أخبار عاجلة

المناهج النّقديّة الحديثة وإشكاليّة القطيعة بين المبدع والمتلقّي العربيّ

نحاول- في هذه القراءة – الإجابة عن السّؤال الآتي: هل ثمّة قطيعة حقيقيّة بين المبدع والمتلقّي في الواقع الإبداعيّ والثّقافيّ العربيّ؟ وإذا كان ثمّة قطيعة حقيقيّة فما أسبابها الحقيقيّة؟ وما دور المناهج النّقديّة المعاصرة في هذه الأزمة/ القطيعة؟ هل أسهمت هذه المناهج في حلحلة هذه الأزمة؟ أي في ردم الهوّة القائمة بين المبدع والمتلقّي؟ أم أنها – بالعكس- قد أسهمت في تأزيم هذه العلاقة؟! وما السبيل لتجاوز هذه الأزمة؟!

-١-

وفي محاولة الإجابة عن السّؤال الأوّل المتعلّق بـ«أزمة الإبداع العربيّ المعاصر» يمكن القول: إنّنا نعتقد أنّ ثمّة أسباباً ذاتيّةً وموضوعيّةً (تاريخيّةً) ناجمةً، في جملتها، عن وضع المبدع العربيّ في السّياق الاجتماعيّ أو التّاريخي، أي في سياق علاقته بالآخرين، بالإضافة إلى علاقته باللّغة، وهي تمثّل في جملتها، واحدة من أهمّ الأسباب الحقيقيّة التي نعتقد أنهّا قد أدّت إلى تلك الأزمة/القطيعة، وبخاصّة بالنّسبة لشعراء الحداثة الرّواد.

على أنّا نعتقد أنّ ثمّة أسباباً أخرى متعاليةً على التّاريخ، أي على الوضع الاجتماعيّ أو التّاريخيّ للمبدع العربيّ، وهي، في جملتها، أسباب ثقافيّة إيديولوجيّة أو فكريّة ما انفكّت تدفع المبدع إلى التّعالي على المخاطَب العربيّ، ورفض الانفتاح عليه أو التّعامل معه.

ويمكننا أن نجمل هذه الأسباب في الآتي: 

-١-

-اختلاف سياق الإبداع عن سياق التلقّي: وهو اختلاف ناتج، في الأساس، عن اختلاف سياق التّلقي عندنا، عن سياق الإبداع عند الآخر، أو بالأحرى اختلاف سياق المبدع العربيّ عن سياق المتلقّي العربيّ؛ باعتبار أنّ لكلّ همومه ومشكلاته، أي باعتبار أنّ سياق المبدع العربيّ لا يزال هو سياق الحداثة أو التّحديث، ما يعني أنّ هموم المبدع غير هموم المتلقّي، وثقافته غير ثقافته، فهذا له همومه وثقافته، وذاك له همومه وثقافته، وطرائقه المختلفة والمكتسبة من ثقافة الآخر؛ تختلف عن الطّرائق والسّنن والتّقاليد التي تعوّد عليها المتلقّي العربي(i ).

ما يعني أنّ سياق الإبداع العربيّ، قد غدا عند الكثير من مبدعي الحداثة، سياقاً ثقافيّاً في الأساس (همّ الشّاعر فيه همّ ثقافيّ إبداعيّ أكثر منه همّ اجتماعيّ أو تاريخيّ) في حين بقي سياق التّلقي العربيّ سياقاً اجتماعيّاً تاريخيّاً بامتياز، ما أبرز الكثير من النّصوص الإبداعيّة المنتجة في سياق الإنتاج الثّقافي الحاصل، نصوصاً متعاليةً على منطق الواقع، ومتجاوزة لشروط التّاريخ، أي بوصفها نصوصا فوق «مانيّة» و«فوق مكانيّة»?543; «فوق تاريخيّة». ومن هنا سرّ غربتها عن عالم المتلقّي الذي التبست عليه مثل تلك النّصوص، على نحو لم يعد يستطيع معه هذا المتلقّي أن يدرك- على حدّ تعبير أحد الباحثين العرب(ii) – لا منطقَ وصلِ هذه النّصوص بما هو مألوف، ولا منطقَ فصلها عمّا هو مألوف؛ وذلك بحكم أنّ هذه النّصوص قد غدت تجاري أنموذجاً في التّجربة الإبداعيّة أو الشّعريّة الكونيّة، هو أنموذج التّجربة الغربيّة الذي تولّد عن تحوّلات وصراعات في نظرية الأدب، كثيرة عميقة، واتّصل بفلسفات عمّقت مجراه، ومكّنت له في الحداثة، بما سمح له أن يخرج عن الإرث التّاريخيّ الذي يثقله بما يرسم عليه من سنن، ويعلق به من تقاليد، الأمر الذي جعل همّ الكتابة الأوّل، هو قتل الأدب (سلطة القديم) وإفراغ الأشكال (الأدبيّة) من تاريخها، وإقصاء كلّ معنى لصق بها من انخراطها في التّاريخ، وارتباطها بالذّاكرة الثّقافيّة، وذاكرة الفعل الجماعي(iii) .

فلقد تغيّر في الغرب الإطار النّظريّ الذي يمارس خلاله فعل الإبداع، بشكل حاسم، تغيّراً تراجعت بموجبه الحدود الفاصلة بين أجناس الكتابة، وقام النّص بديلاً عن الأنواع، جامعاً لمختلفها، مؤسّساً لفضاء تنتهي إليه مختلف الأشكال، وتنمو في أرجائه كلّ المواقف والتّصوّرات، ولم يعد بالإمكان وضع التّعريفات والحدود، وأصبح الإنسان لا يستطيع أكثر من الإشارة. إنّه يصعب اليوم في الآداب الأوربيّة، تعريف الشّعر، ووضع الحدود الفاصلة بينه وبين غيره من الفنون الأخرى(vi).

