أخبار عاجلة

الهامش وتمثيلاته في المتن السردي لمليكة مستظرف

كان رحيل مليكة مستظرف في العاشر من سبتمبر عام 2006 إيذانا بنهاية مبكرة لمشروع أدبي طموح، وكانت الكاتبة قد أعلنت استقالتها من الحياة بعد إصابتها بمرض الفشل الكلوي المزمن ولما تتجاوز الرابعة عشرة من العمر. وكانت معايشتها للمرض الخبيث واضطرارها إلى الخضوع كل أسبوع لثلاث جلسات لتصفية الدم قد حملاها على أن تعلن طلاقها من الحياة وسيرها العادي. لم يعد في وسعها والحالة هاته أن تنهل من متع ومسرات الحياة شأن أية فتاة أخرى. وكانت محصلة هذه الوضعية المزرية ركونا اضطراريا إلى الهامش.
ضاعف من حدة الحضور القسري في الهامش عوامل عدة تتمثل تخصيصا في معاناة الكاتبة الراحلة من وضعيتها باعتبارها امرأة داخل مجتمع تحكمه تقاليد ذكورية. وكان من جراء ذلك أن ألفت ذاتها مضطرة إلى الركون القسري للهامش وتبعاته المتمثلة في التمييز وهيمنة المسبقات السلبية. عاشت الكاتبة على امتداد عمرها القصير في الدار البيضاء المدينة المتوحشة التي تتسيد فيها الذكورة وتراتبية قيمها ورؤاها إلى العالم، ويتأسس على ذلك بداهة أن الأنوثة تختزل بفعل وطأة سلطة التطابق وإكراهاته إلى الصمت والإلغاء الذاتي. ينضاف إلى ذلك أن الفروق الصارخة بين حفنة من الأثرياء المشبوهين الذين ينعمون بالعيش الرغيد وجحافل المسحوقين والمنبوذين أسهمت بقوة في إذكاء وتأجيج شعورها بالتهميش. أضحت الكتابة باعتبار ذلك كله وسيلة فعالة ركنت إليها الكاتبة الراحلة من أجل مقاومة هذا الشعور الملح بالتهميش وآثاره المدمرة. حقيق بالإشارة في هذا الخصوص إلى أن التحققات النصية لتجربة مليكة مستظرف متعالقة عضويا  برهان رئيس تمثل في التعبير الأدبي من خلال هامشيتها الخاصة عن هامشية الآخرين. ولم يكن غريبا والحالة هاته أن تكون التحققات النصية للكاتبة محيلة بطريقة مباشرة وغير مباشرة في آن إلى سيرتها الذاتية؛ بحيث تحيل الأنا الساردة وحكاياتها الحارقة بطريقة قصدية إلى تفاصيل خاصة من حياة المؤلفة.

1- جراح الروح والجسد: سيرة الهامش المستعاد.

