أخبار عاجلة

الوداع الطويل: «أوليس» ونهاية الرأسمالية الليبرالية

فرانكو موريتي أستاذ الأدب الإنجليزي والأدب المقارن في جامعة ستانفورد ومدير مركز دراسات الرواية فيها. وهو إيطالي الأصل, وسبق أن درَّس في روما, وكذلك في جامعة كولومبيا في الولايات المتحدة.
اهتمام موريتي الأساس هو أدب القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين, فضلاً عن اهتمامٍ خاص بتاريخ القراءة, والجغرافيا الثقافية, والرواية ونظرية السرد, والسينما, وتداخل الفروع المعرفية.
ظهر كتابه الأول «علامات أُخِذت على أنَّها أعاجيب» عام 1983 وكرَّسه كصوت أصيل يمثّل انزياحاً حقيقياً في دراسة الأدبي والاجتماعي. وهو يتناول في هذا الكتاب مدى واسعاً من الظواهر الأدبية- جيمس جويس, ت.س إليوت, تراجيديات شكسبير, أعمال آرثر كونان دويل, وسواها الكثير- لكي يحلل في آنٍ معاً كلاً من التاريخي والبلاغي ويفتح حقل التاريخ الأدبي على خطوط كان قد بدأها جورج لوكاش, ولوسيان غولدمان, وفالتر بنيامين, وثيودور أدورنو وسواهم.

في كتابه الثاني «حال الدنيا: الرواية التكوينية في الثقافة الأوروبية» (1987) يحلّل موريتي ما يعتبره الوسيط الأدبي الرئيس الذي استخدمته البرجوازية في إضفاء طابعها الخاص على المجتمع.
   وفي كتابه الثالث, «ملحمة حديثة: النظام العالمي من غوته إلى غارسيا ماركيز» (1996), يقدّم موريتي إطاراً تحليلياً جديداً يقرأ فيه تلك الاختراقات الأدبية التي جرت على مستوى الأشكال والأجناس إزاء الهيمنة الرأسمالية العالمية اقتصادياً وأدبياً.
   أمّا كتابه الرابع «أطلس الرواية الأوروبية 1800-1900» (1988) فيعيد ابتكار حقل الجغرافية الأدبية, مقدِّماً مائة خارطة لما يمكن أن ندعوه بـ«الجغرافيا الأدبية للحداثة», وكاشفاً دور الأدب في تشكيل الخيال المكاني والجغرافي.
   وتتركّز مشاريعه الحالية على المساهمة مع آخرين في دراسة ضخمة من خمسة أجزاء تتناول تاريخ الرواية بأكمله وأشكالها جميعاً. وقد أعلن عن هذا المشروع «مركز دراسات الرواية» الذي يديره موريتي في قسم الأدب الإنجليزي التابع لجامعة ستانفورد حيث يدرّس منذ العام 2000.
1- صورة أزمة
 أحدثت رواية جيمس جويس أوليس فارقاً عميقاً في تطور الأدب الأوروبي, وفي تطور الرواية بوجهٍ خاص: وقد اتضح ذلك مباشرةً. غير أنَّ ما كان أقلّ وضوحاً – ولا يزال– هو الصلة بين هذا الفارق وما حصل من قَطْعٍ في اشتغال المجتمعات الرأسمالية عند مطلع القرن العشرين. ولعلَّ الإهمال المتبادل بين كلٍّ من البحث الاجتماعي التاريخي والبحث الأدبي أن يكون قد تزايد بمرور الوقت في غير مصلحة كليهما. وهذه الدراسة هي محاولة لإعادة الربط بين طرفيّ المشكلة. أما الأدوات المستخدمة فليست جديدة: والشيء المبتكر الوحيد هو محاولة المكاملة بين هذين الطرفين على نحوٍ منهجي. غير أنَّ هذه العملية, على بساطتها, تفرض على المرء أن يعيد قراءة أوليس من وجهة نظر مختلفة أشدّ الاختلاف.
   ثمة جَذْبٌ عميق بين هاتين المفردتين, أوليس و«الأزمة». غير أنَّ المفردة الثانية كانت قد تحوّلت, في الاستخدام النقدي الحالي, إلى صورةٍ ضبابية مبهمة لنهاية العالم، والقيم, والأدب, بل ونهاية البرجوازية, كما لا يكلّ الطلاب من الترداد بنوع من الغباوة والمنطق الأحمق. لكأنَّ أوليس قد خلبت ألباب قرّائها إلى حدِّ أنّها جعلتهم ينسون أنَّ أكثر من نصف قرن قد مضى على العام 1922 وأنَّ العالم, والقيم, والأدب, والبرجوازية بلا شكّ, قد واصلت نماءها في غضون ذلك. وهذا ما يجعل من الضروري أن نرسم حدود هذه الأزمة وهذه الـ أوليس: أي أن نعيّنهما بوصفهما حدثين تاريخيين, لن يتكررا قط مرّةً أخرى.
   لطالما لجأ النقد الأدبي, رغبةً منه في الانتقال من الأزمة (the Crisis) إلى الأزمة (the crisis), إلى حدثٍ مفرد ونوعي: هو الحرب. فهناك, في صيف العام 1914, وقعت الواقعة. وهناك تكمن جذور الأزمة وجذور أدب الأزمة: جذور أوليس والمحاكمة والجبل السحري, والأرض اليباب, والرجل بلا صفات؟؟. غير أنَّ التأكيد على عكس ذلك تماماً هو من بين الأشياء القليلة التي تشترك بها هذه الأعمال: التأكيد على أنَّ الحرب ليست سبب الأزمة, بل تجلّيها العنيف والبارز وحسب. وبذلك يتحول الاستقصاء إلى السنوات التي سبقت الحرب (عند توماس مان وموزيل, وعند جويس أيضاً ولو بشكل غير مباشر), بل ويزيل هذه الحرب من الصورة (عند كافكا), أو يتعامل معها كواحدٍ وحسب من منوّعات تاريخٍ متواصلٍ على نحوٍ أسطوري(عند إليوت). ومثل هذا التحوّل في التحليل هو اختيار صارم, مفعمٌ بالعواقب: ذلك أنَّ هذا الأدب «البرجوازي العظيم» يرفض, باتخاذه مثل هذا الخيار, تلك الإيديولوجيا التلقائية التي كانت لدى الطبقة المسيطرة في أوروبا تلك الفترة, تلك «النزعة المحافظة في عشرينيات القرن العشرين»، التي ربطت بقوة بين الحرب والأزمة والتي لم تدم, لهذا السبب على وجه التحديد, أكثر من عَقْدٍ واحد(1).
 تكمن جذور الفارق, إذاً, في المرحلة ما قبل الحرب: تكمن, بحسب الفرضية الأساسية لدى بولاني, في التدهور الحاسم الذي اعترى «السوق ذاتية التنظيم». وهذا ما يستلزم, بدوره, تدهور الشكل الليبرالي من أشكال المجتمع البرجوازي, الذي كانت السوق الحرة تضمن اشتغاله العقلاني, وتنظّم بصورة آليةٍ أسسه الصراعية, واللاعقلانية, والخاصة. وكان ألبرتو أسور روزا قد التقط البعد الثقافي لهذه المشكلة, وإن يكن على نحوٍ عابرٍ, حين كتب عن «اكتشاف… أنَّ الواقعي ليس عقلانياً. وما يقصده المرء بالواقعي على وجه التحديد هو الواقعي الرأسمالي الذي تُرْجِع هذه الثقافة ذاتها إليه بصورة مباشرة والذي يحتاج، بغية أن يعيد للنشاط الفكري شكلاً من التناسق والانتظام والمشاركة, مجموعةً مترابطةً من المفاهيم والقيم أكثر جوهريةً مما كان في الماضي, وتنطوي في داخلها على القدرة على التنظيم العقلاني الذي يثبت أنه قادر على «ترتيب» ما هو في جوهره مفكّك وعشوائي, بل وظالم بصورة غير مبررة في الغالب»(2).
   إذاً, لقد بدا المجتمع في العقود الأولى من القرن العشرين كما لو أنه كفّ عن أن يكون محبوّاً بذلك الضَّرْب من العقلانية الجوهرانية المتأصّلة فيه؛ كفّ عن كونه نظاماً عضوياً من العلاقات قادراً على الإمساك بجميع عناصره معاً ومنحها وظيفةً ومعنى. وبحسب اثنين من التحليلات السيميولوجية الأشدّ قوةً وإقناعاً, فإنَّ أوليس تبدي على وجه التحديد هذا الافتقار ذاته إلى التماسك الداخلي. يقول ستيفن هيث:
«تذهب هذه المواد المتغايرة بأيّة قيمةٍ لوحدةِ المعنى في كتابة جويس… وتكمن القيمة على وجه التحديد في تغايرها, في تلك المسافة ذاتها التي تفصل بين العناصر المختلفة وتغطّيها الكتابة بلعبٍ متواصلٍ تلعبه العلاقات والتوافقات, ويغدو على أساسه كلُّ عنصر محاكياً لآخر… وما تقيمه لعبة العلاقات المتبادلة هذه هو ضَرْبٌ من التفاصل الجاري, ضَرْبٌ من الانزياح المتواصل من تخييل إلى آخر. وهذا التفاصل هو ما يبرز السلبية في كتابة جويس»(3).
ويقول أمبرتو إيكو:
«كما عبّر عمل جويس أهالي دبلن عن حالةٍ من «الشلل», فإنَّ أوليس تعبّر عن غياب العلائق… الوضع يعبر عن تفكّك شامل. وهذا العالم المفكَّك يدرك أنّه كذلك لكنه عاجز عن إيجاد أنساقٍ داخلية ناظمة. وهذا هو السبب في أنَّ جويس يلجأ إلى نسقٍ خارجي ويحوّل قصّته إلى أليغورة مشوّشة عن سرّ الثالوث المقدّس»(4).
