النزعة الدرامية فـي شعر رياض الصالح الحسين

كان لزاما على الشعراء في ظل تطور البشرية وتشعبّها، وتزايد مشكلاتها وقضاياها؛ تبني موقف شعري جديد، في وقت باتت فيه «القصيدة الغنائية وحدها لا تحقق بعد اليوم. كما كانت في الماضي»(1) أهدافها وسماتها المرجوة منها «فقد أحس الشعراء بأنّ القصيدة الغنائية العادية تظل عاجزة أمام التعبير عن حاجات الإنسان وتجاربه ومشكلات العصر وظروفه»(2) التي تختلف بصورة كبيرة عن تجارب الماضي ومشكلاته وظروفه.
فواجه شعراء هذا العصر تحدياً كبيراً في محاولتهم لإيجاد طرقٍ وأساليبٍ جديدة يعبرون من خلالها عن قضايا عصرهم، وتجاربه الخاصة والمختلفةِ عن كل ما أثمرت عنه الأشكال والمضامين القديمة، وفي بحثهم عن هذه «الأساليب الجديدة اقتربوا من النزعة الدرامية»(3) التي أتاحت لهم مساحات كبيرة من الإبداع، والتشكيلات الفنية الجديدة التي أخرجت الشعر بصورة وثوب جديد، وبنكهة جمالية فريدة من خلال استخدامهم تكنيكات الفنون الدرامية «كالحوار وأسلوب القص وتعدد الأصوات والمونولوج الداخلي والمونتاج»(4) التي استقوها من المسرح والقصة والرواية والسينما والتلفزيون.
وليست الدرامية مفهوماً جديداً على الأدب بل إنّها من «أقدم الفنون الأدائية التي عرفها الإنسان وأنبلها جميعاً. ولا نكون مبالغين إذا قلنا أنها أيضاً أصعب الفنون التي مارسها الإنسان حتى الآن»(5)، و»الدراما «كلمة يونانية الأصل، ومعناها الحرفي ((يفعل-أو عمل يُقام له))»(6) وهو المفهوم نفسه الذي كان يقصده أرسطو من «المحاكاة» التي كان أساسها محاكاة الفعل.
ويُقصد بالنزعة الدرامية أنّ «القصيدة تشتمل على أكثر من صوت»(7). أي أنها لا تقتصر على صوت واحد، أو تجربة مستقلة لشخصية واحدة، تستأثر بصوت القصيدة، فمن خلال انطلاق الشاعر في كتابته لتجربته أو للقصيدة من خلال التفكير الدرامي يدرك «أن ذاته لا تقف وحدها معزولة عن بقية الذوات الأخرى وعن العالم الموضوعي بعامة، وإنما هي دائماً ومهما كان لها استقلالها، ليست إلا ذاتاً مستمدة أولاً من ذوات، تعيش في عالم موضوعي تتفاعل فيه مع ذوات أخرى»(8) تشترك معها في العديد من النقاط والتجارب.
ولقد تمكن الشاعر المعاصر من «تطوير القصيدة الحديثة، وإغنائها ومنحها أشكالاً متجددة»(9)، ولعل أبرز الأدوات الدرامية التي ارتكز عليها الشاعر المعاصر في بناء قصيدته الجديدة الشخصية، «الموضوعية، الحوار، الصراع، اللغة، المشهد»(10) والزمان والمكان، فضلا عن اللجوء إلى بعض التقنيات السينمائية أهمهما المونتاج، فلا تتوقف تكنيكات الدراما عند حدود معينة، فهي تتطور باستمرار، وتعتمد بالدرجة الأولى على موهبة كل شاعر، ومدى قدرته على الاستفادة من الفنون الأدبية الأخرى، فضلا عن رؤيته الشعرية، وتجاربه المتعددة، وأيضا على درجة التوافق بين الأدوات الدرامية التي يوظّفها الشاعر في قصيدته والفكرة أو التجربة التي يُعبر عنها، كون «درامية الشكل تقوم على مدى ارتباطه العضوي بالمضمون الفكري المتفاعل داخله. وكلما كانت العلاقة العضوية وثيقة متفاعلة، فإنها تؤكد نجاح العمل الفني درامياً»(11) ونجاح الشاعر في التعبير عن تجربته وفق معطيات العصر، وبالطريقة التي توصله إلى درجة التفوق والإبداع، فيما بات «أفضل الشعر أقربه إلى التعبير الدرامي»(12) وأكثره اطلاعاً على الأدوات والمقومات الفنية المعاصرة، وارتباطاً بالفنون والأشكال الأدبية الأخرى.
لذا كان «الشكل الدرامي الناجح هو النتيجة المباشرة لنجاح الكاتب في استيعاب كل إمكانات مضمونه الفكرية، وإخضاعها للمقومات الدرامية التي تتخذ من الأدوات الفنية طريقاً للوصول إلى جمهور المتذوقين»(13) الذين يبحثون عن كل ما يشدّ انتباههم، ويسحر حواسهم، ويمدهم بالانتعاش الفني، والرضى السمعي، والدراما أو القصيدة الدرامية «تحقق قدراً أكبر من الشعور بالمتعة والاندماج»(14) لدى القارئ أكثر مما تحققه القصيدة العادية، لذلك كان توجه الشعراء المعاصرين نحوها. بل إنّ «كل فنون القول تصبو إلى مستوى التعبير الدرامي وتتحرك من ثم نحوه»(15)
يقول ت. س. إليوت(16): إن الطريقة الوحيدة للتعبير عن العاطفة، إنما تكون بالعثور على معادل موضوعي، بعبارة أخرى العثور على مجموعة أشياء، على موقف وعلى سلسلة من الأحداث تكون هي الصيغة التي توضع فيها العاطفة. ولعل أكثر الطرق وربما أجملها التي باتت سمة الشعراء في العصر الحديث للتعبير عن رؤاهم الفنية ومشاعرهم المختلفة؛ هي الدراما بما تحمله من صراع وتناقض ومساحة إبداعية ممتدة تكفل لكل شاعر أن يبحر ويغوص في ذاته وفي ذوات الآخرين والجماعة وفي مشكلات عصره وما يؤرقه ومجتمعه بالطريقة التي يرتئيها. «فما تحمله الدراما في طيها من روح مرحة وأسلوب ممتع وشيق، هو شكل وأسلوب جديد يقضي على الرتابة السردية المملة، ليكون فهما عصريا جديدا للصراعات والأحداث في ظل تعقد الحياة الحديثة وتطورها السريع، كما أن الدراما أصبحت تستخدم وسيلة لجذب انتباه المتلقي، حيث تكسب العمل الأدبي أهمية وحيزا مقبولا».(17)
اختارت الدراسة الحالية أن تحاول الكشف عن الجوانب الدرامية في نموذج شعري حديث قلت الدراسات النقدية التي تناولت شعره ألا وهي التجربة الشاعر السوري الراحل رياض الصالح الحسين؛ وكان اختياره لما لُمس لديه من بساطة في التعبير مبنية على الحياة التي تضج بالحركة والصراع، فالشاعر وعلى الرغم من أنه رفع لواء التعبير عن الحياة العادية اليومية بتفاصيلها كما يقول الأستاذ هايل الطالب «تنتمي قصيدة الشاعر الراحل رياض الصالح حسين، إلى اتجاه أسميه بشعر البداهة، أي ذلك الشعر الذي ينتمي إلى الحياة اليومية، بكل تفصيلاتها، وحميمياتها، وهي تلك القصيدة التي تتسلح باللغة الواقعية المعيشة، بعيدا عن الترف البلاغي، والتحصينات المعجمية التي تنتمي إلى عصور خلت، باختصار هذه القصيدة التي تعتمد لغة عصرها، دون تغرّب أو اغتراب، وتحدثنا بما نعيه، فنشعر ببساطتها، وعمقها في آن، دون أن توسم بالابتذال، لذلك نشعر أنها تشبهنا، وتعبر عن ذواتنا»(18)؛ لكن واقعية رياض وبساطته هي من فجرت الدراما، في تعبيرها عن الأحداث اليومية الرتيبة، وما يعاني منه كل فرد مكوّن لهذا المجتمع، زرعها من خلال تسليطه المرآة على أبسط اليوميات وعكس الصورة على حقيقتها دون أي كليشهات أو تغيير، من خلال تبنيه للواقع المعاش بسذاجته ورتابته ومنغصاته، بأمزجة مكوناته البشرية وتناقضاتها واختلافها طبقيا وثقافيا وفكريا، وبرسم هذا العالم بمادياته كافة حتى ما يمكن القول عنه «تافه»، وإنه بذلك طبّق ما قاله الدكتور عز الدين إسماعيل إن «الإنسان في حالتي الصراع ورصد التناقضات يستطيع، إذا ما أوتي القدرة التعبيرية، أن يقدم إلينا إنتاجا دراميا من الطراز الأول، وأن يقيم بناء فلسفيا يفسر لنا فيه الحياة تفسيرا خاصا ناتجا عن ممارسة مباشرة للحياة وتمثل لها»(19).
رياض الصالح الحسين؛ شاعر سوري لم يتمكن العجز الجسدي _أصم وأبكم منذ الولادة_ من أن يُوقف جماح عقله أو أن يحدّه أو يصيبه بالعجر، على الرغم من أنه وقف حائلا أمامه سابقا وبين إكمال دراسته، فمضى رياض من بعد ذلك يثقف نفسه بنفسه وينمي مدركاته ويتعايش مع وقائع وأحداث عصره ومشكلاته ساكبا أفكاره ومشاعره بتجارب قولبها في نصوص شعرية ثريّة، فيما تمكن الموت أخيرا من يكتب نهاية جسدية لإبداعه فيما لم يكن عمره يتجاوز الثمانية والعشرين ربيعا، تاركا من بعده ثلاثة دواوين شعرية(20) وتكفلت وزارة الثقافة السورية بعد وفاته بإصدار مجموعته الرابعة والأخيرة «وعل في الغابة»(21).