 وإذا كانت ثقافتنا العربيّة بعامّة، لا تزال بمعزل عن تيّارات الإبداع الغربيّ التي أنشأتها ضرورات الحياة الغربيّة نفسها، فكيف لنا نحن الذين لا نزال نعيش حياة أخرى، أن نتمثّل تجارب في القول تطمح إلى الدّخول في تلك المدارات، دون أن نكون قد هيّأنا السّياق الثّقافي والحضاريّ الذي يحتضن تلك التّجارب.

نعم إنّ كثيراً من الأشياء قد تغيّرت فينا أو في عالمنا المعاصر، وتغيّرت بعمق، حتى لتبدو وكأنهّا لم يعد لها صلة بما كانت عليه في عالمنا القديم، وأحياناً في الغرب، ممّا يتجاوز بداية القرن، لكن التّغيّر الحاصل في عالمنا ليس بالقدر الكافي الذي يسمح لطموح الكتابة عندنا أن تبدأ من حيث انتهى النّموذج/المرجع عند الآخر؛ فليس من اليسير فصل القارئ العربيّ، عن سياقه التّاريخيّ، عن مرجعيّة القراءة، أو عن سننه في التّعامل مع النّص، وإقناعه بجماليّة أخرى لم يدرك بعد كنهها، ولم يستعدّ بعد لقبولها أو التّفاعل الايجابيّ معها؛ فالخروج عن نظام اللّغة/الكتابة/القراءة، أو على الأصح عن علاقة اللّغة بالأشياء المؤسّسة لتصوّره لعمليّة الكتابة عامّة، وعمليّة الكتابة الإبداعيّة بخاصّة، محرجٌ، مربكٌ، مدخلٌ إيّاه في شروط إنتاج معنى لا يتبيّنها، ومن ثمّ، تراه أميل إلى دفعها، والإعلان عن غرابة مراسمها، فإذا أضفنا إلى ذلك، إنهيار النّظام الإيقاعيّ المؤسّس(في وعينا)منذ أربعة عشر قرناً خلت أو ما يزيد لموسيقى الشّعر التي عرفها المتلقّي العربيّ، وعدم توصّل التّجربة الشّعرية الجديدة إلى رسم معالم النّظام(الإيقاعيّ) البديل الذي جاءت هذه التّجربة لتقنع به، وتدافع عنه(v) سهل علينا معرفة سرّ عزوف المتلقّي العربيّ عن التّواصل مع هذه النّصوص.

على أنّه يجب الإشارة هنا إلى أنّ كلامنا هنا، إنمّا يتعلّق بتجارب الشّعراء الرّواد؛ أصحاب التّجارب الواعية والنّاضجة، في الوقت نفسه، لا بتجارب بعض الشّعراء الشّباب الذين حذوا حذو أولئك الشّعراء، ونسجوا على منوالهم، رغبةً في إبداع الجديد المختلف، مع عدم قدرتهم عليه، نظراً لعدم امتلاكهم أهمّ شروط الإبداع الجديد، والمتمثّل في امتلاك لغة جديدة، أسلوب جديد في الكتابة، لاسيّما بعد أن غدت لغة الإبداع الجديد(وهي في جملتها لغة رمزيّة) تفرض نفسها على الجيل الجديد، بطريقة آليّة تسلطيّة قمعيّة، أي بما هي أداة جاهزة لقول الجديد المختلف، أو بما هي شرنقة جاهزة لإخفاء حالة العجز عن مقاربة الجديد الحقيقيّ. 

ما أحال الأزمة في النّهاية أزمةَ إبداعيّةً ثقافيّةً؛ أزمة إمكانات لغويّة وإبداعيّة في المقام الأوّل، فاللّغة-وأعني بها لغة الإبداع الجديد-في وعي جيل الشّباب من المبدعين العرب، قد صارت جاهزة مهيّأة لاستقبال عمل المبدع، وما عليه إلاّ أن يأخذ منها ما يشاء، ليركّب منها أو يصوغ ما يشاء، لذلك فهو تارةً يصوغ منها قصيدةً، وتارةً يبني منها قصّةً، أو روايةً أو مسرحيّةً، وهكذا صارت المسألة إذن سهلة، وفي متناول الجميع، لاسيّما مع ظهور دعوات لإلغاء كلّ الحدود، وإزالة كلّ الفواصل التي ظلّت تفصل بين أجناس القول، وأنواع الفنون، وصار التّمرّد شعار العصر.

ومن هنا يمكن القول: إنّ الإبداع العربيّ الجديد يمثّل حالة المثّقف العربيّ، المنتج للثّقافة والآداب والفن، والمغترب، في الوقت نفسه، عن عالم إنتاجه؛ لأنّه ينتجه، في الأغلب الأعمّ، تحت وصاية سلطة قد يتجاوب معها، فيتوقّع منها الاستجابة لخطابه، وقد يتعارض معها، فيكون اصطدامه بها مفسّراً كافياً ومبّرراً، في الوقت نفسه، لعزلته عن الجماهير، وانفصاله عن الإسهام في تحديث وعيها (iv)(iIv) .

– ٢ –

وهذا يقتضي أنّ من أهمّ أسباب القطيعة انطلاقاً ممّا سبق:

– اختلاف موقع المبدع( العربيّ) عن موقع المتلقّي؛ فالمبدع ينطلق في كتابة النّص من موقع محدّد هو الموقع الانطولوجيّ، والبحث عن جوهر الفنّ، لذلك فهو ما ينفكّ يحاول أن يقترب من مآتيه، ويقف على أصل انبعاثه. أمّا المتلقّي فينطلق، في عمليّة تلقّيه للنّص، من موقع انتمائه إلى الواقع الاجتماعيّ أو التّاريخيّ، من جهة، ومن موقع انتمائه إلى نصوص الكتابة/القراءة السّابقة في الوجود على وجوده، من جهة ثانية، ولذلك فهو ما ينفكّ يحاول أن يبحث في النّص الحديث عن أثر، ويترسّم عن وظيفة، أو هو يبحث عن مناسبة تعقد الصّلة بين نظام نصّ الكاتب، ونظام نصّه القارئ، ويحرّك فهمه الما قبليّ، وذاكرته النّفعيّة، لتقرّر معنى، وتشتقّ نصّاً من نصّ. والقارئ من أيّ موقع تحرّك، يهمّه المعنى، ويهمّه تأويل العلامة، وإدراك ما وضعت لتدلّ عليه(iiiv) ولا يهمّه البتّة ما كان قد أهمّ الكاتب حين كتب.