لنضع الآن جانباً تلك القضايا الأدبية والإيديولوجية التي طرحها استخدام أوليس «نسقاً خارجياً ناظماً», ونحاول أن نختم هذه النقطة الأولى بتفحّص الرابط بين شكل الأزمة الرأسمالية العام وتلك الأزمة التاريخية المحددة التي نجمت عن اختفاء السوق ذاتية التنظيم. فكما يقول كوليتي:
 «يتمثّل الشكل العام الذي تتجلّى فيه الأزمة الرأسمالية، بحسب ماركس، في إعاقة عملية تداول السلع: الأمر الذي ينجم عنه انفصال «الشراء» عن «البيع», ودخولهما في علاقة تناقض… والعاقبة هي ذلك الشكل «المتحضّر من الأزمة الاقتصادية – الخاص بالشروط الرأسمالية… – المعروف بأزمة فرط الإنتاج: أي, ذلك الشرط من التعايش الذي يبدو متناقضاً بين سلع كاسدة, من جهة أولى, وحاجات غير مُشْبَعَة, من جهة ثانية»(5).
هكذا, تتّسم الأزمة الرأسمالية بهذا الفصل بين عنصرين يُفتَرض بهما أن يشكّلا منظومةً موحَّدةً؛ أي أنّها تتّسم بـ «الفصل شديد الوقع بين عمليتين هما عملية واحدة في الجوهر», بحسب ماركس(6). وهذا الفصل بين «العرض» و»الطلب», بين المنتجات والمنتجين, هو ما يمنع, على وجه التحديد, من رؤية الأزمة على أنّها مجرد «اضطراب» في تطور الرأسمالية السويّ. فهي، على العكس، تعبّر بشكلٍ واضح عن ذلك الافتراق الذي يسِمُ, بشكلٍ غامضٍ, النتاج النوعيّ لهذا المجتمع: أي السلعة ذاتها. وبحسب مقطع شهير في رأس المال, فإنّ الشكل السلعي ينطوي في داخله على «إمكانية» الأزمة:
«هكذا يكمن سرّ الشكل السلعي ببساطةٍ في أنّه يعكس للبشر الطابع الاجتماعي لعملهم, يعكسه على أنه طابع موضوعي مرتبط بمنتوجات عملهم ذاتها, يعكسه على أنه خاصية طبيعية اجتماعية لهذه الأشياء. والتالي أنَّ علاقة المنتجين الاجتماعية بالمجموع الكلّي لعملهم تظهر لهم كعلاقة اجتماعية, ليس بينهم هم أنفسهم, بل بين منتجات عملهم…. وإذا ما أردنا أن نجد شبيهاً بهذه الظاهرة, يتعيّن علينا أن ندخل إلى عالم الدين الملفَّع بالضباب. ففي ذلك العالم, تغدو منتجات الدماغ البشري هيئات مستقلة, لها حيواتها الخاصة, ويمكنها أن تقيم علاقات مع بعضها بعضاً ومع البشر. وهذا ما تفعله منتجات اليد البشرية في عالم السلع»(7).
ففي عالم الإنتاج ذاته (أي في وَضْعٍ «غير متأزّم» بامتياز), يكون المُنْتَج كياناً خارجياً ومستقلاً, ولا يستطيع المُنْتِج أن يسيطر عليه: ولذلك, فإنَّ الأزمة تنشأ مع العلاقات الاجتماعية الرأسمالية: فهي ليست استثناءً, بل التعبير الأكمل والأوضح عن هذه العلاقات.
وعلى الرغم من أنَّ الأزمة مترسّخة في الإنتاج, إلا أنها تتجلى في عالم التداول: والسوق هو المكان الذي تظهر فيه للعيان. ولقد كتب جويس ما كتبه في طورٍ تاريخي لم يواجه أزمة اقتصادية عامة على مدى ما يقارب الثلاثين عاماً, إلا أنه اختبر ما هو أهمّ من ذلك: أزمة السوق ذاتها, بوصفها آلية تلقائية للتوازن الاجتماعي. وهذا يعني أنَّ الأزمة قد غدت سمة دائمة من سمات المجتمع البرجوازي كما كان معروفاً آنذاك. ولدى جويس, لم تعد التجليات النمطية للأزمة كوارث مفاجئة واستثنائية: بل غدت الشروط العادية للعلاقات الاجتماعية. وهذا ما يتيح له أن يغوص إلى أعماق المجتمع البرجوازي «الغامضة» ويقدّم لنا, في الفصل المُعَنْوَن «سيرسه», ذلك التمثيل الأدبي للصنمية السلعية الذي لم يبزّه إلى الآن أيّ تمثيل آخر. ولذلك, فإنَّ خصوصية أوليس – «محدوديتها» التاريخية والجغرافية, كما سنرى– هي تلك الركيزة الأشدّ استقراراً التي يمكن لـ «كونيتها» أن ترتكز عليها: حيث يقدّم لنا جويس, بوصفه شاعر أزمة الرأسمالية الكلاسيكية في حقبة تطورها الكلاسيكية, تشريحاً باقياً لتشكيلة اجتماعية كاملة.
2- موت إنجلترا الليبرالية الغريب
في بريطانيا، كان للأزمة التي أحاقت ببنى الرأسمالية الليبرالية السياسية, والاقتصادية, والإيديولوجية تطورها المخصوص ونتيجتها المخصوصة. فخلال  العقود الحرجة الحاسمة, ثبت أنَّ الطبقة المسيطرة لم تفقد قدرتها على المقاومة وحسب بل باتت عاجزةً أيضاً عن إجراء تلك التحولات الأساسية التي أتاحت الانتقال, في غير مكان, إلى طور جديد من التطور الرأسمالي, سوف تبرز قوته القائدة – رمزياً- من الصراع بين ألمانيا والولايات المتحدة.
   كانت الأزمة البريطانية تتقدّم بانتظامٍ رتيب عَقْدَاً وراء عَقْد: بنوعٍ من الانحطاط الثابت, دون توترات مفاجئة أو صدمات (من الأمثلة الدّالّة بهذا الصدد مثال 1929, حين لم يترك الانهيار الدولي سوى عواقب بسيطة نسبياً على الاقتصاد البريطاني), ولكن دون أيّ خطوات تجديدية أيضاً. وكانت إشارة إلى التدهور القادم قد برزت أصلاً خلال الكساد الذي شهده الربع الأخير من القرن التاسع عشر, الذي كشف أنَّ بريطانيا, كما يقول هوبسباوم:
«لم يكن لديها سوى طريقة واحدة للتعامل مع الوضع [الجديد] من بين جميع الطرائق الممكنة. فبخلاف سواها من البلدان… تمسّكت بريطانيا بالتجارة الحرة بكل ما أوتيت من قوة. وأبدت نفوراً من اتّباع سبيل التركّز الاقتصادي المنهجي – تشكيل التروستات, والكارتلات, والسنديكات, وما إلى ذلك – الذي ميّز ألمانيا والولايات المتحدة في ثمانينيات القرن التاسع عشر. وتمسّكت بتكنولوجيا الطور الأول من التصنيع وطريقته في تنظيم العمل, وهو الطور الذي كان قد أسدى إليها أكبر الخدمات, ذلك التمسّك الشديد الذي حال بينها وبين التقدّم بحماس صوب مجال التكنولوجيا والإدارة الصناعية الجديدتين والثوريتين اللتين برزتا إلى المقدمة في تسعينيات القرن التاسع عشر. وبذلك لم يبق أمام بريطانيا سوى سبيل واحد… هو الإمبريالية. فهي لم تتلافَ الكساد الكبير (1873– 1896) – ذلك التحدي الدولي الأول– عن طريق تحديث اقتصادها, بل باستغلال الإمكانيات المتبقية التي كان يتيحها لها وضعها التقليدي»(8).
راح استقرار الممارسة والإيديولوجيا الليبراليتين واحتكار السوق العالمي, وهما موردا الرأسمالية البريطانية العظيمان في القرن التاسع عشر, يخنقانها. فقد انطوت مواصلة التمّسك بذلك النموذج – كما يلاحظ هوبسباوم بحقّ – على ما ثبت أنه تأخّر لا مردّ له في أشكال التنظيم الرأسمالي الجديدة التي كانت عاقبة منطقية للسوق الحرة ورفضاً عنيفاً لها في آنٍ معاً. وكان هذا التأخّر واضحاً في غياب التركز الاقتصادي وغياب التقارب بين رأس المال الصناعي ورأس المال المالي(9), وهما الأمران اللذان كانا نمطيين تماماً في التطور الألماني والأميركي عند منقلب القرن, واللذان شكّلا اللباب النظري الفعلي لدراسة لينين عن الإمبريالية. كما كان حاسماً أيضاً غياب الأداة التي أثبتت أنها حاسمة في مسار الرأسمالية الجديد: أي استخدام الدولة المنهجي في تنظيم التداول الرأسمالي, وإعادة تحديده, وتوسيعه في النهاية. وقد لاحظ ستيورات وولف, من بين آخرين, أنَّ «دور الدولة في التطور الاقتصادي لتلك البلدان التي جاءت إلى التصنيع متأخّرة نسبياً – ألمانيا وبلجيكا, وكذلك روسيا وإيطاليا – كان على الدوام أكثر بروزاً منه في إنجلترا, البلد الأم للتجارة الحرة»(10).