رسم المشهد عند رياض الصالح الحسين
المونتاج:
يعتبر «المونتاج» أو «التوليف» أداة من الأدوات الفنية التي استعارها الشاعر المعاصر من التقنيات السينمائية، واستفاد منها في قصيدته المعاصرة، ويعني «المونتاج» في السينما عملية «ترتيب مجموعة من اللقطات السينمائية على نحو معين بحيث تعطي هذه اللقطات من خلال هذا الترتيب- معنى خاصاً لم تكن لتعطيه فيما لو رتبت بطريقة مختلفة، أو قدمت منفردة»(22). أي عملية تنظيم مجموعة من الأحداث أو المشاهد، يربط بينها رابط معين يجمعها سوياً، فيتم ترتيبها وتنظيمها وفق نسق ورؤية معينتين بحيث تكمّل المشاهد بعضها بعضا بطريقة تبدو فيها مشهداً كاملاً، أو قصةً كاملة تقرأ أو تشاهد، فتقنية المونتاج تتيح «التنقل في الزمان والمكان حتى لتبدو الجمل المنسجمة لوحات تشكيلية ذات أبعاد ذهنية مختلفة تتوفر على عمق ودلالة تعبيرية»(23).
إنّ على الشاعر أنّ يصل «بتعبيره الشعري إلى أقصى آماده من التوتر والتأثير، كما ينبغي لنبرته، في أدائه الدرامي، أن تتوفر على قدر من التموج، والتباين. لابد لها من أن تعلو وتهبط؛ تشف وتتكدر، وتتسع وتضمر؛ تصغي إلى أنين الروح تارة، وتتفجر بالصراخ الدرامي تارة أخرى؛ تتحدث بهمس فاجع طوراً، وتصدح بمرح بهيج طوراً آخر»(24). كي يحقق النص هدفه المرجو منه، ويحدث فارقاً جمالياً وفكرياً لدى القارئ من بعد ذلك؛ وذلك كله لا يتأتّى للشاعر إلاّ من خلال الاستخدام الصحيح والأنسب لأدواته بما يتوافق مع كل مضمون، ومع كل تجربة، وانفعال، وعاطفة، وحدث؛ ولذلك «فقد جعلوا من بعض المشاهد مشاهد تعبيرية متكاملة لا تقل من حيث التكنيك والآلية الدرامية عن المشاهد المسرحية»(25) نظراً لطبيعة الحدث الذي استحق أن ينفرد الحديث عنه في النص وحده.
يبني الشاعر الكثير من قصائده على طريقة الرواية ساردا حكاية كاملة من خلال جمل فنية قليلة يبرز من خلالها لب القصة التي يحملها الكثير من الدلالات والمعاني من دون أي مبالغة في الطلو أو في استخدام الصور والكلمات المعقدة، قصيدة اثنان(26)
_المشهد الأول_
كانا اثنين/ يمشيان معًا /في الشوارع المهجورة
منه تفوح رائحة التبغ / ومنها تتساقط أوراق الليمون
وعند المنعطف/ كنجمتين/ سقطا
_المشهد الثاني_
كانا اثنين/ أحدهما يغني/ والآخر يحب الإصغاء
فجأة توقف عن هذا/ وتوقفت عن ذاك/ عندما انكسر المزمار
_المشهد الثالث_
كانا اثنين / أهدته قلمًا للكتابة / وأهداها حذاء خفيفًا للنزهات
بالقلم كتب لها: «وداعًا»/ وبالحذاء الخفيف جاءت لتودعه
لقد رسم الشاعر رياض من خلال جمل شعرية قصيرة تشكل لقطات معينة من حياة شخصين، أو لنقل مفاصل حياتهم (البداية التي تشكل علاقتهما، الوسط الذي يمثل مسار العلاقة، النهاية التي حملت المفارقة)، اختصر الشاعر حكايتهما التي لا نعلم كم دامت فلربما استغرقت أعواما حتى كتبت نهايتها، بثلاث لقطات أو مشاهد قصيرة، مرتبا إياها ترتيبا تاريخيا يفضي إلى النهاية، على شاكلة الفيلم السينمائي، مسقطا في الحكاية الكثير من الدلالات التي تعكس مشاعره الممزوجة بالألم والتيه والحزن، من خلال تجربة شخصيات أو أصوات أخرى غيره، اثنان تعرفا في الشوارع المهجورة، مكان يحمل دلالات الاضطرار أو لنقل علاقة مبنية على الحاجة إلى الآخر في هذه الديار، ثم بدأ الشاعر يزرع التناقض فيما بينهما منذ البداية، رائحته تبع ومنها يفوح زهر الليمون، اختلاف طبقي لربما تباين في الفكر في الشخصية في الصفات الايجابية والسلبية، وفي المشهد الثاني يظهر اختلاف آخر بينهما يعج بالدلالات والتفسيرات بين غناها وصمته، وفجأة يحدث الشرخ في العلاقة بانكسار المزمار، لننتقل إلى المشهد الثالث والأخير الذي يحمل المفارقة فهديتها ارتدّت عليها وشكلت بادرة الوداع وهديته أسرعت بها لتتمه.
وفي قصيدة عيد للقبلة… أعياد للقتل(27) يقسم الشاعر بنفسه مشاهد حكايته التي يقصها علينا فيما لم يختر هذه المرة أن ينأى بنفسه عن الصورة بأصوات وشخوص أخرى أو أن يعبر عن غيره، فهو يتحدث هذه المرة عن تجربته مع الآنسة «س» الفتاة التي تنساب في أشعاره مشاهد ولقطات وتفرض وجودها على حياته وأشعاره، ويقسم بنفسه حكايته مع «س» عبر مقطوعات مرقمة في هذه القصيدة إلى خمسة مشاهد تبدأ منذ اللقاء الأول:
– منذ سنة صدمت امرأة وحيدة في الشارع
تلبس بذلة باهتة ولكن عينيها لامعتان
صرنا أصدقاء بسرعة / وبعد أيام تبادلنا القبلات والأحلام
وكان اسمها: س
– 1 –
كان اسمها: س
تحب الماء/ والرحيل في زورق إلى المدن الجميلة
شعرها يتطاير مع الريح كالعصافير الخائفة/ ويداها زهرتان حول عنقي
وكانت تحب غرفة صغيرة في قطار/ وكتابًا لرامبو تخبئه بين ملابسها الداخلية
في حقيبة سوداء تحت السرير/ وكانت، أيضًا، تحب الأعياد والأطفال
وتكره الجواسيس والقتلة القانونيين
كان اسمها: س / ضفيرتان من أوراق البرتقال والملمس الناعم
تحب الرمل والقبلة / وتحبني أيضًا:
– 2 –
فتحتُ لها الباب وهي خائفة/ جلستْ على السرير بانفعال
نظرت إلى زوايا غرفتي كلصّة وتنهدت
– علينا أن نأكل كثيرًا يا صديقي ونموت/ فما عاد في الأرض متسع لنا
قرأتُ لها قصيدة فبكتْ / حدثتها عن العمل/ وحدثتني عن الأقفاص النظيفة

نظرتْ من النافذة الضيقة وتنهدت/ – غدًا من الممكن أن أنتحر
الآن علينا أن نحب.
وضعت على عينيها منديلها الملوّن ونامت/ أما أنا..
فلقد نظرت إلى صدرها المتدفق بإمعان/ ورقصت بلا رغبة:
– 3 –
على الرصيف تقابلنا/ كانت تمزق دفتر مذكراتها وتبكي
أمسكت يدها بعنف وسرت معها/ وفي زاوية ما / في مقهى ما / في شارع ما
شربنا الشاي وتبادلنا القبلات
لكن جسدها النحيل ظلّ يرتعش بقوّة/ حتى خفتُ أن يتفتت
مثل كتلة من الطين لم تر الشمس
منذ ألف عام:/ «من روزا لوكسمبورغ(28) حتى فاطمة برناوي(29)
كان جسد من أحبها معجونًا بالجراثيم/ والقنابل الموقوتة
وكان قميص من أحبها مبلّلاً بالزهور/ وأناشيد الرعاة.
– 4 –
من روزا لوكسمبورغ حتى فاطمة برناوي
كانت يداها تضيقان تضيقان/ حتى تصبحان بحجم جثة/ وعيناها تتسعان تتسعان/ حتى تصبحان بحجم قبلة
وأما قلبها فبصخب كان يدقّ، وباستمرار أيضًا
تك. تك. تك: / نحن معًا في الطلقة/ ونحن معًا في الأغاني
من روزا لوكسمبورغ حتى فاطمة برناوي
سأقول لكِ: حدثيني / عن الطفل الذي يرضع الحمّى من ثدي الأرض
عن الدروب المقفلة / عن العيون المفتوحة على جهنم
وعن الأجساد المفتوحة على البحر
سأقول لكِ حدثيني..»/ لقد قدّمت نفسها للبحر / ببساطة وحب ولامبالاة
قدّمت نفسها للبحر/ هل هذا شيء مثير للضجة؟/ هل ستتحدث عنها النسوة تحت القناديل؟
هل سيحتفظ الرجل برسائلها في صندوق/ بثلاثة أقفال
أم سيقدم للنار كلماتها المعذبة؟
الأمر الوحيد هو أنها قدّمت نفسها للبحر/ كما تقدم الأم حلمة ثديها لأول مرة
للوليد الجديد/ والبحر الواسع، الصاخب، الممتلئ/ تلقف جسدها بشفتيه الرقيقتين وسكت
أما هي../ فلقد ضمّته إلى صدرها بقوة و.. عاشت
كانت امرأة وحيدة/ بلا أساور أو بيت أو عشيق/ ولذا قدّمت نفسها للبحر
فهل هذا شيء مثير للاهتمام؟
«أصبحتُ في الثالثة والعشرين/ رجل بوجنتين شاحبتين ومستاء للغاية
ودعت (س) بعد أن تركت على عنقها/ دمعة حارة كالفلفل
وها أنذا أعمل لأشتري لها تفاحة ورغيفًا/ ولكن ثمة من أخبرني
بأني سأجد في التفاحة دودة/ وفي الرغيف صرصارًا ميّتًا/ فإذا تركت الرغيف والتفاحة سأموت/ وإذا أكلتهما سأموت/ وفي الحالتين سأخسر نفسي/ في الحالتين سأخسر «س»
– 5 –
ماذا نفعل
إذا كان ثمة عيد واحد للقبلة/ وأعياد كثيرة للقتل
ماذا نفعل؟
قدم الشاعر حكايته مع الآنسة «س» التي يأخذ اختصار اسمها دلالات واحتمالات عدة، فربما فضل اخفاء اسمها تحفظا، وربما قدم قصة من نسج خياله لتكون معادلا لمشاعره التي هي رمزية للحب ومعاناته ونهايته القاسية في زمن الحرب واللا أمن والفساد والعالم المتناقض فتكون «س» عمومية، ولربما اختار الاختصار والرمز المجهول «س» لما يحمله من جذب وفضول وتشويق، وارتكزت قصيدته في مواضع كثيرة على التناقص والتباين بين مكونات هذه الحياة، وعلى صور لا تشكل الترتيب الزمني للحكاية لكنها صور ولقطات تحمل الدفقة الشعرية الواحدة التي تكمل الحكاية من خلال المشاعر الجزئية التي تكمل المشهد الكلي.
