، في المقابل، بالإحالة على ذاتها بدل الإحالة على خارجها غير اللغوي(43).
وإذا ما رمنا مماشاة جاكبسون في ما ذهب إليه ومسايرة تصوره النظري انتهينا إلى استنتاج مبدئي مفاده أن الوجه الدالي للمفردة والمظهر الشكلي للرسالة اللفظية هما ما يتوجب على الشاعر أن يجد في الانشغال المتعاظم بهما والالتفات الدائم إليهما والتسامي بهما إلى مراتب بعيدة من التجويد عسى أن يبلغ بكلامه أفق الشعر المشتهى. وهو ما من شأنه أن يرغم كلامه على الانكفاء على ذاته والدوران على نفسه حتى يحيل بعضه على بعض ولاحقه على سابقه على قاعدة ما اصطلح عليه دانيال بونيو Daniel Bougnoux بـ»الإحالة الذاتية الدائرية» (L’autoréférence circulaire)(44). وبهذا يتضح لنا أن الشعر الذي ينظر له جاكبسون إن هو إلا شعر انحسرت وظيفته الإحالية وتقطعت به سبل الانفتاح على العالم الموضوعي الماثل بكل امتلاء خارجه أو هكذا أريد له أن يكون بالقوة أو بالفعل على الأقل. لذلك تراه في كثير من السياقات يكاد يختزله في وظيفته الجمالية مناقضا، بذلك، نفسه وهو الذي لم يفتأ يحذر في سياقات أخرى من إمكان المماهاة بينهما. وحسبنا شاهدا على هذا ما زعمه في أحد مواطن مصنفه «ثماني مسائل في الشعرية» بأن «الشعر هو الكلام في وظيفته الجمالية»(45).
ولما كان تحقق مثل هذه الوظيفة بمختلف تنويعاتها وبدائلها الاصطلاحية (الوظيفة الشعرية (La fonction poétique)، الوظيفة الجمالية (La fonction esthétique)، الشاعرية (La poéticité)…) مرتهنا باستخدام الكلمات في ذاتها ولذاتها استخداما يسعفها بأن تستعيد وزنها الخاص وقيمتها الذاتية ووجودها المستقل من جانب وينتشلها من أن تكون مقوما مرجعيا (Procédé référentiel) لا غاية له أكثر من الانشداد إلى الخارج ومسايرة منطق الموجودات فيه(46)، فلا نزاع في أن الشعر الذي كان ينشده ويجد في طلبه والاحتجاج له هو الشعر المقصود لذاته الذي يوجد ولا يدل، إن نحن استعرنا عبارة الشاعر الأمريكي أرشيبالد مكليش Archibald Mcleish (1892- 1982)(47).
وغني عن البيان أن التنظير لصفة الشاعرية بمثل هذه الصورة قد صيرها صفة مطلوبة في ذاتها ولذاتها حتى لكأنه ليس هناك من قول يهفو إلى الاتصاف بها والاتسام بسماتها إلا وهو مأخوذ، ضرورة، بلعبة الأشكال الخالصة وفتنة الدوال العائمة المنفصلة عن المداليل ورقصة الألفاظ المتحررة من المعنى(48). وحتى تحليله لقصيدة «القطط» (Les chats) للشاعر الفرنسي شارل بودلير Charles Baudelaire (1821- 1867) نكاد لا نلمس فيه إلا انشغالا بما هو شكلي خالص فيها (الأصوات، الإيقاعات، التراكيب النحوية…) من دون كبير التفات إلى صلاتها بالمعاني والدلالات(49). ونحسب أن أحمد الودرني لم يشرد عن الصواب حينما انتهى إلى أن جاكبسون في تحليله لقصيدة «القطط» لم يفعل أكثر من الاهتمام بـ«شعرية الشكل Poétique de la forme على حساب شعرية المعنى Poétique du sens وفاء لعقيدته المنهجية التي لا تعترف بالبطولة إلا للشكل»(50)
وليس من شك في أن منحى تنظيريا كهذا المنحى سيفضي بك، لا محالة، إلى إعادة النظر في صلة الشعر بالعالم إعادة جذرية عاصفة. والثابت في كل الأحوال أننا لا نعدو أن نكون، هنا، بإزاء رؤية جمالية مخصوصة مضى بها صاحبها نحو تقويض تلك الحبال التي كانت تشد الكلام الشعري إلى «المرجع» (Le référent) بطريقة شفافة مباشرة والإمعان في استضعاف وظيفته الإحالية المرجعية والتأسيس لانعتاقه من أوزارها وتجرده من قيودها والإعلاء، في المقابل، من كفاءته في الرحيل في ملكوت غموضه والتلهي بمكائده السرية الخاصة. ذلك أن «سيادة الوظيفة الشعرية على الوظيفة الإحالية لا تلغي الإحالة، بل تصيرها ملتبسة»(51). وإذا رمنا أن نرد الالتباس الإحالي في كتابة الشعرية التي كان جاكبسون ينظر لها مستلهما أفكار سابقيه من الشعراء والمنظرين، أمكن لنا نعزوه، في المقام الأول، إلى تنحي الإحالة على العالم الخارجي لفائدة الإحالة الداخلية على اللغة.
ولا ريب في أن قدر مثل هذا الشعر الذي حرم من كل غائيته الخارجية في أن يجرد من عالمه اللغوي المقدود من الكلمات مراجعه الذاتية الداخلية ومن مجموع ألاعيبه الشكلية واقعه المتخيل الممكن الهارب من ضغوط الواقع القائم مخافة أن يضيع حلمه في أن يستبقي لنفسه الصفات الضامنة لهويته النوعية حتى وإن انغلق على نفسه وتملص من إغواء عالم الأشياء الخارجي. بل إن هذا القدر، يكف، في ما يحدث عن ذلك جماعة مو Groupe μ ، عن كونه قدر الشعر وحده، ليستوي قدر كل خطاب أدبي يقامر بمرجعه الخارجي ويستعيض عنه بالنزوع إلى استلال مراجعه الخاصة من بنيته المنغلقة المكتفية بذاتها غير المتعدية إلى غيرها(52).
وهذا ما كان له، في ما نقدر، شديد الأثر في تحديد المقومات المؤهلة أكثر من سواها لخلق شاعرية الشعر المرتجاة تحديدا أضحى معه محمولا على الغوص في لعبته الداخلية والاكتفاء بمسايرة الكلمات وقد تركت لها المبادرة، على نحو ما كان يحلم بذلك ستيفان ملارمي Stéphane Mallarmé (1842- 1898)(53)، في أن تطرح ذاكرتها وتتنطع عن مألوف معانيها وتتملص من أثقال مراجعها وتجمح بعيدا عن قيمها التداولية المتولدة من تاريخ استعمالها الطويل(54). والذي يفهم من ذلك أنه لا مناص للشعر، كما أسس له جاكبسون، من أن يقدم على البحث عن إحالته في داخله لا في خارجه ويداوم على تحويل الكلمات إلى مراجع تحيل على نفسها وينادي بعضها البعض الآخر وفق منطق ذاتي مستقل قاعدته المشابهة وكل ما يتولد منها ويدخل في بابها(55)، خصوصا بعد أن حكم عليه بأن تتهاوى صلاته بخارجه وتتقطع به سبل الحديث عن العالم المادي المتعين. بل إنه قد صير أشد إخلاصا لهويته الجمالية الخاصة وأنكر ما يكون لما يمكن أن يناط به من منافع مادية مباشرة وأهداف خارجية عارضة ووظائف آنية عابرة. ولما أخرج بهذا المخرج فإنه لا بد له، ضرورة، من أن يوجد في داخله ما يمكن أن يستبقي له شاعريته متقدة وهاجة تنبض بالدهشة وتبرق بالقصي المستحيل. ذلك أنه لا مهرب من الاستعاضة عن غياب الغاية الخارجية في الفن عامة، في ما يقول دانيال بونيو Daniel Bougnoux مفيدا في ذلك من بعض الكتابات الجمالية للألماني فيليب كارل موريتز Karl Philipp Moritz (1727- 1793)، بالعمل على تكثيف الغاية الداخلية(56).
والحق أنه كثيرا ما خيل إلينا أن «مبدأ التعويض» الذي أشرنا إليه مستكن في دراسات جاكبسون الشعرية غير خال منها. إلا أن العبور به من حيز الوجود بالقوة إلى حيز الوجود بالفعل ظل، عنده، معلقا بألاعيب شكلية كثيرا ما عول عليها في إقدار الشعر على إدراك سماته الجمالية الخالصة واستمداد قيمته من نفسه. وليس «مبدأ التكافؤ» (Le principe d’équivalence)، هنا، إلا أصلا من الأصول المعول عليها في إنشاء شاعرية الكلام وتوليد وظيفته الشعرية. وهو لا يعدو أن يكون، في منتهاه، إخضاعا للسلاسل اللغوية لمقتضياته وتلوينا لها بألوانه مادام قائما في جوهره على «إسقاط محور الاختيار على محور التأليف»(57). ومن الواضح أن جاكبسون كان شديد الاعتداد بالتكافؤ مقوما جوهريا ينتظم اللغة الشعرية في مختلف بنياتها (البنية النظمية، البنية الصوتية، البنية المعجمية، البنية التركيبية، البنية الدلالية) ويشد جميع مكوناتها البسيط الأدنى منها والمركب الأقصى (الصوت، المقطع، الكلمة، المركب، الجملة، سلاسل الجمل) على حد سواء(58).
وهو اعتداد بما كان يحسبه صائنا لشاعرية تلك اللغة وصانعا لهويتها الخاصة مادام، في تقديره، أذهب ما يكون في حملها على الخلوص لذاتها والترقي بها نحو مشارفة أعاليها المستحيلة وإيقاظها على ممكناتها الإيقاعية الحالمة وعطفها على مكائدها السرية الغامضة. بل إننا كثيرا ما ألفيناه يوشك أن يقصر الكتابة الشعرية على خصائص إنشائية مضبوطة لا نخالها إلا راجعة إلى «التكافؤ» بما هيأها لتغدو «خطابا يعيد الصورة الصوتية نفسها إعادة تامة أو جزئية»، على حد تعبير الشاعر الإنجليزي جيرار مانلي هوبكينس Gérard Manley Hopkins (1844- 1889)(59).
ومهما يكن من أمر، فالثابت أن لاحتفاء جاكبسون بهذا المبدإ وبما تعلق به (النبر، القافية، التكرار، المجانسة الصوتية، التوازي…) في خطابه التنظيري المتطلع إلى تحديد المقومات التي تتخلق بها الوظيفة الشعرية في الكلام الشعري أو الطامح إلى أن يبدو على تلك الصفة صلات قوية بمقولات جمالية كان له أن أراد الشعر عليها وارتضاها له من قبيل اللزوم (L’intransitivité) والثخونة (L’opacité) والمجانية (La gratuité) وأولوية الدال (Le primat de la forme) والقصدية الذاتية (l’autotélisme) والانتظام الذاتي (L’autorégularité)…
وقد وجدنا جاكبسون جاريا إلى التعبير عن اختصاص الشعر بمثل تلك المقولات محاولا الإنباء عن بعض طرائق تجسيمها وسبل تأديتها. وهي الطرائق نفسها التي كان لطودوروف أن أبصر بها في «كل ما يعتمده الشعراء في الأثر من وسائل تقودنا إلى إدراك اللغة في ذاتها لا بوصفها مجرد بديل عن أشياء وأفكار من قبيل الصور، وصيغ التلاعب بالزمان والفضاء، والمعجم المتفرد، وبناء الجملة، والنعوت (Les épithètes)، والتفريع والاشتقاق الشعريين، والتطريب (L’euphonie)، والترادف (La synonymie) والجناس (L’homonymie)، والقافية، وتقطيع الكلمة…»(60).
بل إننا نزعم أنه ليس يبقى للقول الشعري، وقد تعمد جاكبسون تجريده من كل غاية خارجة عنه وإبطال كل صلة له بالعالم، من سبل لتحصيل خصوصيته النوعية المشتهاة وبلوغ لذته القرائية المرتجاة سوى الرحيل في ملكوت ذاته والعكوف على استثارة الكامن من طاقات التنغيم والتوقيع في داخله. فـ»هنا حيث يفتقر الموضوع إلى المنفعة والغاية الخارجيتين، لا بد، في ما يذكر موريتز Moritz، أن نبحث عنهما في الموضوع نفسه، إذا ما قيض له أن يوقظ في اللذة»(61). وهذا معناه أنه لا غنى عن الحاجة في الفن عامة والشعر خاصة إلى مراجع داخلية تولد معهما وفيهما متى قدر لهما الانقطاع عن مراجعهما الخارجية الماثلة، هناك، في عالم الأشياء والموجودات.
لذلك لا مراء في القول بأن هذه الجمالية التي كان جاكبسون يؤسس لها ويحدث عنها لا يمكن إلا أن تكون جمالية خالصة صافية (Esthétique pure)؛ وهي تلك الجمالية التي أتيح لها أن تظل وفية لبعض المقولات الفلسفية المثالية التي رام بها أصحابها فك الارتباط بين الجميل (Le beau) والنافع (L’utile) أملا في تمكين الفن من استعادة استقلاله الكامل عبر تهيئته ليستحيل فاعلية إبداعية مجانية غايته كامنة في نفسه لا في خارجه(62). أو ليس تصور جاكبسون للمقومات البانية لجمالية الأعمال الفنية عامة ولأدبية الأدب خاصة ولشاعرية الشعر بصفة أخص ترجيعا بوجه من الوجوه لأصداء آتية من تحاليل لألمانيين إيمانويل كانط Emmanuel Kant (1724- 1804)(63) وكارل فليب موريتز للأحكام الجمالية (Les jugements esthétiques) ومتحدرة من بعض فتوحات الإيطالي بنيديتو كروتشه Benedetto Croce (1866- 1952) في الاحتجاج لمبدإ اللزوم (Principe d’intransitivité) في الإبداع الفني؟ فمما أخذ عن كانط، مثلا، أن الجميل لا يكمن في العالم الخارجي في حد ذاته وإنما في طريقة تمثيله. فهو القائل بأن «الفن لا يسعى إلى تمثيل شيء جميل، بل إلى التمثيل الجميل للشيء»(64).
أما ما حدث عنه كارل فيليب موريتز في هذا الخصوص فهو لا يتعدى القطع بضرورة تخليص العمل الفني من قيود المعنى والإحالة و«الوظيفة». ولعل ما يغنينا عن مزيد التبسط في هذا الشأن قوله التالي: «بقدر ما يكون جسد ما جميلا، فلا ينبغي أن يعني شيئا، ولا يتحدث عن شيء خارج عنه؛ لا ينبغي أن يتحدث، بفضل سطوحه الخارجية، إلا عن نفسه، وكينونته الداخلية، ينبغي أن يصير دالا بنفسه»(65).
وغير بعيد عن هذا الاتجاه الذي تضحي معه جمالية العمل الفني مرهونة بمنطقه الداخلي لا بمحاكاته للعالم وإحالته على مراجعه ترى كروتشه Croce (1866- 1952) يبدي منتهى ضيقه بأولئك الذين يصرون على جعل «الالتزام» (L’engagement) غاية لا يمكن أن تزايل الفن أو تنقطع عنه بأن أعلن ساخرا: «قد يبدو غريبا أو مثيرا للضحك أن نبحث عن الغاية في الفن»(66). ثم إنه يبقى بوسع قارئ جاكبسون أن يتبين في نظريته الشعرية، فضلا عما ذكرنا، بعض الأصول المفهومية المتحدرة، أساسا، من الرومنطيقية الألمانية. وحسبنا، هنا، الإشارة إلى أن الشاعر الرومنطيقي الألماني نوفاليس Novalis (1772- 1801) قد كان الأسبق إلى تعريف الشعر بكونه «تعبيرا للتعبير» (Expression pour l’expression)(67).
والمتحصل من كل هذا الذي سبق أنه قد أبان لنا برومان جاكبسون تصميما جارفا على قطع الكتابة الشعرية عن العالم الماثل في الخارج، عالم الأشياء والموجودات. وآية ذلك إلحاحه على إقصاء المراجع الخارجية منها إقصاء غدت، بموجبه، أقرب ما تكون إلى اللعبة الشكلية الخالصة التي تحدث في اللغة وباللغة. ولا شك في أن لمثل هذا التصور نقائصه ومآخذه التي سننصرف إلى الإبانة عن بعضها في السياقات اللاحقة التي سنشغل فيها بتدبر تصورات أخرى للعلاقات التي من الممكن أن تنعقد بين الشعر ومراجعه على اختلاف أشكالها وتباين صيغها وتنوع صورها. وحسبنا، هنا، أن نشير إلى أن في التسليم باستقلال اللغة الشعرية عن كل مرجع خارجها حرمانا لها من الانفتاح على العالم لا انفتاح محاكاة ومسايرة بل انفتاح تحويل وامتصاص وإعادة تشكيل. وهو الفعل الذي من شأنه أن يقيها من الوقوع في ألوان شتى من العدمية والعقم والفراغ والمجانية من ناحية ويفوت عليها قدرتها في أن تستبقي لنفسها أوشاج تشدها إلى الموجودات والأشياء من ناحية ثانية.
وهذا، بالضبط، ما استيقظ عليه عبد الله صولة بأن قال: «من نقائص النظريات الشعرية الحديثة أو معظمها على الأقل رفضها المطلق للمادة واحتفاؤها المفرط بالشكل. ذلك أن العلامة اللغوية في أساسها محكوم عليها بأن تظل مشدودة إلى حقيقة غير لغوية تقع خارجها وإليها تشير. تلك الحقيقة هي ما يصطلح عليها بما وراء العلامة (Le méta-signe) وكذلك يكون لكل نص ما وراء نص (Le méta-texte)»(68). صحيح أن للشعر لعبته الخاصة التي يقدر بها على أن ينشئ مراجعه إنشاء ويرحل بالإحالة من مراتب الوضوح إلى مراتب الغموض أيما رحيل. لكن أن يدير ظهره للكون ويتنحى عن وقائعه بالكيفية التي أسس لها جاكبسون فذلك، في ما نقدر، محط الإشكال ومنعقد الأهوال لأن اعتباره على تلك الصفة إن هو إلا اختزال له في شكلانية فارغة جوفاء واعتصار لإمكاناته الواسعة في مظهر فيزيائي خالص(69) ومقامرة بما يمكن إن يفيده من حدث الالتفات إلى المراجع الماثلة، هناك، في الخارج غير اللغوي والعالم غير النصي.