 ولعلّ هذا التفارق الشديد – بين الدولة والمجتمع, وبين السياسة والاقتصاد– لم يكن مجرد تأخّر بسيط. فهو لم يكن يعكس عجز الطبقة المسيطرة الإنجليزية عن «تجديد» ذاتها (وهو الأمر الصحيح, بالطبع) بقدر ما كان يعكس عجزها عن تنظيم ذاتها من الداخل وتأكيد هذه الذات أمام العالم الخارجي بوصفها الطبقة المسيطرة والمهيمنة في مرحلة شهدت إفلاس سياسة عدم التدخل الليبرالية. فمنذ نهاية حقبة رجال الدولة العظماء, لم تقدّم الطبقة الحاكمة الإنجليزية, خلال القرن الماضي بأكمله, سوى مديرين بيروقراطيين عاديين شأنهم شأن ممثّليها السياسيين: وذلك في وجه أحداث كانت قدرة السيطرة عليها تتناقص باطراد. وقد كرّس جويس لهذه الظاهرة واحداً من الفصول المركزية في أوليس, «الصخور الهائمة», الذي يشكّل صورة مصغّرة رائعة لبنية الرواية ككلّ. فمن المستحيل استعادة التنظيم والدينامية للنسيج الاجتماعي على أساس أشكال السلطة القائمة («الروحية» و»الزمنية» – الإيديولوجية والسياسية), غير أنّه ما كان ليخطر في ذهن جويس أن يتصوّر الواقع إلا على أساس هذه الأشكال من السلطة والوعي, التي كانت آنئذٍ قد خملت وغدت بلا حياة: وهذه حلقة شريرة سوف تعاود الظهور, على أعلى مستوى لها, في استخدام جويس لـ «الأسطورة».
ولكن دعونا ننتقل الآن إلى توازٍ كبير آخر بين تدهور المجتمع الإنجليزي والعالم الاجتماعي القائم في أوليس. ففي كتابه الإمبريالية آخر مراحل الرأسمالية, لم يفوّت لينين فرصة جَلْدِ «التعفّن» الذي أصاب الرأسمالية الإنجليزية وتحوّل الموارد المتنامي من النشاط الإنتاجي إلى الاستهلاك الاستعراضي, والترفيه, والرياضة, وصيد الثعالب, وما إلى ذلك. وهذه العلامة من «علامات الطفيلية» هي – على مستوى أقلّ تهذيباً- واحدة من أوضح الإحالات الاجتماعية في أوليس. يقول أليك ويست:
«[ففي أوليس] نرى البشر يأكلون, ويشربون, ويمارسون الحب, ويتجادلون, ويسعون وراء المال… ونشعر أنَّ كلّ ذلك يحدث في  آن معاً. غير أنه ما من علامة من علامات النشاط الإنتاجي الذي لا يمكن من دونه أن يحدث أيّ شيء من ذلك… ما من عامل في الكتاب… واختياره للعلاقات الاجتماعية التي يصفها هو اختيار المستهلك»(11).
   وهذا دقيق وساذج. دقيق, لأن هذا هو الحال تماماً في أوليس (مع أنَّ تحليلاً عن كثب يبيّن أنَّ الاستهلاك لم يكن ممكناً آنئذٍ إلا على مستوى البقاء المحض – الأكل والشرب– أما على بقية المستويات فيرينا جويس ذلك الطموح غير المُشْبَع إلى الاستهلاك, خاصةً لدى بلوم). وساذج, لأنَّ جويس لا يضخّم هذا الوجه من أوجه الواقع ويجعله «مطلقاً» انطلاقاً من عدم إدراكه بقية الصورة أو احتقاره إيّاها بل انطلاقاً من خيار ثقافي متعمّد: ومن هذا المنظور, فإنَّ أوليس هي صورة متهكمة وساخرة للكيفية التي سينتهي بها المجتمع الفيكتوري إذا ما اتّبع ميوله العميقة. وجويس واثق تماماً من أنّ الأمور ستتخذ هذا السبيل على وجه التحديد, ويشعر أنه معنيّ عناية عميقة بهذا التدهور الطفيلي, حتى إنّه لا يقدّم للطبقة الحاكمة البريطانية أيَّ نوع من «الحلّ» – كما سيجهد إليوت في أن يفعل بطريقته التأملية مفرطة الحماس– مكتفياً بتقديم صورة كاريكاتورية شنيعة لهذه الطبقة ولعالمها. ويكفي هنا أن نعود إلى بضعة أسطر من تأملات بلوم الليلية في الفصل المُعَنْوَن «إيومايوس»:
«شعر أنَّ إثارةً ذهنيةً مثل هذه هي من حين لآخر دواء منشّط للعقل من الطراز الأول. تُضَاف إليها مصادفات اللقاء, والنقاش, والرقص, والتجذيف, والإبحار, على طريقة أن تكون اليوم في مكان وغداً في مكان آخر, والتسكع الليلي, ومجرّة الحوادث الكاملة, التي تمضي جميعاً لتؤلّف صورة مصغّرة للعالم الذي نعيش فيه, خاصةً أنّ حيوات العِشْر الغارق, أي عمال مناجم الفحم, والغوّاصين, والزبّالين, الخ, قد وُضِعَت مؤخراً تحت المجهر إلى حدٍّ كبير»(12).
هنا يعمد جويس إلى إعطاء صوتٍ للبرجوازي الصغير الماديّ الذي يرى نَفْسَه والمَفْرشَ الذي يضعه تحت الصحن الساخن على مائدته «صورةً مصغّرةً للعالم», ولا يتردد في تصفية كلّ النشاطات الإنتاجية مع توافه الثقافة المسيطرة («العِشْر الغارق», «تحت المجهر»), بصورةٍ آليّة («أي», «الخ»), لدرجة أنه يبدو جاهلاً بواقع العمال الفعلي, أولئك العمال الذي ينبغي عليه أن «يستنتج» وجودهم بتأويل حرفيّ صاخب لاستعارة «العشر الغارق»: «عمال مناجم الفحم, والغواصين, والزبّالين»!
صحيحٌ إذاً أن العلاقات الاجتماعية لا تظهر في أوليس إلا عبر موشور الاستهلاك. غير أنَّ السبب في ذلك هو أنَّ مجال الاستقصاء الوحيد الذي تستقصيه الرواية, من أولها إلى آخرها, هو الوعي الإيديولوجي المسيطر والعفوي في العقود الأولى من تدهور المجتمع الإنجليزي. وما قيل عن تهمة إيلاء الاستهلاك قَدْرَاً كبيراً من الاهتمام يصحّ أيضاً على ذلك النقد «الماركسي» الذي هاجم أوليس على ركود عالمها وعاديته. فقد كتب ميرسكي عام 1933: «أوليس راكدة. إنَّها أشبه بخوفو منها بقصّةٍ ذات جاذبية». أمّا راديك فتساءل في عام 1934: «ما هو الملمح الأساسي لدى جويس؟ إنه القناعة بأنَّ الحياة ليس فيها أيّ شيء كبير, لا أحداث كبيرة, لا بشر كبار, لا أفكار كبيرة؛ وأنَّ بمقدور الكاتب أن يقدّم صورة عن الحياة لمجرد أن يأخذ «أيّ بطل معين في أيّ يوم معين»…»(13). بل إنَّ لوكاش نفسه كان قد هاجم الرواية على هذا الأساس في كتابه معنى الواقعية المعاصرة.
   لا شكّ أنّ أوليس راكدة, ولا شيء عظيم في عالمها, لا شيء على الإطلاق. غير أنَّ ذلك لا يعود إلى أيّ عيب تقنيّ أو فكريّ من طرف جويس, بل يعود إلى خضوعه للمجتمع الإنجليزي: وهو بلا شكّ ذلك المجتمع الوحيد الذي يمكن لجويس أن يتخيّله, على الرغم من أنّه يدينه بلا شكّ أيضاً, عبر تمثيلٍ مُغَالٍ لملامحه الرديئة, ومستقبله المبتذل المشلول (ذلك المستقبل الذي يضعه جويس, بضربةٍ عبقريةٍ, في الماضي, كما لو أنه يؤكّد على تشكّكه المُتْلِف: يمكن للمرء على الدوام أن يأمل بألاّ يصل إلى تلك اليوتوبيات السلبية في قصص الخيال العلمي, أما إذا كانت يوتوبيا سلبية قد برزت إلى الوجود منذ عشرين سنة مضت, ولم يدركها أحد, فإنَّ الأمر يكون قد قُضِيَ عندئذ ونفذ السهم…). صحيحٌ أنَّ كتابة جويس ليست «ثورية» بأي معنى معقول من معاني هذه الكلمة, غير أنّه ما من ماركسي, سواء كان روائياً أم غير ذلك, تمكّن قطّ من أن يدرك نهاية القرن الليبرالي بمثل هذا الذكاء أو بمثل هذا الغيظ.
   وقبل أن ننتقل إلى أوليس مرّة وإلى النهاية, لا بدّ أن نقدّم تفسيراً موجزاً لهذا الأمر. فقد عنيت بجويس وأوليس – وسوف أواصل– بوصفهما تعبيرين عن المجتمع الإنجليزي والثقافة الإنجليزية. ومن المعروف, بالطبع, أن جويس إيرلندي وأن أوليس تجري في دبلن. غير أنّه إذا ما كان جويس كاتباً إيرلندياً, لا تمكن الإحاطة به إلا إذا قبضنا على جميع خيوط الثقافة الإيرلندية, فإنّه سيكفّ عن كونه جويس؛ وإذا ما كانت مدينة أوليس هي دبلن الفعلية عند منقلب القرن, فإنها ستكفّ عن كونها تلك الصورة الأدبية بامتياز للمتروبول الحديث. فالظواهر الثقافية لا يمكن أن تُفسَّر في ضوء تكوينها (ما الذي أسفرت عنه تلك الدراسات التي فسّرت جويس على أساس إيرلندا؟), وما يهمّ هو وظيفتها الموضوعية. ولا شكّ أنَّ أوليس تنتمي كلَّ الانتماء إلى نقطة تحول حاسمة في الثقافة البرجوازية العالمية, وهذه منزلةٌ ما كانت لتتوصل إليها باستقصاء محيط إيرلندا والشكل المتأخّر من الرأسمالية (الذي كان, علاوة على ذلك, معتمداً على مصير الرأسمالية البريطانية: الأمر الذي يشكّل مبرراً آخر للانتقال من النتيجة إلى السبب).