ومن هنا رأينا الشّعراء الجدد يتبنّون الدّعوة إلى ضرورة خلق قارئ جديد، لا يقرأ شعرهم بذائقة قديمة(xi).

– ٣ –

وهذا يعني أنّ من أهم أسباب القطيعة، فضلاً عمّا سبق:

 -اختلاف زاوية النّظر إلى الإبداع، وبخاصّة الإبداع الشّعريّ، بوصفه- على حدّ تعبير أحد الباحثين العرب(x)  – لغة في اللّغة فقط، فالشّعر بخلاف الرّواية والقصّة، لا ينطوي على أي شيء آخر غير اللّغة، أمّا الرّواية ففيها أحداث، وفيها شخوص، وفيها أشياء أخرى تقدّمها للقارئ، في حين الشّعر لا يقدّم شيئاً آخر غير ذاته، غير لغته الشّعريّة، إنّ الأولوية في الشّعر للّغة، من حيث هي لغة، لا لما يجب أن تقوله اللّغة، أو لما يجب أن نفصح عنه من خلال اللّغة.

لذلك رأينا من بين أهمّ الأسباب التي أدّت إلى تلك القطيعة، فضلاً عمّا سبق، انطلاق بعض المبدعين العرب من إيمان راسخ بضرورة نفي الوظيفة التّواصليّة عن اللّغة الإبداعيّة، ما جعل هذا البعض يتعامل مع اللّغة الإبداعيّة بوصفها-فقط-مادّة كشف عن الوجود الفرديّ للموجود الفرد، لا أداة تواصل مع الآخرين، أي بوصفها إمكانيّة مغلقة لمواجهة الوضع الخاصّ بالفرد المبدع في سياق علاقته باللّغة والفكر، الأمر الذي أدّى باللّغة لأن تغدو هي موطن هذا البعض ومنفاه، على معنى أنها قد صارت، بالنّسبة لهذا الفريق-ربّما بسبب عجزهم عن اختراق جدارها والانفتاح على الآخرين من خلالها- بمثابة شرنقة مغلقة توفّر لهم الملاذ الآمن، وتحميهم من «جحيم السّوي» الذي لا يقوى على مقاربته.

ومن هنا رأينا تحوّل وظيفة الكتابة الإبداعيّة، في وعي بعض الكتّاب العرب، من وسيلة تواصليّة مع الآخرين، إلى إمكانية لمحاولة فهم الذّات وتحقيقها، وللبحث عن هويّة ممكنة لها، حيث تراجعت العلاقة التّواصليّة بالتّدريج، وانحسرت إلى حدودها الدّنيا، بل إلى منطقة الصّفر، بحيث غدت تلعب دوراً أشبه ما يكون بالمعالجة النفسيّة للذّات الكاتبة.

-٤-

على أنّ من أهمّ الأسباب التي أدّت إلى تصاعد حدّة الأزمة بين المبدع والمتلقّي، فضلاً عمّا سبق: شعور المبدع العربيّ العميق بغياب القارئ أو المتلقّي المبدع، أي المشارك له في الوعي والمعاناة والثّقافة، ومن ثمّ، بوصفه المتلقّي القادر على التّواصل معه، وتفهّم حقيقة موقفه، وهو شعور من شـأنه أنه قد بقي يدفع المبدع إلى المزيد من العزلة، والتّشرنق داخل شرنقة اللّغة والفكر، ما أحال كلّ شيء في تجربة الذّات تابعاً لها، وتحت تصرّفها، بما في ذلك اللّغة نفسها التي غدت-في الكثير من الحالات-مجرّد أداة لتخفي هذه الذّات، وتحجبها عن الآخرين.

وهو شعور من شأنه أنّه قد ترك آثاراً سلبيّةً؛ ليس فقط على مستوى حياة المبدع الدّاخليّة، وإنمّا على مستوى عمليّة الإبداع نفسها، من حيث إنّ شعوره بعدم وجود هذا النّمط من المتلقّي قد يؤدّي إلى الشّعور بعدم جدوى استمرار تلك العمليّة، ما قد يؤدّي إلى توقّفها، بل يمتدّ تأثير هذا الشّعور ليطال طبيعة الفعل الإبداعيّ المنتج نفسه؛ إذ بدل أن يتوجّه المبدع إلى جمهور بعينه، أو إلى مخاطب بعينه، هو الإنسان الذي يشاطره الحياة على الأرض في الزمان والمكان المحدّدين، ويجري عليه نفس الظّروف-نجد المبدع العربيّ يكتب لآخر يقع خارج زمكان الكتابة، ليس هذا فحسب، بل نجده في كثير من الأحيان، يكتب لنفسه، بعد أن تأكّد له غياب ذلك القارئ الذي طالما بحث عنه، ولم يجده، الأمر الذي أحال كتابته نوعاً من المونولوج الدّاخلي، أو ضرباً من الحوار المغلق مع ذاته، أو مع مجموعة من الذّوات الأخرى المحدّدة والمحدودة أو المنعزلة التي لا يتجاوز عددها أصابع اليدّ.

 زد على ذلك أنّ إنكسار الحلم العربيّ بمشروع قوميّ عربيّ واحد، بعد نكسة حزيران 1967م، على مستوى الواقع الاجتماعيّ أو التّاريخيّ العربيّ، قد أدّى، على المستوى الإبداعيّ العربيّ، إلى انكسار حلم النّص/القصيدة، وانكفائها على ذاتها، وأدّى، من ثمّ، إلى غياب دور الكلمة في وعي المبدع العربيّ.

