أخبار عاجلة

النافذة

كنتُ أصدّق الكلمات ..
الكلمات التي قيلت لي· كلماتهم ؛ ولكن قُضيَ الأمرُ وأصبح واقعاً آخر: مغايرٌ وجديد· أنا الآن معرّضةٌ لكل شيء:
للعيش وحيدة في مكانٍ أجهله تماماً ويجهلني · في غرفة شبه خاوية، والتحديق في جدرانها العارية · معرّضةٌ لغياب وجه أمي الذي لم أره منذ أن اقتُدتُ إلى هنا بلا ذنب· لانطفاء ضوء الغرفة عند الثامنة مساء بيد مجهولة· للنوم على سرير غريب لا يتسع لنا معاً· لاعتصار الوقت كثمرةٍ ناضجةٍ من أجل مروره سريعاً·
أنا معرّضةٌ لكل شيء:
لصفعةٍ من يد أخي· لسماعي في العتمةِ لَغَطاً وضحكاتٌ على مبعدة خطوات مني، حيث الهواء الليلي ينقل كل شيء· للانخراط في نوبات بكاءٍ حادّة· للتعرّضِ لتشنّجات في المعدة، وارتعاشات ساخنــــــة تبدأ من الأطراف لتنتهي عند الرأس تماماً·
معرّضةٌ لكل شيء:
لتوقي للمشي في طرقات عرفتها وأحببتها · لاستنشاق روائح غريبة لم أعرف مصدرها ولم أتبيّنها ـ روائح أعرف أنها لا تشبهني قط· معرّضة لاشتهائي طعام أمي· للسقوط في عتمة الخوف والوحدة والكوابيس التي لا تنتهي· لأن أُحقن بإبرة الممرض العجوز كل يوم·
ولكن، قبل كل شيء، ما الذي حدث؟
j h j
أتذكّر الأمر برمّته ، قبل أن يقتادوني إلى هنا على عجل ويغيبون· أنا لم أرهم منذ ذلك الحين·
كنت قد صرخت في وجه أمي : أين طفليّ؟ أين ذهبت بهما، ولماذا أخفيتهما عني؟ أنا الأم، أمهما· إلاّ أنّ أمي بقيت صامتة· فقط ؛ رأيت دموعاً تسيل من عينيها، في الوقت الذي كانت ترتب أغراضي داخل حقيبة سوداء لا أطيقها : معجون أسنان برائحة النعناع، فرشاة طبية تحمي اللثة قبل الأسنان، قالت أنها ستلزمني·
ــ أين سنذهب؟ سألتُ·
ــ إلى حيث طفليك ، ألا تريدين رؤيتهما ؟
ــ أجل · أنتِ لم تقتليهما إذن؟
ولم تجب بشيء·
j h j
كنت أصدّق الكلمات· الكلمات التي قيلت لي، كلماتهم ، ولكن··
ركبنا السيارة· أمي بجانب أخي الذي تولّى القيادة، أنا في المقعد الخلفي، في حضني ترقد حقيبة صغيرة، وضعتُ فيها أغراضاً وملابس للطفلين، وعلبة شوكولا لذيذة، وألعابهما، خاصة الدب الأزرق الكبير·
أخذتُ أغني وأحثّ أخي على القيادة بسرعة·
* * *
وصلنا ساحة كبيرة مبلّطة، لامعةٌ ونظيفة، تظللها أشجار الحور والسرو الخضراء ، وفي آخرها مبنى بطابقين اثنين·
كتمت ريبةً نبتت داخلي، ونزلت من فوري· كان الهدوء قاتلاً ، ولم يكن من أحد·
ــ أين طفليَّ؟ شددت أخي من كتفه صارخةً في وجهه ·
عتمة تامة· عيناي لا تريان شيئاً ، كأني مخدّرة· صفعني أخي على وجهي للمرّة الأولى·
جاء رجل وقادني من يديّ اللتين أطبقتا على الحقيبة الصغيرة·
حمل أخي الحقيبة الأخرى ورافقنا، وبقيت أمي في مكانها· من ورائي، استطعت سماع صوت بكاء حاد· أفلتُّ يديَّ بصعوبة من قبضة الرجل القوية ونظرت: كانت أمي تبكي بصوت مرتفع·
دخلنا المبنى· فُتح باب حيث غرفة صغيرة بها سريرٌ واحد يقابل طاولة، وكرسي أبيض قديم·