على أن ما يحمل على الحيرة، حقا، هو ما تطالعنا به نماذج كثيرة من شعر الحداثة في منابته الغربية والعربية على حد سواء من نزعات جامحة هوجاء إلى تحويل تلك المقولات النظرية المعلنة التي كان لجاكبسون أن أقام عليها شعريته مستندا في ذلك إلى بعض منجزات الرومنطيقيين إلى إجراءات متحققة وتطبيقات فعلية على نحو ما تشف عن ذلك معظم تجارب قصيدة النثر على سبيل التمثيل. الأمر الذي حكم على الكتابة الشعرية، منذ عقود غير بعيدة، بأن تستحيل سؤالا بلا جواب، مثلما حدث عن ذلك هنري ميشونيك Henri Meschonnic(70).
III- الشعر والحاجة إلى المراجع في ضوء بعض التصورات الحديثة الأخرى
لا شك في أن الاكتفاء بما ذهب إليه رومان جاكبسون ومن جرى مجراه من اللسانيين والشعريين على حد سواء في التأسيس للمسألة التي صممنا على العناية بها والانصراف إلى إضاءة بعض معاقدها مفض، لا محالة، إلى أجوبة ليس بمستطاعها إلا أن تكون أجوبة جزئية ناقصة قصارى ما يمكن أن توقظنا عليه جهة ما من جهات المرجع الأدبي عامة والشعري منه بصفة خاصة، ومنتهى ما يتاح لها أن تسعفنا به قد لا يتعدى، في أفضل الأحوال، بعدا واحدا أحاديا من أبعاده. وما هذا بالمرام الذي نطلب أو الغاية القصوى التي ننشد لأننا متى قنعنا بذلك كان حظ جهدنا من سعة النظر وحسن التدبير ودقة النتائج المتوصل إليها حظا ضئيلا إن لم يكن معدوما وفوتنا على أنفسنا، بالاستتباع، ما ليس منه بد في المساعدة على مكاشفة المرجع ملابسا للخطاب الشعري ومساكنا له متنزلا فيه؛ وهذا ما لا يمكن أن ييسر لنا النفاذ إليه والانفتاح على أخص السمات الذاتية المميزة له والبانية لهويته على أقل تقدير. إننا نحسب أن انفتاح الشعر على مراجعه الخارجية انفتاحا مراوغا غير مباشر حدث لا غنى له عنه يحتمه عليه ما يمكن تسميته بضرورات الكتابة والقراءة والمعنى؛ وهي ضرورات من شأنها أن تقيه، في ما نقدر، من الوقوع في منحدرات الانغلاق والشكلانية والعدمية والعبث.
1- المرجع في الشعر حاجة كتابة
إن في الاقتصار على منحى جاكبسون في تمثل المرجع والتنظير لمسالك حضوره في ما كان من الرسائل اللفظية شعريا أو به نزعة إلى أن يبدو على تلك الصفة تبسيطا مضللا لحقيقته الغامضة المركبة(71)، وتهيبا شديدا من التورط في أسئلة كثيرا ما كان يخشى أن يكون الانفتاح عليها مدعاة إلى الإبانة عن حدود التحليل البنيوي للظاهرة الشعرية، وتناسيا لما لا يمكن إقصاؤه أو المقامرة به مما يشد اللغة الشعرية، مهما طوحت بها رياح الحداثة وفتنتها أهواء التجريب، إلى العالم الخارجي من أواصر معقودة وأوشاج قائمة لا تزول.
ولما كان الأمر على هذه الصورة التي أظهرنا فلا غرابة، إذن، في أن يغدو المرجع لا في الشعر فحسب، بل وفي مختلف ضروب الكلام وصنوف القول سؤالا حقيقيا ممضا لم يعد من مناص للسانيين والشعريين، لاسيما أولئك الذين رغبوا عن مقولات البنيوية وتهيأت لهم، في المقابل، سبل في النظر باتت أكثر انفتاحا على الخارج النصي (L’extratextuel) وأوساعه من ذي قبل، من الوقوف عليه واستكشاف مضايقه والإفاقة على أهواله إن هم أرادوا، فعلا، تقدير الظواهر التي يصرفون عنايتهم إليها حق قدرها وتاقوا إلى إتيانها من أبوابه المناسبة. والثابت أنه ما كان ليتم التعجيل بالاستدراك على ما كان لجاكبسون وما سواه من أعلام البنيوية والمتأثرين بها الإقرار به والاطمئنان إليه في هذا الخصوص لولا تضافر أسباب متداخلة شتى غير مقطوعة عما صارت إليه الاتجاهات اللسانية والمناهج القرائية والنظريات الأدبية من احتفاء متزايد بمقولات لم تحظ بكبير عناية من قبل من مثل المقام (La situation) والسياق (Le contexte) والاستعمال (L’usage) والخطاب (Le discours) والتفاعل (L’interaction) والتلفظ (L’énonciation) وما إليها من المقولات المدفوعة، بطريقة أو بأخرى، إلى الدوران على تلك العلاقات الخفية المستترة والظاهرة الصريحة التي ينسجها، لا محالة، كل قول سواء أكان فنيا أم غير فني مع ما هو ماثل، بالضرورة، خارج بنيته اللغوية الخالصة أو داخلها وفي تضاعيفها أيضا.
وهذا يعني، من بين ما يعنيه، أنه ما من رسالة لفظية، أيا كان جنسها ومهما كانت درجة أدبيتها، إلا وهي قائمة على جدل تفاعلي ولود لا ينقطع بين داخلها وخارجها بنحو من الأنحاء. الشيء الذي حدا ببعض المنشغلين بنظريات التلفظ ومسالك الإفادة منها في دراسة الظاهرة الأدبية كـ»بيار فان دان هيفيل» Pierre Van Den Heuvel إلى الحديث عن مستويين من مستويات التواصل الأدبي (La communication littéraire): أولهما تواصل داخلي (Communication interne) مبني على الراوي (Le narrateur) وثانيهما تواصل خارجي (Communication externe) متأسس على الكاتب (L’auteur)72. والذي نستطيع تحصيله من مثل هذا التصور الذي ذكرنا أن المراجع في الخطاب الأدبي عامة والشعري منه على وجه الخصوص مراجع داخلية لغوية تتخلق في اللغة وباللغة ومراجع خارجية غير لغوية (Extralinguistique) ليس الإمساك بها أو الظفر بمعالمها بالأمر الهين المتاح.
وعلى هذا الأساس لا عجب في أن تلفي صاحب «الاستعارة الحية» يقول بنبرة قاطعة أو تكاد: «إن الإحالة نفسها ظاهرة جدلية بالمعنى الذي يحيل فيه الخطاب على مقام، وعلى تجربة، وعلى الواقع، وعلى العالم، وباختصار على الخارج اللغوي مثلما يحيل، أيضا، على قائله الخاص عبر مقومات تكون، أساسا، من الخطاب لا من اللغة»73.
ومتى رمنا الاستضاءة بهذا الذي حدث عنه بول ريكورPaul Ricœur  في هذا الشأن بان لنا قصور منوال جاكبسون الإنشائي عن استيفاء سمات المرجع في الشعر وإدراك ما ينطوي عليه من مآتي تعقد ومظاهر تلون ووجوه تنام. وهو قصور يعزى، أول ما يعزى، إلى ضيق الأفق البنيوي الذي أطل منه صاحبه على الظاهرة التي عليها مدار الكلام، هنا، ناحيا، بذلك، منحى معظم النظريات الشعرية التي ركبت «أقصر السبل وأيسرها حين اعتبرت الرسالة الشعرية منطوية على نفسها مكتفية بذاتها لا تحيل على شيء آخر غير حقيقتها»74. ثم إن الإلحاح في إظهار الشاعرية بمظهر الصفة الداخلية المحايثة للشعر المستقلة بذاتها عن كل صلة بالعالم الفيزيائي الماثل خارج بنيته اللغوية هو الذي فوت على جاكبسون، في ما نرى، إمكانات نظر واسعة كان من المحتمل أن تقوده إلى التنبه إلى أقصى ما يمكن من خصائص موضوعه النوعية والسمات المشكلة لهويته الجمالية بدل الانحباس في أطر ضيقة ليس بمقدورها في أفضل الحالات إلا أن تسلمه إلى «الأفكار غير المطابقة» (Les idées inadéquates)75 التي غالبا ما يعز عليها تمثل ما يراد تمثله، أو حتى استيعابه الاستيعاب الأوفى. بيد أن هذا الذي ضن به جاكبسون وفوته على نظريته الشعرية من باب الترجيع لبعض مقولات الشكلانية والولع الأهوج بالبنيوية وبما يحكمها من «مبادئ إبستمولوجية» (Principes épistémologiques)76 قد أضحى محط اهتمام متعاظم لا غنى عنه، لا سيما بعد أن تكشفت لعلماء اللغة ومنظري الشعر ومحللي الخطاب، أيا كان جنسه وشكله، حقول نظر صارت أشد انفتاحا على التداولية والتلفظ، وأكثر اغتذاء بمقولات الإنجاز والتفاعل والتخاطب والحوارية (Le dialogisme) والمقام والسياق والعمل اللغوي (L’acte de langage)…
ومع هذه المقولات وتلك الحقول ما عاد من الممكن علميا ولا منهجيا ولا مبدئيا المقامرة بالمرجع أو الرغبة عنه والتهوين من منازله في الرسائل اللفظية عامة والرسائل الشعرية منها على سبيل التخصيص. صحيح أن للرسائل الشعرية، على خلاف سائر الرسائل اللفظية الأخرى، منطقها الفريد في إرغام دوالها على التنكر لما ألفته من مداليل وضعية معجمية مباشرة وحملها، في المقابل، على إنشاء عوالم لغوية ممكنة متخيلة. وصحيح، أيضا، أنه ليس من رهاناتها الضاغطة أن تتحدث عن الأشياء ولا أن تداوم على الالتفات إليها والخضوع للعرضي السطحي فيها77. إلا أنها تبقى، مع كل ذلك، محتاجة إلى ما يسميه إيف جيلي Yves Gilli بـ»الحد الأدنى من الإحالة» (Le minimum de référence)78. وهو الحد الذي من شأنه أن ينتشلها من السقوط في «فراغ الجمال المجرد» (La vide d’une beauté abstraite)79 من جانب ويضمن لها حظا ما من المقروئية (La lisibilité) والإفادة (La pertinence) من جانب آخر.
وإذا ما عدت الإحالة في مطلق الكلام «إشكالية مركبة» (Problématique multiple) ليس من الهين على اللساني، حتى وإن كان متحللا من شرنقة البنيوية وما لف لفها، آخذا بالتداولية مستضيئا بمقولاتها، تذليل قضاياها وفك معاقدها80، فليس من شك في أن مثولها بحدها الأدنى في الكلام الشعري سيزيدها تركيبا على تركيب وتعقيدا على تعقيد لأنه، ببساطة متناهية، لن يكون إلا مثولا مراوغا من درجة ثانية، في ما يذكر بول ريكور على الأقل81. وهو، متى قدر له أن يحصل، فإنه ليس من نزاع في الإقرار بأن حضوره في الخطاب الشعري أو الخطاب التائق إلى أن يستوي على تلك الصفة ما هو بالحضور الموضوعي السافر، وإنما هو حضور طيفي مضلل يظل، في الغالب، مشدودا إلى الهجس والإيماء والمخاتلة من جانب، ومصطبغا بفوائض من الذاتية والفردية والحلم الذي لا يعاد مرتين من جانب آخر.
والذي يستفاد من كل ما تقدم ما يمكن حسبانه خلاصة أولية مبدئية مفادها أن الشعر، وفق هذا المنظور، لا يفترق عن سواه من صنوف القول وضروب الكلام بتملصه المطلق من كل مرجع وقطعه التام مع كل إحالة، بل بتعمده إغماض مراجعه والانفكاك من مقوماتها المحددة ومداومتها على تصيير إحالاته على الوجود المرجعي إحالات متراكبة ذات مراتب مختلفة ودوائر متشعبة82. وهذا معناه أن قدر الشاعر، مهما يكن وعيه بأن لغته الشعرية لا تعدو كونها نظاما منغلقا على نفسه مكتفيا بذاته، في أن يتصل بالعالم ويقيم في النص صلة ما بالخارج النصي83.
وعلى هذا النحو يغدو من المتهافت المفتقر إلى الوجاهة «التمثيلية» الكافية التي بمستطاعها الانطباق على الكتابة الشعرية نظرية كانت أم إجراء منجزا الاعتداد بشعرية جاكبسون وما عداها من الشعريات المحايثية الجارية مجراها84 اعتداد اطمئنان ووثوق بسبب ضيق الأفق الذي كان لها أن باشرت به المرجع وأطلت منه على مراتبه في الشعر ومنازله منه. وهو أفق صنعت ضفافه، بلا ريب، طموحات أصحابه في التسامي بخطابهم الواصف إلى ذرى الخطاب العلمي المستوفي لشروط الصرامة المنهجية ومخاوفهم، في المقابل، من تبعات الانفتاح على الإحالة الشعرية والتيه في مساربها الملتوية ومساراته المتعرجة، إن هم جدوا في تدبر علاقة الكلمات بالعالم85 وصاروا إلى اعتبارها منضوية في مناويلهم الشعرية غير مقصاة منها.
وقد وجدنا رفيق بن حمودة يعزو نزوع «الأنساق اللسانية المغلقة»، بدءا من سوسير، إلى إخراج الإحالة من حيز انشغالها والزهد في الالتفات إليها إلى سببين محوريين: مدار أولهما على اتخاذ تلك الأنساق، وإن بأنحاء متفاوتة، من شكل اللغة (Forme) لا من مادتها (Substance) موضوعا لها لوعي معظم أعلامها باستعصاء «المادة» على الضبط الدقيق وتفلتها من التحديد الصارم بحكم متانة صلتها بمجال الواقع الخارجي من جهة كونه مجالا متغيرا لا ثبات فيه ولا سكون في موجوداته. أما السبب الثاني فمعزو إلى المبالغة في الحيطة من عمل الإحالة (Acte de référence) نفسه لكونه عملا نازعا، بمقتضى الوضع، إلى الوصل بين عالم لغوي محض من ناحية وعالم مرجعي غير لغوي من ناحية أخرى؛ وهما عالمان غالبا ما نظر إليهما البعض باعتبارهما عالمين متنافرين غير متجانسين من حيث الأصل86.
بيد أن كل ما تقدم ذكره لا ينبغي أن يقعد الناظر في الشعر ممن يجد في إتيانه من أبوابه المناسبة والإبصار بأقصى ما يمكن من أسرار تشكله ومناحي تحايله على الكلمات والأشياء في تشييد مملكته عن التهوين من منزلة المرجع منه أو التلهي عن العناية به بمضاعفة الاحتفاء بألاعيب الشكل والمحايثة واللزوم والدائرية والانتظام الداخلي والإحالة الذاتية وأولوية الدال لأن القعود عن ذلك لن يكون في منتهاه إلا سكوتا عما صار، من منظور التداولية وما تفرع عنها لاحقا من اتجاهات في القراءة ومناهج في التأويل، من غير الوجيه السكوت عنه في مباشرة الكلام عامة والكلام الفني منه على وجه الخصوص.
بل إن في النزوع إلى عزل كل نشاط قولي، أيا كانت قيمته الفنية، عن مراجعه غير اللغوية وعما يسميه أنطوان كيليولي Antoine Culioli بـ»القيم الإحالية» (Les valeurs référentielles)87 تنكرا لهوية ذلك النشاط نفسه ومصادرة لأصله من حيث هو عمل قولي (Acte de langage) وعمل خطابي (Acte de discours) ليس بمستطاعه أن يتشكل خلوا من مكوناته التداولية مقطوعا عن محدداته التلفظية88. وقد لا يكون أصدق إنباء عن امتناع عزل اللغة عن كونها المرجعي من انطوائها على وحدات لغوية مخصوصة لا يمكن، بأي حال من الأحوال، تدبرها بمعزل عن سياقاتها الإنجازية أو تحصيل دلالاتها من دون الانفتاح على الخارج اللغوي مادام اكتمال معناه مرتهنا بمقام القول التلفظي غير مفصول عن ملابساته وشروطه.
وقد تهيأ لنا أن الذي يوشك أن يكون في حكم المجمع عليه غير المتنازع حوله بين معظم أعلام التداولية ومحللي الخطاب على الأقل أن تلك الوحدات اللغوية التي تقدم ذكرها ما هي إلا تلك الوحدات المهيأة، بالأصالة، لتأدية الوظيفة المرجعية بمقتضى إحالتها، بالضرورة، على حقيقة غير لغوية (extralinguistique) أو هي، بالأحرى، غير نصية (extratextuelle) لها أن تسمها بسماتها وتملي عليها أن تساكنها وتسكن إليها بمجرد أن تشير إليها وتأخذ في استدعائها إلى بنية اللغة ذاتها. وهذا ما يحكم على كل ملفوظ، بحسب ما يحدث عن ذلك فان دان هيفيل، بأن يظل مشدودا إلى سياق مقامي خاضع لشروط غير لغوية متعددة الوجوه يختلط فيها النفسي بالاجتماعي، والذاتي بالموضوعي، والمتخيل بالواقعي، والضمني بالصريح، واللغوي بغير اللغوي89.
وبما أن الخطاب، أي خطاب، ليس له أن يخلو من تلك الوحدات اللغوية الخاصة المؤهلة أكثر من سواها على دفعه إلى الإحالة التي لا مناص منها على خارجه وتبديد كل توق فيه إلى الانغلاق على نفسه والانقطاع عن عالم الأشياء من قبيل الروابط (Les embrayeurs)90 والمشيرات (Les déictiques)91 فإنه من المشروع المستساغ أن يميل البعض إلى القطع بأن «تفاعل نظام اللغة مع عالم الأشياء أمر تطلبه اللغة ولا تتعسف عليه اتجاهات في البحث أو مدارس فكرية»92. ولما كان منشأ الشعر، في ما يرى بعض علمائه ومنظريه من القدامى والمحدثين على حد السواء، تلك اللغة نفسها وقد طرأت عليها ألاعيب شتى من ضروب التحويل وأشكال العدول ووجوه التطريب ما يمكن أن يصيرها لغة نوعية مخصوصة كثيرا ما تترفع عن التصريح بالمعنى وتتهيب الالتصاق بعالم الأشياء وتفزع من ملاحقة الوقائع الخارجية المباشرة وتخشى من أن تبقى شفافة عن مراجعها مشدودة إليها لا حول لها ولا قوة حيالها93، فمن البديهي أن تبقى للإحالة، أيا كانت طبيعتها، منازل منه لا تشرد عنها ومراتب فيه لا تبارحها.