 ومن هنا رأينا الكتابة الإبداعيّة العربيّة متعالية في الغالب على الواقع العربيّ، مغلقة على النّخبة؛ باعتبار أنّه لم يعد للمبدع العربيّ مطمع في كسب ثقة الجمهور العربيّ، ومحاورة السّواد الأعظم منه، ومن هنا وجدت تلك القطيعة بين المثقّف العربيّ والجماهير العربيّة، وبين المبدع العربيّ ومتلقّي إبداعه، وهي قطيعة ربمّا عبّرت عنها ظاهرة غياب «الأسواق الأدبيّة» التي تمكّن الأديب من التّرويج لإنتاجه الأدبيّ، وفرض سلطانه على أفراد المجتمع بكافّة فئاتهم وشرائحهم، وحلول ما يسمّى بـ«المنابر الأدبيّة» محلّها.

 على أنّ ما يميّز ما يسمّى اليوم بـ«المنابر الأدبيّة» عمّا كان يسمى قديماً بـ«الأسواق الأدبيّة» أنّ المنابر خاصّة ومحدودة، على معنى أنّ المخاطَب فيها أو من خلالها، يعدّ مخاطَباً محدوداً ومحدّداً(خاصّاً)، باعتبار أنهّا تخاطب النّخبة المحدودة أو مجموعة الذّوات المشار إليها آنفاً. أمّا الأسواق الأدبيّة فقد كانت بمثابة ساحة مفتوحة للتّنافس، وتوجيه الخطاب إلى فئات مختلفة من النّاس، لذلك فقد عدّت وسيلة لمخاطبة الكلّ، وفرض شروط الخطاب الإبداعيّ على الكلّ، ولذلك فهي تمكّن الأديب من فرض سلطانه على الكلّ، هذا من جهة، ومن جهة أخرى، فإنّ من شأن هذه الأسواق المفتوحة على المتعدّد واللاّنهائيّ، أنها تفتح للمبدع العربيّ آفاقاً أوسع وأرحب للتلقّي على جمهور أوسع، من جهة، ومتعدّد الثّقافة ومتفاوتها، من جهة ثانية، وهو أمر من شأنه أن يفتح المبدع على أفق الإصغاء والحوار مع الآخرين بكافّة أطيافهم وثقافاتهم، وبتعدّد مستوياتهم، فبعد أن كان إبداع المبدع نوعاً من الحوار المفتوح على المتعدّد واللاّنهائيّ، مع الذّات ومع الآخرين، أي مع جمهور متعدّد الثّقافات متفاوتها، صار إبداعه-بعد غياب ما يسمّى بـسالأسواق الأدبيّة-بمثابة حوار مغلق مع ذاته، أو مع ذوات أخرى متجانسة مع ذاته.

وهو ما يسمح لنا بالقول: إنّ من شأن توافر الواقع العربيّ أو الحياة العربيّة على أسواق أدبيّة، أنّه يعني توافر هذا الواقع على سياق تلقّ حقيقيّ للإبداع العربيّ، وتوافر هذا الواقع على سياق تلقّ حقيقيّ للإبداع العربيّ بعامّة، يعني وجود مستهلك حقيقيّ للإبداع العربيّ، بمعنى وجود مستهلك(قارئ)حريص على انتقاء السّلع الإبداعيّة الجيّدة أو التي تتوافر على شروط الجودة، ووجود مستهلك(قارئ) بهذه المواصفات، يعني وجود قوّة شرائيّة حقيقيّة لتلك النّصوص، ووجود قوة شرائيّة، معناه وجود حافز حقيقيّ على الإبداع، أو على المزيد من إتقان الصّنعة، من جهة، ووجود مراقب على العمليّة الإبداعيّة، من ناحية ثانية، ومن ثمّ، وجود المشارك الفعليّ في عمليّة الإبداع ذاتها؛ باعتبار أنّ المبدع للقصيدة أو للقصّة لا يبدعها لنفسه، وإنمّا لأنّه بات يشعر بحضور الجمهور المتلقّي، ولذلك فهو يخضع إلى حدّ ما لشروط ذلك الجمهور، بوصفها في الأخير أهمّ شروط التّواصل الإبداعيّ معهم.

وعليه يمكن القول: إنّ وجود السّوق الأدبيّة، بالنّسبة للمبدع، يعني أشياء كثيرة، أهمّها شعوره بضرورة تقديم الجديد الذي يستحوذ على جمهور المتلقّين، ويفرض شروطه عليهم، أمّا عدم وجود الأسواق الأدبيّة، فيعني بالنّسبة للأديب أشياء كثيرة، لعلّ أهمها: شعوره بعدم وجود مستهلك لأدبه، ومن ثمّ، عدم وجود مرشد أو دليل يدلّه على طريق الأدبيّة الحقيقيّة. ثمّ شعوره بالإحباط، وعدم جدوى ما ينتج من أعمال إبداعيّة، على نحو قد يؤدّي إلى انطفاء جذوة الإبداع فيه، هذا إضافة إلى اغترابه عن المحيط الذي ينتج فيه، ما قد يفضي بإنتاجه الأدبيّ ليغدو نوعاً من الاستنساخ الآليّ لتجارب الآخرين وإبداعاتهم، نقول هذا باعتبار أنّه تسود في مثل هذه الوضعيّة «ظاهرة المحاكاة والتّقليد»؛ حيث العمليّة الإبداعيّة تتمّ بمعزل عن سياق التّلقّي الفعليّ والحقيقيّ لما ينتجه الأديب (ix) (iIx) .

لنخلص من هذا إلى القول: إنّه لا يمكن أن ينهض إبداع حقيقيّ إلاّ في سياق تلقّ حقيقيّ، الأمر الذي يفرض علينا النّظر إلى سياق الإبداع الحقيقيّ بوصفه سياق التّلقّي الحقيقيّ، والعكس صحيح أيضاً؛ فسياق التّلقّي الحقيقيّ لنص ما، هو، في نهاية الأمر، سياق إبداعيّته.

 غياب النّقد؟ أم غياب النّاقد؟!

