أخبار عاجلة

الوجه والشجرة

قاص من عُمان.
إلى: يوسف فاضل
المشهد الذي أراه كل صباح من مكتبي: شق هزيل في الجدار، مسور بصفحة زجاجية خلفها شباك إسمنتي خلفه مقطع وحيد من رأس شجرة، هو ما جادت لي به الطبيعة طيلة خمسة عشر عاما في زنزانة الدوام الرسمي.
مقطع من شجرة تمرق عليه ظلال سيارات، وأعمدة بشر مهرولين، وقطط لاجئة من سقر الشمس، وخلفها تنمو بين الفينتين،وكأنما لتزيدها ضئالة- كتل من بيوت وعمارات يحيطها جبل أصم وراءه الشمس الوارية كمظلة مقلوبة وبثقب شاسع.
ما معنى أن تبدأ نهارك بحلم؟ معناه الهروب من كل مايحيطك، كرمي جسدك مغمض العينين في صفحة نهر. تدفنه لحظات قبل أن تدلقه في ولادة جديدة.
أسحب جسدي من السرير، بعد أن سحبته من نهر النوم، أضع رأسي تحت مياه الدش، أغمض عيني وأجدف بيدي محركا الصابونة على قشرة جلدي، النهر ساكن قبل أن أخرج رأسي من جوفه محدثا ثقبا في صفحته الملساء.
ثم تبدأ بعد ذلك رحلة الأطواق في شق طريقها اليومي على جسدي :
الإزار أولا، أطوق به النصف السفلي لجسدي، نزولا من الخصر الذي أهزه متأكدا من ثبات الكتلة الدائرية السميكة حوله، ثم الفانيلة القطنية، بعدها الدشداشة البيضاء، بعدها أكب خواء الكمة فوق شعري الذي لم تفارقه رطوبة الماء بعد، الكمة ذات الثقوب الشبيهة بثقوب التهوية والتي لا تلبث وأن تكتم بشرائج المصر المتوالية، ولن ينتهي ذلك المطاف باختيار المصر الأزرق أو الأصفر او الأخضر أوالأحمر، المحفوف بتطريزة مختلطة الألوان لم أسهم في اختيارها يوما.
أفرش المصر أمام عيني وأسرحها لحظات. الصرة الأولى أسوي خطوطها ثم أتبعها بالصرة الثانية، وحين تستوي أردفها بالثالثة.
شطر الشجرة هذا الذي أراه كل يوم من مكتبي، ثلاثة عشر عاما، هذه العريشة المنتصبة وحيدة، معزولة عن أقرانها ورغم ذلك فهي خضراء نضرة لأي عابر سريع يراها. ولكنني لا أراها إلا صرخة مغلفة بالأخضر. إنها شبيهتي. فأنا كذلك ملفع بالبياض نزولا من عنقي، وجسمي مليء بكدس اللحم وأوداجي نضرة وكل شيء في يدعو للحسد .قليلا هي أفضل مني، هي خضراء وأنا بني فاتح، هي عارية الرأس وأنا ملفوف بالخرق حتى أخمص قدمي، هي لاتعرف الحركة وأنا يقتلني السكون، هي تمتلك رصيدا حد التخمة من الماء والسماد، وأنا متخوم كذلك بالصبروالماء، هي زوارها عابرون وأنا كذلك، هي تحركها الريح أحيانا وأنا تطوقني جدران متناسخة………………… هي تراني وأنا أراها.
في مكتبي، أتلفت ثم أمسح رقبتي السمراء كرغيف محروق، أزيح المصر الثقيل عن رأسي (أزيحه قليلا)، أمرر يدي على مسام الشعر المغطى طوال الصباحات كما تغطى العورات.
شجرة لاتعرف الثمر، شجرة بلا نهود صغيرة، لايقطر منها شيء ولاينظرإلى تقاصيف ظلالها أحد، والصباح لجة ساطعة باليأس والحنين، حينما أمر واقفا لأصف مشهدا في رأسي لا أجد الكثير، حيث لا يلبث وأن تتداخل الذكرى بالحاضر، ويتحول الحاضر وكأنه ذكرى يجب نسيانها وتحل الذكرى ببهائها محل السكون السائد.
الشوارع تتزاحم. وتتراص بغنج قاتل مؤخرات السيارات بمقدماتها. والناس بسكونهم  وانقباضهم يبدون كنيام يصارعون أشباحا في الحلم.
السباحة في النهر لاتعني الاغتسال، إنها التمرغ بكل بهائه، الانغماس في كائنات لا مرئية والهروب من تبعات الأرض إلى رحابة الحلم.