يمكننا أن نقارب روايتها الموسومة «جراح الروح والجسد»(1) باعتبارها محاولة لفضح الآثار الفظيعة للاعتداء الجنسي الذي كانت الساردة عرضة لها في طفولتها. يهمنا أن نشير في هذا الصدد إلى حقيقة مفادها إن الرواية كانت عرضة للمنع غير الصريح من خلال رفض كل الناشرين المغاربة نشرها بسبب مظهرها غير الأخلاقي. وكان على الكاتبة أن تضطر في النهاية إلى أن تنشر الرواية على نفقتها بمساعدة صديقها الشاعر المغربي الراحل محمد الطوبي.
لا تعمد الساردة إلى المهادنة أو الاحتيال على القارئ وهي تروي مشهد الاغتصاب الذي كانت عرضة له:
«… هذه المرة لن أهرب من ذكرياتي سأحكي وأحكي لأرتاح. قبل اليوم كسرت ألف قلم وقلم وبكيت ألف مرة. واليوم لملمت ما تبقى من شجاعتي وقررت أن أحكي كل شيء دون خوف أو حشومة أو عيب… سأحكي بكل جرأة… سموني ما شئتم زنديقة… مجنونة… فما عدت أهتم… لقد طفح الكيل.» الرواية، ص5.
تستند الكاتبة إلى حرية لا حدود لها وتعترف برغبتها في انتهاك كل الأعراف والمعايير السائدة في خصوص الكتابة والعلاقات بالعالم. وهي تستقر بطريقة واضحة داخل تخوم هامش لا توجد فيه «الأنا» إلا من خلال صورة «الآخر» الذي يهيمن بقسوته وفظاعة أفعاله وتمثيلاته التي تنهل من متخيل ينوء تحت وطأة التقاليد الذكورية والمقدس. تفصح الساردة عن حضورها باعتبارها ناطقة بلسان تلكم الأصوات التي اضطرت بفعل مختلف أشكال العنف المادي والرمزي إلى الصمت. تستهل الرواية في هذا السياق بهذا المشهد الذي يصور بلغة عارية الاغتصاب الجنسي لطفلة:
«… وفوق سطح إحدى العمارات أمسكني بعنف وبطحني أرضا. رفع فستاني، حاولت الصراخ. كانت يده تقفل فمي بقوة… أحسست بالاختناق… جسمه ثقيل… ورائحة عرقه كريهة… وهذا اللهاث قرب أذني… حاولت المقاومة وكلما قاومت وحاولت التخلص منه ازداد شراسة. وبعدها انتهى. مادة لزجة كريهة بين فخذي، ألم، شعري أشعث، رجلاي كأنهما مصنوعتان من القطن لا أستطيع الوقوف وهو ممدد بجانبي يلهث كحيوان..». الرواية، ص 7.
تغوص الساردة في العوالم السفلية لمدينة الدار البيضاء التي تتقاطع داخلها المصائر الإنسانية الموسومة بالهشاشة  والتدمير الذاتي والرغبة في الانعتاق من إسار الحضور السلبي بغية استشراف حضور فاعل وإيجابي في العالم. لا تؤثر الكاتبة في هذا المقام تثمين الهامش وإنما تروم تخصيصا التعبير الإبداعي عن آثاره السلبية. يتحدد الهامش والحالة هاته باعتباره فضاء أو فضاءات كينونة تستلزم أشكالا متعددة من العنف المادي والرمزي. تفصح مدينة الدار البيضاء باعتبارها فضاء تحكمه سطوة التقاليد؛ وهو ما يفرز خطاب سلطة مركزي يحتكر الحق في التعبير والفعل ويخلق حالات من الوجود الهامشي. تتقدم صورة «الأب» باعتبارها تجسيدا لهذه السلطة المركزية التي تقمع وتضطهد، وتقوم الساردة بتبئير محكياتها حول أفعاله وأقواله العنيفة:
«…ومن جملة الأشياء التي ما زالت محفورة بذاكرتي منظر والدي وهو يضرب والدتي. كان يضربها بسبب وبدونه… يضربها بعنف وكنا نختبئ – نحن الأبناء- في إحدى الغرف. ونبكي.  لم نكن نجرؤ حتى على التوسل. كانت أمي تبكي وتستغيث ولا من مغيث. كنا عاجزين. نخاف أبي وجبروته، ونحب أمي ولا نستطيع لها شيئا.» الرواية، ص 23.
تتعالق تمثيلات الأب والنزوع نحو الاحتفاء بصورة الأم التي تعاني شأنها في ذلك شأن الساردة من وضعية «الهامش» وإن كانت تسعى إلى التخفيف من ثقله. يمكن النظر إلى ثنائية الأم/الأب باعتبارها تجسيدا لثنائية المركز والهامش، ولا تكف صورة الأب عن امتداد التطور السردي في الرواية في الآن نفسه عن إفراز صور مماثلة، ويمكن أن نمثل لذلك تخصيصا بشخصيات قدور والأسود والبواب والأخ.  تضاعف عدوانية وعنف خطاب السلطة الذي يجسده الأب وصوره الأخرى من هشاشة وسلبية الهامش وأشكاله. واعتبارا لذلك، لا تجرؤ الساردة التي كانت ضحية اغتصاب متواصل على فضح جلاديها، بحكم خشيتها  من غضب أمها التي تخشى بدورها على سمعة ابنتها. يمكننا أن نفترض في هذا الخصوص إن خطاب السلطة ينتج ما يمكن دعوته بأنه ركون للفعل السلبي. نمثل لذلك على وجه التخصيص بصديقة الساردة التي تحترف الدعارة والتي تركن إلى قدرية فاقدة للمعنى حين تعلن أنها ورثت الدعارة عن أمها وأنها كانت علاوة على ذلك ضحية للاغتصاب منذ كانت طفلة في الرابعة من لدن عمها وأخيها. ويمكننا في هذا المعرض أن نتمثل في تعليق الساردة على دعوة صديقتها للانعتاق والتمرد على طغيان الأب قرينة دالة لقوة على هذا الركون إلى السلب:
« بنازير بوتو عندما كانت في مثل عمرك قلبت بلدا بأكمله وأنت ما زلت تقولين أبي.
بنازير بوتو لم يكن لها أب مثل أبي.
كل هذه الأعذار واهية. إذا كانت لديك  إرادة قوية وعزيمة وكنت تؤمنين بقضيتك ستقفين في وجه الشيطان.
في وجه الشيطان نعم.. لكن في وجه أبي لا.» الرواية، ص 96.
لا يتيح خطاب السلطة المتمركز والتأثير القوي الذي يمارسه أي خيار للذوات الهامشية الحرية الكافية من أجل الفعل والقول. ويكون الركون إلى السرية والحالة هاته الملاذ الممكن كي تفصح هاته الذوات عن حضورها وفق كيفية تفضح مشاعر القهر والكبت والتبعية. وكلما اتسعت مساحة تأثير هذا الخطاب كلما تكثف الهامش ووجوهه ليتخذ في أحايين عدة صورة  الاستسلام. تتحدى الساردة إرادة الأب وتقرر السفر إلى فرنسا كي تؤسس جمعية تدافع عن حقوق الأطفال ضحايا الاعتداء الجنسي. ينتهي التمرد المعلن ضد سلطة الأب بأن تتصالح معه بشكل مباغت وغير مبرر منطقيا. ينبعث الأب على حين غرة في المطار مثل قوة مقدسة كي يبارك سفر ابنته. يتعلق الأمر بداهة بعودة طائعة إلى بيت الأب آثرتها الذات الكاتبة كي تختم روايتها الحارقة. هل يسعنا والحالة هاته النظر إلى هذه النهاية باعتبارها شكلا من أشكال الإلغاء الذاتي أو حيلة من حيل الكتابة ركنت إليها الكاتبة كي تقهر خطاب السلطة الذي يمثله الأب ومضاعفاته؟