وإزاء هذه الأزمة/القطيعة التي حاولنا-في هذه العجالة-استقصاء بعض أسبابها ومسبّباتها، فإنّ علينا أن نسأل: أين هو النّقد؟ وما الدّور الذي لعبته المناهج النّقديّة الحديثة إزاء هذه الأزمة/القطيعة؟ هل أسهمت هذه المناهج في حلحلة هذه الأزمة، أم عملت-بالعكس-على تأزيمها؟

-١-

وحتى نتمكّن من الإجابة عن هذا التّساؤل الذي يمثّل الهدف الرّئيس من هذه الدّراسة، يمكن القول: نعتقد أنّ المناهج النّقدية المعاصرة قد أسهمت في تأزيم العلاقة بين المبدع والمتلقّي العربيّ، لجملة أسباب، من بين أهمّها:

١. ١. أنّها-في الجملة- مناهج منحازة:

-إمّا للفرد المفرد؛ أكان الفرد المبدع/منتج النّص (كلّ المناهج الما قبل نصيّة) أم الفرد المتلقّي (النّاقد) الذي يسعى خلال فعل القراءة/ الاستجابة النّقديّة إلى فَرْدَنَةِ ذاته، أو إلى الكشف عن إمكاناته أو عن حقيقة وجوده الفرديّ المفرد (كلّ المناهج المابعد نصيّة?543; مناهج نقد استجابة القارئ).

-وإمّا للنّص في ذاته ومن أجل ذاته(كلّ المناهج النّصيّة، داخلاً فيها مناهج النّقد البنيويّ، إضافة إلى مناهج التّحليل الأسلوبيّ).

 لذلك نجد من سمات هذه المناهج النقديّة:

 ١. ٢. التّجريبيّة: أنّها في ذاتها مناهج تجريبيّة؛ هدفها تجريب القراءة النّقديّة وإعادة التّجريب، ولأنّ هذه المناهج تجريبيّة، فهذا يقتضي أو يتطلّب منها أن تكون فرديّة، لذلك فهي تُفَرْدِنُ الفعلَ الإبداعيّ(بمعنى تجعله من إنجاز الفرد، وممّا يخصّه)ولا تعمّم هذا الفعل، أو تشيع ثقافته بين السّواد الأعظم من النّاس.

١. ٣. النّخبويّة: أنّها مناهج نخبويّة؛ كونها نشأت وترعرعت، في الغالب، في حضن المؤسّسة الجامعيّة، ما أدّى إلى ارتباطها بالنّخبة وثقافة النّخبة. وثقافة النّخبة-كما نعلم-تكاد لا تشارك في الحياة العامّة للمجتمع، بل تعيش داخل أسوار المدارس والجامعات فقط، وهي ثقافة يتمّ تعلّمها بوعي، ومن خلال المؤسّسة، وهي-كما يقول فيليب فيشر(iiix) «شيء يتمّ الدّخول إليه من خارج» وليس من السّهل رؤية هذا الفنّ أو نقده كممارسات اجتماعيّة ذات مدلولات تتجاوزها ذاتها. إنّ فكرة النّقد كنشاط مكمّل لتجربة الجماعة وخبرتها الغنيّة شيء مختلف تماماً عمّا هو حاصل اليوم في السّاحة النقديّة المعاصرة، وإنّ عدد النّقاد الأكاديميّين الذين يمارسون نقدهم ضمن أطر تعتبر الفنّان والجمهور والنّاقد أعضاء معاصرين في المجتمع ذاته لكلّ منهم نصيبه ورأيه في طريقة عمل الفنّ في المجتمع، قليل جدا(vix) 

١. ٤. التّبعيّة للنّص: على أنّ ثمّة إستراتيجيّة أخرى متسلّطة عزّزت من عمليّة انعزال النّقد، عن ساحة التّأثير الثّقافيّ الجمعيّ، حين أشاعت أنّ الأعمال الفنيّة ذاتها هي التي تحدّد عمل النّاقد، أو بالأحرى هي التي تستدعي «الفعل النّقديّ» وأنّ أفضل الأعمال الإبداعيّة، هي تلك التي تستدعي عملاً نقديّاً أفضل، وأنّ أسوا الأعمال هي التي لا تستدعي أيّ نقد أبداً، ما أدّى إلى أن يصبح عمل النّاقد محكوماً بالطّبيعة، وليس بالمجتمع(vx).

١. ٥. فائض القيمة: لقد أدّت الوضعيّة السّابقة للنّقد، ليغدو ضرباً من الإنتاج غريب؛ يتمّ إنتاجه من أجل الإنتاج، أو كي يلبّي حاجة الفرد النّاقد، وليس من أجل استهلاك المجتمع له، فقد بات من المسلّم به أنّ كثيراً من النّقاد، إنمّا يكتبون النّقد من أجل إثبات جدارتهم، أو من أجل الحصول على عمل، أو من أجل الحصول على التّرقية والمنصب، أو من أجل الحصول على المكانة والوظيفة، أو من أجل نيل إعجاب القرّاء والمتابعين، وكسب احترام الذّات، أو من أجل امتلاك متعة الاكتشاف، والاحتفاء بالأدب والتمتّع بالمعارك الجدليّة، والتّواصل مع أولئك الذين لهم اهتمامات مماثلة.. وهكذا.

١. ٦. المتعويّة: وهذا ناتج من كون المناهج النّقديّة المعاصرة قد حصرت اهتمامها، في الغالب، بنصوص الخطاب التّخيّلي، على نحو يؤكّد أنهّا قد حصرت اهتمامها بنصّ المتعة، وأن تحصر هذه المناهج اهتمامها بنصّ المتعة، فهذا يعني أنهّا قد صارت هي نفسها مناهج متعويّة؛ تسعى إلى المتعة القرائيّة، وتؤسّس لمنطقها. وهذا يقتضي تعاليها على عالم المتلقّي، وانغلاقها على عالم النّصوص الإبداعيّة، دون سياقاتها، إلاّ فيما ندر، وهو أمر من شأنه أن يؤكّد أنّ هذه المناهج قد أسهمت-بصورة ضمنيّة أو مباشرة-في التّأسيس لحالة من القطيعة بين المبدع والمتلقّي، وأدّت إلى عزل المبدع عن محيطه الاجتماعيّ والتّاريخي، ما أغراه بالعزلة والانقطاع عن عالم النّاس، على نحو جعل من إبداعه نوعاً من الحوار المغلق بين الأنا والأنا، أو بين الأنا والأنت أو الأنوات الأخرى المتماثلة معها ثقافةً ومصيراً، بدل أن كان يجب عليها أن تؤسّس لحالة من التّواصل بين المبدع والمتلقّي، وخلق حالة من أجواء الحوار الحرّ والمفتوح.