ذات يوم حدثت لي قصة : توهمت أن أسدا في حجم فيل يطاردني، وجه أسد بجسد ضخم لم أره حتى في أعنف الكوابيس، كان يلاحقني من بعيد وفي أوقات الصحو الوظيفي. ألمحه من المرايا العاكسة في أروقة العمل، ولكني حين أتلفت لأتصيده بعيني، لا أجد شيئا… واستمر الوضع طيلة ثلاثة أيام.
وفي اليوم الرابع قررت أن أزيد من سرعة تلفتي، فغدوت أدور سريعا رقبتي، لأوقعه في فخ نظراتي المتوهجة. ولكني لم أر إلا الأعين المستغربة والساخرة للموظفين.
أحدهم صارحني بالأمر، وأسر لي بأن هناك من يعتبرني بأني في طريقي إلى الجنون، فأخبرته بأن أسدا يطاردني.
أسد في حجم فيل ؟-
– كيف عرفت ذلك ؟.
– لست الوحيد يا أخي الذي يطارده ذلك الشبح، إنها الديون والغلاء وقد اجتمعا في تلك الصورة، كان الأسد في الثمانينات والتسعينات في حجم قطة أليفة ولكنه ما لبث وأن كبر، وهاهو يهدد حياتنا.
بعدها تركني ثم تلفت ناحيتي فجأة وميع يديه ودشداشته البيضاء ولوح يديه في الهواء وهو يغني ساخرا:
 أنا الخليجي آنا الخليجي والخليج كله…….
في كامل محيط الشاطئ وعلى مد انخفاض العين، كانت أياد مقطوعة تنتشر، ملوحة كأكف الغرقى، وقد يئست من الانتظار، وفي أطراف الزبد تكوم الكثير منها، كتل متفرقة من أياد مقطوعة من معاصمها ببلطات متساوية المقاس، أكف تتجمع فوق الرمل كأهرام صغيرة.
البحر صاف رغم ذلك حتى الطيور التي كثيرا ما تتعارك لالتقاط ماتقذفه أمعاء البحر، لم تكن تعبأ بالمشهد، ولكن رغم ذلك لم يكن غيري من يبحلق كمن ينظر الى شاشة ضخمة في حجم السماء والبحر.
ليس ذلك ماكان يخيفني حقا، إن حلما آخر قد سبق حلم الأيادي المقطوعة ذاك، حلم أكثر وطأة على شعوري بالعزلة والحرمان.
قبل حلم الأيادي ذاك وبعد أن أفقت ووجهي مندى بالعرق،والعطش يتسلق كحبال يابسة إلى حلقي، رأيت في بلدتي ما يشبه القصر المطل على بحر، تملكه عجوز إنجليزية، أدخلتنا بدورها وهي تسرد لنا بأن هذا البيت كان ملكا لنا،ولم يعد كذلك الآن، ولم يتضح في الحلم كيف استولت عليه،كان بيتا جميلا تطل حواف جدرانه على أمواج البحر، تحيطه من الخلف حديقة زهور وأشجار صغيرة وأطيار ملونة، ولكن المرأة ما لبثت وأن قطعت مشهد رؤيتنا للبيت بصرخة غاضبة آمرة لي ولعائلتي بالخروج سريعا دون إبداء أي سبب. بعدها لم استطع النوم، حيث كان الحنق يموج في صدري ويخنق أنفاسي، فوجدتني أتسلل من سور البيت لأكمل مشاهدتي لبقية غرفه وردهاته، هنا ظهرت الشرطة قبل أن أرى أي شيء.
كانت صدمتي كبيرة وأنا استفيق، منفلتا من عقال شرطة الحلم، ورأسي تحول إلى حلبة لاضطرابات لا تنتهي، شعرت بضآلتي، كنبتة وحيدة في أرض بور تهاطل عليها مطر متبوع بإعصار.
الحنين الذي كان يصاحب حلم القصر المسروق هو أكبر من أن أحتمله، في كل خطوة في ذلك الحلم كانت دفقات من الحنين تتدافع من أنفاسي وكأنما لتملأ الغرفة الضيقة التي أنام فيها، إن انتزاعا كذاك الذي رأيته في الحلم من بين أيادي الشرطة لم يكن يكفي لجعلي أهرب من الحلم إلى الواقع، حتى في لحظة استفاقتي وهروبي المفترض من قبضة المجهول، كنت أتمنى لو كنت بين قفص أياديهم، كانت حينها دفقات الحنين ستجد مصبها الطبيعي حتى وإن كان ذلك يحدث في محيط الوهم، لذلك كان ألمي كبيرا وأنا أستفيق متجها إلى موطئ عملي.