2- «ترانت سيس»: الهامش باعتباره فضاء للمغايرة.

سوف تصدر مليكة مستظرف عام 2004 مجموعتها القصصية التي اختارت لها  عنوانا دالا «ترانت سيس»(2), استثمرت الكاتبة المتخيل الشعبي كي تخلص إلى هذا العنوان المثير الذي يشير إلى هذا الكون  الكابوسي لحضور هامشي عصي على التجاوز. يتعلق الأمر بفضاء مستشفى الأمراض العقلية الذي اقترن في المتخيل الشعبي المغربي باسم «ترانت سيس».  تجدر بنا الإشارة في هذا المقام إلى أن الكاتبة الراحلة قد خاضت منذ إصدار روايتها الأولى معركة ضارية من أجل مقاومة المرض الخبيث, وكانت محاولتها لزرع كلية تبرعت بها شقيقتها قد باءت بالفشل. ولن تتوقف منذ ذلك التاريخ عن الكتابة أثناء  ارتيادها المستشفى بغاية الخضوع لجلسات تصفية الدم، ولم يكن تدهور صحتها ليحول بينها وبين تكثيف جهودها من أجل مقاومة شبح الموت.  وجهت في هذا السياق مجموعة من النداءات إلى ملك المغرب والأمير شارل ولي عهد بريطانيا، بيد أن التدخلات الصفيقة للآلة البيروقراطية المغربية أفشلت كل محاولاتها. وكانت المحصلة أن الكاتبة الراحلة سوف تبدع النصوص المشكلة لمجموعة «ترانت سيس» في سياق من الألم والإحباط  يتاخم الجنون.
تكشف القراءة الأولى للمجموعة عن رغبة الذات الكاتبة في إماطة اللثام عن الهامش وتمثيلاته. يمكننا أن نرى في القصة الأولى الموسومة «مجرد اختلاف» تعبيرا عن توق إلى الاستفزاز؛ إذ تروي معاناة شاذ جنسي مغربي شاب يعرض جسده في شوارع وأرصفة مدينة الدار البيضاء. تكشف الأحداث المسرودة بلغة عارية عن صراع غير متكافئ بين سلطة متمركزة تتسيد فيها قيم ومعايير الذكورة والفحولة وهذا الوجه الممثل للهامش. تجد هذه الشخصية عسرا في الإفصاح عن هويتها الجنسية؛ وينبني على ذلك اضطرارها إلى القبول القسري بعيشة محكومة بالسرية وسطوة مشاعر الخوف والحرمان. سوف تؤكد الكاتبة هذا الاختيار في قصتها «ترانسيس» بتشديدها على صورة الأب. نتمثل في هذا الخصوص القيمة الدلالية لمقارنتها بين الأب وجناح الأمراض النفسية والعصبية بمستشفى ابن رشد بالدار البيضاء والذي اختارت ساكنة المدينة وسمه بـ«ترانسيس». يتسبب سلوك الأب في خلق جو من الرعب والإهانة بتحويله للبيت العائلي بعد وفاة الأم إلى ما يشبه ماخورا متنقلا. تعترف الساردة في هذا المعرض بكراهيتها المفرطة ليوم السبت؛ لأنه اليوم الذي اختاره الأب كي يحيي حفلاته الجنسية الصاخبة مع هذه العاهرة أو تلك. سوف تكتشف الساردة في أحد أيام السبت الممقوتة أول طمث؛ ومن ثم دخولها إلى عالم النساء:
«… ذلك السبت ليلا.احسست بآلام تفتك ببطني, وبسائل ساخن يتدفق من بين فخذي الى ساقي.السائل رائحته كريهة. فهمت. لكن لم اعرف ماذا أفعل. أضع يدي بين فخذي حتى امنع ذلك السائل المهين والكريه. تمتلئ أصابعي بالدم. تنزل قطع حمراء داكنة كالكبد. ارتعش, السرير الحديدي يطقطق. أسناني تصطك. أحس بالمهانة. يدي بين فخذي, أحاول أن أمنع النزيف المهين.. يتسمر. عيناه كقطعتي زجاج, ينظر إلى الإزار الملوث بالفضيحة.ينظر الى نهدي, الى وجهي الذي امتلأ بثورا حمراء.تفاحة آدم تصعد وتنزل. يحك قفاه أهز رأسي من اليسار الى اليمين كأنني ادفع عني تهمة.يفتح خزانة الملابس , يمدني بفوطة كنا نمسح بها أرجلنا.يرميها بعنف باتجاهي . يبصق على الأرض، يخرج» المجموعة، (ص، 20).
يعبر هذا النص بقوة عن علاقة العنف التي تصل السلطة المتمركزة بالهامش وتمثيلاته. تشعر الساردة بكونها موضع اتهام وإدانة بسبب أنوثتها التي تضمن اختلافها، وتشعر من ثم بوطأة العنف الذي يمارسه الأب في حق اختلافها حين يرغمها على أن تمسح الدم المتدفق بخرقة مخصصة في الأصل لمسح الأقدام. يمكننا أن نمثل في هذا المشهد تعبيرا عن موقف جذري التزمت به الذات الكاتبة حيال المؤسسة الأبوية. يمكن للبعض أن يفترض في هذا الخصوص تأثيرا للتيار النسواني الثقافي على الذات الكاتبة. بيد أننا نعتقد أن مليكة مستظرف كانت أبعد ما تكون عن هذا التيار ورهاناته وانتظاراته النظرية؛ إذ كان انشغالها منصبا على صوغ شهادة إبداعية عن معاناتها الرهيبة مع المرض وقسوة وعنف الهامش. تجدر بنا الإشارة في هذا الخصوص إلى التجاهل الوقح الذي ووجهت به التجربة السردية المتميزة والذي يجد تفسيره في هيمنة المسبق السلبي الذي يصنف كتاباتها في خانة الأدب المريض. وحقيق بنا على سبيل الختام أن نشيد بالشجاعة الاستثنائية لهذه الكاتبة التي استمرت في الكتابة رغم وطأة المرض الخبيث ومضاعفاته التي عبرت عنها في نص «مأدبة الدم». ولم يكن من المستغرب والحالة هاته أن يكون آخر نص قصصي نشرته قبل أيام قليلة من وفاتها  يحمل هذا العنوان الصادم «موت».

هوامش:–
1- مليكة مستظرف. جراح الروح والجسد (رواية). منشورات مطبعة أكسنت. القنيطرة.1999.
2- مليكة مستظرف. ترانت سيس (مجموعة قصصية). منشورات مجموعة البحث في القصة القصيرة بالمغرب. 2004
 

شاهد أيضاً

مارسيل إيميه «عابر الجدران»

عاش في مدينة مونمارتر، في الطابق الثالث من البناية رقم 75 مكرر الكائنة بشارع دورشان …