 وهذا يقتضي أنّ الموقف النّقديّ الذي تبنّته هذه المناهج، قد أسهم- ضمن ظروف اجتماعيّة وثقافيّة أخرى-في عزل النّاقد العربيّ عن محيطه السّوسيو-ثقافيّ العربيّ بشكل عام، ما جعله يعيش حالة من الانكفاء والعزلة، أو من الصّمت والنّكوص عن مواجهة عالم الحياة اليوميّة، وأغراه ذلك، في الوقت نفسه، بأن يعيش حياة خاصّة خارج عالم النّاس: عالم الحياة اليوميّ الحيّ المباشر، في عالم النّصوص(بخاصّة نصوص التّعالي على عالم الحياة اليوميّ) بدلاً عن عالم الوقائع والأحداث الذي آثر ألاّ يراه، أو ألاّ يتّصل به أو يتواصل معه أو يتفاعل، إلاّ عبر وساطة النّص الإبداعيّ، أو عبر عدسة هذا النّص، هذا إن كان النّاقد ممّن يسلّم بأنّ النّص عدسة أو ينطوي-ضمن ما ينطوي عليه-على عدسة، أو مرآة تعكس-ضمن ما تعكس-الواقع الاجتماعيّ أو التّاريخيّ الذي أنتج في سياق حركته.

 على أنّنا نعلم أنّ اهتمامات النّاقد عموماً قد لا تنصبّ أو تتركّز بالضّرورة، حول نصوص الواقع الاجتماعيّ أو التّاريخيّ الذي يحياه هو في عصره حتى يكون بمقدوره- على الأقلّ- الاتصال أو التّواصل بروح العصر الذي يحيا في زمنه عبر تلك النّصوص، بل قد يتركّز اهتمامه، أو ينصرف جهده النقديّ باتجاه نصوص أخرى غير معاصرة، أو معاصرة، لكنّها لا تعبّر، بالضّرورة، عن روح العصر الذي يعيش فيه؛ فهي من جملة النّصوص المتعالية على الزّمن والتّاريخ أو التي يتمّ إنتاجها بطريقة تجسّد روح القطيعة مع العصر، ما قد يضاعف من مأساة النّاقد، ويجعله يعيش حالة من القطيعة الحقيقيّة عن عالم الحياة التي يحياها في إطار الآخرين، ولا يعود يرتبط بأيّ صلة بالعصر الذي يعيشه ولا يعيشه، أي الذي يعيشه واقعاً(أو متلقيّاً سلبيّاً، منفعلاً غير فاعل أو غير مشارك في صنع أحداثه ووقائعه) ولا يعيشه وعياً وإرادةً، أو فعلاً وفاعليّةً، أي مشاركاً بالفعل في صنع أحداثه ووقائعه.

-٢-

على أنّنا نعتقد أنّ وراء هذه الوضعيّة المأزومة للنّاقد العربيّ عموماً، وغيابه-في الجملة-عن ساحة الفعل النّقديّ الفاعل في نصوص الكلام الحيّ فعلَه في حياة المجتمع الذي تعبّر عنه تلك النّصوص، أسباباً كثيرةً؛ ذاتيّةً وموضوعيّةً:

٢. ١. منها ما يعود إلى طبيعته هو نفسه، بما هو كائنٌ كينونته نصيّة، في الأساس، أي من حيث هو(النّاقد)كائنٌ يكون في عالم النّصوص، ويتكوَّن في عالم النّصوص.

٢. ٢. ومنها ما يعود إلى طبيعة العالم النّصيّ أو النّصوصيّ الذي يختاره الكائن النّاص/النّاقد ليكون فيه، أو ليتناصّ معه؛ فجميعنا يعلم أنّ نصوص الكلام التي يستهدفها النّاص النّاقد بفعله النّقديّ عموماً، ليست واحدةً، بل هي متعدّدةٌ ومختلفةٌ باختلاف وظائفها، وطرائق تشكّلها، أو باختلاف علائقها بمتكلّميها(مؤلّفيها) ووظائفها:

-فثمّة أوّلاً: نصوص تحكي واقع متكلّميها(ليس فقط كأفراد مفردة، بل كجماعات أو كأنوات جماعيّة) فهي تحكي قصّة سقوط متكلّميها في عالم الكلام المتكلَّم اجتماعيّاً أو تاريخيّاً، واستسلامهم لشروطه.

-وثمّة ثانياً: نصوص تحكي مفارقة المتكلّمين لواقعهم(تحكي قصّة الانسحاب والهرب عن عالم الواقع، لذلك فهي تحكي قصّتهم في عالم العزلة، حيث لا أحد إلاّ هم) ومن ثمّ، يصحّ وصف مثل هذه النّصوص بـ«نصوص- ما فوق الواقع» أو بـ«نصوص النّكوص والهرب» عن عالم الواقعس. في حين يمكن وصف الأولى بأنّها نصوص الواقع (أو نصوص البينونة/السّقوط في عالم الواقع).

-وثمّة ثالثاً: نصوص تحكي صراع المتكلّمين مع واقعهم(تحكي قصّة التّفاعل والجدل مع واقع الكلام) ويمكن وصف هذه النّصوص بأنهّا نصوص الكينونة /الجدل، أو نصوص المواجهة والصّراع.

-وثمّة رابعاً: نصوص لا تحكي ولا تحاكي، فهي صمّاء بكماء، لا تسمّي شيئاً، ولا تشير إلى شيءٍ؛ أو لا تتضمّن أيّة إحالة على أيّة مرجعيّة؛ داخليّة أو خارجيّة، لذلك فهي نصوصٌ مصمتةٌ؛ لا داخِلَ لها ولا خارجَ، وهذا يقتضي أنّها لا تسمّي شيئاً سوى وجودها الشّيئيِّ المُصْمَت هذا(iivx /ivx).