2
حياته التي تعبر كما يعبر أي شيء في بحر الزمان، كما تعبر علبة فارغة من مكان إلى آخر، من برميل زبالة إلى أخيه، حتى تلك العلبة وهي تتكرر وتنصهر في حيوات أخرى، فقد كانت تعنيه جيدا، تعنيه ككائن ينفع لشيء، ككائن لابد منه في نهاية أي مطاف في الزمن. تعنيه أكثر من حياته التي يرى بأنها تعبر بلا طائل في ردهات الزمن المشعة بالظلام.
الشعور بالمرارة لا يعرفه جيدا، أو بالأحرى مسحه من ذاكرته منذ زمن، واستعاض عنه بشعور أخف وطأة، الشعور بالدهشة، فقد كان مندهشا من كل ما يحدث له في حياته.
فهو يعرف بأنه مخلص في عمله حد الإغماء، يفعل بحرص كل ما يطلب منه ودون مواربة أو نقاش، فقط شيء واحد كان ينقصه، ألا وهو روح المجاملة، روح التعظيم الفارغ، بث روح في أشياء لاتجدي، كل تلك الأمور التي لم يمقتها يوما، ولكن في الآن ذاته لا يتقنها، وبالتحديد لا يعرف كيف يؤديها، لم يتدرب عليها، كان يتمنى لو كانت ضمن أولويات التدريس والعمل، كان يتمنى لو أعطي تدريبا صارما في أدائها، ولكن ما حيلته والحال هذه، حين لم ينصهر أداء تلك الحركات في نفسه، وحين يرى كل من هم دون رتبة في إدارته، يتقنونها ويتفوقون عليه بسهولة وفي أبسط اللحظات.
حين ركبت سيارتي، كانت نظرتي تتردد بين دائرة المقود ويدي النائمة في أطراف تلك الدائرة.الزحمة على أشدها، والناس أقضهم نداء واجب العمل، ذلك الجهد الذي لا يؤمن إلا جزءا باهتا من أحلامهم، عدا بعض أولئك الذين لايأتون إلا متأخرين وقد سعدت حياتهم طويلا بما التقموه في غفلة الزمن وموت المحاسبة، ولكنهم فوق ذلك يقدمون الأخلاق كمظهر، مؤكدين على تفاصيلها، كمن يجهز واقفا وبعناد، لقمة في فم ضيفه البائس، مدعيا الكرم، ليودعه بعدها متكلفا وبشفرة خفية: (أتمنى ألا أراك قريبا بعد هذا اللقاء القصير المهلك ).
سحبوا الثور، رمقني بعينين عاجزتين تنتقلان بين السكين الساطعة المتقدمة أمام عينيه جهة رقبته،ووجهي، وبعد لحظة الذبح الحاسمة، بقيت النظرتان وهما تتجهان ناحيتي، مثل صورة هادئة للموت أخذت مرة واحدة وإلى الأبد
كان ذلك صديقي الوحيد، طفلا كنت وهو لما يزل عجلا انتشل من بين ضرعي أمه وركن في زريبة وحده، وفي الصباح، حين ترسل الشمس قبلاتها الحارقة إلى عيني، أجرُّ الخطى حاملا إليه ما استطاعت يداي إخفاءه من خبز الفطور. كان يأكل من يدي مباشرة وعيناه الوادعتان ترمقانني. وحين نبت له قرنان، ضحكت وتلمست رأسي باحثا عن نتوء شبيه، وحين لم أجد، رفعت سبابتي فوق جبيني وعدوت أركض فرحا. رأتني أمي على هذه الحال ففطنت سريعا إلى المغزى، أخبرت أبي فضحك بدوره رافعا لحيته المضيئة، فحطت ذبابة سمراء وزحفت مطمئنة إلى ما احمرَّ من خده.
لم أقرب اللحم بعد ذلك المشهد، حاول والداي عبثا أن يرغماني على أكله، ثم تركاني وشأني، كان ذاك أقل ما يمكنني فعله إخلاصا لذكرى ثوري، أن أهجر اللحم وأنضم إلى قافلة النباتيين على خريطة الأرض.