تلبس بذلة باهتة ولكن عينيها لامعتان
الحياة الباهتة (الموت) وهي تشع بالحياة
تحب الماء/ والرحيل في زورق إلى المدن الجميلة
دلالة المعاناة في بلادها
وكانت، أيضًا، تحب الأعياد والأطفال/ وتكره الجواسيس والقتلة القانونيين
تحب الحياة والفرح وتكره القتل
غدًا من الممكن أن أنتحر/ الآن علينا أن نحب
الحب قاهر للموت
كان جسد من أحبها معجونًا بالجراثيم/ والقنابل الموقوتة
وكان قميص من أحبها مبلّلاً بالزهور/ وأناشيد الرعاة
الجراثيم والقنابل ما ينغص العيش والمعاناة الصورة الثانية للمحبوبة
من روزا لوكسمبورغ حتى فاطمة برناوي
رموز للمرأة في النضال _أكثر من 75 عاما فصلت بينهما_ وما زلنا نعيش الظلم نفسه والمعاناة ذاتها
تك. تك. تك
مشهد من الخلفية حيث الحرب
نحن معًا في الطلقة/ ونحن معًا في الأغاني
معا في السلم والحرب
لقد قدّمت نفسها للبحر/ ببساطة وحب ولامبالاة
هربت من المعاناة إلى الموت
فإذا تركت الرغيف والتفاحة سأموت/ وإذا أكلتهما سأموت
تساوت الحياة مع الموت (لا خيار)
تحب الماء/ والرحيل في زورق إلى المدن الجميلة
دلالة المعاناة في بلادها
وكانت، أيضًا، تحب الأعياد والأطفال/ وتكره الجواسيس والقتلة القانونيين
تحب الحياة والفرح وتكره القتل
«إن التناقض في حد ذاته دعوة إلى فعل، فإن لم يؤد إلى فعل فإنه يوحي به أو يتنبأ بما قد يكون…» (30) وهذا ما يقود إلى تبرير النهايات المأساوية وجعل الانتحار وسيلة غير مرفوضة للتخلص من الألم والمعاناة.
وفي قصيدة الخنجر(31) يصور الشاعر الموت الذي يحمل دلالات معنوية ممزوجة بالموت الحقيقي:
الرجل مات
(1)
الخنجر في القلب / والابتسامة في الشفتين
الرجل مات
الرجل يتنزه في قبره / ينظر إلى الأعلى / ينظر إلى الأسفل/ ينظر حوله
لا شيء سوى التراب / لا شيء سوى القبضة اللامعة / لخنجر في صدره (2)
يبتسم الرجل الميت / ويربت على قبضة الخنجر / الخنجر صديقه الوحيد
الخنجر / ذكرى عزيزة من الذين في الأعلى
تُبنى القصيدة على لقطتين الأولى جملة اسمية تحققت فعليا «الرجل مات» فموت الرجل شيء محتم ماثل أمام الأعين يكرره ثانيا ليؤكده أو ليؤكد موت ذاته من خلاله، واللقطة الثانية متمثل في تصوير هذا الموت، هذا التناقض خنجر في القلب ولكن الابتسامة تعلو شفتيه، ثم ينتقل الشاعر بنا إلى الرجل في القبر بعد تشييعه وهو «يتنزه» وهل القبر للتنزه، وهل القتل هنا قتل جسدي حقيقي أصلا! يبدو أن الموت هنا موت للذات فباتت الحياة قبرها والخنجر الذي بات سلوى ورفيقا معه في القبر هو خلاصه للموت الفعلي.
وفي قصيدة «الولد النائم»(32) ينقلنا الشاعر ما بين الحلم واليقظة، ما بين الفرح والحزن، وما بين تناقضات الحياة وصراعاتها في مشاهد عدة:
_المشهد الأول_
قبل أن يذهبَ للحرب مضى نحو السرير/ أغلق عينيه ونام..
رأى فيما يرى الأولاد/ سهلاً فسيحًا تركض الغزلان فيه
سربًا من عصافير/ وأشجارًا من الدراق/ أزهارًا لها هيئة أقمارٍ/ رأى نهارًا واسعًا جدًا
_المشهد الثاني_
ومن أقصى النهار جاء رجل يسعى
ألقى على الطفل قميصًا من دمٍ/فاختفى السهل وماتت الغزلان/ والأشجار
اختفى النهار..
_المشهد الثالث_
قال الولد الجميل: لا بأس/ أغمض عينيه بعينيه/ ونام
رأى عشرين ملاكًا يهبطون قربه/ سألهم: هل تأكلون البرتقال/ هل نستطيع أن نلعب لعبة الهرّة والفأر
أختبئ الآن فوق سريري/ جديني أيتها الهرّة/الملاك..
_المشهد الرابع_
ومن أقصى السماء/ جاءت القنبلة فوق سرير الولد الجميل
طار الملاك/ وماءت الهرة حينما رأت إصبع طفل في التراب
قال الولد الجميل:/ لا بأس، لا بأس
_المشهد الخامس_
عاد إلى السرير متعبًا/ أغمض عينيه بعينيه/ ونام..
رأى فيما يرى الحالم/ أسماكًا على الجدران/ ذئبًا يسبح في البركة
تمساحًا يعود للملهى/وامرأة تنتظر الربّ أمام قصر العدل
صاح الولد الجميل: / لا أريد أن أرى شيئًا/أريد أمي وزجاجة الحليب والقماط
قال الولد الجميل شيئًا/ ليس حسنًا جدًا / وليس سيئًا جدًا:
«عاش البط/ عاش النهر/ عاشت الهرّة/ عاشت الأشجار
عاشت أختي وأخي/ ولتسقط الدبابة..»


أغلق عينيه بعينيه/ ونام أبدًا
في القصيدة السابقة حمل المشهد الأول «الحلم» صورا جميلة تبعث على الحياة والفرح حتى جاء المشهد الثاني أقصى النهار «جاء رجل يسعى ألقى على الطفل قميصًا من دمٍ» وكأن الأعداء كثر الذي يسعون إلى النيل من البلاد «وهنا نستشف النبوءة التي تتغلغل شعر رياض كأنها تتحدث عن أحداث سورية الراهنة» وينقلب الحلم إلى حطام ودمار وموت لاسيما الطفولة، فيعلو صوت الفتى في المشهد الثالث ليتوحد مع الطفل بمشاعر البراءة وأحلامها التي تتجسد باللهو والفرح للتخلص من الموت والحزن، فيأتي المشهد الرابع «ومن أقصى السماء/ جاءت القنبلة فوق سرير الولد الجميل/ طار الملاك/ وماءت الهرة حينما رأت إصبع طفل في التراب» ليأتي الدمار هذه المرة من السماء كأن القتل برا وجوا ومن كل مكان والكل تكالب ضد أحلال الطفولة، وفي المشهد الخامس والأخير حينما يعود من النوم من جديد تمتزج الصور ويتحول الحلم إلى هلوسات غير منطقية، حينها ينتفض لا يبتغي أن ينام أو يرى أي شيء، وفي النهاية يعلو صوت الحق والخير فوق صوت القتل والشر «الأم وزجاجة الحليب والقماط» عناوين البراءة ومشاهد الجمال في الحياة في وجه «الدبابة» ليبعث الأمل من جديد بترقب للمستقبل.
تختلف اللقطات في النص الشعري «وتتنوع المشاهد وفقاً لطبيعة الحدث الدرامي وطبيعة البناء العام للقصيدة فقد يأتي المشهد خاطفاً وقد يأتي مليئاً بالأحداث إلا أن المشاهد الخاطفة السريعة أكثر وروداً في الشعر وذلك لأن طبيعة الشعر التي تبغي التكثيف في العبارة ذات المضامين الشعرية الموحية التي تنسجم مع هذه المشاهد»(33). وفي شعر رياض تكثر المشاهد الخاطفة التي تتآلف مع بعضها بعضا من خلال الدفقة الشعورية الواحدة التي تمدّها جميعاً، وتوحدها كمشهد كامل متكامل، يعطي في النهاية وحدة الشعور ووحدة الدلالات والمعنى الذي لا يتحقق إلاّ بغير هذا الشكل الحاصل، جمعها الشاعر مع بعضها البعض من خلال المشاعر السلبية التي تجمعها، فنستشعر أنها مشهد واحد متكامل في المعنى، من خلال الأثر النفسي المشترك الذي تتركه في نفوسنا، ويصل الشاعر إلى حالة درامية مكثفة من خلال قدرته العالية على صياغة قصيدة الومضة، قصيدة الدفقة الشعورية الواحدة، ففي الشهيد(34) يقول:
إنهم ينتحبون/فوق الجسد البارد
حيث تتناثر الأزهار
زهرة على العنق/ زهرة على البطن
زهرة على الكتف/ زهرة بين الشفتين
..