 ومن هنا يمكن القول: إنّ وضع النّاقد العربيّ عموماً يختلف باختلاف العوالم النّصيّة التي يتحوّل إليها، ليفعل فيها ومن خلالها، وباختلاف طرائق حضوره في حضرة تلك العوالم، أو بالأحرى باختلاف درجة حضوره في حضرة أيّ من تلك النّصوص المشار إليها آنفاً، وباختلاف طرائق استحضاره لأيٍّ منها؛ فإذا تحقّق له الحضور في حضرة نصّ الواقع، فقد تحقّق له الحضور في حضرة الواقع عينه الذي يحكيه ذلك النّص أو يحيل عليه كمرجعٍ مباشرٍ له. وإذا تحقّق له الحضور في حضرة نصّ التّعالي على الواقع، فقد جسّد، بحضوره في حضرة هذا النّص، غيابَه عن عالم الواقع الذي يتعالى عليه ذلك النّص. وإذا تحقّق له الحضور في حضرة نصّ الصّراع والجدل مع عالم الواقع، فقد جسّد، بحضوره في حضرة هذا النّص، حضورَه في حضرة الواقع الذي يشتبك معه. وإذا تحقّق له الحضور في حضرة نصّ الغياب، فقد جسّد غيابه المطلق والشّامل عن عالم الواقع، كما عن عالم النّصوص، فاختلف-بذلك-موقف النّاقد حديثاً عن موقفه قديماً، من حيث إنّه ظلّ يمثّل قديماً دور الوصاية/الأبوّة على النّص(بوصفه نصّ المحاكاة والتّمثيل) الذي بقي مهيمناً في السّاحة الثّقافيّة العربيّة-وربّما العالميّة-حتى مطلع عصر النّهضة الأوربيّة، وظهور تيّارات جديدة مناوئة لهيمنة ذلك النصّ، ليُقَوِّمَ(النّاقدُ القديمُ) واقعَ النّص أو الواقع النّصيّ، على ضوء واقع الحياة التي يحياها خارج النّص، أي ليصدر حكماً معياريّاً على القيم النّصيّة في ضوء القيم(الخارج نصيّة) السّائدة في الواقع الذي يحكيه عالم النّص، وهي القيم ذاتها التي ظلّت تفرض شروطها على كلّ قيمة نصيّة، فكان تحوّل النّاقد إلى العالم النّصيّ إذن، لم يكن يهدف من ورائه إلى تحقيق أيّ شيءٍ يتعلّق به هو ذاته، بمعنى: لم يكن هدفه الكشف والاكتشاف؛ الكشف عن ذاته لاكتشاف إمكاناته، إضافةّ إلى اكتشاف نظام الكشف المعرفيّ عن الذّات وعن العالم، بل ظلّ يهدف إلى فرض وصايته على النّص، وتصحيح مساره النّصيّ، بحيث يضمن له تحقيق قدر من التّناغم والانسجام في العالم النّصيّ أو النّصوصيّ السّائد في مجتمعه، وهو ما اقتضى تقويم النّصوص، أو ما اعوجّ منها؛ عن طريق إصدار حكم إدانة عليها، وأنّها قد خرجت عن معيار النصيّة السّائدة، أو عن بعض مبادئ التّنصيص السّائدة في زمن قراءتها، مقابل إصدار حكم آخر لصالح نصوص أخرى بأنهّا قد التزمت بتلك المبادئ بهذا القدر أو ذاك.

 لقد كان الهدف الرّئيس للنّاقد إذن تصحيح المسار النّصيّ، وإضفاء طابع الشّرعيّة على تلك النّصوص، ودمجها في العالم النّصوصيّ لمجتمعه، لقد كان النّاقد القديم إذن يمارس دور الوصاية/الأبوّة/السّلطة، ليس فقط على نصوص الكلام التي صارت مع تقادم الزّمن، واتّساع المسافة بينها وبين مؤلّفيها، نصوصاً يتيمةً؛ كونها قد فقدت أبوّة مؤلّفيها، أو صارت بالأحرى، دون «أبٍ» يدفع عنها شرور القراءة السّيئة. بل ظلّ يمارس سلطته على كلّ منتجي النّصوص من الشّعراء والمبدعين أو الفنّانين الذين مجال إبداعهم الكلام، أو مادّة إبداعهم اللّغة؛ باعتبار أنّ النّاقد هو ناقد لكلّ الفنون القوليّة أو التّشكيليّة: شعر، موسيقى، رسم، أو نحت …إلخ(iiivx) .

وهو ما يعني أنّ النّاقد القديم لم يعد ينظر إلى النّص كغاية في ذاته، بل فيما يؤدّي إليه من نتائج على مستوى السّلوك الإنسانيّ، فما هو مهمّ(بالنّسبة للنّاقد) هو السّلوك الإنسانيّ(النّاجم عن الخطاب الأدبيّ)، وليس الخطاب الأدبيّ نفسه(xix)،  أي أنّ مركز الفعاليّة النقديّة القديمة لم يكن النّص أو الخطاب في ذاته، بل ما يترتّب عليه أو ما يحدثه النّص أو الخطاب من أثر سلبيّ في الجمهور المتلقّي.

وإذا كان هذا حال النّاقد قديماً، فإنّ حال النّاقد حديثاً قد اختلف، على الأقلّ، من حيث إنّ النّص قد بات هو الذي يشغل مركز الفعاليّة النّقديّة المعاصرة، فلا تنصبّ عناية النّاقد الرّئيسة على ما يبديه الجمهور من سلوك إزاء النّص، بل على(دلالة النّص) نفسه التي تشي بها لغته، ولا تكمن فاعليّة النّاقد المركزيّة في سنّ معايير للمضمون الأخلاقيّ للأعمال الأدبيّة، أو في تقديم نصائح للمؤلّفين الذين يرومون إنتاج عمل جديد، بل في تأويل النّص نفسه، والكشف عن دلالاته الممكنة (xx). 