حين تزف الساعة الواحدة، تتتابع موجة من التثاؤب على وجهي، أرمق جزء الشجرة ذاك فأراها وكأنها تعاند عبثا أصياخ الشمس، فبعد أن كانت تتنفس الضياء في الصباح الباكر، غدت الآن مختنقة بذلك الضوء المشتعل فوق رأسها الأخضر، كنت أشبهها بصبية عذراء شعرها ونهداها للشمس، كانت حبيبتي في تلك النهارات المسئمة، وحين تقترب عقارب الساعة من الثانية، أرى النعاس بعيني، أرى سحابته وهي تغزو مكتبي كهالة بيضاء ناعمة، وهكذا بعد قليل من ذلك أجر قدمي، متحسسا بصمت مطبق حوام السلالم، الى أن أغوص في بطن سيارتي، أرفع المصر من مكانه وأقذفه بتوتر بعيدا عن ناظري. أسوي بمشط خبأته في أحد جيوب السيارة، ما نتأ من شعري كأصابع الإحتجاج، أروضها بالمشط فتنام.
بعد الغداء أفرش جسدي فوق السرير، لإراحة ذلك الركض الذهني العنيف الذي ما يفتأ يعدو كأظلاف خيول هائجة تحفر فوق رأسي تطاردها ريح تلاحقها أشباح جائعة.
في تلك القيلولة الطويلة التي تمتد أحيانا إلى ساعتين ونصف، كانت الأحلام هي سيدة الموقف، تتتابع في شريط ملعثم الصور، أحلام طويلة لا أعرف أي مجرى في الذاكرة يدفعها إلى عيني الراكضتين:
انتشرت الأحزمة في سمائنا وهي تحمل الأجساد وتطير بها، الخبر غطى صحف العالم، إننا نستهلك كل شيء بسرعة الضوء، تلك الأحزمة ما لبثت وأن غزت أجسادنا الكسلى وعقولنا المتكلسة بأثقال الذاكرة وتفاصيل الصراع اليومي، كانت الصحف كثيرا ما تنشر طرائف التعامل مع هذا الاختراع العجيب، ولكني استطعت كذلك أن أسجل في محيطي طرائف لا تقل صخبا عما قرأته، رأيت بعيني أشياء تستحق الذكر، ولأننا أناس حريصون على أن نحفظ أسرارنا وخصوصياتنا في ثلاجات الموتى، فلم تتطرق صحف العالم إلى شيء عن سمائنا، سوى تلك الصورة الوحيدة التي ربما صورت من مجسات أقمار اصطناعية بعيدة، يظهر الناس فيها وكأنهم طيور بيضاء تحلق تحت وهج الشمس، ولأن الموظفين لايمكنهم أن يغيروا دشاديشهم ومصارهم وأوزرتهم مهما انتفض الزمن أو تحول، لذلك بدا الأمر في بدايته مادة طريفة للعين، رأيت إزارا يهوى إلى الأرض بفعل الريح وصاحبه يضغط بين فخذيه. وصراخ المجاملات لايني يسمع في السماء، ودعوات الإيثار خاصة حين يعبر مسؤول وزاري ما، في ذلك الخط المشمس.
أحزمة تتفاوت في قيمتها، عادية أو مكيفة بغطاء، وتلك التي يرافقها حرس وعويل أجهزة بلا لسان، أو تلك الني تخطو مسرعة بصمت، سيقان تتدلى من السماء، مشعرة وملساء.
حين أفقت، كانت الأفكار تتصاعد من رأسي، تخز وترفس جمجمتي لتخرج، ونداءا ت داوية تتابع في وجيب سريع، كان قلبي يخفق ويدفع عظام صدري بقوة، شعرت بأن أشياء كثيرة تجاهد الخروج من جسدي لتعرض جنونها وغنجها، فتحت نافذة غرفتي، كان الظلام ينشر أرديته المتوهجة بفعل الحرارة، فتحت باب غرفتي، ليس من أحد في البيت، زوجتي القانطة، تأخذ كعادتها الطفل إلى الحديقة الوحيدة في الحي، لقد بلغ منها اليأس مبلغا قويا، بسبب انزواء الجيران وانقباضهم بين أسقف بيوتهم،وبسبب غياب حياة الفرح في المدينة التي غدت تركض، تركض في ساحة مصنع ضخم لا ترى غلته، والناس يهرولون صامتين أمام الدهشة والغلاء والوحشة.