   تتمثّل الفرضية التي تطرحها هذه الدراسة، إذاً، في أنّ هنالك «تماثلاً بنيوياً» بين الطبيعة النوعية التي ميّزت الأزمة البريطانية والبنية الأدبية النوعية في أوليس: وإذ يبدو هذان الطرفان متكاملين على نحوٍ متبادل واحدهما مع الآخر, فإنَّ مسألة إيرلندا تغدو خارجة على الموضوع وغير ذات صلة. أو الأحرى أنّها تطرح مشكلة مختلفة: لماذا كان مفسّر الأزمة البريطانية المُقْنِع والمهتم هذا إيرلندياً وليس إنجليزياً؟ وبذلك نكون إزاء سؤال «الثقافة المهاجرة» الأوسع والأشدّ رحابة. ويكاد أبطال الثقافة البريطانية في القرن العشرين أن يكونوا جميعاً من المهاجرين (من أبرز الاستثناءات كلٌّ من كينيز وليفيس)(14). فكما كان المجتمع الإنجليزي عاجزاً عن انتاج طبقة حاكمة جديرة بهذا الاسم, كذلك كان عاجزاً عن إنتاج ثقافة مهيمنة. ووحدهم أولئك الذين لم تقولبهم منظومة قيمه المحتضرة هم الذين كان بمقدورهم أن يدركوا الأزمة والسبل الممكنة للخروج منها: وحدهم أولئك الذين كانوا يرون بريطانيا عن بعدٍ كانوا قادرين حقّاً على فهمها. وقد كان لدى جويس, الإيرلندي (وهذا هو المجال المشروع الوحيد للمقاربة «التكوينية») المبرر الفعلي والوسائل الفعلية لكي يسبر عميقاً أحشاء المجتمع البريطاني. ومن هنا تلك النباهة الشديدة التي يبديها في وصف تدهور هذا المجتمع, وكذلك استحالة أن يقف أيّ شيء مهما يكن في وجه هذا التدهور. وما يثبت تشكّك جويس الحذر إزاء الخيارات السياسية والثقافية التي اختارتها الحركات الوطنية الإيرلندية هو بحثه عن بيئاتٍ تشكّل ملاذاً وملجأ (تريست, سويسرا, حلقات المنفيين في باريس) على شفا كلٍّ من العاصفة والتجديد. فموقف جويس الإيديولوجي ملتبس بنيوياً: فهو لا يدافع عن الرأسمالية الكلاسيكية ولا ينتقدها, بل يتّخذ موقفاً ينزع عنها القداسة دون أن تكون لديه في الوقت ذاته «أيّ آلهة أخرى أمامها»؛ يتّخذ موقفاً يرفعها إلى ذرى كونية, لكنه بذلك يجعل الإدانة كونية. وهنا تبرز من جديد, صورة الحلقة الشريرة.
3- أوليس, والفوضى, والأسطورة
   ينبغي أن يكون واضحاً, مما قيل أعلاه, أن جذر الأزمة الرأسمالية يكمن في عجز آليات السوق الاقتصادية عن ضمان اشتغال المجتمع ككلٍّ عضويّ. وهذا ما أنتج أيضاً أزمة إيديولوجيا القرن التاسع عشر, سواء في مضامينها أم في إدراك وظيفتها الاجتماعية. وفي الأدب, تتجلى هذه الأزمة الثقافية ومحاولات التغلب عليها بوضوحٍ فريد, ذلك أن مفهوم «الشكل» الجمالي يكون معنيّاً هنا مباشرةً. فحين يثبت الواقع الاجتماعي أنّه عاجز عن التوصّل هو ذاته إلى شكل عقلاني وراسخ (حين «يكفّ الواقعي عن كونه عقلانياً»، كما يقول أسور روزا), فإنَّ الثقافة والفنّ لا يعود لديهما تلك «الصورة المرآتية» التي هي مثالهما الشكلي, ذلك أنَّ مثل هذا الخيار لا بدّ أن ينطوي على خسارة تماسكهما الداخلي ووظيفتهما المهيمنة الممكنة. وعلى العكس, فإنَّ الفنّ والثقافة ينبغي أن يسهما في إعادة الشكل إلى المجتمع ذلك الإسهام المستقل: ينبغي أن يعتمدا على نفسيهما وحسب, ويعملا على أساس آلياتهما الشكلية الخاصة. فلا يكون بمقدورهما أن ينجزا مهمتهما إلا بافتراض استقلالهما الجذري, في نوعٍ من تقرير المصير الشكلي الذي يفرط إلى أبعد حدٍّ في الإلحاح على ابتعاد أسسهما, التي تحاول أن تكون أسساً عضوية, عن واقع العلاقات الاجتماعية اليومية غير العضوي وتمايزها عنه.
   هكذا تعمد العمليةُ التي يخلق من خلالها الفنُّ شكلَه إلى تقديم ذاتها على أنها مثال ينبغي على المجتمع كلّه أن يحتذيه, وبذلك تدّعي أنّها استباق منطقي وتاريخي لكلّ تحوّل (ومن هنا ذلك القاسم المشترك المتمثّل في المثالية التي اتّسمت بها شعرية القرن العشرين). وتُعَدُّ مناقشة إليوت لـ «المنهج الأسطوري» في مقالته الشهيرة «أوليس, والنظام, والأسطورة» (The Dial, 1923), من بين الأمثلة الأوضح على هذا النوع من التفكير:
«الرواية، بدلاً من أن تكون شكلاً, كانت ببساطةٍ تعبيراً عن عصر لم يفقد كلَّ شكلٍ بما يكفي لأن يشعر بالحاجة إلى شيء أشدّ صرامة».
لكن الأشياء تغيرت:
«[المنهج الأسطوري] هو ببساطة طريقة للتحكّم بتلك البانوراما الهائلة من العقم والفوضى التي هي التاريخ المعاصر, ولتنظيمها, وإعطائها شكلاً ودلالةً».
التحكّم, النظام, إضفاء الشكل والأهمية: التركيز, التدخّل, إعادة تعريف النظام الاجتماعي ووظائفه: يعبّر بحث إليوت بإهابٍ استعاريّ, ثم دينيّ لاحقاً, عن الحاجات الأساسية لطور جديد من التطور الرأسمالي (الأمر الذي يتضح شيئاً فشيئاً). فإزالة العقم والفوضى تعني إجبار مجرى التاريخ على اتّخاذ وجهةٍ واحدةٍ وحسب, وتمهيد الطريق أمام مستقبل يمكن تنظيمه والسيطرة عليه. لكنها تعني أيضاً إزالة أوليس, وتجاهل ركودها البارز وعدم انتظامها ذلك التجاهل المتعمَّد(15). بيد أنَّ مناقشة المنهج الأسطوري تساعدنا على فهم إليوت, وليس جويس. وحين نتحرر أخيراً من ذلك الواجب المدرسيّ الذي يربط هوميروس وجويس, لا يعود من الممكن الشكّ في أنّ جويس لا يستخدم الأسطورة إلا لينتهكها, وينتهك عبرها التاريخ المعاصر: ليحاكي بلوم محاكاةً ساخرةً مع أوليس, ويحاكي أوليس محاكاةً ساخرةً مع بلوم؛ وليوجد نظاماً يخفف كثيراً من غياب النظام, نواةً لحست عقلها المفارقة الساخرة وضروب التشوّه. فعند إليوت, ثمة تمييز واضح: الأسطورة من جهة («التحكّم, التنظيم, إضفاء الشكل والدلالة»), والتاريخ من الجهة الأخرى («بانوراما هائلة من العقم والفوضى»). والأسطورة ينبغي أن تُقَوْلِب التاريخ وتصوغه: فهي الفاعل النشط بين الإثنين, هي الشكل لـ«محتوى التاريخ»(16). أما عند جويس, فالأسطورة والتاريخ يتتامان: فهما يفترضان واحدهما الآخر ويبطلان مفعول واحدهما الآخر, ومن المستحيل إقامة تراتب شكلي أو إيديولوجي بين الإثنين. وعند جويس, لا تتطابق الأسطورة مع الشكل الجمالي (كما هو الحال عند إليوت), ولذلك لا يمكن أن تكون نقطة انطلاق هيمنةٍ ثقافيةٍ جديدة.
   والحال, أنّه يجدر بنا أن نتفحّص عن كثب هاتين الأسطورتين، أسطورة الأرض اليباب وأسطورة أوليس. فالأولى هي أسطورة حقّاً بكل ما تقتضيه الأسطورة من متطلبات أنثروبولوجية منظّمة: إنها أسطورة الملك الصياد(17). أما ما تقوم عليه أوليس فليس أسطورة: لا وجود لـ«أسطورة أوليس»: فأوليس على وجه الدّقة هو ذاك الذي يتحاشى الأساطير: هو من ينتصر عليها ويطردها إلى الماضي. ويشتمل كتاب ديالكتيك التنوير – الذي هو أيضاً, مثل أوليس, ضرب من التأمّل المديد في نهاية الحقبة الليبرالية– على أحكامٍ على وظيفة الأوديسة الرمزية والإيديولوجية هي أحكام يمكن أن تُحتَذى:
«إنْ لم يكن سرد هوميروس يفترض أصلاً كونية اللغة, فإنّه يُوجِد مثل هذه الكونية… الكون الجليل الذي يشتمل عليه العالم الهوميري المفعم بالمعنى هو إنجاز عقل منظَّم، يدمّر الأسطورة بفضل النظام العقلاني ذاته الذي تعكسه فيها… لقد تحولت الأساطير في طبقات سرد هوميروس المتعددة. لكن الرواية التي تقدّمها هناك, تلك الوحدة التي تُنْتَزع من القصص البطولية المُبَعْثَرَة, هي أيضاً وصفٌ لتراجع الفرد بعيداً عن القوى الأسطورية… يُعَبَّر عن التضاد بين التنوير والأسطورة من خلال التضاد بين الأنا الفردي الناجي والقَدَر متعدد الأشكال…. عالمُ ما قبل التاريخ يُضْفَى عليه الطابع العَلماني بوصفه الفضاء الذي ينبغي على الذات أن تختبر قوته؛ والشياطين القديمة التي تقطن حدود البحر المتوسط المتحضّر البعيدة وجزره النائية, تُجْبَر على العودة إلى أشكال من الصخور والكهوف… سلوك أوديسيوس الهائم هو تذكرة بسلوك التاجر الظرفيّ. وفي صورة المتسول المثيرة للشفقة, يحتفظ الإقطاعي بملامح التاجر الشرقي, الذي يعود بثروات لا سابق لها لأنه كان قد خرج لأول مرة, وخلافاً للتقليد, خارج محيط الاقتصاد المحلي, و«أبحر إلى أراضٍ أخرى»… الأوديسة هي أصلاً روبنسونادة»(18).