إنهم ينتحبون/فوق الجسد البارد
حيث:/السكين في القلب
إنها لحظات تشييع الشهيد مشهد كامل صامت إلا من الحزن الذي يتفجر نحيبا، يختصر الكلمات، موت وحياة (الوردة) هذا هي مفارقات الحياة، ودائما دائما ما تستقر السكاكين في القلب قتل معنوي لربما للذات نفسها.
لا تتحقق الدراما أبدا في حال تم تتبع الحياة العادية التي تخلو من التناقضات ولا تغطيها السحب وتحبذ الطقس الواحد وتخاف العواصف، فمثل هذا السيناريو لا يوصل إلى شيء «فالتفكير الدرامي هو ذلك اللون من التفكير الذي لا يسير في اتجاه واحد، وإنما يأخذ دائما في الاعتبار أن كل فكرة تقابلها فكرة، وأن كل ظاهر يستخفي وراءه باطن، وأن التناقضات وإن كانت سلبية في ذاتها فإن تبادل الحركة بينها يخلق الشيء الموجب ومن ثم كانت الحياة نفسها إيجابا يستفيد من هذه الحركة المتباينة بين المتناقضات»(35) ومن هنا يحدث التأثير في القارئ وفي الحياة ويمكن مناشدة التغيير.
حياتنا الجميلة(36)
الحياة حلوة
يقول العصفور/ ويرتمي ميتًا قرب حذاء الصياد
الحياة حلوة
تقول الوردة/ وترتمي ميتة في يد الولد الوسيم
الحياة حلوة
يقول/ ويطلق على رأسه النار
الحياة قبيحة، كريهة، فاسدة، شريرة
يقول الطاغية/ ويقضم قطعة من البسكويت
إنها لقطات متفرقة من الحياة، الحياة العادية التي باتت عنوان هذا العصر، إنه تسليط الكاميرا على هذا التناقض الذي يسود العصر، فالذين يجدُون الحياة جميلة ويرتضون أقلها وأبسط ما فيها وينزوون بأنفسهم بعيدا عن صراعاتها؛ مصيرهم الزوال، أما الذين يتجبرون ويسيرون فيها طولا وعرضا وينهبون كل ما فيها من خيرات؛ فيجدونها غاية في السوء والقباحة على الرغم من أنهم مصدر تشوهها وقباحتها، وفي النهاية مصيرهم حياة مترفة لا الموت وهنا قمة المفارقة.
يعتبر الصراع من أهم العناصر التي يقوم عليها البناء الدرامي «وذلك لأن الأحداث تبقى باهتة وخالية من عنصر التشويق إذا افتقدت إلى الصراع»(37). فالصراع هو الذي يمدّ القصيدة بالطاقة الحركية والانفعالية التي تدفع أحداثها، وتعطيها قوة لاستكمال طريقها نحو التطور و«التطور حركة صاعدة، والصراع أساس هذه الحركة، لأن التطور نتاج متناقضات متصارعة. والصراع مبدأ التطور وسببه، والحركة هي الصورة الخارجية لهذا الصراع»(38).
ويتخذ الصراع أشكالاً عديدة، ويتفاوت في درجات قوته وحدته، ولكنه «حينما يبدأ إنما يبدأ كنتيجة حتمية لمعطيات معينة، أي أنه يتطور من موقف معين لا يمكن أن يؤدي إلا إلى احتمال واحد وهو الاحتمال الذي أمامنا، هو الذي يصبح بذلك ضرورة لا بديل عنها»(39) فضلاً عن اللغة الشعرية التي تكثف الأحداث وتجعل الصراع مفتوحاً على اتجاهات متعددة»(40). والصراع الدرامي لا ينشأ صدفة، كما لا ينشأ بين أيٍ كان بل هو صراع إرادي»(41) تتفاعل فيه إرادتين أو أكثر، وتتجاذب، وتختلف؛ حتى انتصار إرادة واحدة في النهاية.
إن سخط رياض على العالم ينتمي «إلى السخط الهامس الذي لا يثير ضجيجا، فالشاعر يهمس، ويذهب إلى مناطق الذات الغائرة ليفكر ويكتب، وربما نغمة الهمس والإصغاء في شعر رياض قد جاءته من داء الصم الذي كان مصابا به، فولّد ذلك تعاملا خاصا مع اللغة، ومع البناء الفني ذي النفس القصير»(42)
أرجوك(43)
اكتب لي شيئًا أرجوك
دعني أفهمك وتفهمني
اكتب لي شيئًا
اكتب لي بقلم الرصاص على ورقة
بإصبعك على راحة يدي / بعود كبريت على طلاء جدار
اكتب لي أرجوك
قل لي ما النفع أرجوك / من حلم محاط بالسواد
من فم بلا شفاه / من سماء بلا زرقة
من غابة بلا أشجار / ومن حياة بلا حرية
قل لي شيئًا أرجوك
اكتبْ أو ارسم أو غنِّ
غنِّ عن الوطن الذي يتألم
إنه صراع مع الآخر الذي يختلف معنا ليس بالضرورة عدوا، فالاختلاف في حد ذاته في هذا العصر بات محرضا على الجريمة؛ بل بات جريمة تستدعي الشقاق والنزاع والعداوة حتى بين الأخوة، والشاعر يحاول بصيغته الأقرب إلى الهمس الذي يشع حزنا بلغة هادئة أن يحاور الآخر ليصلا إلى نهاية لهذا الصراع، متمسكا ومتكلا على ما لديهما من أشياء مشتركة. «إننا في مثل هذه القصائد نقف في دهشة أمام تلك الحركة الداخلية التي تنتج عن ذلك التقابل بين القيم المختلفة والاصطراع بينهما، كما أننا ندهش أكثر من قدرة الشاعر وجرأته على أن يستمد وقوده وقدرته على الفعل كإنسان من خلال صهر القيمتين في بوتقة واحدة أو داخل نفس إنسانية واحدة، بأن حُتم ذلك الوجود في كل نفس، وتركت فرص لاحتمالات الاختيار، ويكون النجاح من هذا الاختيار الذي قد تنبأ به أو يرهص له الصراع الكائن بين الجانبين»(44). «فإذا كانت الدراما تعني الصراع فإنها في الوقت نفسه تعني الحركة؛ الحركة من الموقف إلى موقف مقابل، من عاطفة أو شعور إلى عاطفة أو شعور مقابلين، من فكرة إلى وجه آخر للفكرة»(45) إلى أن يكتب الصراع نهاية نحن بمعزل عن تغييرها كثيرا.
زوربا (46)
زوربا(47) أنا لا أعرفك / أأنت قدِّيس أم ثائر؟
حبَّة خوخ ناضجة/ أم مصباح بترولي زهيد الثمن؟
زوربا
لقد أحببت نساء بعدد السياط التي تلقَّاها جسدك
وتلقَّيْت من الهزائم بقدر الرسائل التي كتبتها لعشيقاتك
كنت شيوعيًا في مصر/ ورأسماليًّا في البلقان
إذًا، يا زوربا/ أقدِّيس أنت أم ثائر؟
عندما كانوا يصنعون الأسلحة/ كنت تحاول إنقاذ الأرامل من الذبح
عندما كانوا يرقصون الروك أند رول فوق الجثث / كنت تعمل في المناجم بقوَّة 300 حصان
عندما كانوا يبتكرون الغازات المسيلة للدموع/ كنت تبتكر الغازات المسيلة للفرح
ومع ذلك، يا زوربا، أسألك:
أقدِّيس أنت أم ثائر؟
لقد عشت في زمن ثمن الإنسان فيه دولار واحد/ وثمن البقرة أربعين دولارًا
لقد عشت في زمن يسيل فيه الويسكي/ بالكميَّة التي يسيل فيها الدم
لقد صنعت حضارات الدنيا/ وأسعدت البشريَّة لقرونٍ طويلة
ولكن لماذا عندما متّ/ يا زوربا المسكين
لم ترثْ زوجتك منك
سوى آلة موسيقيَّة ثمنها ربع جنيه استرليني؟.
إن «الحدث في مثل هذه القصائد حديث يدور داخل النفس، حدث غير تقليدي، تبدأ شرارته وتنتهي عند الشاعر، فهو الذي خاض الصراع، وهو الذي وصل بنا إلى نتيجته، لكن على المتلقي أن يتمثله ويستوعبه، فهو يهمه هو الآخر»(48) إن الشاعر ومن خلال زوربا يبحث عن الحقائق، زاجا بحشد من التناقضات والتساؤلات التي تكشف عن حيرة وتيه شديدين، وكأن الحياة بما تحمله من ألم وفساد باتت معضلة وإشكالية تحتاج إلى الفهم، فتسرب الشر إلى الخير وما عاد يدرك شيئا مما يدور حوله، وإلى أين يسير، وأين هداه، فيبنى الصراع على مجموعة تناقضات حتى يصل إلى السؤال الأخير الذي يعتبره الشاعر ساخطا في زمن يجب أن يكون زوربا كون بعد هذا العمر ثروة؛ لكنه لم يترك إلا آلة موسيقية من بعده.
قدِّيس ثائر
حبَّة خوخ ناضجة مصباح بترولي زهيد الثمن
شيوعيًا في مصر رأسماليًّا في البلقان
يصنعون الأسلحة تحاول إنقاذ الأرامل من الذبح
يرقصون الروك أند رول فوق الجثث تعمل في المناجم بقوَّة 300 حصان
يبتكرون الغازات المسيلة للدموع تبتكر الغازات المسيلة للفرح
ثمن الإنسان دولار واحد ثمن البقرة أربعين دولارًا
زمن يسيل فيه الويسكي بالكميَّة التي يسيل فيها الدم
عندما متّ لم ترثْ زوجتك منك/ سوى آلة موسيقيَّة ثمنها ربع جنيه استرليني؟.