ولعلنا لا نجافي الصواب إن ذهبنا إلى أن هذه المراتب وتلك المنازل هي، أيضا، مما يطلبه الشعر وإن كان طلبه لها يتم في الغالب من جهات خفية مضللة غير بينة الحدود. والرأي عندنا أنه ما من كلام آخذ في الانكفاء على ذاته والافتتان بأسراره الباطنية إلا وهو آيل، لا محالة، إلى الإقرار بيتمه والمقامرة بمبررات وجوده وإبطال مسوغات الحاجة إليه. لذلك لم يكن بالمستغرب من بلانشو Blanchot أن يرى أنه ليس أيسر في الجواب عن السؤال المحير المزعج: «إلى أين الأدب؟» من التعجيل بالقول «الأدب يتجه نحو ذاته، نحو جوهره: الزوال»94. وإذا ما غضضنا الطرف عما لابس مثل هذا القول من نبرة مغالاة ونفس تهويل صار من الجائز لنا، أيضا، أن نقبل على ما عملت أصوات شعرية ونقدية عديدة على إشاعته من بيانات ونظريات ومواقف اتحدت، مجتمعة، في التأسيس لانغلاق الشعر ولزومه ومجانيته بعيون متيقظة ناقدة ليس لها أن تقنع بزاوية واحدة في إدراك ظاهرة مركبة مترامية الأبعاد وموغلة في التعقد لأنها متى قنعت بذلك ضيقت على نفسها أفق نظر واسعا تتعايش في أكنافه معابر شتى ومداخل لا تحد.
والحق أننا لسنا نروم بنزوعنا إلى رد العمل الإحالي (L’acte de référence) في الشعر إلى ضرورة من ضرورات كتابته التورط في متاهة أخرى الحاصل منها ما يشبه التسليم بأنه من أوكد رهانات الشاعر أن يحدثنا عن العالم الخارجي غير اللغوي أو يبسط لنا حقائق عنه بالطريقة ذاتها التي من الممكن أن يحدثنا بها عنه العلماء أو الفلاسفة لأن منتهى ما يمكن أن يتطلع إليه هو أن يقول لنا، في ما يذكر فيليب Philippe، أشياء عن الإنسان والكون لا يستطيع العالم أو الفيلسوف قولها95. وبهذا يكون قصارى ما قصدنا إليه من كل ذلك الاحتجاج لحاجة الشعر، مهما اشتط بعض صناعه في حمله على اللزوم والرغبة به عن غايات خارجية غير غاياته الذاتية، إلى تلك العلاقات الجدلية النامية المتحولة التي تنعقد بينه وبين المراجع بنحو أو بآخر انعقادا جماليا من شأنه أن يشده، إن وجوبا أو إمكانا، إلى تجربة مع الوجود لغوية متخيلة أو مرجعية متحققة لها أن تكسبه «حرارته» وغناه ونبضه عسى أن يغنيها ويغتني بها في الوقت نفسه.
والذي يستفاد من هذا كله أنه ما من خطاب شعري إلا وهو، في منتهاه، محيل على واقع غير لغوي (extralinguistique) إحالات كثيرا ما تكون إحالات تحويل ومسخ وإيهام. ومن الواضح أن هذا المعطى هو الذي حدا بصاحب «الاستعارة الحية» إلى عد الإحالة «ظاهرة جدلية» (Un phénomène dialectique) بالمعنى الذي يكون فيه أي خطاب مدفوعا على أن يحيل على الخارج (المقام، التجربة، الواقع، العالم، المتكلم، المخاطب…)96. ثم إن الشعر لا يمكنه، مهما ادعى بعض المهتمين به إنشاء وتنظيرا ونقدا أن له صفاء جماليا محضا وجوهرا لغويا منغلقا على نفسه ومكتفيا بذاته، أن يزهد الزهد التام المطلق في الاتساع لما هو دونه هوية لأنه ليس بمقدوره في كل الأحوال أن يدور على غير العالم وما يدرك منه على سبيل الواجب والحقيقة أو على سبيل الإمكان والتخيل.
ويتعاظم اطمئناننا لهذا الذي ملنا إليه متى نحن قدرنا قطع أدام شاف Adam schaff بأن كل كلام إن هو إلا كلام على شيء ما97 التقدير العلمي المناسب الذي يستوجب، من بين ما يستوجبه، مراعاة خصوصية الكلام الذي عليه مدار النظر هنا. وهو التقدير الذي من شأنه، في ما نحسب، أن يساعد على الإبصار بالشعر لا باعتباره كيانا لغويا أجوف معلقا في الفراغ لا غاية له خارجه، بل باعتباره فاعلية فنية قلما تني عن محاورة العالم والتدرب الدائم على إنشاء صلات غنية خصبة معه إنشاء غالبا ما تحكمه لعب المجاز ومكائد التحويل والمسخ والمراوغة، على حد ما يرى جون كلود رينار Jean Claude Renard على الأقل98.
ومع ذلك نكاد نوقن بأنه لا مرية في القول بأن تلك اللعب وأشباهها هي مما يحتاجه الكلام النازع إلى أن يكون شعريا ولا يقدر على الاستغناء عنه، لاسيما أنها لا تعدو كونها الحيل التي تتيح له مشارفة تلك الذرى المشتهاة بعد أن تكفل له تملك ذلك العالم المحال عليه أولا وإخضاعه لمنطقه الجمالي المخصوص ثانيا. إذ ليس ثمة، في ما تحدث عن ذلك مصنفة «ثورة اللغة الشعرية»، ما هو مقصى، قبليا ومبدئيا، عن الحقل الشعري، بل إن كل شيء يمكن أن يتسلل إليه ويندس في تضاعيفه شرط أن يستحيل معه موضوعا للتحويل والتملك (Objet de transformation et d’appropriation) وإعادة التشكيل في ضوء منطق آخر غير منطق انتظامه الموضوعي المدرك99.
وعلى هذا الأساس يبدو لنا أن كل تلك المحاولات الرامية إلى التجنيح بالشعر في ملكوت الجمال الصافي المطلوب لذاته والزوال به عن مراجعه والنأي به عن ضغوط الإحالة وجاذبية الخارج غير اللغوي ستظل محاولات حالمة لا تستطيع استيفاء مختلف وجوه موضوعها مهما جد أصحابها في العمل على إكسابها صياغة نظرية متماسكة وتنزيلها في أطر مفهومية متضافرة أو تميل إلى أن تبدو على تلك الصورة في أسوإ الأحوال. ذلك أن التأسيس للكتابة الشعرية وقد أفرغت من طاقتها الإحالية أو كادت، على نحو ما كان يفعل بعض الرومنطيقيين الألمان والشكلانيين الروس ومن جرى مجراهم من أعلام النقد الغربي الحديث (رومان جاكبسون، رولان بارط…) ومنظري قصيدة النثر كما حدث عنها في منابتها الغربية (سوزان برنارSuzanne Bernard ، ميشال ساندراسMichel Sandras ، إيف فادي Yves Vadé…)، إن هو في منتهاه إلا تأسيس لكتابة «باردة»100 جوفاء مرغمة على الهرب من أثقال العالم ومكرهة، في المقابل، على الانكفاء على نفسها والذوبان في أسرارها المبهمة تعللا باللزوم والصفاء والانتظام الداخلي والغاية الذاتية وما إليها من المفاهيم المنبئة عن استقلال العمل الفني عامة والعمل الشعري منه على وجه التخصيص عن كل غاية خارجية أو واجب إحالي ضاغط.
لذلك لا غرابة في أن يطالعك هنري ميشونيك Henri Meschonnic وقد استبد به ضيق شديد بأكثر المقولات الشعرية التي كان يلهج بها جاكبسون Jakobson ومن كان على رأيه استبدادا دفع به إلى أن يبادر بالقول في نبرة المندهش المتسائل والمعترض المنكر: «ما الحاجة حتى الآن إلى «الجميل»؟ ولمن الكلام عليه؟ وهل يستوفي الحديث عن «الانتظام» كل شيء؟ فكما أن الأثر، شعريا كان أم نثريا، لا يتجلى كله في الكلمات بوصفها أشكالا، فهو لا يتجلى كله أبدا في نحو النص (…)»101.
ومما يمكن أن يستفاد من مثل هذا القول أمران يتحدان في إقامة الحجة على أن الإحالة في النص الأدبي تبقى في معظم الأحوال ضرورة إنشاء ومطلب كتابة ورهان قراءة: أولهما ذو صلة بالقراءة وتوقعات أعوانها الحاصل منه أنه لا حاجة إلى الجميل المتحدث عنه مادام مطلوبا في ذاته ولذاته ولا منفعة ترتجى منه أو فاعلية تعيينية تناط به. أما الأمر الثاني فله اقتران وثيق، في ما نعتقد، بجمالية الكلام الشعري منه والنثري؛ وهي جمالية بدت، مع ميشونيك، أوسع من أن تعتصر في مادية دواله اللغوية وأبعد من أن تختزل في مظهره النحوي وأبعد من أن يستفرغها انتظامه الداخلي وأعقد من أن يبحث عنها في ازورار مطلق عن تلك العلاقات المتحركة التي ينسجها، بوعي أو بغير وعي، مع المراجع، أيا كانت أنواعها وطرائق حضورها.
والذي نروم تبيينه من وراء كل هذا الذي ذكرنا أن الإقرار بخصوصية اللغة الشعرية التي تقتضي، من ضمن ما تقتضيه، تحريك دوالها في مختلف الاتجاهات، وإطلاق الكلمات فيها من معانيها الوضعية الأولى، وتحرير الأسماء من أثقال مسمياتها ليس معناه استحالتها، في كل الأحوال وبصورة آلية، إلى كيان لفظي خالص منغلق على ذاته ومشغول بلعبته اللغوية الداخلية عن خارجه غير اللغوي. إذ من المستبعد، في ما تقول هيلان سمسون Hélène Samson على الأقل، القطع بانقطاع المرجع الشعري عن العالم لأنه ليس في منتهاه إلا صياغة فردية متحولة تعبر عن طريقة ذاتية استعارية متفردة في رؤية العالم والإقامة فيه102. الشيء الذي من شأنه أن يصيره مرجعا طيفيا مصطبغا، عادة، بأهواء الذات الرائية واقعا، أبدا، تحت سطوة خيالاتها والجهات التي تطل منها عليه مادام الأصل في فعل الإحالة أن يكون موكولا إليها ورهين إرادتها ووقفا عليها وفق ما يذهب إلى ذلك بعض علماء التداولية103.
لذلك نقدر أنه لا فكاك للشعر، مهما انحسرت وظيفته الإحالية وتعاظمت وظيفته الشعرية واستبد به هاجس الانغلاق على بهائه الذاتي، من الانفتاح على كيانات غير متجانسة تسكن في ما يسميه دينيس برتران Denis Bertrand بـ»عالم الإدراك» (Le monde de la perception)104 وتمثل هناك خارج بنيانه اللغوي المحض لأنه، ببساطة، لا يمكنه إلا أن يكون محكوما، إن تصريحا في سطوحه الظاهرة أو ضمنيا في أغواره اللائذة بالظل، بما يشده إلى مراجع أخرى غير مراجعه الداخلية منها ما هو موصول بالمتكلم، ومنها ما هو متعلق بسياقات التلفظ ومقامات الإنجاز، ومنها ما هو ناشئ عن ظاهرة تسلل النصوص السابقة أو بعض أطيافها إلى النص اللاحق تسلل تناص.
وإذا ما رمنا الدفع بهذا الرأي إلى أقصاه أمكن لنا أن نزعم مع محمد عجينة بأن النص الشعري يظل، حتى من جهة انتظامه الداخلي، مشدودا إلى مرجع خارجي ما لأن «بناءه الجدولي والسياقي ليس منعزلا عن الخارج، عن اللغة باعتبارها هي الأخرى مرجعا من المراجع تحمل رؤية للعالم وتصنيفا لجميع الموجودات»105. وليس من ريب في أن تمثل القول الشعري من هذه الجهة وعلى النحو الذي ذكرنا مفض، لا محالة، إلى الاستدراك على تلك التصورات التي جد أصحابها في أحايين كثيرة في إنكار حاجته إلى خارجه غير اللغوي والتأسيس، في المقابل، للزومه وصفائه وذاتية غايته وما إليها من التنويعات الاصطلاحية والمفهومية القريبة منها غير المتنطعة عن فلكها تأسيسا غالبا ما أضحى معه تمكن صفة الشعر من ذلك القول حبيس ما يتيحه له صانعه من ألاعيب وحيل يناط بها في المقام الأول، في ما يعتقد جاكبسون مثلا، رهان حملنا على النظر إليه في ذاته لا بوصفه تعويضا لأشياء وأفكار106.
وموجب هذا الاستدراك، في ما نقدر، أنه ما من كلام إلا وهو كلام على أمر ما. وحتى تلك الرسالة اللفظية التي تقصد ذاتها وتعمل على أن تكون دائرة على نفسها، على مذهب صاحب «بحوث في اللسانيات العامة»، ليس بمقدورها إلا أن تقصد شيئا آخر مفارقا لها من جهة انضوائه في الكون المرجعي وانتمائه إلى حيز عناصره المادية الفيزيائية منها والمفهومية المتخيلة107. وعلى هذا الأساس فإن قصارى ما نستطيع الإقرار به في هذا الصدد أن الإنشائية المميزة المخصوصة التي يتفرد بها الخطاب الشعري عن سائر الأقاويل والخطابات الأخرى لا تعزى إلى زواله عن العالم غير اللغوي ومداومته على التحلل من أثقاله وإغواء مراجعه، بقدر ما تعزى، أساسا، إلى التواء مسالكه في الإحالة عليه وغموض طرائقه في الإيحاء ببعض معالمه وتشابك المسارات التي يعول عليها في مسعاه الدؤوب إلى تفتيته وإعادة تشكيله بما يقيم بين الصورة المرجعية التي له في الواقع الخارجي والصورة اللغوية التي يكتسبها في الخطاب معابر شتى يصعب الوقوع عليها للوهلة الأولى ومسافات متباينة كثيرا ما يحول فرط اتساعها دون الاهتداء إلى الوصل بينهما أو تحسس السبل المساعدة على إدراك ترابطاتهما الممكنة.
ولما كان هذا مما يختص به الشعر، بداهة، ولا يقصر عن طلبه بمقتضى الأصل، فإنه ليس بالمستغرب أن يكون انفتاحه على خارجه غير اللغوي على ذلك النحو من المداورة تبعيدا وتحويلا ومسخا وإغرابا من أجل تخطيه واختراقه أملا في الكشف عما يستكن في طبقاته من الخفي المدهش الذي لا يرى واستلال الجوهري الخالد مما هو عرضي عابر منه. وهذا معناه أن الشعر، في ما يقول ميشونيك، «ليس حدا للعالم، بل هو فيه ومن أجله، يسائله بلا انقطاع، وهو مندرج فيه، لكنه لن يكون محددا بأي شيء، حتى وإن كان بنفسه»108.
والحق أننا، هنا، لا نعدو كوننا حيال صلات إشكالية معقدة ومراوغة مادام انعقادها بين عوالم الشعر وعوالم الخارج غير اللغوي محتكما إلى منطق الخطاب أكثر من احتكامه إلى منطق الوقائع الخارجية. ولا عجب في ذلك بما أننا نتحرك في حضرة إبداع لفظي للفني الجمالي فيه، دوما، سلطان قوي على المرجعي وسلطة قاهرة على ما هو غير لغوي. فقدر الشعر، شأنه شأن كل أثر فني، أن يستل «حرارته» البهية الطلية وأنساغ فتنته المدهشة مما يقيض له، عادة، من كفاءة استثنائية في الرحيل في ملكوت ذاته وملكوت العالم في آن واحد. وهو، بذلك، لا يستطيع التنحي الكلي المطلق عن الإحالة على ما يتسلل إليه من أصداء الخارج وأطيافه حتى وإن تركت فيه المبادرة للكلمات، وفق ما كان يدعو إلى ذلك ستيفان ملارمي Stéphane Mallarmé109، وإلا أضحى لعبا لفظيا محضا يحدث في اللغة وباللغة ويموت فيها. بل إننا نعتقد أن هذا المآل الذي ارتضاه له أكثر من صوت من أصوات الحداثة الغربية الشعرية منها والنقدية لا يعدو كونه علامة من العلامات المعمقة لأزمته الراهنة والصائرة به نحو أفوله الفاجع، نحو نهايته المفزعة وخوائه المدمر.
ونحن أميل ما نكون، بمقتضى ذلك، إلى عد كل محاولة للزوال بالشعر عن العالم غير اللغوي، والضرب به بعيدا في دنيا الدوال الفارغة والأشكال الجوفاء، والعمل على حصر شاعريته في كينونته الداخلية وقوانينه الذاتية ومقوماته الجمالية الخالصة رميا به في دائرة الخطر وتعجيلا سافرا بموته بسرقته من العالم أو سرقة العالم منه110. وهذا، بالضبط، ما استشعره تزفيطان طودوروف Tzvetan Todorov أحد أبرز المرتدين عن الشعرية البنيوية وعن أبرز مقولاتها ومفاهيمها. فكان له، بمقتضى ذلك، أن أعرب عن منتهى ضيقه بالتصورات التي نظر فيها أصحابها لانقطاع الأدب عامة عن الفكر، واستقلاله عن العالم، وتملصه من الإحالة الخارجية على أشيائه المرئية الموجودة بالفعل أو المتخيلة غير المرئية الموجودة إمكانا ومجازا لأنها، في تقديره، لا تعدو كونها «اختزالا عبثيا» له وسكوتا مقصودا عما بمقدوره أن يقيمه من صلات حيوية غنية بذاته وبالكون وبالتجارب الإنسانية المعيشة على الأرض. لذلك تجده يقول محدثا عن بعض ما يستطيعه الأدب داعيا إلى إطلاق ضفافه من قيود الانغلاق والمحايثة والصفاء واللزوم والمجانية والانتظام الداخلي والاكتفاء الذاتي: «أليس من مصلحتنا نحن تبني وجهة النظر هذه؟ وتحرير الأدب من المشد الخانق المحتبس فيه، والمصنوع من ألعاب شكلانية، وشكاوى عدمية، وتمركزا أنانيا على الذات؟»111.