ــ هنا ستكون· قال الرجل لأخي·
غاب أخي · لم أرَ وجهه· سمعتُ وقع خطواته في الممر الطويل قبل أن يختفي الصوت تدريجياً ويغيب·
أغلق الرجل باب الغرفة بالمفتاح وهو يتمتم بما لا أتبيّنه، وكأنّه يخاطب كائناً لامرئياً ، وخرج·
j h j
الآن سيبدأ الأسوأ·
عضضت على شفتي · ضربت يدي على حافة الطاولة بعنفٍ، فَجُرِحَتْ ولم آبه· أخذت بالبكاء والصراخ، وكنتُ أُنادي طفليّ من جديد بإسميهما·
سلّمني أخي لحتفي، وقيّدني هنا، إلى ما لا أعرفه، بموافقة أُمّي، لكنني أتساءل : لماذا أخذت أُمي بالبكاء والرجل يقتادني كضالة؟
أريد أن أراهما ، فقط، هذا كل ما أطلبه· هما ما أحتاجه حقاً· طفلاي الجميلان الحبيبان· أنا على استعداد لأن أقتل أياً كان ــ حتى نفسي ــ من أجل رؤيتكما ثانية·
أعرف أنهما هناك، وليس هنا، (إذْ لو كانا هنا، لظهرا حال وصولي)· أريد أن أذهب إلى ــ الهناك · ولكن قبل أن أذهب ،···، لا، أحسّ أنني أتحدّث بصوت مرتفع ، وقد يسمعني أحدهم ، وإنّي عاجزةٌ عن استعادة ما أقوله، وليس لديّ القدرة على تسجيله· ما أريده الآن هو طفليّ الجميلين الحبيبين·
j h j
جاء الممرّض العجوز السمين· اعتقدَ أنني نائمة، فمثّلتُ الدور· حقنني بالإبرة في وريدي· لم أعترض ولم أظهر أيّة مقاومة· في المرّة التالية، سألت بأدب : عمّو ، هل أنا مريضة؟
ــ لست مريضة· هذا فقط لكي تنامي بهدوء·
كان يكذب ·
رأيت عينيه تطفحان بالكذب · في الصباح، حين يجيء، لديّ ما أفعله معه !·
j h j
صباح اليوم التالي هممت بالنهوض ، إلاّ أنني لم أستطع· شعرت بالإنهاك· لم أفعل شيئاً· يداي تؤلمانني، قدماي ثقيلتان مخدّرتان· ماذا حدث؟ أنا عاجزة عن القيام بأيّة حركة، كغسل وجهي مثلاً، أو القيام بأداء تمارين الصباح الخفيفة التي اعتدت القيام بها في السابق·
من النافذة المشرعة رأيت خيوط شمس العاشرة تتسلل إلى الغرفة· يا إلهي، أنا التي كنتُ (أصحّي الشمس من نومها) ماذا أصابني ؟ ما الذي يدور حولي في الخفاء ؟ أين طفليَّ؟ جاء الصباح ولم يحضرا، أين ذهبا ؟
نهضت بصعوبة في محاولة أن أفتح الباب لأخرج، حيث الساحة المبلّطة الواسعة التي رأيتها حينما وصلت إلى هنا· لكنني لم أستطع· كان الباب مقفلاً·
أتراهما يلعبان الآن، أم يتناولان إفطارهما ؟ ولكن أين؟
استدرتُ ناحية الضوء ، حيث النافذة المشرعة، وجلست أترقّب قدومهما·
أنا منتبهة تماماً، صافية الذهن ، إلاّ من طفليّ الجميلين الحبيبين·
الساعة،ما الوقت الآن؟ نهضتُ حيث الحقيبة وُضعت في خزانة معدنية لتشغل مساحة الحائط المقابل للسرير· فتحتها لأول مرّة منذ وصولي وصُعقت : بين ملابسي التي رُتّبت بعناية وُضِعَتْ كتبٌ أراها لأول مـرّة :
“من وما هو المريض النفسي؟””سيكولوجيا العدوان” ،”علم النفس الإجتماعي” ، ماذا ···؟
صحتُ بصوتي : من وضعها ، ولماذا ؟ لست مريضة· أنا لست مريضة· رميت بالحقيبة أرض الغرفة، وسكبت عليها ماءً كثيراً وتركتها تغرق بما تحويه·