ويشغل الشاعر صراع آخر، صراع مع الحكام مع الرأسماليين مع الذين يملكون السلطة بالمال والمراكز الذين يعتقدون بأنهم الإله على هذه الأرض فيعيثون فسادا، وأمر الحرب والسلم يصبح بمرور الوقت في يدهم:
حرب. حرب. حرب (49)
في الحروب التي ذهبتْ/ في الحروب التي بقيتْ
في الحروب التي حاولت أن تجيء
كان وجه أليف لعاشقة يتمرَّغ في الرملِ/ والألم الطبقي

المونولوج:
لقد لجأ شاعر هذا العصر إلى استخدام تقنية أو عنصر السرد في القصيدة الحديثة «ليعبر بعمق عن الأبعاد الإنسانية المختلفة»(50) لتجارب هذا العصر المتخم بالأحداث، وإن نجاحه في توظيف السرد في القصيدة الحديثة أضفى «عليه سمة الحداثة، والتحرر من الطبيعة التقليدية، كما أنها قد كشفت عن العلاقات الدفينة بين الإنسان ومحيطه، وأكسبت الكلمة الشعرية أبعاداً دلالية غنية»(51). فبات السرد ركيزة أساسية لدفع الحدث الدرامي وتصعيد الصراع، فمن تكرار المفردة تنبعث الدلالات وتنكشف الحبكة وتصل الانفعالات إلى ذروتها وهذا ما يلمس عند الشاعر رياض الصالح في كل النماذج السابق دراستها.
أما المونولوج الذي يشكل تقنية مهمة في شعر رياض الصالح فهو ما سيتم محاولة تشفي صوره وأبعاده والتركيز عليه في الدراسة بعيدا عن الحوار الخارجي الذي يجمع أكثر من فرد في حديث معين.
ويقصد بالمونولوج «صوت الفرد يحدّث نفسه أو هو صوتان لشخص واحد أحدهما صوته الخارجي العام الذي يتوجه إلى الآخرين ويعبر عنه بالصوت الأول والآخر صوته الداخلي الحاضر الذي لا يسمعه أحد غيره يبزغ على السطح من حين لآخر ويعبر عنه بالصوت الثاني(52).
حوار: (53)
قلتُ: للبحر أجنحة
ومراكبنا الريح قد سرقتها
وتناثر شاطئ البكارة في حقائب قراصنة البرّ
فإلى أين أذهب / وأنا متسخ وعارٍ
مثلما القمر في منتصف ليلة صيفية؟.
قلتِ: اغتسل بماء صوتي / وارتدِ قبلاتي
قلتُ: قاطرة الوقت قد أنهكتني
فالقرى مدية تحتزّ وريدي
والمدن الصخرية امتلأت بي ضجرًا
وها أنا أتيبّس بين اثنتين:
– خطوة وسكاكين..
– خطوة وقرنفل..
أصبح الصوت سوطًا / والحذاء قبعة
والحدائق مستشفيات / ومكاتيب الغرام قنابل موقوتة..
فمن أين أبدأ؟.
قلتِ: فلتكن في البداية مذبحة الأبجدية!..
يقول الناقد دي لويس «إذا أردنا للقصيدة أن تكون شيئاً عظيماً، فيجب أن تكون ذات علاقة بالحاضر. ومهما يكن موضوعها فيجب أن تعبر عن شيء حي في الذهن الذي تصدر عنه، والأذهان التي تتلقاها. وأينما يكن جسمها فيجب أن تكون روحها»(54). ومن هنا ظل شعر رياض حيا على الرغم من سنوات عمره القليلة وإنتاجه القليل ورحيله منذ ما يقارب الأربعة عقود، حي لأنه اختار أن يلتقط الكاميرا وينزل بها إلى الحياة الواقعية، إلى الشوارع إلى البيوت إلى الغرف الضيقة، إلى الناس البسطاء العاديين جدا، كاشفا عما تفعله بهم الحياة، وعما يضج في دواخلهم من مشاعر متناقضة، هو فيلم تسجيلي وثائقي بدراما إنسانية جدا.
لماذا (55)
لماذا نحبُّ بعضنا بعضًا
ما دام جيبي محشوًّا بالأجراس
وجيبك محشوًّا بالجثث؟
لماذا نقبِّل بعضنا بعضًا/ ما دام فمي رأس أوزَّة حمراء
وفمك عمود كهرباء متغضِّن؟
لماذا نرسل لبعضنا البعض الرسائل/ ما دمتِ تحاولين أن تعضِّي الزمن
وأنا أحاول أن أقطع المسافات؟
وفيما بعد إذا تزوَّجنا
هل ستصرِّين على سرير من خشب الزان
أم ستستلقين بكامل أناقتك على الرمل المبلَّل؟
لنبقَ بعيدين إذًا
يدك تتثاءب على الوسادة
ويدي ترعى قطعان الرصاص
وفيما بعد إذا التقينا في مقبرة واحدة
لن أنكر أبدًا أنَّني أحببتك.
إن استخدام أسلوب الاستفهام الذي يغلب على شعر رياض الصالح الحسين يكشف عن صراعه الداخلي الذي يتآكله يوميا، والخارجي الذي ينغص عليه حياته بسبب امتزاجه بدراما الحياة وتبنيه لصوت الجماعة المتألم، حديث هستيري مع النفس فيقسمها إلى ذوات حينا ويجعلها ذاتا واحدة حينا آخر، فهذا العالم المجنون بتناقضاته وصراعاته اليومية يدفع الناس إلى الجنون أو إلى الانتحار والموت. «جيبي محشوًّا بالأجراس … وجيبك محشوًّا بالجثث؟، فمي رأس أوزَّة حمراء … وفمك عمود كهرباء متغضِّن؟، تحاولين أن تعضِّي الزمن … وأنا أحاول أن أقطع المسافات؟» ومع كل هذا التناقض الذي زرعه الشاعر في القصيدة جمعه الحب بنقيضه ولن ينكر حبه إذا ما كان اللقاء في مقبرة.
إن «المسخ أو التشويه»: حلم كابوسي مفزع، حيث يتحول الإنسان إلى مسخ(56)، وهو إحدى تقنيات الفن السينمائي وإمكانات الكاميرا إذ يمكن تشويه الصور وتحويل الإنسان إلى صورة بشعة أقرب إلى المسخ، ويتجلى ذلك في قصيدة رياض «بعد ثلاثة ايَّام»(57):
راعي بقر مكسيكي
يمتطي دبَّابة سمينة
أسنانه في نهد خطّ الاستواء
وأصابعه تلعب البوكر في داريا
جزمته في طهران
ودماغه في واشنطن
راعي بقر مكسيكي
أطلق قذيفة واحدة
فأصاب ثلاث عائلات
الأولى: لم تسمع بالأمم المتَّحدة
الثانية: لم تسمع بالأمم المتَّحدة
الثالثة: لم تسمع بالأمم المتَّحدة
راعي بقر مكسيكي
أطلق قذيفة واحدة/ فثقب قلبي من ست جهات
شحذت سكِّيني ببرود
أيُّها الراعي… أيُّها الراعي
تعال لأحبَّك!
تحمل المقطوعة السابقة صورة لرجل بعيدة كل البعد عن الواقعية، صورة تستقى من النفس، من الحياة التي ما عادت تدرك أو تفهم، إنها صورة من بقايا قلب لاكه الألم مرارا وتكرارا، صورة مشوهة تحمل من التناقض الكثير وتجمع كل الألم والمتسببين في الألم بين طياتها «يمتطي دبَّابة سمينة/ أسنانه في نهد خطّ الاستواء/ وأصابعه تلعب البوكر في داريا/ جزمته في طهران/ ودماغه في واشنطن)» يتمدد هذا المسخ ويتغلغل في المنطقة، فحجمه بحجم أطماعه وخططه الشريرة.
إنها رؤية رياض المستنيرة رغم الإعاقة، نبوءته، استحضاره للوقائع (بعد ثلاثة عقود) من دون تقليل من أهميتها؛ ليدرك بأننا على أعتاب عالم أغبر، وواقع مأساوي للغاية.

إنّ عملية السرد الذي يركز على وصف الأحداث ومعالم الأمكنة والأزمنة والأشياء، نوع من الإمكانيات التي تُدخل القارئ في جو النص بشكل أقوى وتجعله يعيش النص حركةً، ومكاناً، وزماناً، ورؤيةً، ويتآلف مع شخصياته وينفعل مع أحداثه، إنّه نوع من التكثيف الإبداعي، و»هذا النزوع إلى التكثيف يضاعف، قطعاً، من الشحنة الدرامية للقصيدة»(58) لكن رياض لا يعني بتحديد المكان والزمان، وغالبا ما يتركه مفتوحا، حتى وإن كثر الوصف لبعض الأماكن في شعره؛ لكنها لا تتعدى وصفا لشارع لغرفة «شعر يجرد الزمان والمكان، ويكتفي بالرابط الشعوري جامعا للقصيدة، ويحاول بالحب الانتصار على مساوئ العالم، ويرفع الوقائع اليومية إلى المفهومات ويقع في التكرار أو مجانية القول أحيانا …» (59)
غرفة صغيرة و ضيِّقة ولا شيء غير ذلك(60)
غرفة صغيرة صالحة للحياة/ غرفة صغيرة وضيِّقة صالحة للموت
غرفة صغيرة ورطبة لا تصلح لشيء
غرفة صغيرة فيها:/ امرأة تقشِّر البطاطا واليأس/ عامل باطون لا ينام أبدًا
بنت تبكي كثيرًا بدون سبب
وأنا ولد مشاكس وغير لئيم/ لديَّ كتب وأصدقاء
ولا شيء غير ذلك.
ومنذ أن ولدت بلا وطن/ ومنذ أن أصبح الوطن قبرًا
ومنذ أن أصبح القبر كتابًا/ ومنذ أن أصبح الكتاب معتقلاً
ومنذ أن أصبح المعتقل حلمًا/ ومنذ أن أصبح الحلم وطنًا
بحثت عن غرفة صغيرة وضيِّقة
أستطيع فيها التنفُّس بحريَّة.