إن هذا القول الصادر عمن كان إلى زمن غير بعيد من أشد أصوات النقد الغربي حماسة للبنيوية وانبهارا بمبادئها إن هو إلا تعبير عن استفاقة مدوية على مقدار الضيم الذي لحق بالكتابة الأدبية عموما والشعرية منها على وجه الخصوص حينما أعطيت كل الأولوية للأشكال والأبنية والدوال من دون عظيم اهتمام، في أغلب الأحيان، بإحالاتها على الواقع المرجعي وطرائق تعديها إلى العالم غير النصي. وبهذا نرى أنه ليس من الصواب أو الحكمة الزعم بأن إنشاء الشعر إنما هو عمل نرسيسي لازم مقصود لذاته، ولا الزعم بأن الشاعرية صفة محايثة له كامنة فيه وليس لها ما يدل عليها خارجه أو ما ينبئ عنها في تلك العلاقات الواجبة أو الممكنة التي تنعقد بينه وبين العالم وأعوانه ومقامات إنجازه.
والذي يرجح عندنا من كل هذا الذي ذكرنا أن المرجع، أيا كان نوعه وكيفما كانت مرتبته، يبقى، في ما نحسب، مما تطلبه الكتابة الشعرية لا لتمثيله تمثيلا مباشرا ساذجا أو توهم نقله نقلا تسجيليا سطحيا أو الاكتفاء بالشفافية عنه في جهاته المدركة، بل لتحويله تحويلا فنيا ما، واقتناصه في حالاته المدهشة غير المنظورة، وإخراجه في هيآت وصور قلما تستبقي له مقوماته الذاتية الأصلية وسماته الدلالية الحقيقية. وهذا، بكل تأكيد، مما لا يضير تلك الكتابة في شيء لأن ما يضيرها حقا هو احتمال أن ينزلق بها عمل الإحالة إلى التفويت في منطقها الجمالي المخصوص من جانب والخضوع لمنطق الأشياء في الكون المرجعي غير اللغوي من جانب مقابل. ذلك أن الإحالة الشعرية (La référence poétique)، في ضوء ما يفهم عن صاحب «الاستعارة الحية» على الأقل، لا تعدو كونها إحالة مضاعفة (Référence dédoublée) من درجة ثانية لا تتحقق إلا بانعتاقها مما كان يسميه بالإحالة الحرفية (La référence latérale) حينا والإحالة الابتدائية (La référence primaire) حينا ثانيا والإحالة الواقعية (La référence réelle) حينا ثالثا112.
2- المرجع في الشعر حاجة قراءة
لقد بان لنا في ضوء ما تقدم أنه من علامات التقصير في التصور والقصور عن الفهم والاضطراب في المقاربة اعتبار الإحالة الشعرية على أشياء العالم الموضوعي الحقيقي منه والخيالي الممكن مسألة بسيطة من المتاح الهين النفاذ إليها وتذليل أسئلتها وإضاءة مسارات تحققها. الأمر الذي يحتم علينا المداومة على النظر إليها بوصفها إشكالية معقدة وظاهرة مركبة مأتى التعقد والتركيب فيها من نهوضها على الوصل بين كونين متباينين غير متجانسين بمقتضى الأوضاع: أولهما كون الخطاب الشعري بما هو في منتهاه خطاب لغوي تكتسب العلامة فيه وبه الخصائص الدنيا التي تتيح لها أن تحيل على شيء من أشياء العالم حتى وإن كانت مفتونة بهويتها اللغوية المحض محمولة على إظهار ماديتها الخاصة وجانبها الملموس وقدراتها المذهلة على معانقة أشباهها ومناداة نظائرها وأضدادها أيضا. أما ثانيهما فهو الكون الخارجي غير اللغوي الذي يمتلك فيه كل عنصر من عناصره الخصائص المادية والمعنوية اللازمة التي من شأنها تأهيله ليكون مرجعا لتلك العلامة اللسانية. وترانا في هذا مضيقين للمسافة بين الإحالة في الكلام الشعري خاصة والإحالة في الكلام غير الشعري على وجه العموم عن قصد وتعمد رغم وعينا الدقيق بالفواصل النوعية التي تباعد بينهما لأننا نحسب أن تعقد هذه الظاهرة، وقد استحالت في مرايا بعضهم أقرب ما تكون إلى العمل اللغوي (L’acte de langage) الذي يستهدف به المنشئ أيا كان نوع إنشائه وشكله إقامة علاقة ما بين الكلمات والعالم113، سمة ملازمة لها لا تنفك عنها أبدا، لا بل هي من ثوابت تخلقها في كل قول.
على أنه ما كان لنا لنذكر بمثل هذا الذي ذكرنا به لو لم ندرك حاجة الشعر، مهما ادعى له بعض أعلامه الحداثيين عكس ذلك، إلى أن يومئ إلى مراجع ما داخلية كانت أو خارجية من دون أن يسفر عنها إسفارا تقريريا مباشرا ومن دون أن يوهمنا بإمكانية الشفافية عنها شفافية لا غموض فيها أو احتمال تمثيلها التمثيل الأوفى الذي لا يشوبه نقصان. لذلك لم نر موجبا مقنعا لإفراغ الشعر من كل فعل إحالي أو نفي كل صلة له بالواقع غير اللغوي. الشيء الذي هدانا إلى الاعتقاد بأن قدر لغته في أن «تخبر عن نفسها فيما تخبر عن العالم، وتحيل على ذاتها فيما تحيل على الخارج»114. وبهذا بدا لنا أن خلوص الكتابة الشعرية لنفسها وانغلاقها على ذاتها لا يحولان، في كل الأحوال، دون أن تتسلل إليها أصداء وأطياف وأصوات ومشيرات غير مقطوعة، ضرورة، عن تجربة صانعها الذاتية المتفردة في التفاعل مع العالم الخارجي والإقامة المجازية ذات الصبغة الشعرية فيه. لا بل إننا نحسب أنها أحوج ما تكون إلى أن تتسع لـ»برانية» ما115 حتى لا تكتب خواءها المرعب وتخبر عن صمتها المذهل وترسخ عزلتها وتقيم الدليل الذاتي على يتمها وتفقد، بالاستتباع، مغريات قراءتها ومبررات تلقيها. وهذا يعني، من بين ما يمكن أن يعنيه، أن الانفتاح على المراجع لا يحفظ للشعر، من جهة إنشائه، تدفق مائه وحرارة لهبه وغواية ضوئه فقط، بل يحفظ له، أيضا، نصيبه من المقروئية (La lisibilité) وحظه من الإفادة (La pertinence)116 وقابليته الهائلة للتأويل.
وعلى هذا الأساس بات من مألوف القول في الخطاب النقدي الحديث ومعهود أدبياته تعليق بعض وجوه محنة شعر الحداثة بما صار إليه في ضوء عينات غير قليلة منه من غلو غير مسبوق في المقامرة بمراجعه الخارجية، والتملص من أوزار الإحالة على العالم غير اللغوي وأثقال الإيماءة إلى أشيائه، والانكفاء، في المقابل، على ذاته وقد أضحت تبنيها الكلمات من حيث هي كلمات في المقام الأول والأخير وتفتنها رقصة الدوال العائمة في العراء بلا غاية مرتجاة أو منطق محسوب؛ وهو غلو كان له أن أحدث أزمة تواصل بينه وبين قرائه. ولعله لا تزيد في هذا الأمر ولا مرية، في ما نعتقد، مادام هذا النمط من الشعر محمولا، إن طوعا وإن عسفا، على مجاراة لعبته الداخلية الذاتية أكثر من مجاراة لعبة العالم الخارجي الموضوعية، والالتفات إلى مادية دواله وأشكاله وبنياته قبل الالتفات إلى مداليله ودلالاته ومحتوياته. لذلك غدا من الجائز أن نتساءل مع حسين الواد عن الأثر المتبقي الذي من الممكن أن يوقعه «في القارئ شعر يرفض أن يتحدث عن العالم ليتحدث العالم، ويزور عن كل سياق خارج نفسه لينغلق على ذاته منكفئا على المرجع فيه»117.
والذي يجيز لنا مثل هذا التساؤل ما يبديه القراء العاديون، عادة، من علامات نفور من أمثلة تلك الكتابة الشعرية الممعنة، أبدا، في الهرب من خارجها إلى داخلها، وما يظهرونه في الغالب من أمارات إزراء بها لأنهم، بمنتهى البساطة، ما عادوا يعثرون فيها على ما يكسب معنى لإقامتهم على الأرض ويريهم الكون أجمل مما هو عليه في الواقع ويساعدهم على الرحيل في مدائن الحلم وأصقاع الغبطة وأوطان الدهشة. يقول طودوروف، وهو الذي أمكن له أن يفيق على خلاصة كهذه الخلاصة بعد عقود من الزمن كان فيها من أشد المحتفين بتلك المقولات النقدية الشكلانية منها والبنيوية: «القارئ العادي، الذي يستمر في البحث ضمن الأعمال التي يقرؤها عن ما يمنح معنى لحياته، هو على صواب ضد الأساتذة والنقاد، والكتاب الذين يقولون له إن الأدب لا يتحدث إلا عن نفسه، أو لا يعلم إلا اليأس. إذا لم يكن على صواب، فسيكون محكوما على القراءة بالزوال في أجل قريب»118.
ومن الواضح أن في مثل هذا القول ما يمكن أن يغنينا عن الاسترسال في تعقب المخاطر التي تتربص بالنصوص الأدبية المنغلقة على نفسها غير المنفتحة على العالم ويعفينا، إلى ذلك، من الذهاب بعيدا في الفحص عن «المنازل المهلكة»119 التي دفعت إليها بعض النصوص الشعرية الحديثة الآخذة بمبادئ الانغلاق واللزوم والمجانية والصفاء. ولعله ليس أشد إيذاء لهذا اللون من الكتابة وتدميرا لمبررات حضوره من إسهامه الإرادي الذاتي في أحايين كثيرة لا في تعميق الهوة بينه وبين جمهوره فحسب، بل وفي العصف بأي أمل في تقليصها بحكم مداومته على طمس الدلالة وتعتيم المعنى وقطع كل صلة له بالعالم. ولا يؤدين بنا مثل هذا الذي عرضنا له أعلاه إلى التوهم بأنه لا مقروئية للشعر اليوم إن هو لم يسفر عن مراجعه ولم يشف عن معانيه ولم يكشف عن دلالاته لأن كل ذلك ليس مما يطلب منه أو يناط به ويراد له، وإنما هو مما يؤذيه، أيضا، ويجني عليه وعلى شروط شاعريته.
فقصارى ما وددنا التنبيه إليه في هذا السياق أن النص الأدبي عامة والشعري منه على وجه الخصوص يظل في حاجة لا غنى عنها إلى حد أدنى من الإحالة حتى يكون له، في ما يرى إيف جيللي وغيره ممن صرفوا همهم إلى تدبر المرجع الأدبي والشعري، حظ ما من القراءة ونصيب معتبر من التلقي120. ولا جدال في أن الشعر الحديث هو الأحوج من سواه إلى فسحة إحالية دنيا من شأنها أن تمنعه من السقوط في أشراك اللعب اللغوي المحض وتستبقي له، في المقابل، ما يمكن أن يغري بالانجذاب إليه والتعجيل بقراءته والالتذاذ بطقوسه السحرية المبهجة. لذلك لا غرابة في أن تسلمه تلك الحاجة إلى ما اعتبره محمد الغزي «مثنوية تفضي إلى التوتر بين القول بوصفه إخبارا يحيل على الخارج أو يومئ إليه، وبوصفه إبداعا يحيل على ذاته، ويشير إلى الداخل»121.
وإذا كان إجراء الكتابة الشعرية الحديثة على النحو الذي تغدو معه مسكونة بلزومها أكثر من اللزوم وتاركة أمر تشكلها لرقصة الكلمات من حيث هي كلمات وتدافع الدوال من حيث هي دوال من دون أدنى التفات إلى خارجها غير اللغوي مما ينتقص من مقروئيتها ويضيق من حيز تداولها ويزهد القراء في الإقبال عليها، فليس من شك، أيضا، في أن للأفق القرائي الذي نطل منه عليها فعله في تحديد طرائق انفتاحها على العالم والحيل التي تتسلل بها مراجعه وآثاره إليها تسللا كثيرا ما صار يجنح به في اتجاه المخاتلة والمداورة والإيهام. فمتى كانت الإطلالة عليه من نوافذ بنيوية يسلم أصحابها، بدءا ومنتهى، بكونه نظاما مغلقا (Système clos) وكلا مكتملا (Totalité achevée) ومكانا أعمى (Lieu aveugle) ومجموعا دالا (Ensemble signifiant)122 صارت شاعريته لا تدرك إلا من جهة كونها صفة داخلية تحايثه وتتلبس به، وسمة جوهرية تلازمه وتلابسه. وهي، إن هي التقطت من هذه الزاوية وأخذت على هذه الصورة، تقطعت كل صلة لها بالخارج وصار الإبصار بها وبالأمارات المخبرة عنها لا يتخطى في الغالب البنية النصية وما ينعقد بين وحداتها وعناصرها من ترابطات مختلفة وعلاقات متنوعة.
وليس من شك في أن في الانصراف هذا المنصرف في اعتصار شاعرية الشعر في جانبه الدالي الشكلي وتعليقها كلها بخصائصه البنيوية المحايثة ومسالك انتظامه الداخلي ووجوه تعالق مقوماته الجمالية ما فيه من إهمال لمنزلة الخارج منه، وسهو عن اعتبار بعده الإحالي بعدا آخر مما تتحدد به صفته النوعية وتتقوم في ضوئه هويته الإنشائية، وتضييق متعمد لحدوده، وتعام مقصود عن مظاهر غناه ومسالك تشابكه. وعلى هذا الأساس نقدر أن حمل الشعر على هذه الناحية في التقبل لن يوصل إلا إلى خلاصات جزئية قاصرة عن استيفاء مختلف احتمالاته والإحاطة بجميع وعوده لأن قصارى ما يمكن أن تغنمه منه القراءة الصادرة عن التصورات المحايثية123 والمقاربات الجوهرية124 هو أن تقود إلى استكشاف منظومة الدوال والأشكال والأبنية التي يسرت له، مجتمعة، لحظة العبور من مرتبة اللاشعر إلى مرتبة الشعر.
وقد لا نكون، هنا، في حاجة ماسة إلى إقامة الدليل على تشعب الظاهرة الشعرية عامة والحديثة منها على وجه التحديد بعد أن انعقد عليه إجماع معظم الدارسين. ولما كان أمرها على هذه الحال من التعقد والتشابك والتركيب فمن البديهي ألا تفضي مباشرتها مباشرة قرائية بنيوية أو تنزع إلى أن تكون كذلك إلى الوقوف على أوساعها والإفاقة على «حواريتها» وإضاءة ما يتراءى غامضا متسربلا بغموضه من تلك الترابطات الخفية المستترة بينها وبين عالم الأعيان المرجعي. وبهذا لا مناص من الالتفات إلى النص الشعري الحديث لا باعتباره بنية لغوية مغلقة مجردة فحسب، بل وباعتباره، أيضا، نظاما داليا مفتوحا على خارجه غير منزوع من كونه الإحالي.
وفي ضوء كل هذا الذي ذكرنا يمكننا أن نفهم نزوع دينيس برتران Denis Bertrand السيميائي المخصوص إلى المجاهرة الصريحة بأنه لا سبيل إلى إيفاء الخطاب الأدبي حقه من التدبر والنظر والبحث إلا بالمداومة التي لا تني على الربط بين سيميائيتين: أولاهما «سيميائية نظامية» (Sémiotique systémique) يحتاج إليها في الإبانة عن العلاقات الداخلة في تركيب ذلك الخطاب وعما يحكمه، إن في الظاهر وإن في الباطن، من مبادئ انسجام (Principes de cohérence) وأشكال بنينة (Formes de structuration) تتصل بمختلف مستوياته. أما السيميائية الثانية فهي لا تخرج عند برتران عما عبر عنه بـ»سيميائية القراءة» (Sémiotique de la lecture) وقد ارتضى لها أن تكون نافذة مشرعة على موضوع الخطاب ومقاصد منشئه وتعدد معانيه والشروط السياقية التي تساعد على جعله سيرورة دلالية مقروءة وقابلة للتأويل والتوالد بما فيه الكفاية125.
ولا بد من التنبيه، هنا، إلى أنه ما كان في نيتنا أن نذكر هذا الذي ذكرنا لو لم نلمس فيه وعيا قويا بأنه لا اكتمال للقراءة متى أرغمها صاحبها على عزل مقروئها الأدبي والشعري عن مراجعه والزهد في الالتفات إلى حيله في الانفتاح على خارجه الماثل هناك في العالم غير اللغوي سواء أكان عالم أعيان أم عالم أخيلة ومجازات. وهو وعي ناشئ، في ما نقدر، عن معايشة متأكدة للكتابة الأدبية الحديثة وخبرة حاصلة بتشعب هويتها واتساع أبعادها وتشابك أنظمتها الدالة وتنوع قنوات وصفها وتعدد مسالك تأويلها. لذلك لا عجب في أن تقود هذه الخبرة وتلك المعايشة إلى استضعاف كفاءة تلك المناويل النقدية المغلقة في إنتاج المعرفة الأوفى بالخطاب الأدبي مادامت لا تعده في أحسن الأحوال أكثر من كونه واقعة نصية (Réalité textuelle) مكتفية بذاتها. ومن الثابت أن الإفاقة على هذا المعطى لم تنفرد به السيميائية وحدها، بل إنه قد أضحى، بدءا من سبعينيات القرن العشرين126، من بين الأسئلة المحورية التي ما عاد يغفل عنها أعلام اللسانيات وعلوم اللغة أو يزهد في الالتفات إليها محللو الخطاب وبناة نظريات الأدب ومناهج نقده وطرائق قراءته.