 وإذا ما كانت التجارة قد برزت, مع أوليس, كحافز لمعرفة العالم, وإضفاء نظام داخلي عليه فضلاً عن رسم حدوده الخارجية, وخلق لغة «كونية», وتبديد الخرافة, فإنّ الوظيفة الاجتماعية ذاتها تفرد شراعها الآن, مع بلوم, في عالم لا تمكن السيطرة عليه ولا تمكن معرفته, فتختزل محاولات الكونية إلى توافه سطحية («فلسفة» بلوم) وتقع فريسةً لآلاف الخرافات الجديدة. ومن الجدير بالذِّكر أنَّ جويس يلحّ على واقعة أنَّ بلوم وكيل إعلانات. والإعلان – كما يلاحظ باران وسويزي في مقالتهما «أطروحات حول الإعلان»(1)– كان قد غدا عوناً لا غنى عنه للتجارة الحديثة أيام أوليس على وجه الدّقة, بسبب الأزمة الحاسمة التي أحاقت بالتوازن التلقائي بين العرض والطلب. لكن الإعلان (وهنا يَعْمَى جويس مرة أخرى عن تلك الظواهر المعاصرة التي تنمّ على آليات المستقبل) لا يضفي– بخلاف التجارة في الأوديسة– أيّ وحدةٍ على أوليس, كما أنه لا يضمن للشخصية الرئيسة أيّ هوية اجتماعية أو إدراك للذات.
 هكذا, فإنّ جويس يستخدم أوليس, بل عليه أن يستخدمه بالفعل, لأنَّ أوليس هو أول شخصية رمزية للحقبة الثقافية التي كان جويس ثمرتها القصوى. لكن أوليس لم يعد يسيطر على العالم المحيط, ولذلك يصبح بلوم. وتغدو قيمته الرمزية ديالكتيكية وملتبسة: فما حَفِظَ أوليس يدين بلوم الآن, وما كان كونياً لم يعد له معنى. وإذْ يواجه جويس أزمة الرأسمالية الليبرالية, فإنّه يبحث عن أسباب هذه الأزمة في الأسس ذاتها التي يقوم عليها «اشتغال» ذلك المجتمع وتلك الثقافة.
4- الأسطورة, وتيار الوعي, والإعلان
 في حين كان أوليس قد روّض الأسطورة بما أقامه من نظام التجارة العقلاني والفرد الحرّ, فإن بلوم هو نتاج انحلال ذلك النظام وذلك الفرد, وما من شيء غريب في استسلامه للأساطير من جديد. فسؤال الأسطورة يعود ليشغل المركز من أوليس, إنما بطريقة تختلف تماماً عن تلك التي طرحه بها إليوت: فهي ليست صورة فوق تاريخية لحكاية خرافية وعدد من الشخصيات النمطية, بل علاقة بين الوعي الفكري الذاتي وحَدْس الواقع الموضوعي؛ ليست نموذجاً استعارياً للسرد بل تقنيته. يقول كاسيرر في معرض دراسته التعبير اللغوي في الأسطورة:
«الأنا [في الفكر الأسطوري] يبدد طاقته جميعاً على هذا الهدف الوحيد, فيعيش فيه, ويضيع فيه… ذلك أنَّ الفكر, في هذه الصيغة, لا يكون حرّاً في تعامله مع معطيات الحَدْس, يربط واحدها بالآخر ويقارن بينها, بل يكون أسيراً للحدس الذي يواجهه فجأةً ويخلب لبّه»(20).
واللافت, في هذا العرض الموجز, أنّه يتوافق في جميع النقاط الأساسية مع تحليل أمبرتو إيكو لتيار الوعي (لدى بلوم خاصةً, إنما ليس لديه وحده):
«حتى لو بقينا في إطار الوقائع الواعية – المُسَجَّلة جميعاً بصدقٍ مطلق مهما كثرت أمثلتها– فإنَّ الهوية الشخصية ذاتها تكون موضع تساؤل. ففي دَفْق التصورات المتشابكة أثناء جولة بلوم في دبلن, تغدو الحدود بين «الداخل» و»الخارج», بين الكيفية التي يتحمّل بها بلوم دبلن والكيفية التي تفعل بها دبلن فعلها فيه, غير متمايزة إلى أبعد الحدود»(21).
 هكذا يكون تيار الوعي التعبير اللغوي عن ضياع الهوية الفردية: على العكس تماماً مما كان عليه لدى دوجاردان. الذي استخدمه كأداة لضبط الذات وترميم الطابع الذي يميّز الفرد. ووريث دوجاردان الحقيقي هو بروست, وليس جويس, الذي عمد إلى قلبه رأساً على عقب بالطريق ذاتها التي اتّبعها إليوت مع لافورغ… فالفرد في تيار الوعي القائم في أوليس هو فرد منشطر, ويعبّر عن نفسه بوصفه كذلك. ووهمه أنَّ بمقدوره أن يكون ذاتاً مستقلة وغير تابعة ينهار. وبعيداً عن كون تيار الوعي تعبيراً عن «حرية داخلية» (بحسب زيرافا في أطروحته عن «ثورة الرواية»), فإنه يشير إلى أن الفرد تستعبده قوى خفية لا تمكن السيطرة عليها: ولعلَّ تيار اللاوعي أن يكون تعريفاً أفضل, ومع أنَّ هذه التقنية لا تتوافق مع المجال النفسي الذي أطلق عليه فرويد اسم «اللاوعي», إلا أنّه من الواضح أنَّهما يؤدّيان كلاهما وظيفة التأكيد على ضَرْبٍ من التفاصل داخل النفس الفردية(22).
ويتلاقى تيار الوعي وأزمة إيديولوجيا الفرد الحرّ تحت راية الإعلان. وهذه هي «الأسطورة» الجديدة التي يستسلم لها بلوم – وكيل الإعلانات وضحيتها– بانتظام مطرد. وذلك لأنَّ الإعلان هو أسطورة السلعة: السلعة وقد تحولت إلى أسطورة, إلى صنم يستعرض سماته «الخفيّة», بدل أن يخفيها. وفي حين كان الإعلان في القرن التاسع عشر يصف قيمة المنتج الاستعمالية, معيداً بذلك إنتاج الأفعال الذهنية العفوية التي يؤديها في السوق أيّ مُشْترٍ, فإن الإعلان الحديث, كما رأينا, ينشأ في وَضْعٍ متناقض و«حَرِج» من عدم التوازن الدائم بين العرض والطلب. لكن هذا التناقض ليس سوى التجلي الواضح للعلاقة المغتربة بين المنتجين ومنتجاتهم. و«بفضل» الإعلان لا تعود هذه العلاقة خفية ومُنْكَرَة, بل مقبولة – وإن يكن بصورة غير واعية, كما سنرى– بوصفها شيئاً واضحاً ودائماً. ولذلك, فإنَّ الإعلان ليس عَرْضَاً للسلعة بقدر ما هو عرض لـ صنمية السلعة: فهو يرفع من شأن المُنْتَج بِجَعْلِه صنماً. وليس مصادفةً أنَّ واحداً من أفضل الأشكال البلاغية المُسْتَخدَمة في الإعلان هو الاستعارة التي يبرز فيها المنتج على أنه «قوة طبيعية», بنوعٍ من التشخيص الذي يخلع الصفات البشرية على الطبيعة الجامدة. فالسلعة ينبغي أن تتخذ صفات مستقلة, وطبيعية, بل وبشرية:
«نحن ثنائي عظيم، بلوم وأنا؛
هو يلمّع الأرض, وأنا أصقل السماء».
هكذا يغني صابون بلوم سيء الصيت, مرتفعاً كالشمس في الفصل المُعَنْوَن «سيرسه».
   ولكي ينشر الإعلان محتواه الأساسي، فإنَّه يبتغي التوصّل إلى شكل من الإقناع يقوم على عدم الإدراك, والجهل العميق القادر على تطويق كلِّ مقاومة فكرية ومراوغتها. وبذلك يغدو الإعلان جزءاً من تيار الوعي إلى درجة السيطرة على آليات هذا الوعي وتسخير ما أشار إليه كاسيرر من «ضياع الأنا» وما أشار إليه إيكو من غياب الحدود بين «الداخل والخارج» لمنفعته الخاصة. فإذا ما نجحت هذه المحاولة, يغدو صحيحاً أنَّ «الحملات الإعلانية إذا ما كانت كبيرة بما فيه الكفاية, ومتواصلة, وعديمة الضمير (منتفعةً بطرائق كالإيحاء الخفي وما شابه) يمكن أن تبيع الزبون «أيّ شيء تقريباً»(23). والقدرة على بيع أيّ شيء تعني الانتشار فوق العالم الاجتماعي بأكمله؛ «جميع الأماكن صالحة للإعلانات» كما يفكّر بلوم, في مقطعٍ هو مثال يحتذى في مضاعفة أثر الإعلان على تيار الوعي لديه وتركيز هذا الأثر.