السريالية
إن السريالية أو الفواقعية أي «فوق الواقع» وهي مذهب فرنسي حديث في الفن والأدب يهدف إلى التعبير عن العقل الباطن بصورة يعوزها النظام والمنطق وحسب مُنظهرها أندريه بريتون؛ هي آلية أو تلقائية نفسية خالصة، من خلالها يمكن التعبير عن واقع اشتغال الفكر إما شفويا أو كتابيا أو بأي طريقة أخرى.
أقمطة ونياشين وولاّعات للرجال السعداء(61)
-لا ماء في البحر/لا حياة في القبلة
لا عدالة بين نابي أفعى/ولا شمس ساطعة في قلبي
قطيع من الموتى في فمي/والغسيل على الشرفات-
موظفون لزرق الكآبة في الشرايين
ملائكة بقوانين حمورابية لاغتيال الموتى والأحياء والقبور
محاسبون لإحصاء الأظافر والأيدي/والرؤوس المتعبة
ثيران بقوائم لطيفة لشرب البيرة وإصدار المراسيم
حشرات ملوّنة على الشرفة/وفراشات كالحة على الرمال
عشاق فاشلون/لوحات تشكيلية فاشلة/ربطة عنق ناجحة
دوائر، وامرأة محطمة/صورة بإطار. صورة بلا إطار
صورة بيضاء. صورة سوداء. صورة سكوب بالألوان
ولكن ليس هذا هو العالم كله:/فالرمال ما زالت ناعمة ودافئة
والبحر ما زال يرسل للصيادين الخرافات والأسماك
ماء النهر صافٍ/والأطفال ما زالوا يحبون الفستق
ثمة رجل يبحث في جيوبه عن امرأة/ثمة امرأة تبحث عن حذائها في الطريق
والصغار يستطيعون أن يبتكروا ألف لعبة/بإصبع واحدة من الطباشير
إذن، لا تحلموا بالشمس كثيرًا/فالشمس ستشرق في الساعة السادسة
والثلاثين دقيقة حتمًا/إذن، لا تسألوا العصافير عن لون السماء
في البلاد البعيدة/لا تسألوا الزمن عن الذكريات
لا تسألوا الأشجار عن نكهة الفؤوس في الخاصرة
لا تسألوا الصعاليك عن رطوبة الأرصفة
لا تسألوا التوابيت عن رائحة الموتى
لا تسألوا القتلة عن رائحة الدم/ولا تسألوا سمر عن قلبي
فالأسئلة البسيطة قذيفة/الأسئلة المعقدة انتحار
ونحن سكان الأرض الأسوياء
من الأفضل أن نوزّع الأقمطة والنياشين على مغتصبي العالم:
«من الأفضل أن نوزّع التعب الإسبارطي والنقود البيزنطية على الناس بالتساوي»
هذا ما قالته المرأة الواسعة التي مسحت أحذية القادة
بلسانها الملتهب
وكانت تقول لي:
وأصابعها تتحرك كقطيع من الوعول في شَعري:
ألديك غرفة بطول قامتي؟
وهل نافذتها تطلّ على الشارع أم على المقبرة؟
المرأة التي عبرت المجنزرات بين نهديها كسرب من النوارس البيضاء
كانت تقول لي أيضًا وهي تنتحب بانفطار:
لماذا لم أعد أراك؟
لماذا لم أعد أراك في المطر؟
هل أخذوا منك معطفك الداكن ليمسحوا به أحذية الملوك؟
المرأة التي تركت على سترتي صوتها المضيء
تهتم بالحب والأغاني المكتوبة
وتقول لي:
أتريد أن تقبلني؟/أتريد أن أقبلك؟
إذن، اغمض عينيك ودع الشرفة مفتوحة
المرأة التي لم تقبّل أحدًا منذ معركة واترلو
معركة العلمين/مذبحة دير ياسين/ومذابح العالم الأول والثاني والثالث والرابع
كانت تقول لي وهي تضع يدها الطرية/على صدري:
قلبك لم يعد طريًّا/ونبضك يدق ببرود/فهل جعلوا من قلبك منفضة لرماد سجائرهم؟
ومن شرايينك أحزمة لبواريد جنودهم؟
المرأة التي كانت تبكي في الأزمنة البعيدة/كانت تقول لي:
ألديك أصابع؟ أين هي أصابعك؟
هل سرقوها منك دون أن تدري؟
هل أخذوها عنوة بمساعدة السكاكين؟
هل سقطت منك وأنت تركض في الليلة
الفائتة وراء ظلّك؟
وكانت تقول لي المرأة اليابسة كقشور الكستناء-
الممتلئة كالكستناء/الناعمة كالكستناء/الطيبة كالكستناء:
أمس لم يسأل عنك أحد
لا ماء في البحر/ولا سمكة على الشاطئ
أمس لم يسأل عني أحد
زارني الموت ولم يكن على الرفّ قهوة/ولأن الموت يحب القهوة مثل جميع الناس
فلقد قلب شفتيه وصفق الباب وراءه/ومضى في قطار العتمة.
وكانت تقول لي:
أنت لا تبكي/أنت لا تبتسم
فمن احتسى دموعك بدلاً من الفودكا بالبرتقال؟
ومن أكل ابتسامتك بدلاً من فطائر الكبد المشوي؟
فمك مغلق، ولسانك مصفّد
تُرى، هل تختبئ في فمك أغنية أم نقالة موتى؟
حديثًا عن عطلة نهاية الأسبوع؟/أم طفلة بعينين مفقوءتين؟
هل نسفوا لسانك أيضًا؟
أم ثبتوه بسقف حلقك بالدبابيس الفضية؟
وكانت المرأة التي تعدّ على أصابعها قتلى
حروب الطبقات تقول لي:
هل تعرف نيرون؟/هل قرأت عن نيرون؟
نيرون لم يكن مذهلاً لكنه أحرق روما
أنا هي عاصمتك المحترقة/وأعرف أنك لست نيرون
ولكن قل لي:
هل تحبني؟ هل تحبني؟ هل تحبني؟
هذا ما قالته المرأة الواسعة قبل أن تحمل
مظلتها الضيقة/وتمضي في المطر الناري
و أنا ?المهذب، المهذب، المهذب-
التففت بمعطفي ومضيت
و أنا أذكر أنها قالت:
من الأفضل أن نبتلع المجنزرات/بدلاً من حبوب الكورسيدين!.

إنها السريالية التي تحقق الحلم وترضي نفس الإنسان التي تعبر عما تشاء وبحرية وتضع النهايات كما يحلو لها، سريالية تحاكم على مقصلة الحياة، وتنتصر للخير والفرح وتستثني من تشاء من عالمها الخاص إنها (عيش الغلابة)، إن الشاعر ينتقل ما بين الصور والجمل الشعرية بدون تفكير ما يخطر على باله أو يشعره يكتبه (لا ماء في البحر/لا عدالة بين نابي أفعى/ قطيع من الموتى في فمي/الغسيل على الشرفات/ملائكة بقوانين حمورابية لاغتيال الموتى/محاسبون لإحصاء الأظافر والأيدي/ثيران بقوائم لطيفة لشرب البيرة/وفراشات كالحة على الرمال/امرأة محطمة/صورة بلا إطار/الأطفال ما زالوا يحبون الفستق/رجل يبحث في جيوبه عن امرأة/الأسئلة البسيطة قذيفة/معركة واترلو/معركة العلمين/مذبحة دير ياسين/قلبك لم يعد طريًّا/ألديك أصابع؟ أين هي أصابعك؟/لا ماء في البحر/لا سمكة على الشاطئ/من احتسى دموعك/هل نسفوا لسانك أيضًا؟/نيرون لم يكن مذهلاً لكنه أحرق روما/من الأفضل أن نبتلع المجنزرات/بدلاً من حبوب الكورسيدين!)، كل تلك الصور السابقة اسهابات روحه المنكسرة مما حوله، الرابط فيما بينها مشاعره لا أكثر ينتقل ما بين الأعوام وما بين الأحداث غير عابئ بتفاصيلها أو باختلاف الأزمنة فكلها في مغزاها وبما سببته للروح سواء، والعقل يستحضرها لذلك.
عاشق قال: (62)
بعد نهارين من تعب ورصاص
تجيء من الأرض عاشقة/وتمدُّ يديها إلى مطر وإجاص
تمدُّ يديها إلى الماء/تغسل ألسنة الخطباء وألسنة الرقباء
تسجِّلُ أرصدةَ الفقراء التي ابتلعتها الحروب/على دفترٍ شجريّ
تمزِّق قبَّعة الجنرال
وقبل مساءين من مطر وإجاص أرى:
تحت قبَّعة الجنرال قرىً مصمصت عظمَ أطفالها
ويدين تقطَّعتا
ورى تحت قبَّعة الجنرال:/دمًا ساطعًا
وجماجمَ مكسورة تتهجَّى حروف
وفي كل حرف مشاريع من حلم فاسد
وأرى تحت قبَّعة الجنرالات/مشروع حرب على الزهر
مشروع حرب على النهر
مشروع حرب على الفقراء
وبين يدين تقطَّعتا
يهرب العاشقون من العشقِ/والميِّتون من الموت/والفقراء من الفقر
من ثمَّ تسقط قنبلة ويجيء الغزاة الأشدَّاء
من كأس شايٍ وسيجارة وصباح
ومن كأس شاي وسيجارة تبدأ الثورة العالميَّة
أو تبدأ الأمنيات الكثيرات/يبدأ الخطباء خطاباتهم/والجنود رصاصاتهم
ثمَّ أفرغ من الحزن/أقذفه تحت قبَّعة الجنرال
وأركض في مقتل لا يحدُّ
أنا الآن مقتنع ببلادي/ومقتنع باضطهادي
وفي زمن لا يحدُّ أرى من أحبُّ على شاطئ
تستريح من اليأس
تسألني عن مكان لذيذ بلا شرطة
نتبادل فيه الأناشيد والقبلات
أجيب: هو البحر
قالت هو البحر. قالت هو البحر
وابتسمتْ.