أين حقيبة أطفالي ؟ تذكّرت أنني وضعتها تحت السرير· كنت قد أخفيتها عن عيونهم · أحضرتها وفتحتها: ملابس الصغيرين كما وضعتها · أعدتُ ترتيبها من جديد لحين قدومهما ، وثانية شعرت بحاجتي للكلمات· الكلمات هي فقط ما أريده· كلماتي أنا التي أُصدّقها، وليست كلماتهم · كلماتي فقط هي ما أصدّقه·
j h j
لم يحضر طفلاي بعد·
لم يحضر أحدٌ قهوةً لي · أنا بحاجة قوية للقهوة···
لم يحضر طفلاي الحبيبان· ربما لا يزالان يغطان في نومهما الناعم اللذيذ· أو ربما تاها عني وفقداني في حلمهما ، ولهذا لم يجداني · ربما حين يعودان ثانية للنوم مبكّرين، كما اعتادا ، سيجدانني· أو أجدهم أنا في حلمي، ونلتقي من جديد ·
ولأول مرّة، منذ أن اقتادوني إلى هنا دون أن يعودوا ، حاولـــت أن أبتسم·
j h j
لم أرَ أحداً هنا سوى الممرض العجوز الذي يحقنني الإبرة في وريـــــدي كل يوم·
يظنني مريضة· الغبي يظنني مريضة· عجوز غبي، وأكثر من هذا ؛ فله رائحة مقزّزة تصيبني بالغثيان· وله ،أيضاً ، شعر يحاول أن يسترد لونه بصبغات يعدها سرّاً في الليل ، مقرف وغبي · عثرت على الإسم والصفة بسهولة متناهية·
لم أرَ وجهاً آخر قط·
أنا أتلاشى·
كل ليلة أتكوّم على نفسي مثل طفل·
لم أجرؤ أن أطالع وجهي في المرآة قط منذ أن وجدت نفسي هنا· أصبحت ظلاً وحيداً وثقيلاً·
حُقَنُ الممرض العجوز لم تعد تجدي نفعاً·
خطوات أقدام أخي تلاشت تماماً واختفت· الغبار والأتربة بنيا سَمَاكةً قاتمة حجبت الرؤية عن زجاج النافذة: نافذتي إلى العالم وصِلتي الوحيدة به·
لم يبقَ سوى صوت بكاء أمّي المرتفع مدوّياً في أذنيَّ·
j h j
في وضح النهار التالي، وجهتُ تهمة السرقة للممرض ، إثر فقداني للدب الأزرق الكبير· أضفت له صفة جديدة : السرقة·
الكلمات، كلماتي أنا ، فقدتها هي أيضاً· كلماتي لم تعد لي · لحقت هي الأخرى بهم وانضمّت إلى كلماتهم·
لم يتبق لي شيء·
لم يتبق لي أحد·
حتى علاقتي بي أصبح يشوبها الخوف، والقلق، والكوابيس· ولم أعد أعرفني ·
j h j
بعد زمن ــ لا أعرف ــ أطويلٌ هو أم قصير، على وجودي هنا وحيدة بدون طفليّ، وقبل مجيء الممرض العجوز برائحته المقزّزة ؛ نهضت برفقة الدب الأزرق (عثرت عليه تحت السرير) : هو كل ما تبقّى لي · فتحت الخزانة واختبأت داخلها حيث سأرى طفلي· حين جاء الممرض ، لم يتجه نحو السرير الذي رآه فارغاً · تحيّر واقفاً وسط الغرفة· تردّد قليلاً قبل أن يسارع إلى الخزانة ويفتحها · وهناك رأى ما لم يتوقعه قط، وما لم تحتمله سني عمره المتراكمة· أطلق صرخة مدوّية، ووقع بعدها أرضاً· سارع إليه ثلاثة رجال : كان قد عُثر على جثةٍ تعود لامرأةٍ نحيلة داخل خزانة معدنية ، تحتضن دبّاً أزرق كبيراً·


جميلة عمايرة *

شاهد أيضاً

بريد السماء الافتراضي والاس ستيفنز

كتابة وحوار : أسعد الجبوري * منذ اللحظة التي دخلنا فيها ذلك النفق المحفور تحت …