ومن آيات ذلك ما صارت إليه، مثلا، التداولية (La pragmatique) عامة والتداولية الأدبية (La pragmatique littéraire) منها على وجه الخصوص من مداومة لا تني على اعتبار كل كلام مظهرا إنجازيا (Aspect Performatif) وعملا لغويا (Acte de langage) وإجراء اجتماعيا (Pratique sociale) غالبا ما ينفتح على أشكال شتى من التفاعل اللفظي (L’interaction verbale) وتبادل الأقوال (L’échange de paroles) والتنازع بين قوى مختلفة بعضها قولي (Locutoire) وبعضها غير قولي (Illocutoire) وبعضها الآخر ناتج عن القول (Perlocutoire). وحسبنا، هنا، أن نكتفي بالإلماعة الخاطفة الموجزة إلى بعض هذه المقولات ذات الصلة بالحقل التداولي عسى أن نتبين حاجة القراءة المتزايدة إلى فتح النص الشعري على مراجعه غير اللغوية وأبعاده الإحالية متى رامت، فعلا، أن تكون قراءة جامعة أو بها ميل إلى أن تستوي على تلك الصورة على الأقل. يقول جوزاف بونونفان معربا عن نزوعه في قراءة الشعر منزعا تداوليا: «إن الدرس الأول الذي نتلقاه من نص ما، إن نحن تكلمنا تداوليا، هو ضرورة بناء سياق يكفي لإدراكه وفهمه انطلاقا من نظام مغلق للقصيدة (أشكال، معان، بنيات تركيبية ووزنية ونظمية وبلاغية)»127.
ومهما يكن من حال، فإنه لا نزاع في الإقرار بأن للشعر ألاعيبه الذاتية الخاصة في تصريف الكلام ونظمه الغامضة المعقدة في تشييد أوطانه اللغوية البهية. بيد أن المتنازع عليه فيه هو، في ما نتصور، مدى انغلاقه على نفسه من عدمه لأنه لا ضير في الاقتراب منه من جهات الإحالة المرجعية شرط الوعي الدقيق بتفرده بمسارات مضللة وملتوية قليلا ما يند عنها في الوقت الذي يكون فيه مقبلا على بناء عوالم نصية فيها ما فيها من أصداء الواقع الخارجي وأصواته وأطيافه أو مدفوعا إلى خلق مراجع نامية رجراجة توهمك بأنها ماثلة أمامك وقابعة حذوك وليست بعيدة عنك مرة، وتضيق عنك وتشرد عن بصرك وبصيرتك مرات.
وعلى هذا الأساس يضحي من نواقص قراءته التسليم بكونه في جوهره شكلا لا مادة، والاقتصار على عد شاعريته صفة باطنية تحايثه ولا ترى لها آثار خارج منطقه الداخلي المكتفي بنفسه والمنكفئ على ذاته. وهذا ما تدافعت إلى التأسيس له اتجاهات في النقد جديدة كان كل همها الاستدراك على المنوال البنيوي والتنكب عن أبرز مقولاته توسيعا لمكامن الأدبية ومآتي الشاعرية من ناحية وتنويعا لآفاق القراءة ومسالك التأويل من ناحية ثانية. فكان من نتائج ذلك إعادة الاعتبار، وإن بدرجات متفاوتة غير متماثلة في أكثر الأحوال، إلى المرجع في الشعر وحسبانه مكونا لا غنى عنه سواء في إنشاء شاعريته أو في تحديدها والفحص عنها.
3-المرجع في الشعر حاجة معنى
مثلما قاد إقصاء المرجع من الشعر في البنيوية وفي ما عداها من «الأنساق المغلقة» إلى تضييق شاعريته وتقليص مساحات تحققها وتقييد محافل تلقيها ومسارات قراءتها فإنه قد قاد، كذلك وإن على سبيل الاستتباع، إلى الزهد في العناية بمعناه والتهوين مما يحتمل أن يوكل إليه من أدوار في خلق جماليته قد تتسع أو تنحسر. وهذا أمر منطقي متوقع وغير مفاجئ، في ما نرى، لأنه لا يمكن أن يترتب على القطع باعتبار اللغة الشعرية لغة لازمة مفتونة بمظهرها المادي القابل للإدراك ومحمولة على تشييد غايتها في ذاتها وشد إحالتها إلى داخلها، على نحو ما كان يجاهر بذلك جاكبسون، مثلا، بصورة صريحة مباشرة، أكثر من التضحية بحظ المعاني منها وبخس قيمتها في إغناء وظيفتها الشعرية وتعميق إنتاجيتها من باب اليقين أو توهم اليقين بأن كل عمل الشاعر هو عمل على الدوال والأشكال والأبنية أولا وأساسا. أما المعنى والدلالة والوقائع المرجعية غير النصية (Extratextuelle) فلا أهمية لها فيه ولا فضل لها عليه128.
إن القطع بما قال به رومان جاكبسون ومن كان نازعا نزعته في التنظير للشعر وللمقومات البانية لهويته الجمالية إن هو إلا قطع بأولوية الدال (Le primat du signifiant) قياسا إلى المدلول، وإعلاء من شأن الشكل على حساب «المادة» والمضمون. بل لعله كان مدعاة إلى خلق لفظي فسيح قاعدته المكينة ملاعبة اللغة واللعب بها إلى حد الدفع بها إلى مشارفة فيافي الصمت وأهوال اللامعنى (Le non-sens) في أحايين عديدة غير قليلة مادامت كل شاعريتها مرتهنة بكفاءتها في صرف الأنظار عن محمولاتها الدلالية وفوائدها المعنوية إلى تعالقاتها الشكلية ومناوراتها الدالية وتحققاتها البنيوية في المقام الأول129. على أنه ما كان في نيتنا استئناف الكلام على مثل هذا الذي سبق أن حدثنا عنه في سياقات سالفة لو لم نجد فيه ما يكفينا مشقة الاحتجاج لما استفقنا عليه من ارتباط وثيق يبلغ درجة التلازم بين إقصاء المرجع من الشعر ومن الاعتبارات الضابطة لشاعريته والمحددة لوظيفته الشعرية من جانب وتناسي المعنى والتقتير في الالتفات إليه والرغبة عن عده الوجهة القصوى التي يستهدفها التحليل ويجد في طلبها من جانب آخر. والذي تهيأ لنا في هذا الخصوص أن التلازم، هنا، يوشك أن يكون تلازما سببيا عليا إن نحن فهمناه الفهم الذي يغدو، بمقتضاه، الزوال عن الخارج غير اللغوي في صلته بالشعر إنشاء ونقدا السبب المحوري المفضي، ضرورة، إلى المقامرة بالمعنى أو تهميش حضوره والضن به. وعلى هذا الأساس ليس بالمستغرب في أن يطالعك أرشيبالد مكليش Archibald Mcleish محدثا:
لا ينبغي على القصيدة أن تدل
بل عليها أن توجد130.
وإذا ما رمنا الاسترسال في التماس الذرائع لأولئك الذين أوصلهم شغفهم بشد وثاق الشعر إلى مبدإ المحايثة (Le principe d’immanence) وما يعود إليه أو يقترب منه (اللزوم (L’intransitivité)، الانغلاق، الانتظام الداخلي (L’autorégularité)، الإحالة الذاتية (L’autoréférence)، الدائرية (La circularité)، الغاية الذاتية (L’autotélicité)، الاكتفاء الذاتي (L’autosuffisance)…) أمكن لنا أن نردها، اختزالا، إلى ذريعتين: أولاهما هي تلك التي أشرنا إليها عرضا في ما تقدم أعلاه ومرجعها إلى تصور مخصوص للكتابة الشعرية لا يبصر لها أصحابه شعراء كانوا أم نقادا شاعرية خارج لعبة الأشكال والأبنية والدوال من باب اليقين بأنها صنيعة الكلمات وحدها. أما الذريعة الثانية فالمتحصل منها إقرار شبه راسخ بأن العبرة في الوصف والقراءة بالعدول عن الانشغال بضبط المعنى والإمساك به إلى الاكتفاء باستكشاف كيفيات تحققه والإبانة عن طرائق حدوثه من باب الاعتقاد بأنه لا يعدو كونه «أمرا مسلما به»131 لا يجدر بالقارئ المتطلع إلى إصباغ صرامة علمية على تحليله النصي أن يوليه كل عنايته أو شيئا منها على الأقل مادام، في ما كان يقول ميكال ديفران Mikel Dufrenne، محايثا للكلام وللبنية الشكلية (La structure formelle) للأثر132.
والحق أن المقام، هنا، ليس مقام مساءلة لمدى وجاهة تينك الذريعتين أو ما عداهما من الذرائع الكثيرة الأخرى التي لطالما احتمى بها العاملون على إغلاق النص الشعري واستضعاف صلته بالمراجع الخارجية غير اللغوية من الشعراء والنقاد على حد سواء، وإنما هو مقام الإبانة عن أثر كل ذلك في مآلات المعنى ومراتب الدلالة. أما إذا ما توجهنا وجهة بعض أعلام التراث النحوي العربي ممن كادت بعض سياقات مصنفاتهم النحوية، في ضوء ما يذكر محمد الشاوش، أن «تنقلب تصريحا بالترادف بين المعنى والشيء الموجود في الخارج»133، فإننا قد لا نجد وقتها عظيم عناء في المجاهرة بأن التنظير للزوم الشعر وانغلاقه على نفسه وتملصه من أثقال المراجع الخارجية القابعة، هناك، في عالم الأعيان إن هو إلا حكم عليه بأن يكون «ظاهرة لغوية في المقام الأول»134 قد لا تقول أكثر من صمتها وعقمها وخوائها، وقد لا تشف إلا عن الإبهام والعبث واللامعنى. وبهذا يغدو إنتاج المعنى مرتهنا بانفتاح الخطاب الشعري، حتى وإن كان سليل أعتى حركات الحداثة ووليد أبعدها شأوا في التجريب، على خارجه انفتاحا لا يشرد، عادة، عن مدارج الإيهام والتحريف والتضليل والخداع.
وقد بدا لنا أنه من المفيد في هذا الخصوص أن نسترشد ببعض ما عرض له فرنسوا ريكناتي François Recanati في مقدمة مؤلفه «الملافيظ الإنجازية» من تدقيقات مأثورة عن شارل موريس Charles Morris كان قد مال فيها إلى تحديد الموضوع الذي عليه مدار علوم لغوية ثلاثة على النحو الآتي:
علم التركيب (La syntaxe) وموضوعه العلاقات المنعقدة بين العلامات اللغوية.
علم الدلالة (La sémantique) وموضوعه العلاقات بين العلامات اللغوية من جانب وما تمثله وتشير إليه من جانب آخر.
التداولية (La pragmatique) وموضوعها العلاقات بين العلامات اللغوية ومستخدميها135.
ومن الواضح أن ريكناتي ما كان له ليعرض لمثل تلك التحديدات العامة لو لم يجد فيها معابر قادته إلى الوقوف على تمييز المعنى الدلالي (Le sens sémantique) من المعنى التداولي (Le sens pragmatique)؛ وهو تمييز غدا، بموجبه، المعنى الأول موصولا بحال الأشياء التي تصورها اللغة وتحيل عليها في حين بات المعنى الثاني ألصق ما يكون بحزمة الأفكار والأحاسيس التي يعبر عنها المتكلم أو يروم زرعها في ذات السامع واستثارتها في ضمير المخاطب136. لكن الذي استرعى انتباهنا، هنا، حقا أن ريكناتي سرعان ما نبه إلى أن مثل ذلك التمييز المأثور عن موريس Morris بين ما هو دلالي وما هو تداولي قد صار في منظور عدد غير قليل من فلاسفة اللغة واللسانيين تمييزا تقليديا لا يسلم من الطعون ولا يخلو من المآخذ.
وعلى هذا الأساس لم يعد من الممكن، معه ومعهم، علميا ولا مبدئيا القول بالتعارض بين علاقة الجمل الدلالية مع أوضاع الأشياء في الخارج من ناحية وعلاقتها التداولية مع الذين يتلفظون بها ويتأولونها من ناحية ثانية لسبب بسيط مفاده أنه ليس بوسع الجمل، شأنها في ذلك شأن المطرقة التي لا تستطيع أن تغرز المسامير لوحدها، أن تشير أو تصف أو تحيل أو تعين ما لم يستخدمها المتكلمون ويوجهونها وجهات شتى هي التي يحملونها عليها ويريدونها لها. ومن الراجح، عندنا، أن هذا المعطى ما كان ليغيب عن ليوطار Lyotard، وهو الذي أدرك أن الإحالة في الكلام، أي كلام، لا يمكنها أن تتخفف مما يرشح عن المتكلم من ذاتية (Subjectivité) وقصدية (Intentionnalité) تخففا تاما مادام هو الذي يبنيها في نهاية المطاف. إذ يقول في هذا الخصوص: «لا يجد نظام الخطاب كل منطقه خلفه وفي بنيته، بل [يجد] قسما منه في قصدية المتكلم التي ليست أكثر من الوجه الذاتي للتعيين»137.
ولا مراء في أن استدراك ريكناتي على موريس في المسألة المشار إليها أعلاه هو الذي كشف له بأن المعنى الدلالي للقول لا يعدو كونه بعدا من أبعاد معناه التداولي ولا يمكنه، بأي حال، أن يتحقق في انفصال عنه وتعارض معه. لذلك تراه يحدث قائلا: «ليست العلاقة الدلالية (La relation Sémantique) التي يمكن أن تنشأ بين جملة وحال الأشياء سوى وجه من المقام التداولي المركب الذي تتمثل عناصره، من بين أخرى، في من يتكلم، وفي الجملة التي يتلفظ بها، وفي حال الأشياء التي يتكلم عليها، وفي من يتكلم له، وفي السياق الذي يتكلم فيه»138.
ولا تذهبن بنا العجلة إلى عد هذا الذي عرضنا له في ما تقدم أدخل ما يكون في أبواب «السيولة اللفظية» السائبة أو الترف اللغوي الخالص. ذلك أن ما دعانا إليه إنما هو السعي إلى إقامة الحجة على فكرة مهمة المتحصل منها أن تشكل المعنى الشعري يظل مرتهنا في كثير من وجوهه بتلك الشبكة العلائقية التي يتاح للنص الشعري أمر نسجها مع الخارج غير اللغوي في مختلف أوساعه ومكوناته. وسواء أنظر إلى المعنى الدلالي مفصولا عن المعنى التداولي أم موصولا به مندمجا فيه، فالثابت أنه لا اكتمال له في الحالين ولا تحقق من دون انفتاح الكلم على ما يرتضيه الشعراء لأشياء العالم الواقعية منها والمتخيلة من تصاوير مخصوصة وهيآت مدهشة قد لا تخطر على بال بمقتضى ما يبيحونه، عادة، لأنفسهم من مهارات هائلة في ترويض اللغة على التنكر لذاكرتها وتدريبها على أن تظل، دوما، نابضة بالتدلال (La signifiance) مزدحمة بالإيحاء (La connotation) ومتسربلة بظلال الغموض.
ولعل في هذا الذي أشرنا إليه أعلاه ما يكفينا شاهدا على قصور «الأنساق المغلقة» عامة والنسق البنيوي منها على وجه التحديد عن تدبر المعنى الشعري التدبر الأمثل. ومرد هذا القصور إلى أسباب كثيرة ليس أقلها من الجنوح إلى إخراج مراجع اللغة من دوائر اهتمامها وجهات نظرها والمداومة، في المقابل، على التمسك بأولوية الدال والشكل والبنية139.

* الهوامش

(Endnotes)
1 – Martin Heidegger : Approche de Hölderlin, traduit de l’Allemand par Henry Corbin, Michel Deguy, François Fédier et Jean Launay, éd. Gallimard, Paris, 1973, p. 46.
2 -Cité par Vassilis  : Le poétique : Questions d’esthétique, éd. L’Harmattan, Paris, 2001, p. 67.
3 -Émile Benveniste : Problèmes de linguistique générale, tome. 1, éd. Cérès, Tunis, 1995, p. 30.
4 – محمد الشاوش: أصول تحليل الخطاب في النظرية النحوية العربية: تأسيس «نحو النص»، الجزء. 1، منشورات كلية الآداب- منوبة/ المؤسسة العربية للتوزيع- تونس، ط. 1، 2001، ص. 962. والحق أن هذه القضية المتصلة بطبيعة العلاقة القائمة بين اللغة والعالم قضية خلافية أدرجها أدام شاف Adam Schaff ضمن نظرية المعرفة. فهو القائل: «لا يزال الخلاف في نظرية المعرفة قائما حتى الآن حول معرفة أي عنصر من حيث الأصل توجد له الأولوية والأسبقية هل هو للغة التي تحدث لنا صورة عن الواقع وتخلقها أم للواقع الذي ينعكس في اللغة كانطباع شيء ما على صفحة المرآة أو كارتسامه على الخارطة. انظر هذا في مقاله: اللغة والواقع، وقد نشر ضمن: المرجع والدلالة في الفكر اللساني الحديث (كتاب جماعي)، ترجمة وتعليق: عبد القادر قنيني، دار أفريقيا الشرق، الدار البيضاء/ بيروت، ط. 2، 2000، ص. 43.
5 – جرى بنفنيست إلى عقد مقارنة بين الإنسان والحيوان لعل أهم ما يستفاد منها تمييز الأول عن الثاني باللغة بما هي ملكة فطرية تولد معه وتيسر له إظهار انفعالاته وتسميته مثلما تتيح له خلق رموزه وفهمها. راجع هذا في:
Émile Benveniste : Problèmes de linguistique générale, tome. 1, p. 32.
ومما قطع به هيدجير، أيضا، أن اللغة هي ميزة الإنسان وخاصيته. انظر في هذا الخصوص:
Martin Heidegger : Approche de Hölderlin, p. 47.
6 – نعني بالكون غير اللغوي الكون المرجعي (L’univers référentiel) الذي يضم الكيانات المادية (Les entités matérielles) من قبيل الذوات والأحداث والأشياء والموجودات إلى جانب الكيانات الخيالية (Les entités imaginaires). وهو كون يمثل خارج حيز اللغة لا داخله. راجع عن هذه المسألة:
Franck Neveu : Dictionnaire des sciences du langage, éd. Armand Colin, Paris, 2004, p. 130.