إنها الخيالات والرؤى التي تفرضها الرغبة في الممنوع، الحاجة إلى المفقود، سريالية تتلقف مشاعر الشاعر فيشطح في خيالات، فالروح متشظية وتتلمس الثبات الذي يصعب عليها الوصول إليه، وفي تفريغها عن كبت مشاعرها تسترسل في الصور وفي تعبيرها بغير رابط معين سوى التشظي.
الاسترجاع «Flash Back»:
الاسترجاع «تقانة قائمة على أساس استرجاع الزمن الماضي»(63) حيث يضغط الشاعر على ذاكرته من أجل استرجاع «الأحداث السابقة، وهو مرتبط بالتذكر والاستدعاء للأمكنة والأزمنة والأحداث، وهو قطع لوتيرة الخط الزمني للعودة إلى الزمن الماضي»(64) الذي يحمل دلالات عميقة داخل التجربة الشعرية التي يرصدها الشاعر في النص الشعري.
«في التاسعة عشرة وضعت على رأسي قبعة(65)
وحملت كلاشينكوف
أكلت السردين كثيرًا والغبار
وكنت كلما جرّدت مَنْ يقتله الأعداء مِنْ أشيائه القليلة
أجد بينها صورة فوتوغرافية لـ: س»
وفي قصيدة «رجل»(66) يسترجع الشاعر صورة بقيت حية وحفرت داخله على الرغم من مرور الزمن؛ لما تحمله من إنسانيو ونبل ونهاية مأساوية:
وعندما كان الناس يرقصون
أو يشاهدون الأفلام الهزليَّة
رأيته يحمل الخضار للجوعى
والحقائب للمسافرين
البترول للطائرات
والألعاب للأطفال
وعندما كان الناس يتثاءبون في فترة الظهيرة
أو يمارسون الحبّ في الحمَّامات
كان يحمل السمك من البحار
والقمح من الحقول
الورد من الحدائق
والكتب من المطابع
وفي يوم ما
الأربعاء أو الخميس أو الجمعة
جاءت سيَّارة بيضاء
وحملته إلى المقبرة!.
خاتمة:
عند النظر إلى تقسيم رياض الصالح الحسين لدواوينه الشعرية؛ يلحظ تعاملا خاصا معها فهو يقسمها بطريقة يمكن القول بـأنها درامية صرفة فهو يربط مجموعة من القصائد برابط معين يصبغها جميعا بصبغة واحدة كأنها لقطات عدة أو مشاهد تكمل بعضها بعضا لتعطي في النهاية فكرة كاملة أو مشاعر مكتملة عن موضوع معين، فمثلا في بسيط كالماء واضح كطلقة مسدس» ينقسم الديوان إلى تفاصيل، انفجارات ويوميات وتأخذ قصائد كل قسم هالة من اسمه وتقود التفاصيل إلى انفجارات تؤدي في النهاية إلى تسجيل تواريخ معينة على هيئة فيلم وثائقي تسجيلي لمفاصل الحياة، وفي «وعل في الغابة» ينقسم الديوان إلى قصائد، رغبات، مفارقات وأخيرا حب، وبذلك يحمّل الشاعر كل مجموعة أو قسم شعورا مشتركا على درجات لتخلق كل منها حالة درامية خاصة أو تروي حكاية من كل الأبعاد والتفاصيل والاحتمالات الممكنة وبمشاعر ودفقات كاملة.
إن الدراما عند رياض عفوية تأتي من انتمائه للواقع وللحدث اليومي، ومسايرته لأحداث المجتمع، وربما لأنه افتقد جزءا من ادراكه للحياة كما يجب بسبب الإعاقة أصرّ على بناء عالم متكامل يضج بالشخوص والأحداث والمشاعر والتفاصيل.
المراجع:
1. إبراهيم حمادة: معجم المصطلحات الدراميّة والمسرحية، ط3، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة، 1994.
2. أحمد أبو زيد: الشعر والدراما، عالم الفكر، ع1، مج15، منشورات وزارة الإعلام في الكويت، إبريل مايو يونيو 1984.
3. بدران عبد الحسين محمود: النزعة الدرامية في شعر البياتي، مجلة جامعة تكريت للعلوم، ع5، مج18، تموز 2011.
4. بوزيد كحول: البناء الفني في شعر فدوى طوقان، رسالة ماجستير، جامعة قسطنطينية، معهد الآداب والثقافة العربية، 1980.
5. جبرا إبراهيم جبرا، الرحلة الثامنة، المكتبة العصرية، بيروت، 1967.
6. جلال الخياط: الأصول الدرامية في الشعر العربي، سلسلة دراسات(340)، دار رشيد للنشر، العراق، 1982.
7. حسني يوسف: موسيقى الشعر العربي ظواهر وتجديد، ج2، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1989.
8. رياض الصالح الحسين: أساطير يومية، ط1، مطابع وزارة الثقافة السورية، دمشق، 1980.
9. رياض الصالح الحسين: بسيط كالماء واضح كطلقة مسدس، ط1، دار الجرمق، دمشق، 1982.
10. رياض الصالح الحسين: خراب الدورة الدموية، منشورات وزارة الثقافة والارشاد القومي، دمشق، ، دمشق، 1979.
11. رياض الصالح الحسين: وعل في الغابة، منشورات وزارة الثقافة والارشاد القومي، دمشق، 1983.
12. سمير الخليل، إسراء حسين: التوليف (المونتاح) في الشعر العربي المعاصر، مجلة كلية التربية الأساسية، ع53، العراق، 2008.
13. السيد محمد علي السيد: النزعة الدرامية في الشعر العربي المعاصر، رسالة ماجستير، جامعة القاهرة، كلية دار العلوم، 1980.
14. سيرة موت ناقص بقلم منذر مصري، في الأعمال الكاملة رياض الصالح الحسين 1954-1982، ط1، منشورات المتوسط، إيطاليا، 2016.
15. سيسيل دي لويس: الصورة الشعرية، ترجمة: أحمد نصيف الجنابي، سلمان حسن ابراهيم، ومالك ميري، دار الرّشيد للنشر، بغداد، 1982.
16. صدام الشايب: البناء السردي والدراما في شعر ممدوح عدوان، رسالة ماجستير، جامعة مؤتة، كلية الدراسات العليا، قسم اللغة العربية وآدابها، العراق، 2007. ص105
17. عبد الرازق كريم خلف، يونس عباس حسين: الهيمنة السردية وتقنياتها الاجرائية في النص الشعري الحديث ?ياسين طه أنموذجاً- مجلة كلية التربية الأساسية، ع62، 2010.
18. عبد العزيز حمودة: البناء الدرامي، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1998.
19. عز الدين إسماعيل: الشعر العربي المعاصر قضاياه وظواهره، ط6، المكتبة الأكاديمية، القاهرة، 2003.
20. علي جعفر العلاق: البنية الدرامية في القصيدة الحديثة دراسة في قصيدة الحرب، مجلة فصول، الهيئة المصرية العامة للكتب، ع1و2، مج7، أكتوبر 1986 مارس 1987.
21. علي عشري زايد: استدعاء الشخصيات التراثية في الشعر العربي المعاصر، دار الفكر العربي، القاهرة، 1997.
22. ف. أ. ماثبسن: ت. س. إليوت الشاعر الناقد، ترجمة إحسان عباس، المكتبة المصرية، بيروت، 1965. ص132
23. فايز ترحيني: الدراما ومذاهب الأدب، ط1، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، 1988، بيروت.
24. مجدي عبد المؤمن دوّام: البنية الدرامية في شعر المهجر، 2007.
25. نبيل راغب: النقد الفني، دار مصر للطباعة، الفجالة، د.ت، مرجع سابق.
26. هايل الطالب: في المتخيَّل الأدبي «مقاربات في النقد التطبيقي، قصيدة البداهة التي تشبهنا قراءة في تجربة رياض الصالح حسين (1954-1982)، ط1، مؤسسة أروقة للدراسات والترجمة والنشر، القاهرة، 2014.
(1) جلال الخياط: الأصول الدرامية في الشعر العربي، سلسلة دراسات(340)، دار رشيد للنشر، العراق، 1982. ص7
(2) السيد محمد علي السيد: النزعة الدرامية في الشعر العربي المعاصر، رسالة ماجستير، جامعة القاهرة، كلية دار العلوم، 1980. التمهيد
(3) جلال الخياط، مرجع سابق. ص32
(4) علي عشري زايد: استدعاء الشخصيات التراثية في الشعر العربي المعاصر، دار الفكر العربي، القاهرة، 1997. ص20
(5) عبد العزيز حمودة: البناء الدرامي، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1998. ص11
(6) إبراهيم حمادة: معجم المصطلحات الدراميّة والمسرحية، ط3، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة، 1994.ص73
(7) بوزيد كحول: البناء الفني في شعر فدوى طوقان، رسالة ماجستير، جامعة قسطنطينية، معهد الآداب والثقافة العربية، 1980. ص158
(8)عز الدين إسماعيل: الشعر العربي المعاصر قضاياه وظواهره، ط6، المكتبة الأكاديمية، القاهرة، 2003. ص240
(9) السيد محمد علي السيد، مرجع سابق. التمهيد
(10) بدران عبد الحسين محمود: النزعة الدرامية في شعر البياتي، مجلة جامعة تكريت للعلوم، ع5، مج18، تموز 2011. ص165
(11)نبيل راغب: النقد الفني، دار مصر للطباعة، الفجالة، د.ت، مرجع سابق. ص34
(12)حسني يوسف: موسيقى الشعر العربي ظواهر وتجديد، ج2، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1989. ص27
(13)نبيل راغب، مرجع سابق. ص34
(14)أحمد أبو زيد: الشعر والدراما، عالم الفكر، ع1، مج15، منشورات وزارة الإعلام في الكويت، إبريل مايو يونيو 1984. ص6
(15)عز الدين إسماعيل، مرجع سابق. ص240
(16)ف. أ. ماثبسن: ت. س. إليوت الشاعر الناقد، ترجمة إحسان عباس، المكتبة المصرية، بيروت، 1965. ص132
(17)صدام الشايب: البناء السردي والدراما في شعر ممدوح عدوان، رسالة ماجستير، جامعة مؤتة، كلية الدراسات العليا، قسم اللغة العربية وآدابها، العراق، 2007. ص105
(18)هايل الطالب: في المتخيَّل الأدبي «مقاربات في النقد التطبيقي، قصيدة البداهة التي تشبهنا قراءة في تجربة رياض الصالح حسين (1954-1982)، ط1، مؤسسة أروقة للدراسات والترجمة والنشر، القاهرة، 2014. ص132
(19)عز الدين إسماعيل، مرجع سابق. ص284
(20)خراب الدورة الدموية 1979، أساطير يومية 1980، بسيط كالماء واضح كطلقة مسدس 1982، وعل في الغابة 1983.