   لكن الإعلان ليس مجرد لازمة أصيلة من اللازمات التي تتكرر في أوليس: ففي حالتين على الأقل, من الفصل الذي يحمل عنوان «إيثاكا», يعمد جويس نفسه إلى ربط الإعلان بتقنية تيار الوعي:
– ما الذي كانت عليه في العادة تأملاته الأخيرة؟
«كان يفكر في إعلانٍ واحدٍ فريد يدفع المارة إلى التوقّف في عجب, مُلْصَقٍ بدعة, يخلو من كلِّ حَشْوٍ زائد, ويُخْتَصَرُ إلى أبسط حدوده وأشدّها أثراً فلا يتعدّى المدة التي تستغرقها نظرة عارضة ويكون ملائماً لسرعة الحياة الحديثة».
– ما الذي كان يحفز أيضاً أفكاره العميقة؟
«… الإمكانيات اللانهائية التي لم تُسْتَثمَر إلى الآن والتي ينطوي عليها فن الإعلان الحديث إذا ما تكثّف في رموز أحادية الفكرة ثلاثية الحروف, وكان واضحاً غاية الوضوح عمودياً (لاستكشافه), ومقروءاً غاية القراءة أفقياً (لفكّ مغاليقه) وذا أثرٍ مغناطيسي في لفت الانتباه طوعاً, وإثارة الاهتمام, والإقناع, والدَّفع إلى اتخاذ القرار».
 «المدة التي تستغرقها نظرة عارضة», «ملائم لسرعة الحياة الحديثة», «أثر مغناطيسي», «لفت الانتباه طوعاً, وإثارة الاهتمام, والإقناع, والدَّفع إلى اتخاذ القرار». ما نجده هنا هو على وجه الدقّة عشوائية تيار الوعي, وسرعته, وتقطّعه, وانفلاته, وعمقه. وتلك المقاطع توضح أنَّ تداعيات تيار الوعي ليست «طليقة» بأيّ حال من الأحوال. إنّ لها سبباً, أو قوة دافعة هي خارج الوعي الفردي: حتى نحوياً, نجد أنَّ الفاعل في المقطع الأخير المُقتبس هو الإعلان: أما النفس الفردية فليست سوى دعامة لفعاليته.
 من المنطقي تماماً, إذاً, أن يكون تيار الوعي إِردافيّاً على نحوٍ بارز، يضع الأشياء إلى جانب بعضها بعضاً دون أدوات رابطة: فغياب كلٍّ من النظام الداخلي وضروب التراتب يشير إلى إعادة إنتاجه شكلاً من الوعي خاضعاً لمبدأ تكافؤ السلع، الذي يشير إلى أنَّ القيم الاستعمالية – الخواص الملموسة لأيّ سلعة معينة – تُدْرَك الآن على أنها ثانوية (وبالفعل, فإنَّ الإعلان لا «يصف» المُنْتَج قطّ, ومثاله الأعلى الحقيقي – «بَيْعُ أيّ شيء»– يفترض مسبقاً أنّ أيّ مُنْتَج يمكن أن يغدو قابلاً للتبادل وكياناً مجرداً). وما يبقى لقدح زناد الخيال وإضرام الرغبة ليس سوى الجاذبية الشاملة لهذا الجمع الفوضوي وبعيد المنال من السلع: ولعل هذا أن يكون السبب وراء ما يلحظه هيث في أوليس من «انزياح وتحول» متواصلين في المعنى: فما من معنى ملموس وأحاديّ يمكن أن يُنْسَب إلى عالم من الأشياء المجردة والقابلة للتبادل فيما بينها. وهنا يثبت تحليل كاسيرر للفكر الأسطوري مرّة أخرى أنه مفيد:
«حين نرى [العالم] بوصفه كلاً, فإنَّ هذا الكلّ يكون على الرغم من ذلك مؤلَّفاً من وحدات يمكن تمييزها بوضوح, وحدات لا تنصهر واحدتها في الأخرى, بل تحافظ على هويتها التي تفصلها على نحو واضح عن هوية سواها. غير أنَّ هذه العناصر المنفصلة لا تكون منفصلةً على هذا النحو بالنسبة للوعي الذي يصنع الأسطورة… وهذه هو السبب في تسمية حالة العقل الأسطورية بالحالة «المعقّدة»…(24).
 لقد أقمت حجاجي إلى الآن على تيار الوعي لدى بلوم. غير أنه يصحّ أيضاً, مع الاحتراس اللازم, على مولي وستيفن أيضاً. وهذا ما يتضح مباشرة لدى مولي لأننا نجد أنفسنا, في تيار الوعي لديها, أمام تحقق الميل إلى الإرداف وضياع الهوية تحققاً كاملاً, وقد أعيد إنتاجهما في التقلّب المتواصل بين «ضمير المتكلّم في حالة المفعولية (me)»  و«ضمير المتكلم في حالة الفاعلية(I)». ولا عجب في ذلك, لأن مولي قد وُضِعَتْ في أوليس بوصفها التمثيل الجوهري غير المشروط للنزعة الاستهلاكية. غير أنَّ هذا الحجاج يصحُّ على ستيفن أيضاً. ومن الأمور الأساسية, بهذا الصدد, أنَّ نظريته الباكرة في التجليات أو الومضات – محاولة النفاذ إلى ما للأشياء, والبشر, والأحوال من معنى أساسي ثابت – تكفّ عن العمل. ففي بداية الفصل الثالث, «بروتيوس»، لا يزال ستيفن يحمل الفكرة التي مفادها «إنني مُهَيَّأ لقراءة ما لجميع الأشياء من شارات مميّزة «. لكن هذه «الشارة المميّزة» لم تعد علامة نظام متعالٍ أحادي المعنى, شأنها شأن «النفس» – الوعي– التي لم تعد «شكل الأشكال». وإذا ما كانت تظهر في تيار الوعي لدى ستيفن في الفصل الأول صور يمكن أن تفضي إلى لحظة تجلٍّ, إلا أنَّ هذه اللحظة لا تأتي, ومغاليق هذه الصور تبقى دون فكّ. بل إنَّ مبدأ التجسّد ذاته, في نهاية الفصل الثالث, يخضع لسلسلة غريبة من التحولات تجردها من كلِّ معنى جوهري أو غائي (يصير الاله إنساناً يصير سمكةً تصير إوزةً تصير جبلاً مكسواً بالريش). ولا شكّ أنَّ تيار الوعي لدى ستيفن, بخلاف ما نجده لدى بلوم وأكثر منه لدى مولي, لا يزال مرآة صراع بين محاولة السيطرة على العالم عقلانياً ومادة العالم الخرساء أوملتبسة المعاني. لكن انتصارات هذه الأخيرة هي, على مستوى الحبكة, أشبه بـ خطر يدفع ستيفن وراءً وقدّاماً في آناء الليل وأثناء النهار. وبذلك فإنَّ الشخصية الوحيدة التي يعتريها التحول، في أوليس بأجمعها, لا يكون لها ذلك إلا لأنها تُجْعَلُ خارجيةً (أو «متأخّرةً», إذا جاز القول) بالنسبة للشروط الاجتماعية السائدة.
5- بلــــوم
وظيفة أوليس الرمزية واستخدام السرد لتيار الوعي هما اثنتان من النقاط الرئيسة في أوليس. وأودّ الآن أن أعرض, من ضمن هذا الإطار العام, لمثالٍ ملموسٍ يدلّ على الأطروحة السوسيولوجية لهذه الدراسة. فإذا ما كانت أوليس تعبّر عن الديالكتيك الثقافي للرأسمالية الليبرالية في كربها واحتضارها, فلا بدّ لها من أن تتلبّث وتتريّث عند انحلال شخصية البرجوازي الصغير – المنتج الحرّ, المستقلّ اقتصادياً والفخور باستقلاله الفكري – الذي يحظى بأهمية بالغة في النظام الإيديولوجي الأنجلوساكسوني في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر.
ومن الواضح أنّ بلوم هو المفتاح على هذا الصعيد. فهو شخصية ملتبسة اجتماعياً منذ البداية, ليس مستقلاً تماماً ولا تابعاً تماماً. غير أنه سبق له أن تخلاّ عن ديانة والده – تلك العبرانية التي كانت بادرةً للأخلاق البرجوازية البيوريتانية– ومعها ذلك المثال الأعلى العملي الذي يدعو إلى التقشّف داخل العالم (innerweltliche Askesis).. ويعمد والده – أو الأحرى صورته التي أنتجها شعور بلوم بالإثم – إلى لَومِه في «سرسه» على كليهما:
«رودولف: ثاني نصف جنيه تضيّعه اليوم. قلت لك لا تخرج مع الغوييم السكير قطّ. هكذا. لن تجني أيّ مال. […] ألستَ ولدي ليوبولد, حفيد ليوبولد؟ ألستَ ولدي الحبيب ليوبولد الذي ترك بيت أبيه وآلهة آبائه إبراهيم ويعقوب؟… في إحدى الليالي أحضروك إلى البيت سكراناً بعد أن بددت نقودك جميعاً».