7 – يذهب محمد الخبو شأوا بعيدا في الاعتداد بالمرجع، وقد وصل بالنص الأدبي، إلى حد اعتباره أساسا من الأسس التي لا غنى للنظرية الأدبية عنها. فهو القائل بنبرة جازمة قاطعة: «إن النظر في معاني النص الأدبي، وربطه بمراجعه بشتى أنواعها مطلبان أساسيان من مطالب النظرية الأدبية». راجع هذا القول ضمن كتابه: مداخل إلى الخطاب الإحالي في الرواية، مكتبة علاء الدين، صفاقس، ط. 1، 2006، ص. 23.
8 – ذلك ما أدركه محمد عجينة، مثلا، فقدر أنه لا مهرب لكل باحث من توضيحه ما دام «مدلوله «ليس واضحا وضوح البديهيات». انظر هذا في مقاله: الشعر والمرجع: ملاحظات حول المرجع في الشعر ومدى مساهمته في تحديد الخطاب الشعري، وقد نشر ضمن: أشغال ندوة اللسانيات في خدمة اللغة العربية، مركز الدراسات والأبحاث الاقتصادية والاجتماعية، تونس، ط. 1، 1983، ص. 395.
9 – يكاد يكون في حكم المجمع عليه بين الدارسين الاعتراف بفضل جاكبسون في المبادرة ببناء الشعرية الغربية الحديثة. يقول عبد القادر الغزالي في هذا الخصوص: لقد خطت الشعرية الحديثة خطوات بارزة تمكنت بواسطتها من بلورة تراكمات نقدية مثلت تاريخا يمكن أن يبدأ مع المعلم الثاني للشعرية في العصر الحديث، رومان جاكبسون». راجع كتابه: اللسانيات ونظرية التواصل، دار الحوار، اللاذقية- سورية، ط. 1، 2003، ص. 8.
10 – تعرف التداولية، في ما يذكر موشلار وروبول على الأقل، بوصفها دراسة للغة منزلة في الاستعمال والإنجاز على خلاف دراسة النظام اللغوي الذي تختص به اللسانيات في المقام الأول. وما الحديث عن استعمال اللغة، عندهما، إلا إقرار بأن استعمالها يبطل أن يكون استعمالا محايدا مادامت له آثاره في عملية التخاطب وفي النظام اللغوي نفسه. راجع هذا التعريف للتداولية في:
Jacques Mœschler/ Anne Reboul : Dictionnaire encyclopédique de pragmatique, éd. Seuil, Paris, 1994, p. 17.
11 – أطلق رفيق بن حمودة عبارة «الأنساق المغلقة» على النظريات اللسانية التي بنيت على اعتبار اللغة نظاما مغلقا على نفسه مفصولا عن العالم المرجعي الخارجي من مثل لسانيات دي سوسير العامة. انظر هذا ضمن أطروحته: الوصفية: مفهومها ونظامها في النظريات اللسانية، نشر: دار محمد علي- صفاقس/ كلية الآداب-سوسة، ط. 1، 2004، ص. 120.
12 – محمد الشاوش: أصول تحليل الخطاب في النظرية النحوية العربية: تأسيس «نحو النص»، الجزء. 2، ص. 954.
13 – يطلق مصطلح «فكرة المطابقة»، بحسب ما يذكر جميل صليبا، على «الفكرة التي تمثل موضوعها وتستوعبه استيعابا تاما، وهي مقابلة للفكرة غير المطابقة (Idée inadéquate) التي يشوبها الغموض أو يعوزها التحديد». راجع هذا ضمن: المعجم الفلسفي، الجزء. 2، دار الكتاب اللبناني، بيروت، 1982، ص. 158,
14 – انظر مثلا:
– Émile Benveniste : Problèmes de linguistique générale, tome. 1, p. 53.
– Jean Dubois et autres : Dictionnaire de linguistique et des sciences du langage, éd. Larousse, Paris, 1994. p. 405.
– Oswald Ducrot/ Tzvetan Todorov : Dictionnaire encyclopédique des sciences du langage, éd. Seuil, Paris, p. 317.
– Michèle Aquien : Dictionnaire de poétique, Librairie générale française, Paris, 1993, p. 229.
15 -Oswald Ducrot/ Tzvetan Todorov : Dictionnaire encyclopédique des sciences du langage, p. 317.
16 – ذلك ما خلص إليه فرانك نوفو، أيضا، بأن أعلن في نبرة يقين وقطع: «الإحالة، إذن، عمل قصدي (Un acte intentionnel) يهدف إلى إنشاء هذه العلاقة بين الكلمات والعالم». راجع هذا في:
Frank Neveu : Dictionnaire des sciences du langage, p. 251.
وقريب من هذا قول رفيق بن حمودة: «يقصد بالإحالة في أوسع معانيها الوظيفة التي تقتضي وصل علامة لغوية ما بكيان من كيانات العالم الخارجي (…)». راجع أطروحته: الوصفية: مفهومها ونظامها في النظريات اللسانية، ص. 120.
17 – فردينان دي سوسير: دروس في الألسنية العامة، تعريب صالح القرمادي/ محمد الشاوش/ محمد عجينة، الدار العربية للكتاب، طرابلس/ تونس، 1985، ص. 110.
18 – يقول دي سوسير في ذلك الخصوص: «نقترح الاحتفاظ بكلمة دليل للدلالة على المجموع وتعويض المتصور الذهني بـsignifié أي مدلول والصورة الأكوستيكية بـsignifiant أي دال وللمصطلحين الأخيرين فضل إبراز التقابل الذي يفصل بينهما أو بينهما وبين المجموع الذي ينتميان إليه». المرجع نفسه، ص. 111.
19 – المرجع نفسه، الصفحة نفسها.
20 -Oswald Ducrot/ Tzvetan Todorov :Dictionnaire encyclopédique des sciences du langage, p. 132.
21 – راجع نقدا لتعريف دي سوسير للدليل اللغوي تعريفا ثنائيا لا مكان فيه للمرجع ضمن:
François Rastier : La structure en question, sur : http://www.revue-texto.net/reperes/themes/Rastier_structure.pdf.
22 – فردينان دي سوسير: دروس في الألسنية العامة، ص. 110.
23 – نفسه، ص. 113.
24 – ما إن استهل جون كلود ملنار مؤلفه «مقدمة لعلم اللغة» بأن للسانيات، بدءا من لحظتها السوسيرية، رغبة عارمة في أن تكون علما حتى صرف باله إلى ضبط الشروط المحورية الدنيا التي لا غنى عنها لكل ظاهرة طامحة إلى اكتساب صفة العلمية منتهيا إلى أنه ما من علم إلا وهو متكون من قضايا لا بد للعدد الأكبر منها من أن ينطوي على خصائص دنيا ثلاث لا مناص منها: أولها أن تكون تلك القضايا مريضة (mathématisées) وثانيها أن تظل محتفظة بعلاقتها مع التجريب (L’empirique)، وثالثها أن تكون مهيأة للتخطئة (falsifiables). انظر هذا في:
Jean- Claude Milner : Introduction à une science du langage, éd. Seuil, Paris, 1989, p. 24.
وقد عزا بنفنيست تعلق لسانيات سوسير ومن سار مساره بدراسة الخصائص المحايثة للغة في ذاتها ولذاتها إلى رغبتها في أن تظهر بمظهر العلم الشكلي الصارم والنظامي، وهو ما ضيع عنها الانفتاح على عالم المراجع الخارجي. راجع بهذا الخصوص:
Émile Benveniste : Problèmes de linguistique générale, tome. 1, p. 25.
25 – فردينان دي سوسير: دروس في الألسنية العامة، ص. 185.
26 – محمد الشاوش: أصول تحليل الخطاب في النظرية النحوية العربية: تأسيس «نحو النص»، الجزء. 2، ص. 955.
27 -Adam Schaff : Langage et connaissance, éd. Anthropos, Paris, 1969, p. 197.
28 – فردينان دي سوسير: دروس في اللسانيات العامة، ص. 175.
29 -Émile Benveniste : Problèmes de linguistique générale, tome. 1, p. 53.
وممن ضاق بالتعريف الثنائي للعلامة اللغوية واستدرك عليه جون فيزات الذي انصرف إلى إعادة الاعتبار إلى المرجع منتهيا إلى الإقرار بأن اللغة لا تكون بمعزل عنه وبأنه لا مناص لها من محاولة إدماجه في جهازها. انظر هذا في:
Jean Fisette : Pour une pragmatique du signe linguistique, sur : http://www.chass.utoronto.ca/french/as-sa/ASSA-No2/JF1.html.
30 – راجع عرضا لبعض تلك المحاولات في إعادة الاعتبار إلى المرجع لا في تكوين العلامة اللغوية فحسب، بل وفي تكوين النظرية اللسانية عامة ضمن: محمد الشاوش: أصول تحليل الخطاب في النظرية النحوية العربية: تأسيس «نحو النص»، الجزء. 2، ص- ص: 954- 964.
31 -Cité par Jean Dubois et autres : Dictionnaire de linguistique et des sciences du langage, p. 404.
32 – رفيق بن حمودة: الوصفية: مفهومها ونظامها في النظريات اللسانية، ص. 123.
33 -John Searle : Les actes de langage : Essai de philosophie du langage, traduit par Hélène Pauchard, éd. Hermann, Paris, 1972, p. 121.
34 -Georges Kleiber : Problèmes de référence : Descriptions définies et noms propres, éd. Klincksieck, Paris, 1981.
35 -Voir Jean- Claude Milner : Introduction à une science du langage, p. 336.
36 – أوردت المؤلفة المذكورة تلك العبارة في معرض كلامها على المقاربة التلفظية ودورها في إخراج اللسانيات من «معزلها المحايثي» والدفع بها نحو الانفتاح على ملابسات التلفظ. انظر هذا ضمن:
Catherine Kerbrat- Orecchioni : Les interactions verbales, tome. 1 : Approche interactionnelle et structure des conversations, éd. Armand Colin, Paris, 1998, p. 10.
37 – راجع إضاءات لمثل تلك الضروب من الإحالة ضمن: محمد الخبو: مداخل إلى الخطاب الإحالي في الرواية: 73- 77.
38 – انظر تلك الترسيمة وما أقامها عليه جاكبسون من عناصر (المرسل/ الرسالة/ المرسل إليه/السياق/ الاتصال/ السنن) ووظائف للغة (الوظيفة الانفعالية/ الوظيفة الشعرية/ الوظيفة الإفهامية/ الوظيفة الإحالية/ الوظيفة التنبيهية/ الوظيقة الميتالغوية) ضمن:
Roman Jakobson : Essais de linguistique générale, éd. Minuit, Paris, 1963, p- p : 213- 220.
39 – نشير، هنا، إلى أن جاكبسون لم يقصر الوظيفة الشعرية على الشعر، وإن عدها الوظيفة المهيمنة فيه على سائر الوظائف اللغوية.
Ibid, p. 218.
40 – راجع في ما يتعلق بأهم المبادئ الجمالية التي نادى بها أبرز أعلام الرومنطيقية الألمانية في معارض تنظيرهم للفن عامة والشعر على وجه الخصوص:
Tzvetan Todorov : Théories du symbole, éd. Seuil, Paris, 1977, p- p : 179- 260.
41 -Roman Jakobson: Huit questions de poétique, éd. Seuil, Paris, 1977, p. 46.
42 – يقر جاكبسون بأن من الأمارات الواشية بتمكن الوظيفة الشعرية من الكلام الإقدام على إظهار «الناحية الملموسة للأدلة» (Le coté palpable des signes). انظر هذا تحديدا ضمن:
Roman Jakobson : Essais de linguistique générale, p. 218.
43 -Voir sur ce point Daniel Delas : Roman Jakobson, éd. Bertrand-Lacoste, Paris, 1993, p. 24.
44 -Voir Daniel Bougnoux : Vices et vertus des cercles : L’autoréférence en poétique
et pragmatique, p. 38.
45 – Roman Jakobson : Huit questions de poétique, p. 16.
46 -Ibid, p. 20.
47 – يقول أرشيبالد مكليش: لا ينبغي على القصيدة أن تدل
بل عليها أن توجد.
Cité par Daniel Bougnoux : Vices et vertus des cercles: L’autoréférence en poétique et pragmatique, p. 37.
48 – ذلك، أيضا، ما بينه عبد الله صولة بأن خلص إلى أن الجمالية التي كان يؤسس لها رومان جاكبسون إن هي إلا جمالية مطلوبة في ذاتها ولذاتها قد لا يكون لها من غاية أكثر من تأمين الهوية الشعرية للشعر. انظر هذا ضمن مقاله: جمالية النص الأدبي ووجوه توظيفها، مجلة علامات في النقد، المجلد. 10، الجزء. 37، سبتمبر 2000، ص- ص: 207- 209.
49 – راجع تحليله لقصيدة «القطط» لشارل بودلير ضمن:
Roman Jakobson : Huit questions de poétique, p- p : 163- 188.
50 -أحمد الودرني: نظرية المعنى بين التوصيف والتعديل والنقد، مركز النشر الجامعي، تونس، ط. 1، 2007، ص. 90.
51 -Roman Jakobson : Essais de linguistique générale, p. 238.
52 – يقول جماعة مو في هذا الخصوص: لا يفرض الخطاب الأدبي «واقعه» إلا لأنه يفتقر (…) إلى مرجع». راجع هذا في:
Groupe μ : Rhétorique générale, éd. Seuil, Paris, 1982, p. 26.
53 – كان ملارمي Mallarmé يبشر بكتابة شعرية خالصة تترك فيها المبادرة للكلمات ولا يتسلط عليها الشاعر. انظر قولا له في هذا الخصوص ضمن:
Julia Kristeva : La révolution du langage poétique, éd. Seuil, Paris, 1974, p. 273.
ووجدنا موريسو بلانشو ممن يقرون بأنه على الشاعر أن يتقن الإنصات إلى اللغة قبل الإنصات إلى العالم. راجع هذا ضمن:
Maurice Blanchot : L’espace littéraire, éd. Gallimard, Paris, 1968, p. 51.
54 – عرض عبد الله صولة للقيم التداولية التي تكتسبها الكلمات من تاريخها الطويل في الاستعمال عاملا على سبر أبعادها الحجاجية في القرآن. انظر أطروحته: الحجاج في القرآن من خلال أهم خصائصه الأسلوبية، الجزء. 1، منشورات كلية الآداب بمنوبة، ط. 1، 2001، ص- ص: 71- 75.
55 – ذلك ما حدث عنه جاكبسون عندما مال إلى القطع بأن منشأ الشعر إسقاط التشابه (La similarité) على المجاورة (La contiguїté). راجع هذا في:
Roman Jakobson : Essais de linguistique générale, p. 238.
56 -Daniel Bougnoux: Vices et vertus des cercles: L’autoréférence en poétique et pragmatique, p. 40.
57 -Roman Jakobson : Essais de linguistique générale, p. 220.
58 – لمزيد التوسع في استجلاء منزلة مبدإ التكافؤ في تصور جاكبسون للشعر وتنظيره للشعرية انظر:
Anne Nicolas : Roman Jakobson et la critique formelle, in : http://www.persee.fr/web/revues/home/prescript/article/Ifr_0023-8368_1969-num-3-1- 5439?_prescripts_search_isportlet ouvrage‗false.
59 -Roman Jakobson : Essais de linguistique générale, p. 221.
60 -Tzvetan Todorov : Théories du symbole, p- p : 346- 347.
61 -Cité par Daniel Bougnoux : Vices et vertus des cercles : L’autoréférence en poétique et pragmatique, p. 40.
62 – من بين ما خلص إليه بيار زيما في معرض تتبعه للأسس الجمالية التي نهضت عليها بعض الاتجاهات الشعرية والنقدية الغربية الحديثة استفاقته على ما صار إليه الجميل من انعتاق تام من تبعيته للنافع وارتهانه به. انظر هذا في:
Pierre Zima : Critique littéraire et esthétique : Les fondements esthétiques des théories de la littérature, éd. L’Harmattan, Paris, 2003, p. 36.
وراجع عن الجمالية الخالصة نشأة وأصولا تاريخية:
Pierre Bourdieu : Les règles de l’art : Genèse et structure du champ littéraire, éd. Seuil, Paris, 1992, p- p : 393- 430.
63 – انظر ذلك خاصة في:
Emmanuel Kant : Critique de la faculté de juger, éd. Gallimard, Paris, 1985.
64 – نقلنا الشاهد عن مقال خاص بحياة كانط وفلسفته وارد ضمن موسوعة ويكيبيديا الحرة (Wikipédia : L’encyclopédie libre)، راجع ذلك على الموقع الالكتروني التالي
http://fr.wikipedia.org/wiki/Emmanuel_Kant
65 – انظر شاهد موريتز Moritz ضمن: تزفيطان طودوروف: الأدب في خطر، ترجمة: عبد الكبير الشرقاوي، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، ط. 1، 2007، ص. 38.
66 – انظر قول كروتشه في: عزالدين إسماعيل: الأسس الجمالية في النقد العربي: عرض وتفسير ومقارنة، دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد، ط. 3، 1986، ص. 86.
67 – لمزيد التعمق في تبين أصداء الرومنطيقية الألمانية في شعرية جاكبسون راجع:
Tzvetan Todorov : Théories du symbole, éd. Seuil, p- p : 340- 343.
وقد وجدنا العادل خضر ذاهبا إلى عد كل تصور محايثي «إني» سليل ما عبر عنه بـ»الدوكسا الرومنطيقية». انظر عن هذا الجانب أطروحته: الأدب عند العرب، منشورات كلية الآداب- منوبة/ دار سحر للنشر- تونس، ط. 1، 2004. ص. 21.
68 – عبد الله صولة: شعرية الكلمات وشعرية الأشياء في ديوان «أغاني الحياة» من خلال «صلوات في هيكل الحب» (دراسة دلالية)، ضمن: دراسات في الشعرية: الشابي نموذجا (مؤلف جماعي)، بيت الحكمة، تونس، ط. 1، 1988، ص. 332.