 وعلى الرّغم من أنّ وصف خبرة النّاقد المعاصر قد أخذ يتغيّر مع كلّ عمليّة قراءة للنّص، وعلى الرّغم ممّا يقال من أنّ النّص قد بات يستنفد نفسه أو يتوارى، وأنّ القارئ المعاصر قد بات يكتب نصّه الخاصّ، فإنّ النّاقد لا يزال يمتثل لتقليد في القراءة يتّخذ من النّص المفرد الواحد وحدة معياريّة للتّأويل، وقد يكون للنّص مجرّد ظلّ، إلاّ أنّه ما يزال يفسح عن طريق المواضع، الفضاء الذي بضمنه يؤدّي ناقد دوره(ixx) لذلك فقد بقي هذا النّاقد يعاني-في الأعمّ الأغلب-حالة من الانكفاء والعزلة أو من حالة الصّمت الرّهيب الذي بات يلفّ حياته، تماماً كما يلفّ حياة المبدع العربيّ عموماً، على نحو أدّى إلى غيابه عن ساحة الفعل النّقديّ الفاعل في السّاحة الثّقافيّة العربيّة، وانزوائه في عتمة النّص المغلق(?543;عن وعي القارئ العربيّ العاديّ على الأقلّ)، ما أدّى إلى عزلته عن أفق التّناصّ الحقيقيّ مع نصوص الواقع الحيّ بكافّة أشكالها وتجلّياتها، أو مع نصوص المجتمع الذي ينتمي إليه، ويفترض أنّه يعبّر عن وعيه الممكن أو الطّليعيّ.

  وإذا صحّ القول، عن الكائن النّاقد قديماً: إنّه قد بقي-في الأغلب الأعم- في أسر نصّ الثّقافة/ القراءة النقديّة السّابق في الوجود على وجوده القارئ-بوصفه النّص الذي ظلّ يفرض سلطته على كلّ قارئ ومقروء لاحق- فإنّه يصحّ القول عن الكائن النّاقد حديثاً: إنّه وإنْ تعدّدت أكوانه النّصيّة القرائيّة والمقروءة على نحو غير مسبوق، إلاّ أنّه قد بقي هو الآخر أيضاً- في الأغلب الأعمّ-في أسر نصّ القراءة النقديّة المنهجيّة الجاهز، بوصفه النّص الذي بات يفرض شروطه على كلّ مقروء وقارئ؛ سابق أو لاحق، وهذا يقتضي أنّ هذا الكائن قد بات متحقّق الكينونة أو كائنَها في نصّ الاستلاب، أو في نصّ القراءة المنهجيّة المبرمجة، أي الخاضعة لشروط المنهج النقديّ المحدّد الذي يلتزم به النّاقد، بآليّاته وأبعاده المحدّدة. ما يعني أنّه(?543;الكائن النّاقد) قد بقي حديثاً، كما كان قديماً، كائناً متحقّقَ الكينونةِ في نصّ البرمجة السّابق في الوجود على وجوده النّقديّ المبرمج، وقلّما رأيناه كائناً متحقّق الكينونة في نصّ الوجود النّصيّ الكلّي المفتوح على الواقع وما يعلو عليه أو يحقق مسعى تجاوزه، وهو ما عمّق من الأزمة القائمة بين المبدع والقارئ العربيّ.

هوامش البحث:

i (ينظر في هذا: صمّود(حمّادي): من تجليّات الخطاب الأدبي، دار قرطاج للنشر والتوزيع، ط اولى ١٩٩٩م:106وما بعدها.

ii (ينظر: نفسه:108).

iii (ينظر: نفسه).

vi (ينظر: نفسه).

v (نفسه:109).

iv (ينظر: أيو زيد(نصر حامد): النّص، سلطة الحقيقة، المركز الثّقافيّ العربيّ، بيروت، ط٢، 1997م: 63، 64).

iiiv (ينظر: تجليّات الخطاب الأدبيّ، مرجع سابق:123، 124).

xi (نفسه:124).

x ينظر: عبد المطّلب(محمّد):في حوار أجرته معه قناة التّنوير المصريّة حول قصيدة النّثر في الخامس عشر من فبراير:2003م.

ix يجب الإشارة هنا إلى أنه قد ظهر أخيرا بعض القنوات الفضائية التي بدأت تلعب مثل هذا الدور الغائب، على الأقل بالنسبة لفن الشعر.

iiix (فن بدون نقاد ونقاد بدون قراء، ما هو النقد؟ بول هيرنادي، تر/ سلافة حجاوي، دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد، ط١، 1989م: 187).

vix ينظر: نفسه: 188.

vx (ينظر:نفسه:189)

ivx والأوّل هو نصّ الكلام الواقعيّ(الكلاسيّ) الذي طغى قديماً حتى مطلع عصر النّهضة، والثّاني هو نصّ الكلام المفارق للواقع أو الـ«فوق واقعيّ» (الرّومانسيّ) الذي ظهر في بداية عصر النّهضة، كردّ فعل على هيمنة النّص الأوّل الكلاسيّ، والثّالث هو نصّ الاشتباك المباشر مع الواقع القائم، في حضوره العينيّ المباشر(ويتمثّل في نصّ الكلام الحداثيّ) الذي جاء كردّ فعلٍ طبيعيٍّ على هيمنة نصّ التّعالي الرّومانسيّ، أمّا الرّابع فهو نصّ اللاّنص، أي أنّه النّص الذي لا ينصص أيّ شيءٍ سوى ذاته، أو غياب النّص الذي بدء في الظّهور مع ظهور تيّار ما بعد الحداثة، كردّ فعلٍ طبيعيٍّ على تيّار الخطابيّة والنّصيّة الذي طغى مؤخّراً.

iiivx  ينظر: تومبكنز (جين.ب): نقد استجابة القارئ، من الشّكلانيّة إلى ما بعد البنيويّة، تر: حسن ناظم وآخرون، المجلس الأعلى للثّقافة، القاهرة، ط١، 1999م: 345.

xix (نفسه:344).

xx (نفسه).

ixx (نفسه).
 
عبد الواسع الحميري
اكاديمي وباحث من اليمن

شاهد أيضاً

نصوص

البيوت التي كنا نقصدها خلال طفولتي كانت نوعين: أماكن زيارات مرتبطة بصداقات اختارتها أمي طوعاً، …