ليس لبلوم مستقبل اجتماعي (وهذا سببٌ آخر لتكثيف أوليس في أربع وعشرين ساعة), الأمر الذي يدفع جويس لأن يمنحه نَسَبَاً, لكنه لا يمنحه ذرّية من الذكور: فابن بلوم يتدبّر أمر مجيئه إلى هذا العالم, لكنه لا يتدبّر تماماً أمر بقائه, شأنه في ذلك شأن والد بلوم, الذي لا يريد أن يتخلّى عن أخلاق السوق الحرّة البطولية, فتهزمه ويقتل نفسه. وحياة بلوم معلّقة بين هاتين الميتتين: وهو, الآن, ضَربٌ من المصادفة, أَثَرٌ تاريخي باقٍ. وأخلاقه هي في الحقيقة أخلاق البقاء المحض والبسيط: حيث التوازن التّام بين المدين والدائن, في نهاية النهار. أمّا الادّخار – الذي هو من أوائل الأشياء التي يقرنها بذكرى والده: «نصيحة تجارية (إذا ما كلأت البنس برعايتك, فالجنيهات سوف تكلأ ذاتها بالرعاية)– هذا الرمز العلماني من رموز الحرية الاقتصادية, هذا الضمان للمستقبل, فيغدو مستحيلاً نوعاً ما، وما من شخصية في الرواية يمكن أن تطمح مجرّد طموح إلى أيّ ادّخار, كما يشتكي لستيفن واحدٌ من أبخل الشخصيات في أوليس, هو السيد ديزي, في الفصل المعنون «نسطور». ففي رواية جويس يعيش المرء من يوم ليوم بالفعل, ومن ثم فإنّ غداً لا يكون يوماً آخر.
 وإذا ما كان بلوم يستشعر المخاطر التي تحفّ بوضعه, وإذا ما كان مبرر وجوده الوحيد هو أن يتدبّر الحفاظ على هذا الوضع, فإنَّ الشيء المخيف أشدّ الخوف يغدو ما هو غير عادي, ما هو مختلف, وغير منتظم. ولذلك فإنَّ بلوم يحذّر ستيفن في «إيمايوس»:
«السيد بلوم, الذي كان ممتلكاً كامل ملكاته, على الرغم من كلّ ما حدث, بل الذي لم يسبق له أن امتلكها على هذا النحو, وكان رزيناً على نحوٍ مثير للاشمئزاز في الواقع, راح يحذّر من مخاطر حيّ البغاء، والنساء سيئات السمعة والرجال السوقة المنتفخين, وأنّ ذلك, وإن كان يُسمَح به بعض السماح مرّة في كلِّ حين, دون أن يغدو سلوكاً معتاداً, هو مصيدة مميتة لمن هم في مثل سنه من الشباب».
 وفي الفصل المعنون «نوزيكا», فإنّ ذلك المديح الذي يناله الاستمناء مقارنةً بالجماع هو مديح لا يُنْسى: فالمخاطر التي تواجه المرء حين يكون وحده هي مخاطر أقلّ. كما أنَّ في الفصل المعنون «إيثاكا» مقطعاً صغيراً يعيد طرح مسألة الخطر من جديد:
«ومزاجه؟
لم يخاطر, لم يتوقّع, لم يخب ظنّه, كان راضياً.
– ما الذي أرضاه؟
أنّه لم يتكبّد أيّ خسارة فعلية».
تتجاوز أهمية هذه الأسطر الأخيرة معناها المباشر. والحال, أنّ بلوم يفكّر هنا بالحصان ثروأَوي, الرابح غير المتوقَّع للكأس الذهبي: وهذا حدثٌ تافه, لدرجة أن جويس لا يصفه مباشرةً, لكنه يمتدّ على طول أوليس كاستعارةٍ كاملة للطابع الخادع الذي بات الآن يطبع المنافسة الحرّة. وحقيقة الأمر أنَّ ثروأوي ينجح فيما فشل به بلوم وسيفشل على الدوام: فقد عَبَرَ فجأة, بضربة سوط (أم أنّها ضربة عبقرية, مثل ذاك الحصان الأصيل الذي يقنع أولريخ, في الرجل بلا صفات, بأن يغيّر طريقة حياته؟), من الغفلية إلى الشهرة, من حالةٍ مزعزعة ومحفوفة بالخطر إلى الثروة. وهذا يعني أنَّ الأحصنة وحدها يمكن أن تخاطر في السوق الحرّة: حيث لم يعد الرجال العصاميون قادرين على ذلك (كما لا يزال بلوم يخدع نفسه بأن يخرج بـ «اختراعاته», في عصرٍ شهد ولادة المخابر الصناعية…) بل الأحصنة العصامية وحسب. (وهنا, بالمناسبة, سرّ انبعاث الرياضة في العالم الحديث [أقيمت الألعاب الأولمبية الأولى في العام 1896]: حيث تفضي الزيادة الهائلة في التفاوت الفعلي, نظراً لتركّز القدرة الاقتصادية والسياسية, إلى جَعْلِ المطالبة الرسمية اللافتة – التي لم يكن مصادفةً أنها تمّت تحت راية نزعةٍ محبّةٍ للهوايات هي الأشدّ بيوريتانية– بالصنم المقدّس, صنم «التنافس بين متساوين», أمراً مرغوباً فيه إلى أقصى الحدود). كان يمكن لثروأوي بلا شكّ أن يكون ضربة حظ بلوم, ومفاجأة عظيمة, لكن الحظّ والمفاجأة صارا الآن استثناءً حقيقياً, ولا يعملان إلا على إظهار قوة القاعدة ورسوخها.
   ومن الواضح أنّ بلوم هو فريسة هذه القاعدة الاجتماعية دون أن يفهمها. فإدراكه جزئي ومشوَّه. ومع أنّ الشركات الكبرى تقوّض هويته الاجتماعية, إلا أنّه لا يستطيع أن يقبض على هذه الظاهرة إلا بالتفكير… بالكنيسة الكاثوليكية الرومانية:
«منظمة رائعة بحقّ، تسير كالساعة…. لابدّ أنَّ أولئك القوم في روما متّزنو العقول: يديرون العرض كلّه. ألا يغرفون الأموال الطائلة أيضاً؟».
«يبدوا أنَّ القدّاس انتهى. أسمعهم كلّهم هناك. صَلِّ من أجلنا. صَلِّ من أجلنا. صَلِّ من أجلنا. التكرار فكرة حسنة. كما هو الحال في الإعلانات. اشترِ منا. اشترِ منا».
 يتلخّص وعي بلوم, أخيراً, ويتكثّف في الشائع والمبتذل. فهو محاكاة ساخرة للفكر المستنير, ويمكنه أن يطلع بأشياء شائعة ومبتذلة في أيّ موضوع: من مفهوم الأمة إلى العلاقات بين الجنسين, من التماس الجود والسخاء إلى البرامج الاجتماعية, حيث يعتقد – بإخلاصه الباقي لرسالة الأرثوذكسية الليبرالية – أنّ بمقدوره أن يفهم ويسيطر على عالمٍ كان قد فقد صلته به ذلك الفقدان الدائم. وفي هذا الضوء, فإنَّ أوليس, بحسب ديللا فولب, «…هي تلخيصٌ لحضارتنا البرجوازية المُحْسِنة وحُكْمٌ عليها، بمعنى أنَّ تبرير تلك الحضارة قد اختزل الآن على قدّ أشيائها الشائعة المبتذلة فاقدة الحياة»(25). هكذا, تُصَوِّبُ أهجية جويس التي لا تعرف الكلل على بلوم لأنَّ بمقدورها, عبره, أن تصوّب إلى أعلى. أمّا حكم جويس التاريخي فهو, مرّة أخرى, حبيس حدّين اثنين يسخر واحدهما من الآخر لكنه يقتضيه في الوقت ذاته. ومن هنا تلك الطبيعة الخاصة التي تميّز سخرية جويس؛ تلك السخرية التي لا تبدي أيّ قَدْر من «الانفصال» الذي أشار معاصره توماس مان إلى أنّه الثمن الذي يُدفَع لقاء الفهم, والحُكْم, والخَرْق, بل تأتي, على العكس, من داخل منظومة التناقضات غير القابلة للحلّ.
6- ثروةٌ لا نَفْعَ فيها
   رأينا إلى الآن كيف تُقَدِّمُ أوليس بعض الظواهر الاجتماعية المطابقة لأزمة الرأسمالية الليبرالية. غير أنّ العنصر الذي قد يكون أهمّ من ذلك بكثير لا يزال بحاجة إلى الكشف: ما هي الآثار التي تركتها هذه الأزمة على الثقافة وعلى الأدب؟ ما الوظيفة الاجتماعية التي خصّ بها جويس الثقافة والأدب وكيف تبرز هذه الوظيفة في بنية أوليس؟
جواب جويس هو جواب جذريّ يتحدّد على مستويين مميّزين. أولهما وأكثرهما بساطة يتعلّق بالطريقة التي تستخدم بها شخصيات الرواية الثقافة، أو لا تستخدمها. وستيفن هو الشخصية الأكثر تمثيلاً على هذا الصعيد. فهو المثقف بوصفه عاملاً فكرياً: يتطابق لديه كلٌّ من الثقافة والعمل ويشكّلان كلاًّ واحداً. والتالي, أنّ الثقافة لدى ستيفن يعتريها المصير ذاته الذي تحكم به الأزمة الرأسمالية على كلّ نمط من أنماط العمل: ثمّة نقص في استخدامها, إن لم تكن خارج الاستخدام مهدورةً ومبدَّدة. والحال, أنَّ ستيفن يرفض, منذ الصفحات الأولى في الرواية, أن يتواصل وأن يضع معارفه المتراكمة قيد التداول, ليس انطلاقاً من غرور فكري, بل لأنّ لديه تلك القناعة الغامضة بأنَّ  مثل هذا الجهد هو جهد عقيم لا يسفر عن شيء. ولا شك أنَّ كون ثقافة ستيفن ثقافة «معارضة» – مناهضة لبريطانيا ومناهضة للكاثوليكية– يسهم في صمته: لكنّ علينا أن نضيف أنَّ أعمق الشكوك بشأن وظيفة ستيفن تُغير عليه في ذلك الميدان الهادئ تماماً والحيادي, ميدان تدريس التاريخ القديم للأطفال. ففي المدرسة, نجد ستيفن، في الفصل الثاني من الرواية, مضطراً لأن يعيش فكرياً على مستويين: مستوى تأملاته الخاصة ومستوى التدريس المعترف به اجتماعياً. غير أنّه لم تعد ثمة علاقة مهما تكن بين هذين المجالين, لدرجة أنَّ ثروة ستيفن الفكرية باتت تعيق أداءه لعمله ذلك الأداء المنتظم. وفي نهاية هذا الفصل الثاني, نجد أن ستيفن يعمد، بنوع من المنطق المتماسك, إلى ترك هذا العمل؛ وفي الفصل الذي يليه, «بروتيوس», نجد أنَّ تلك الثقافة، التي هي بلا نفع اجتماعي أصلاً, تتكشّف له عن كونها هشّة أيضاً ومزعزعة في جوهرها. ولذلك، فإنّه يأخذ شيئاً فشيئاً, ومع تقدّم الرواية, بدفع معرفته أكثر فأكثر صوب عالم النسيان: فإذا ما استخدمها, اقتصر ذلك على رغبته في إثارة الدهشة (فمن الذي يمكن أن يأخذ تأويله هاملت على محمل الجدّ؟). أما في «إيمايوس», فهو يحول غاضباً بين بلوم وأيّ نفاذٍ إلى تلك المعرفة.