69 – ذلك ما أومأ إليه طودوروف حينما جاهر متسائلا: «ألا يعد اختزال اللغة إلى موضوع فيزيائي خالص طمسا للسمة الأساسية فيها باعتبارها صوتا ومعنى، حضورا وغيابا في الوقت نفسه؟». راجع كتابه: نقد النقد، ترجمة: سامي سويدان، مركز الإنماء القومي، بيروت، ط. 1، 1986، ص. 26.
70 -Henri Meschonnic : Pour la poétique, tome. 5 : Poésie sans réponse, éd. Gallimard, Paris, 1978, p. 152.
71 – يعتبر توماس أرون سؤال المرجع (La question du référent) وقد عده سؤالا فلسفيا ولسانيا في آن واحد من أعقد الأسئلة التي تطرحها دراسة النص الأدبي. انظر هذا في:
Thomas Aron : Littérature et littérarité : Un essai de mise au point, Annales littéraires de l’université de Besançon, Paris, 1984, p. 23.
وانظر، أيضا، في هذا الخصوص:
Laurence Bougault : Poésie et réalité, éd. L’Harmattan, Paris, 2005, p. 23.
72 – راجع في هذا الخصوص تحديدا:
Pierre Van Den Heuvel : Parole, mot, silence : Pour une poétique de l’énonciation, Librairie José Corti, 1985, p. 88.
73 -Paul Ricœur : La métaphore vive, éd. Seuil, Paris, 1975, p. 98.
74 – عبد الله صولة: شعرية الكلمات وشعرية الأشياء في ديوان «أغاني الحياة» من خلال «صلوات في هيكل الحب» (دراسة دلالية)، ضمن: دراسات في الشعرية: الشابي نموذجا (مؤلف جماعي)، ص. 332.
75 – سبق أن استندنا إلى جميل صليبا في تمييز الفكرة المطابقة (L’idée adéquate) التي تمثل موضوعها وتستوعبه الاستيعاب التام من الفكرة غير المطابقة التي لا تمثل إلا وجها من وجوهه. راجع هذا التمييز ضمن جميل صليبا: المعجم الفلسفي، الجزء. 2، ص. 158.
76 – عمد راستياي إلى تقصي أبرز المبادئ الإبستمولوجية التي تحكمت في البنيوية مفصحا في غضون ذلك عن مآخذه عليها من وجهة نظر سيميائية. راجع كل هذا ضمن:
François Rastier : La structure en question, sur le site suivant :
http://www.revue-texto.net/Reperes/Themes/Rastier/Rastier_Structure.pdf.
77 – انظر في ذلك، على سبيل الذكر لا الحصر، جماعة مو في إقرارهم بأن «ما يميز الخطاب الشعري هو أنه لا يتحدث عن الأشياء».
Groupe μ : La rhétorique générale, p. 27.
واللغة الشعرية، إذ تزهد في الحديث عن الأشياء، فلأنها تكف عن كونها مجرد وسيلة أو محض أداة لتكتسب، لحظة ولوجها عالم الشعر، هويتها الخاصة ذات الأبعاد اللسانية والدلالية والجمالية الجديدة والشخصية. راجع احتجاجا لهذه الفكرة ضمن:
Laurence Campa : La poétique de la poésie, éd. Sedes, Paris, 1998, p- p : 27- 28.
78 -Yves Gilli : Le référent dans les textes de Kafka, in : Texte littéraire et référenciation (ouvrage collectif), Annales littéraires de l’université de Besançon, Paris, 1989, p. 228.
79 – ذلك ما تم التنبيه إليه ضمن:
Aimé Guedj : Le référent idéal ou l’indigestible, in : Texte littéraire et référenciation (ouvrage collectif), p. 67.
80 – ذلك ما أكده صاحبا «القاموس الموسوعي للتداولية» في معرض سعيهما إلى ضبط مختلف صنوف العبارات الإحالية (Les expressions référentielles) في الكلام. راجع هذا في:
Jacques Mœschler/ Anne Reboul : Dictionnaire encyclopédique de pragmatique, p. 156.
81 – من بين ما ذهب إليه بول ريكور أن الإحالة الشعرية (La référence poétique) لا تعدو كونها إحالة من درجة ثانية (Référence de second degré). على أن تحققها يظل في تقديره مرتهنا بما عبر عنه بـ»تعليق الإحالة الجانبية» و»هدم الإحالة الابتدائية». راجع في هذا الخصوص:
Paul Ricœur : La métaphore vive, p- p : 10- 11.
82 – انظر تأسيسا لتلك الرؤية واحتجاجا مستميتا لها ضمن:
Thomas Aron : Littérature et littérarité : Un essai de mise au point, p- p : 23- 25.
83 -Voir sur ce point Laurence Bougault : Poésie et réalité, p. 13.
84 – انظر نقدا لتصورات الأدب المحايثية ضمن أطروحة العادل خضر: الأدب عند العرب، ص- ص: 20- 24.
85 – لا تخرج الإحالة عند كثير من اللسانيين والشعريين عن كونها تلك العلاقة التي تنعقد بين اللغة والواقع أو بين الكلمات والأشياء أو بين العلامات اللغوية وموجودات الكون غير اللغوي. انظر في هذا الشأن تحديدا:
– Jacques Mœschler/ Anne Reboul : Dictionnaire encyclopédique de pragmatique, p. 155.
– Daniel Delas : Guide méthodique pour la poésie, éd. Nathan, Paris, 1990, p. 19.
86 – راجع تفصيلا لهذه المسألة في: رفيق بن حمودة: الوصفية: مفهومها ونظامها في النظريات اللسانية، ص- ص: 120- 122.
87 – تبنى القيم الإحالية عند كيليولي ومن نحا منحاه في الملافيظ (Les énoncés) وبها عبر العمليات التلفظية القادرة على تأمين الارتباط بين الملفوظ والعالم. انظر في هذا الشأن:
Franck Lebas/ Pierre Cadiot : Monter et La constitution extrinsèque du référent, article publié sur le site : http://formes-symboliques.org/article.php3?id_article=196.
88 – يميل جوزاف بونونفان، وقد حذا في ذلك حذو جون ميشال أدام Jean- Michel Adam، إلى الإقرار بأنه لا مناص لكل قصيدة، مادامت لا تعدو كونها عملا لغويا وعملا خطابيا، من أن تنطوي على مكونات تداولية كان له أن علقها بأمرين: مرجع أولهما إلى ما عبر عنه بـ»الإجراءات الإشارية» (Les procédures déictiques) المتمثلة، أساسا، في معينات الشخص والزمان والفضاء. أما الأمر الثاني فمرده إلى ما سماه بـ»الإجراءات العائدية» (Les procédures anaphoriques) التي أناط بها وظيفة إحكام الوصل بين عناصر الملفوظ أو بين الملافيظ في ما بينها. لمزيد التوسع في هذه الناحية انظر:
Josef Bonenfant : Pour une lecture pragmatique de la poésie, in : Études littéraires, volume. 25, numéro 1- 2, Été- Automne 1992, p. 80, article publié sur le site : http://www.erudit.org/revue/etudlitt/1992/v25/n1-2/500997ar.pdf.
89 -Pierre Van Den Heuvel : Parole, mot, silence : Pour une poétique de l’énonciation, p- p : 95- 96.
90 – يشير غريماس وكورتاس إلى أن الكلمة الفرنسية «Embrayeur» لا تعدو كونها مقابلا للكلمة الإنجليزية «Shifter». انظر في هذا الخصوص:
Algirdas julien Greimas/ Joseph Courtés : Sémiotique : dictionnaire raisonné de la théorie du langage, éd. Hachette, Paris, 1993, p. 349.
91 – تنضوي ضمن الروابط ضمائر المتخاطبين المنفصلة سواء أكانت ضمائر رفع (أنا، أنت، أنت، أنتما، نحن (المثنى)، نحن (الجمع)، أنتم، أنتن) أم ضمائر نصب (إياي، إياك، إياك، إياكما، إيانا، إياكم، إياكن) علاوة على ضمائر المتخاطبين المتصلة (ت، ي، ك، كما، نا، كم، كن). أما المشيرات فمن بينها أسماء الإشارة والظروف الزمانية والمكانية. انظر في هذا الخصوص المرجع السابق: 98- 100.
92 – رفيق بن حمودة: الوصفية: مفهومها ونظامها في النظريات اللسانية، ص. 124.
93 – ذلك ما أجاد أفراد فريق مو التعبير عنه بأن اعترضوا على بعض الأطروحات التي جنح فيها أصحابها إلى عد الشعر لغة مستقلة بذاتها أو لغة ثانية داخل اللغة معتبرين أن قصارى ما يمكن أن يأتيه الشاعر هو تغيير اللغة أو تحويلها في أقصى الحالات. راجع هذا في:
Groupe μ : Rhétorique générale, p. 19.
وهذا، أيضا، ما كان لهيدجير أن صدر عنه حينما انبرى قائلا: «إن الشعر يخلق آثاره في نطاق اللغة وهو يخلقها من «مادة» اللغة». انظر هذا القول ضمن:
Martin Heidegger : Approche de Hölderlin, p. 44.
94 – موريس بلانشو: زوال الأدب: الأدب إلى أين، ترجمة أشرف عليها مطاع صفدي، مجلة العرب والفكر العالمي، العددان: 23/ 24، شتاء، 2008، ص. 122.
95 – يقول فيليب Philippe في هذا الصدد: «لا ينبغي أن نطلب من الشعر أن يقول لنا ما يمكن أن يقوله لنا العالم، ولا أن يقوله لنا بطريقة العالم على وجه الخصوص. ذلك أن الشاعر يروم أن يقول لنا بعض الأشياء عن الإنسان والكون مما لا يستطيع العالم قوله لنا بصورة دقيقة».
Cité par Vassilis Vitsaxis : Le poétique : Questions d’esthétique, p. 68.
96 – راجع عن ذلك:
Paul Ricœur : La métaphore vive, p. 98.
97 – انظر هذا في:
Adam Schaff : Langage et connaissance, p. 197.
98 – راجع في هذا الخصوص:
Laurence Campa : La poétique de la poésie, p. 29.
99 -Julia Kristeva : La révolution du langage poétique, p. 341.
ولا يبعد إيف جيللي كثيرا عما أقرته كريستيفا أعلاه حينما انتهى في معرض تقصيه للمرجع في نصوص كافكا إلى خلاصة مفادها أن النص الأدبي عامة لا يمكن أن يولد من فراغ أو ينشأ طبقا طائرا مقطوعا عن مقام مرجعي ما ذي صلة بالعالم الواقعي، بل إنه لا يكون إلا نتاجا لجهد سخي في تأويل ذلك المقام عبر التكثيف (La concentration) والاختزال (La réduction). انظر في هذا الخصوص:
Yves Gilli : Le référent dans les textes de Kafka, in : Texte littéraire et référenciation (ouvrage collectif), p. 232.
100 – ذلك ما أحسن الإفصاح عنه لورانس كامبا لما حدث قائلا: «لا تحيا القصيدة من التجريد البارد (La froide abstraction) للعب الدوال». انظر:
Laurence Campa : La poétique de la poésie, p. 25.
101 -Henri Meschonnic : Pour la poétique, Tome. 1 : Essai, éd. Gallimard, Paris, 1970, p. 22.
102 -Voir sur ce point Hélène Samson : Le « tissu poétique » de Philippe Jaccottet, éd. Pierre Mardaga, Hayen/ Sprimont (Belgique), 2004, p. 159.
103 – راجع في هذا على سبيل التمثيل:
– John R. Searle : Les actes de langage : Essai de philosophie du langage, p. 66.
– Jean- Michel Gouvard : La pragmatique : Outils pour l’analyse littéraire, éd. Armand Colin, Paris, 1998, p. 12.
104 – وجدنا برتران يلح في الكلام عما عبر عنه بـ»مشكلية المرجع» (Problématisation du référent) في اقترانه بالعالم غير اللغوي. وقد أيقظه وعيه بتعقد ذلك المفهوم على خلاصة مفادها أنه لا يجب فهم الصلة بين الخطاب وعالم الإدراك على أساس أنها مجرد تعيين تضطلع معها الكلمات بتعيين الأشياء والإشارة إليها، بل على أساس أنها تعالق بين سيميائيتين: سيميائية العالم الطبيعي من ناحية وسيميائية المنجزات الخطابية للغة الطبيعية من ناحية ثانية. راجع هذا ضمن:
Denis Bertrand : Précis de sémiotique littéraire, éd. Nathan, Paris, 2000, p. 101.
105 – محمد عجينة: الشعر والمرجع: ملاحظات حول المرجع في الشعر ومدى مساهمته في تحديد الخطاب الشعري، ص. 402.
106 -Voir sur ce point : Tzvetan Todorov : Théories du symbole, p- p : 346- 347.
107 -Thomas Aron : Littérature et littérarité : Un essai de mise au point, p. 23.
108 -Henri Meschonnic : Pour la poétique, Tome. 5 : Poésie sans réponse, éd. Gallimard, Paris, 1978, p. 174.
109 – انظر قولا لمالارمي يحسب فيه أن الأثر الشعري الصافي هو ذلك الأثر الذي يترك فيه الشاعر المبادرة للكلمات حتى تشع بانعكاسات متبادلة ضمن:
Julia Kristeva : La révolution du langage poétique, p. 273.
110 – انظر إنباء عن تلك الفكرة واستدلالا عليها في:
Léopold Peeters : Du sens de la poésie contemporaine, article publié sur le site suivant : http://ler.letras.up.pt/uploads/ficheiros/4396.pdf.
وقد وجدنا عبد العزيز حمودة يحدث عما وصفهم بـ»سراق المشار إليه» من منظري الأدب الغربيين المحدثين. والمشار إليه عنده هو المرجع. راجع في هذه المسألة كتابه: الخروج من التيه: دراسة في سلطة النص، منشورات المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، ط. 1، نوفمبر 2003، ص- ص: 49- 72.
111 – تزفيطان طودوروف: الأدب في خطر، ترجمة: عبد الكبير الشرقاوي، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، ط. 1، 2007، ص. 52.
112 -Paul Ricœur : La métaphore vive, p- p : 10- 11, et voir aussi p- p : 288- 289.
113 – راجع في هذا الخصوص تمثيلا لا حصرا:
-John R. Searle : Les actes de langage : Essai de philosophie du langage, p. 66.
-Franck Neveu : dictionnaire des sciences du langage, p- p : 250- 251.
114 – محمد الغزي: وجوه النرجس…مرايا الماء: دراسة في الخطاب الواصف في الشعر العربي الحديث، نشر: كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالقيروان/ مسكيلياني للنشر والتوزيع- تونس، ط. 1، 2008، ص. 213.
115 – ذلك ما ينافح عنه لورانس كامبا بضراوة مستميتة في أكثر من موطن من مواطن مؤلفه الموسوم بـ»شعرية الشعر» لأن القصيدة، عنده، لا يمكنها، بأي حال من الأحوال ومهما زلت بها درجات التجريد واللزوم والصفاء، إلا أن تستبقي لنفسها، إن طوعا وإن إكراها، علاقة ما بـ»برانية» ما (Une extériorité) عزاها إلى الذات القائلة وصلتها بالعالم. راجع عن هذه المسألة:
Laurence Campa : La poétique de la poésie, p. 25.
وقد سبق لجون كوهين أن ذهب مذهبا قريبا من هذا الذي ذكرنا. فقد أكد أن التجريد (L’abstraction) ضروري للقصيدة، لكنه سرعان ما استدرك على ذلك مستبعدا أن يكون فعل التجريد فيها فعلا مجانيا اعتباطيا ليخلص إلى عده خطوة لا مناص للشعر من إتيانها متى تاق إلى تحصيل وضوح من نوع آخر ومنطق مختلف. انظر:
Jean Cohen : Structure du langage poétique, éd. Flammarion, Paris, 1966, p. 192.
116 – تعد الإفادة عند أعلام تحليل الخطاب تخصيصا قانونا من بين القوانين المحورية التي ينهض عليها كل خطاب. وهي تقتضي عند دومينيك منغينو، من ضمن ما تقتضي، أن يكون الملفوظ متلائما مع السياق الذي ينتسب إليه وقادرا على لفت انتباه المرسل إليه بما يحمله إليه من أخبار مغيرة للمقام. راجع عن هذا الأمر:
Dominique Maingueneau : Analyser les textes de communication, éd. Armand Colin, Paris, 2005, p- p : 20- 21.
117 – حسين الواد: شيء…من الأدب واللغة، دار الغرب الإسلامي، بيروت، ط. 1، 2004، ص. 32.
118 – تزفيطان طودوروف: الأدب في خطر، ص. 45.
119 – أشار محمد لطفي اليوسفي في بحث له بعنوان «تمجيد الكتابة وإعلاء المعنى» إلى تلك المنازل المهلكة التي شارفتها القصيدة العربية الحديثة في ضوء بعض أمثلتها الموغلة في التعري من المعنى والتملص من ظلاله. انظر هذا ضمن: محمد الغزي: وجوه النرجس…مرايا الماء: دراسة في الخطاب الواصف في الشعر العربي الحديث، ص. 212.
120 -Yves Gilli : Le référent dans les textes de Kafka, in : Texte littéraire et référenciation (ouvrage collectif), p. 228.
وراجع في هذا الشأن أيضا:
Thomas Aron : Littérature et littérarité : Un essai de mise au point, p. 28.
121 – محمد الغزي: وجوه النرجس…مرايا الماء: دراسة في الخطاب الواصف في الشعر العربي الحديث، 213.
122 – نورد شاهدا مطولا بعض الشيء لميكال ديفران Mikel Dufrenne نظرا إلى أهميته في الإبانة عن أبرز مبادئ النقد البنيوي يقول فيه: «الأثر (الأدبي) كل مكتمل ومعطى، وهو مكان أعمى ونظام مغلق يحمل معناه في ذاته من دون أن يحتاج ذلك المعنى إلى إحالة على الواقع الخارجي إطلاقا لأنه يكمن كله في انتظام الدوال(…). ذلك أن البنيوية تعنى بتدبر الأثر (الأدبي)، أو بالأحرى حقل الآثار (الأدبية)، باعتباره مجموعا دالا».
Cité par Raymond Chémali : Structuralisme et critique littéraire (1945- 1980), tome. 1, Publications de l’université Libanaise, Beyrouth, 1999, p. 245.