حين وصلت إلى البحر، أدهشني مشهد أكوام النفايات التي تجمعت في أطراف أصابعه،
بدا وكأنما عطس عطسة بلغ شهيقها أخمص قدميه ليقذف بعدها كل ماتجمع في جوفه من: صفائح، وأحذية تورمت بالماء، وعلب بيرة صدئة الحواف قذف بها سكارى يائسون، وألواح خشبية مترعة بالماء، وأوعية بأنواع متخالفة، و(تيوبات) مفتوقة، وأظلاف دجاج مقطوعة بعناية الشهية، وأسماك نافقة من كل الأنواع ناتئة العظام، وأصياخ سودتها الملوحة، ولم يوقفني عن النظر سوى دهشتي المنبثفة من الذاكرة حين رأيت ريشة نعام مبللة، كانت من الحجم الكبير، رفعتها بين عيني وشرعتها للريح حتى جفت، ثم مسحت بها مغمض العينين رقبتي وجفني وشفتي.
الطفل يمسك أخته من ضفيرتها بخجل ونابان من مخاط يعلوان ويهبطان، والأعمى يخرج من فمه غناء خفيفا وهو يبتعد متلمسا جدران الطين وأيادي الشجر.وكنا حينها أطفالا حين عبرنا ذات نهار بأقدام حافية، قطعنا أودية وسهولا صفراء إلى حيث تقع القرية التي سمعنا أن بها ذلك الطفل الذي يخفي في مصحفه أكبر ريشة نعام يمكن أن يطالها خيالنا،عبرنا قافزين، ثم مبطئين مترنحين حين هزمنا التعب، وحين وصلنا رأينا الطفل صاحب الريشة يقف بجانب باب بيته وفي يده المصحف الذي تطل منه ريشة النعام برأسها الناعس. اكتفى كل منا بنظرة واحدة إلى تلك الريشة ثم رجعنا أدراجنا سراعا من حيث أتينا، زاحمتنا رغبة البوح بلهاث فرح، بما رأيناه لأي عابر وكنا نصور المشهد بأيادينا حين لا تسعفنا العبارات المندفعة اللاهثة.
وكما تحدث أشياء كثيرة في حياتنا فجأة، وكما يجفل الحالم في نومة إثر نداء مباغت:
ذات صباح، وأنا متجه كعادتي إلى مكتبي. كان ما رأيته هذه المرة لم يكن حلما أو ذكرى، حين لمحت الشجرة وهي تختفي. ذلك المشهد الوحيد الحي والأخضر في صباحاتي المتناسخة طيلة خمسة عشر عاما سوف يختفي.
هنا وجدتني أهرول هابطا، دون أن ألمس أطراف السلالم بيدي، كانت وثباتي السريعة ترفعاني للتحليق في فراغ الدرج.
 حوالي سبعة عمال ينهالون بشغف لبناء سور عالٍ يغطي الشجرة.يدفنها عن عيني.
– توقفوا. ماذاتفعلون ؟
مسكت بيد واحدة اثنين منهم من أردان قمصانهم، وبيدي الأخرى أبعدت الآخرين، كان الصراخ يعلو من حلقي، حتى أن عددا من الموظفين تدخلوا لردعي.
هؤلاء المجرمون، امنعوهم معي. ساعدوني. هيا .-
إنهم يعملون بأمر البلدية.-
كان صراخي لايطاق، يشق طريقه بخشونة ويتصادى في الأرجاء، والعمال جفلوا في أماكنهم وجلاً، وهم يرمقون الشرر المتطاير من عيني.
اهدأ يا أستاذ. اهدأ ليس جيدا أن واحدا مثلك يفعل ذلك.-
– الصمت هو الجيد في رأيكم، الصمت، التأدب، الجبن، أليس كذلك،خمسة عشر عاما وهذه الشجرة تنمو كوليد أمام عيني، كيف تطلبون مني أن أتركهم يسجنونها بعيدا عن عيني، أي عنف هذا، أي موت.
سحبني الموظفون، وأنا أرفس بقدمي، صارخا ويائسا، أستجدي الهواء أن يدخل إلى جوفي وينتزع ما فيه من روح.
– الصرع، صرع ألمَّ به، كان رجلا هادئا. ما الذي يصيب البشر.
ماج ذلك اللغط في أذني وداخت النظرات في عيني،رميت رأسي فاغرا لسانا أزرقا وفما يند من حوافه زبد كزبد الشواطئ أمام أيادٍ مقطوعة، والمرأة الشقراء تغلق الباب بقوة في وجهي، زبد يحرك الأيادي المقطوعة، شعر ونهدان مشرعان في وهج الشمس.
 

شاهد أيضاً

إدواردو أنطونيو بارّا «الــبــئــــــــر»

الى ماريا إيلينا أيالا،  أرملة كابالييرو، التي حدثتني عن البئر.  إذن، أنتَ هكذا تخاف من …