(21)انظر سيرة موت ناقص بقلم منذر مصري، في الأعمال الكاملة رياض الصالح الحسين 1954-1982، ط1، منشورات المتوسط، إيطاليا، 2016.
(22) علي عشري زايد: عن بناء القصيدة العربية الحديثة، مرجع سابق. ص215
(23) سمير الخليل، إسراء حسين: التوليف (المونتاح) في الشعر العربي المعاصر، مجلة كلية التربية الأساسية، ع53، العراق، 2008. ص23
(24)علي جعفر العلاق: البنية الدرامية في القصيدة الحديثة دراسة في قصيدة الحرب، مجلة فصول، الهيئة المصرية العامة للكتب، ع1و2، مج7، أكتوبر 1986 مارس 1987. ص39
(25) بدران عبد الحسين محمود، مرجع سابق. ص179
(26)رياض الصالح الحسين: وعل في الغابة، منشورات وزارة الثقافة والارشاد القومي، دمشق، 1983.
(27)رياض الصالح الحسين: خراب الدورة الدموية، منشورات وزارة الثقافة والارشاد القومي، دمشق، 1979.
(28)هي منظّرة ماركسية وفيلسوفة واقتصادية واشتراكية ثورية من أصول بولندية يهودية عملت بالتجارة وأصبحت مواطنة ألمانية. كانت عضوا في كل من الديمقراطي الاشتراكي لمملكة بولندا وليتوانيا، الحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني والحزب الاشتراكي الديمقراطي المستقل والحزب الشيوعي الألماني، تبنت الاشتراكية وانتسبت للحزب الماركسي البروليتاري منذ حداثتها. غادرت بولندا الروسية عام 1889 لتنضم إلى الثوريين المنفيين الروس بزعامة بليخانوف في زوريخ حيث درست العلوم ونالت شهادة الدكتوراه. هاجرت إلى ألمانيا وتزوجت عاملا ألمانيا واكتسبت بذلك الجنسية الألمانية كي تتاح لها فرصة العمل في صفوف أكبر الأحزاب الديمقراطية الاشتراكية في أوروبا. وعندما اندلعت الثورة الروسية لعام 1905 عادت إلى وارسو كي تشارك فيها فقبض عليها وأفرج عنها في العام التالي. عادت إلى برلين حيث كتبت «تراكم رأس المال» عام 1913 الذي يعتبر مساهمة فكرية ماركسية رئيسة.
(29)هي من أوائل الفلسطينيات اللواتي خضن العمل الفدائي المسلح منذ انطلاقة الثورة الفلسطينية المعاصرة التي فجرَّت شرارتها الأولى حركة فتح في الأول من كانون ثاني / يناير عام 1965 ، وهي أول فتاة فلسطينية يتم اعتقالها من قبل قوات الاحتلال الإسرائيلي، وهي أول أسيرة تُسجل رسمياً في سجلات الحركة النسوية الأسيرة في تاريخ الثورة الفلسطينية المعاصرة.
(30)مجدي عبد المؤمن دوّام، مجدي عبد المؤمن دوّام: البنية الدرامية في شعر المهجر، 2007. ص100
(31)وعل في الغابة.
(32)المرجع السابق.
(33) بدران عبد الحسين محمود، مرجع سابق. ص179
(34)وعل في الغابة.
(35) عز الدين إسماعيل، مرجع سابق. ص279
(36)وعل في الغابة.
(37) بدران عبد الحسين محمود، مرجع سابق. ص172
(38) فايز ترحيني: الدراما ومذاهب الأدب، ط1، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، 1988، بيروت. ص97
(39)عبد العزيز حمودة، مرجع سابق. ص127
(40) بدران عبد الحسين محمود، مرجع سابق. ص165
(41)عبد العزيز حمودة، مرجع سابق. ص125
(42)هايل الطالب، مرجع سابق، ص133_134
(43)وعل في الغابة.
(44)مجدي عبد المؤمن دوّام، مرجع سابق. ص99-100
(45)عز الدين إسماعيل، مرجع سابق. ص279
(46)أساطير يومية.
(47)هي رواية للكاتب نيكوس كازانتزاكيس، تدور أحداثها عن قصة رجل مثقف, اسمه باسيل, غارق في الكتب يلتقي مصادفة برجل أميّ مدرسته الوحيدة هي الحياة وتجاربه فيها. سرعان ما تنشأ صداقة بين الرجلين ويتعلم فيها المثقف باسيل الذي ورث مالا من أبيه الكثير من زوربا عن الحياة وعن حبها وفن عيشها. المميز في زوربا أنه يحب الحياة بكل أشكالها, لا يذكر الحزن؛ بل يذكر الفرح دائما في لحظات حزنه الشديد, أو سعادته الشديدة, يرقص رقصته المشهور (رقصة زوربا).. في تلك الرقصة, يقفز إلى الأعلى لأمتار ويستغل كل ما هو حوله من بشر أو من أدوات وجمادات، ويروي شخصية زوربا شخص لقبه «الرئيس» يوناني يرغب في استثمار أمواله في مشروع ما, فيقنعه زوربا بأنه يستطيع استثمار أمواله في منجم للفحم؛ ولكن محاولات زوربا لصناعة مصعد ينقل الفحم من مكان لمكان تبوء بالفشل؛ ولكن زوربا المفعم بالحياة لا ييأس يحتاج زوربا لأدوات من المدينة, فيأخذ كل أموال «الرئيس» ويذهب إلى المدينة, فيشعر بالتعب, يدخل إحدى الحانات, فتقترب منه «غانية» فيرفضها, فتشعره بانتقاص الرجولة, ولكن زوربا المفعم بالرجولة لا يقبل هذا التصرف, ويصرف كل أمواله عليها, ويكتب رسالة إلى «الرئيس» أنه «دافع عن كل الرجولة في العالم».
زوربا شخص أمّي لا يعترف بالكتب, وبالمقابل «الرئيس» صديقه شخص مليء بالكتب, ولطالما سخر زوربا من تلك الكتب، يقول: كتبك تلك أبصق عليها, فليس كل ما هو موجود, موجود في كتبك. ويتضح من الرواية، أن كليهما يمثلان قطبان للتناقض، ورغم ذلك التناقض فقد كان يجمعهما حب عميق وصداقة شفافة وصادقة. لقد جمعت بين هذين الشخصين المتناقضين فكرياً وعقائدياً وسلوكياً علاقة وشيجة قوامها لا المصلحة أو تبادل المنفعة بقدر ما هي علاقة تحكمها التكاملية فكل منهما رأى في الآخر مكملاً لنفسه، وكأن كلا منهما وجد في الآخر نصفه المفقود أو نصفه الذي يبحث عنه، وإن كان من الواضح أن قوة تأثر الراوي المتمثل بشخص الإنسان المثالي، كانت أكبر من قوة تأثر زوربا به.
(48)مجدي عبد المؤمن دوّام، مرجع سابق. ص100
(49)المرجع السابق.
(50) المرجع السابق. ص10
(51) صدام الشايب، مرجع سابق. ص11
(52) جبرا إبراهيم جبرا، الرحلة الثامنة، المكتبة العصرية، بيروت، 1967. ص45
(53)خراب الدورة الدموية.
(54) سيسيل دي لويس: الصورة الشعرية، ترجمة: أحمد نصيف الجنابي، سلمان حسن ابراهيم، ومالك ميري، دار الرّشيد للنشر، بغداد، 1982. ص112
(55)رياض الصالح الحسين: أساطير يومية، ط1، مطابع وزارة الثقافة السورية، دمشق، 1980.
(56)انظر وليد منير: التجريب في القصيدة المعاصرة، مقال، مجلة « فصول، ع1، مج 16، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، صيف 1997.
(57)أساطير يومية.
(58)علي جعفر العلاق، مرجع سابق. ص39
(59) شهادة لأحمد يوسف داوود، انظر الأعمال الكاملة لرياض الصالح الحسين، وجريدة تشرين ع 12/7/1980، دمشق.
(60) رياض الصالح الحسين: بسيط كالماء واضح كطلقة مسدس، ط1، دار الجرمق، دمشق، 1982.
(61) خراب الدورة الدموية.
(62)أساطير يومية.
(63) عبد الرازق كريم خلف، يونس عباس حسين: الهيمنة السردية وتقنياتها الاجرائية في النص الشعري الحديث ?ياسين طه أنموذجاً- مجلة كلية التربية الأساسية، ع62، 2010. ص13
(64) صدام الشايب، مرجع سابق. ص69
(65) خراب الدورة الدموية.
(66) أساطير يومية.


فداء فتحي البواب

شاهد أيضاً

أوتوبوغرافيا المكان لعلاء الأسواني «نادي السيارات» .. أنموذجا

«إنّ الرواية الواقعية هيَ الشكلُ الفنيّ الأكثر ملاءمة ً في التعبيرِ عن العلاقةِ بينَ كلٍّ …