123 – التصورات المحايثية للأدب هي تلك التي لا تبصر أدبيته إلا في بنيته الداخلية المغلقة من دون الانفتاح على ما يمكن أن يسهم في تشييدها من مقامات تقبله ووسائط ترويجه ومسالك تفاعله مع العالم الخارجي غير اللغوي. راجع إلماعات مهمة إلى قصور المنحى المحايثي عن استفراغ أدبية الأدب عامة وشاعرية الشعر على وجه التخصيص ضمن: العادل خضر: الأدب عند العرب، ص- ص: 20- 24.
124 – يقر كل من إيمانويل فريس Emmanuel Fraisse وبرنار موراليس Bernard Mouralis بأنه من الوهم الاعتقاد بأنه من الممكن فهم الأدب، مثله في ذلك مثل أي مادة ثقافية أخرى، بالانطلاق من خصائصه الباطنية وحدها. وهو ما زين لهما القطع الجازم بـ»صعوبة تحديد الأدب من خلال المقاربة الجوهرية». انظر هذا في مؤلفهما: قضايا أدبية عامة: آفاق جديدة في نظرية الأدب، ترجمة: لطيف زيتوني، منشورات: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب- الكويت، ط. 1، فبراير 2004، ص. 67.
125 – أفصح برتران عن ذلك في معرض إنبائه في المقدمة عن الأهداف التي يروم بلوغها في مؤلفه «موجز في السيميائية الأدبية».
Denis Bertrand : Précis de sémiotique littéraire, p- p : 14- 15.
126 – جرى برتران إلى استهلال الفصل الثالث الموسوم بـ»التلفظ في السيميائية» (L’énonciation en sémiotique) من كتابه المذكور بالإشارة إلى أبرز المنعرجات التي شهدها الدرس اللساني في فرنسا. وهي في تقديره ثلاثة منعرجات كبرى عمل على اختزال كل واحد منها في كلمة مفتاح: فكان له أن رد المنعرج الأول منها الذي هيمن على السنوات 1960- 1970 إلى كلمة «البنية» (La structure). أما المنعرج الثاني الذي استغرق السنوات 1970- 1980 فقد عزاه إلى كلمة التلفظ (L’énonciation). وقد حسب أنه من الممكن إرجاع المنعرج الثالث، وهو الذي اتسعت له السنوات 1980- 1990، إلى كلمة «التفاعل» (L’interaction). انظر كل هذا ضمن المرجع نفسه، ص. 49.  وقد وجدنا محمد الشاوش يرى في العقد السابع من القرن العشرين «لحظة» حقيقية حاسمة في الفكر اللساني تنبئ عن بداية الانصراف عن الأنساق اللغوية المغلقة إلى الأنساق اللغوية المفتوحة على المعنى والمقام والإنجاز والإحالة والمرجع. يقول في هذا الخصوص: «في العقد السابع من القرن العشرين ضاق الفلاسفة واللغويون المعاصرون- أو على الأقل فريق منهم- بقيود نحو الجملة، ضاقوا بإقصاء المعنى منه وضاقوا بعدم اعتبار المقام الحاف بالاستعمال، فكانت التداولية وكان تحليل الخطاب ونحو النص». راجع أطروحته: أصول تحليل الخطاب في النظرية النحوية العربية: تأسيس «نحو النص»، الجزء. 2، ص. 1286.
127 -Joseph Bonenfant : Pour une lecture pragmatique de la poésie, in : Études littéraires, Volume. 25, Numéro. 1- 2, Été- Automne 1992, p. 69.
128 – راجع تفصيلا لتلك التصورات المتحكمة في إنشاء نماذج من الشعر الفرنسي المعاصر وفي قراءتها في الوقت نفسه ضمن:
Christine Andreucci : La poésie française contemporaine : Enjeux et pratiques, article publié sur le site : http://ler.letras.up.pt/uploads/ficheiros/4370.pdf.
129 – تم التنبيه إلى أنه من استتباعات القول بأولوية الدال (الشكل) في الشعر قياسا إلى مدلوله (معناه) فتح المجال فسيحا للعب باللغة لعبا قد يبلغ بها مراتب الصمت واللامعنى. ورد هذا في مقدمة “قاموس الشعرية” في معرض الإنباء عن السمات المحورية للغة الشعرية كما نظر لها أبرز أعلام الشعرية الحديثة. انظر:
Michèle Aquien : Dictionnaire de poétique, p. 26.
130 – Cité par Daniel Bougnoux : Vices et vertus des cercles : L’autoréférence en poétique
et pragmatique, p. 37.
131 – ذلك، بالضبط، ما أشار إليه عبد العزيز حمودة في كتابه: الخروج من التيه: دراسة في سلطة النص، ص. 74. وغير بعيد عن هذا ما ذهب إليه محمد الناصر العجيمي حينما خلص إلى نتيجة مفادها أن القراءة في المنظور البنيوي «لا تعدو كونها قائمة على عملية فك تشفير لمجموعة من الدلالات الحاضرة موضوعيا في النص، وإن كانت ضمنية ونتيجة بناء». انظر مقاله: في الأسس النظرية للاتجاه السيميائي، مجلة: الفكر العربي المعاصر، العددان: 136- 137، ربيع- صيف 2006، ص. 134.
132 – يقول ديفران في ذلك: «إن ما يميز الأثر الأدبي ويجعلها، إلى ذلك، مقابلة للتحقيق الصحفي والمؤلف العلمي والبحث الفلسفي هو أن المعنى فيها محايث للغة ولبنية الأثر الشكلية». الشاهد منقول عن:
Raymond Chémali : Structuralisme et critique littéraire (1945- 1980), p. 244.
133 – محمد الشاوش: أصول تحليل الخطاب في النظرية النحوية العربية: تأسيس «نحو النص»، الجزء. 2، ص. 970. ويشير جون كوهين إلى استواء المعنى، عند بعض اللسانيين، رديفا للمرجع حينا وللإحالة حينا آخر. راجع هذا في:
Jean Cohen : Structure du langage poétique, p- p : 192- 193.
134 – ساق محمد الناصر العجيمي تلك العبارة في معرض تقصيه لبعض وجوه استدراك السيميائية على مقاربة البنيوية للنص الأدبي باعتباره نظاما مغلقا لا يتخطى في أغلب الأحيان مرتبة «الظاهرة اللغوية». راجع هذا في مقاله: في الأسس النظرية للاتجاه السيميائي، ص. 135.
135 -François Recanati : Les énoncés performatifs, éd. Minuit, Paris, 1981, p. 12.
136 – المرجع نفسه، الصفحة نفسها.
137 -Jean- François Lyotard : Discours, Figure, éd. Klincksieck, Paris, 1985, p. 74.
138 -François Recanati : Les énoncés performatifs, p. 15.
139 – Raymond Chémali : Structuralisme et critique littéraire (1945- 1980), tome. 1, p- p : 255- 260.

* المصادر والمراجع

I- العربية والمعربة
1- الكتب والقواميس
٭ إسماعيل (عزالدين): الأسس الجمالية في النقد العربي: عرض وتفسير ومقارنة، دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد، ط. 3، 1986.
٭ بلانشو (موريس): أسئلة الكتابة، ترجمة: نعيمة بنعبد العالي وعبد السلام بنعبد العالي، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، ط. 1، 2004.
٭ ابن حمودة (رفيق): الوصفية: مفهومها ونظامها في النظريات اللسانية، منشورات دار محمد علي- صفاقس/ كلية الآداب سوسة، ط. 1، 2004.
٭ حمودة (عبد العزيز): الخروج من التيه: دراسة في سلطة النص، منشورات المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، ط. 1، نوفمبر 2003.
٭ الخبو (محمد): مداخل إلى الخطاب الإحالي في الرواية، مكتبة علاء الدين، صفاقس، ط. 1، 2006.
٭ خضر (العادل): الأدب عند العرب، منشورات كلية الآداب- منوبة/ دار سحر للنشر- تونس، ط. 1، 2004.
٭ دي سوسير (فردينان): دروس في الألسنية العامة، تعريب صالح القرمادي/ محمد الشاوش/ محمد عجينة، الدار العربية للكتاب، طرابلس/ تونس، 1985.
٭ الشاوش (محمد): أصول تحليل الخطاب في النظرية النحوية العربية: تأسيس «نحو النص»، الجزء. 1، منشورات كلية الآداب- منوبة/ المؤسسة العربية للتوزيع- تونس، ط. 1، 2001.
٭ صليبا (جميل): المعجم الفلسفي، الجزء. 2، دار الكتاب اللبناني، بيروت، 1982.
٭ صولة (عبد الله): الحجاج في القرآن من خلال أهم خصائصه الأسلوبية، الجزء. 1، منشورات كلية الآداب بمنوبة، ط. 1، 2001.
٭ طودوروف (تزفيطان): الأدب في خطر، ترجمة: عبد الكبير الشرقاوي، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، ط. 1، 2007.
٭——————–: نقد النقد، ترجمة: سامي سويدان، مركز الإنماء القومي، بيروت، ط. 1، 1986.
٭ الغزي (محمد): وجوه النرجس…مرايا الماء: دراسة في الخطاب الواصف في الشعر العربي الحديث، نشر: كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالقيروان/ مسكيلياني للنشر- تونس، ط. 1، 2008.
٭ فريس (إيمانويل)/ موراليس (برنار) : قضايا أدبية عامة: آفاق جديدة في نظرية الأدب، ترجمة: لطيف زيتوني، منشورات: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب- الكويت، ط. 1، فبراير 2004.
٭ الواد (حسين): شيء…من الأدب واللغة، دار الغرب الإسلامي، بيروت، ط. 1، 2004.
٭ الودرني (أحمد): نظرية المعنى بين التوصيف والتعديل والنقد، مركز النشر الجامعي، تونس، ط. 1، 2007.
2- الدوريات والكتب الجماعية
٭ بلانشو (موريس): زوال الأدب: الأدب إلى أين، ترجمة أشرف عليها مطاع صفدي، مجلة العرب والفكر العالمي، العددان: 23/ 24، شتاء، 2008.
٭ شاف (أدام): اللغة والواقع، مقال منشور ضمن: المرجع والدلالة في الفكر اللساني الحديث (كتاب جماعي)، ترجمة وتعليق: عبد القادر قنيني، دار أفريقيا الشرق، الدار البيضاء/ بيروت، ط. 2، 2000.
٭ صولة (عبد الله): جمالية النص الأدبي ووجوه توظيفها، مجلة علامات في النقد، المجلد. 10، الجزء. 37، سبتمبر 2000.
٭———: شعرية الكلمات وشعرية الأشياء في ديوان “أغاني الحياة” من خلال “صلوات في هيكل الحب” (دراسة دلالية)، ضمن: دراسات في الشعرية: الشابي نموذجا (مؤلف جماعي)، بيت الحكمة، تونس، ط. 1، 1988.
٭ العجيمي (محمد الناصر): في الأسس النظرية للاتجاه السيميائي، مجلة: الفكر العربي المعاصر، العددان: 136- 137، ربيع- صيف 2006.
٭ عجينة (محمد): الشعر والمرجع: ملاحظات حول المرجع في الشعر ومدى مساهمته في تحديد الخطاب الشعري، وقد نشر ضمن: أشغال ندوة اللسانيات في خدمة اللغة العربية، مركز الدراسات والأبحاث الاقتصادية والاجتماعية، تونس، ط. 1، 1983.

II- الفرنسية
1- الكتب والقواميس
٭ Aquien (Michèle): Dictionnaire de poétique, Librairie générale française, Paris, 1993.
٭ Aron (Thomas) : Littérature et littérarité : Un essai de mise au point, Annales littéraires de l’université de Besançon, Paris, 1984.
٭ Benveniste (Émile) : Problèmes de linguistique générale, tome. 1, éd. Cérès, Tunis, 1995.
٭ Bertrand (Denis) : Précis de sémiotique littéraire, éd. Nathan, Paris, 2000.
٭ Blanchot (Maurice) : L’espace littéraire, éd. Gallimard, Paris, 1968.
٭ Bougault (Laurence) : Poésie et réalité, éd. L’Harmattan, Paris, 2005.
٭ Bougnoux (Daniel): Vices et vertus des cercles: L’autoréférence en poétique et pragmatique, éd. La découverte, Paris, 1989.
٭ Bourdieu (Pierre) : Les règles de l’art : Genèse et structure du champ littéraire, éd. Seuil, Paris, 1992.
٭ Campa (Laurence) : La poétique de la poésie, éd. Sedes, Paris, 1998.
٭ Chémali (Raymond) : Structuralisme et critique littéraire (1945- 1980), tome. 1, publications de l’université libanaise, Beyrouth, 1999.
٭ Cohen (Jean) : Structure du langage poétique, éd. Flammarion, Paris, 1966.
٭ Delas (Daniel) : Guide méthodique pour la poésie, éd. Nathan, Paris, 1990.
٭ ——————- : Roman Jakobson, éd. Bertrand-Lacoste, Paris, 1993.
٭ Dubois (Jean) et autres : Dictionnaire de linguistique et des sciences du langage, éd. Larousse, Paris, 1994.
٭ Ducrot (Oswald)/ Todorov (Tzvetan) : Dictionnaire encyclopédique des sciences du langage, éd. Seuil, Paris.
٭ Gouvard (Jean- Michel) : La pragmatique : Outils pour l’analyse littéraire, éd. Armand Colin, Paris, 1998.
٭Groupe μ : Rhétorique générale, éd. Seuil, Paris, 1982.
٭ Heidegger (Martin) : Approche de Hölderlin, traduit de l’Allemand par Henry Corbin, Michel Deguy, François Fédier et Jean Launay, éd. Gallimard, Paris, 1973.
٭ Jakobson (Roman) : Essais de linguistique générale, éd. Minuit, Paris, 1963.
٭ —————– : Huit questions de poétique, éd. Seuil, Paris, 1977.
٭ Kant (Emmanuel) : Critique de la faculté de juger, éd. Gallimard, Paris, 1985.
٭ Kleiber (Georges) : Problèmes de référence : Descriptions définies et noms propres, éd. Klincksieck, Paris, 1981.
٭ Kristeva (Julia) : La révolution du langage poétique, éd. Seuil, Paris, 1974.
٭ Lyotard (Jean- François) : Discours, Figure, éd. Klincksieck, Paris, 1985.
٭ Maingueneau (Dominique) : Analyser les textes de communication, éd. Armand Colin, Paris, 2005.
٭ Meschonnic (Henri) : Pour la poétique, tome. 1 : Essai éd. Gallimard, Paris, 1970.
٭————————— : Pour la poétique, tome. 5 : Poésie sans réponse, éd. Gallimard, Paris, 1978.
٭ Milner (Jean- Claude) : Introduction à une science du langage, éd. Seuil, Paris, 1989.
٭ Mœschler (Jacques)/ Reboul (Anne) : Dictionnaire encyclopédique de pragmatique, éd. Seuil, Paris, 1994.
٭ Neveu (Franck) : Dictionnaire des sciences du langage, éd. Armand Colin, Paris, 2004.
٭ Orecchioni (Catherine Kerbrat) : Les interactions verbales, tome. 1 : Approche interactionnelle et structure des conversations, éd. Armand Colin, Paris, 1998.
٭ Recanati (François) : Les énoncés performatifs, éd. Minuit, Paris, 1981.
٭ Ricœur (Paul) : La métaphore vive, éd. Seuil, Paris, 1975.
٭ Samson (Hélène) : Le « tissu poétique » de Philippe Jaccottet, éd. Pierre Mardaga, Hayen/ Sprimont (Belgique), 2004.
٭ Searle (John) : Les actes de langage : Essai de philosophie du langage, traduit par Hélène Pauchard, éd. Hermann, Paris, 1972.
٭ Todorov (Tzvetan)  : Théories du symbole, éd. Seuil, Paris, 1977.
٭ Van Den Heuvel (Pierre) : Parole, mot, silence : Pour une poétique de l’énonciation, Librairie José Corti, 1985.
٭ Vitsaxis (Vassilis) : Le poétique : Questions d’esthétique, éd. L’Harmattan, Paris, 2001.
٭ Zima (Pierre) : Critique littéraire et esthétique : Les fondements esthétiques des théories de la littérature, éd. L’Harmattan, Paris, 2003.
2- الدوريات والكتب الجماعية
٭ Andreucci (Christine) : La poésie française contemporaine : Enjeux et pratiques, article publié sur le site :http://ler.letras.up.pt/uploads/ficheiros/4370.pdf.
٭ Bonenfant (Josef) : Pour une lecture pragmatique de la poésie, in : Études littéraires, volume. 25, numéro 1- 2, Été- Automne 1992, article publié sur le site : http://www.erudit.org/revue/etudlitt/1992/v25/n1-2/500997ar.pdf.
٭ Fisette (Jean) : Pour une pragmatique du signe linguistique, sur : http://www.chass.utoronto.ca/french/as-sa/ASSA-No2/JF1.html.
٭ Gilli (Yves) : Le référent dans les textes de Kafka, in : Texte littéraire et référenciation (ouvrage collectif), Annales littéraires de l’université de Besançon, Paris, 1989
٭ Guedj (Aimé) : Le référent idéal ou l’indigestible, in : Texte littéraire et référenciation (ouvrage collectif), Annales littéraires de l’université de Besançon, Paris, 1989.
٭ Lebas (Franck)/ Cadiot (Pierre) : Monter et La constitution extrinsèque du référent, article publié sur le site : http://formes-symboliques.org/article.php3?id_article=196.
٭ Nicolas )Anne( : Roman Jakobson et la critique formelle, in : http://www.persee.fr/web/revues/home/prescript/article/Ifr_0023-8368_1969-num-3-1- 5439?_prescripts_search_isportlet ouvrage‗false.
٭ Peeters (Léopold) : Du sens de la poésie contemporaine, article publié sur le site suivant : http://ler.letras.up.pt/uploads/ficheiros/4396.pdf.
٭ Rastier (François)  : La structure en question, sur : http://www.revue-texto.net/reperes/themes/Rastier_structure.pdf.

 

 

فتحـي خليفـي \
\ باحث وأكاديمي من تونس

شاهد أيضاً

حديث الإنصات دراسة في مجلس المُفَضّلي النّزْوي وابن رُزَيق

أحمد السعيدي* توطئة: يضم مخطوط «الصحيفة العدنانية»(1) للمؤرخ الأديب ابن رُزَيق (1291هـ/1874م)  نصا غميسا في …