وقد نحسب أنّ ذلك يحصل لأن ثقافة ستيفن هي ثقافة عتيقة وتومانية.. لكن هذا لا يفسر سوى ما تواجهه من إعراضٍ صامت وتام. وما يبدو لي أساسياً – وهو أنَّ هذه المعرفة قد «تراكمت» بالكدّ والتعب ثم ثبت أنها غير قابلة للاستخدام – إنما يصحّ أيضاً على بلوم, وإِنْ يكن بطريقةٍ مختلفةٍ نظراً لاختلاف وظيفته الاجتماعية. فستيفن يصدم بلوم لأنه «بعد كلّ ما أنفق على التعليم من مال» لا يمكنه أن «يعوّض [ما أنفقه] ويفرض سعر]ه[ الكامل», ويبلغ الأمر ببلوم حدّ إرهاق دماغه بحثاً عن طريقةٍ يستخدم بها ثقافة هذا الشاب لمنفعته الشخصية, ثم ينتقل إلى حلم الانتفاع بحذقه ومهارته المنزلية الطفولية, أو بقدرات زوجته الغنائية, أو بآلاف الحماقات الصغيرة المختلفة. وهذا وجهٌ مهم من أوجه «الفراسة الفكرية» لدى بلوم: موهبته الإدارية المتهورة, ومحاولته استثمار أيّ شيء مهما يكن من منظور فائدته الاقتصادية المحتملة.
   وهكذا, فإنَّ بلوم هو المحاكاة الساخرة التي لا هوادة فيها لـ «روح الرأسمالية» التي نجدها لدى واحدٍ من أتباع بنجامين فرانكلين (خاصةً أنّه يستحيل على بلوم, كما رأينا, أن يوفّر ولو أدنى المدّخرات مما تقتضيه مثل هذه الروح), تماماً مثلما أنَّ طموحه إلى ثقافةٍ جامعةٍ هو محاكاة ساخرة لـ«الموسوعة». فمكتبة بلوم, التي توصف وصفاً مسهباً في «إيثاكا», هي تحفة من تحف العشوائية وانعدام النفع, حيث يزوّدنا فصل «الصخور الهائمة» بمفتاحها. فهناك نقع أولاً على ما يقوله لينيهان لماكوي عن بلوم:
«هو رجل مثقف متكامل, أعني بلوم، قال بجدّ. ليس واحداً من أولئك العامة … الذين تعرفهم… إنّ لدى بلوم العجوز لمسة الفنان»
 غير أنَّ المشهد الذي يلي ذلك مباشرة يفتح ببرود شديد على السيد بلوم الذي:
«قَلَّبَ بغير اكتراث صفحات اعترافات ماريا مونك الشنيعة, ثم صفحات رائعة أرسطو…. نحّى كلا الكتابين ونظر إلى الثالث: حكايات الغيتو, بقلم ليوبولد فون ساكر مازوك…. لم يكن هناك غير السيد بلوم وهو يتفرّس عناوين الكتب. الطاغيات الجميلات بقلم جيمس لَفْبيرش…. لذائذ الخطيئة».
   مكتبة بلوم, وثقافته, هما إذاً مكتبة وثقافة مخزن الكتب المستعملة: كلتاهما تبديان الافتقار ذاته إلى التنظيم وضروب التراتب. ومنطق سوق الثقافة الذي يسوّي بين الأشياء يتكامل مع سلبية الآلية الاجتماعية العامة وركودها. لقد تراكمت المعرفة ذلك التراكم الهائل وأطاحت بحواجز الزمان والمكان, لكنها لم تجد لها غايةً أو غرضاً فقبعت على الرفوف وفي رأس وكيلٍ للإعلانات.
   وتصل بنا هذه الملاحظات الأخيرة إلى ذلك الوجه من أوجه أوليس الذي تتجلّى فيه فكرة «عقم» الثقافة بأشدّ الطرائق تحديداً وأشدّها تفاخراً على حدٍّ سواء. وهنا ندخل حقل الأشكال الجمالية في أوليس. فالوجه الأكثر خصوصية في رواية جويس هو أنها تستخدم أشكالاً جمالية متعددة ومتناقضة أشدّ التناقض. وهذه ظاهرة لا تصعب ملاحظتها, أمّا تأويلها فمسألة أخرى, خاصةً أنَّ هذا الملمح من أوليس لطالما كان ميدان صيدٍ لتيارٍ نقديّ اكتفى بالتقاط إجراءاتها الأسلوبية وفَهرَسَتِها, فأسكره ذلك وبلغ به نشوةً دفعته إلى تمجيد «ثراء» الرواية, وإلى قراءتها ووصفها بأنها خلاصة لتاريخ الأدب والبلاغة بعيدة عن الأرثوذكسية لكنها رائعة. وكأنَّ أستاذ الأساتذة, إرنست روبرت كورتيوس, لم يَقُلْ بإدراكٍ مرير, في العام 1929:
«يأتي عمل جويس من ثورة الروح ويفضي إلى نهاية العالم. فرؤيا نهاية العالم تظهر هناك، في ليلة والبورغ جويس، مدفوعةً بنوعٍ من المنطق الذي لا يلين، وسط اليرقات وأرواح الموتى. ثمّة عدمية ميتافيزيقية هي جوهر عمل جويس…. هذه الثروة الكاملة من المعرفة الفلسفية واللاهوتية, هذه القدرة على التحليل السيكولوجي والجمالي, هذه الثقافة العقلية المتضلّعة من آداب العالم جميعاً, هذا الاستدلال المنطقي الذي يسمو على كلِّ ابتذال وضعيّ: كلُّ ذلك يؤول في النهاية إلى الإلغاء, وينقض ذاته في عالمِ حريقٍ هائل, في ألسنة اللهب المنتشرة بلونها القزحيّ كلون المعدن. وما الذي يبقى؟ رائحة الرماد, ورعب الموت, والكآبة المارقة, وتعذيب الضمير…»(26).
كورتيوس مُحِقّ. ويبقى أن نفهم آليات «دمار العالم» هذا ومعناه. فدمار العالم هو بالنسبة للثقافة البرجوازية العظيمة عند مطلع القرن العشرين لازمة لدمار عالم الثقافة وعاقبة تترتّب عليه, ذلك لأنَّ الثقافة وحدها هي التي يمكن أن تطرح ذاتها كمنظومة, وتراتبٍ, ونظام. وهكذا يتشظّى العالم في أوليس لا لأنه نصٌّ حافلٌ بالرؤى القيامية, بل لأنَّ فكرة المنظومة الثقافية ذاتها تخفق فيه ذلك الإخفاق الذريع. ويلاحظ ستيورات جيلبيرت, في كتابه «أوليس» جيمس جويس, أنَّ «جميع الوقائع مهما يكن نوعها, سواء كانت ذهنية أم مادية, رفيعة أم سخيفة, متساوية في القيمة عند الفنان». ومبدأ التساوي الراسخ هذا في رواية جويس يقف على تضاد لا هوادة فيه مع المبادئ التراتبية في الثقافة البرجوازية العظيمة لزمنه. وإذْ يجعل جويس من ادّعاء «عضويّة» العمل الفنيّ أمراً باطلاً وسُدىً, فإنّه يعلن أيضاً استحالة أن «تُسْتَنْتَج» منه فكرةُ منظومةٍ ثقافيةٍ قادرةٍ على إعادة النظام إلى المجتمع.
 يفكك جويس, إذاً, إيديولوجيا الفنّ «العضوي»: لكن ليس بتلك الطرائق التي أشار إليها روبرت موزيل حين كتب أنَّ «الانحلال سمة أخرى لدى جويس ولدى ذلك الاتجاه بأكمله. فهو يخضع لحالة الانحلال المعاصرة ويعيد إنتاجها عبر ضَرْبٍ من «التداعي الطليق», في الوقت الذي يُفْتَرض أنّه يمارس «تصوراً للفنّ بطولياً»(20). وبحسب موزيل, فإن انحلال أوليس مُسْتَمَدّ من «استسلام» الفن للواقع, من انهيار نظامٍ جماليٍ انتقائيّ وحلول «التداعي الطليق» محلّه (دون أن يمكن, بالطبع, اختزال أسلوب أوليس إلى هذا التداعي الطليق أو قَصْره عليه). غير أنَّ العكس تماماً هو الصحيح: فالانحلال ليس ممكناً وفاعلاً إلا بسبب انشغالٍ بالشكل مضبوط إلى أبعد الحدود. لكنَّ هذا الانشغال بالشكل – الذي يمثّل هنا التجديد الحاسم– بات يهدف الآن بأكمله إلى إظهار أنّ أيّ أسلوب هو اعتباطي وبلا أهميةٍ تالياً.
 وفكرةُ الأسلوب الأدبي الاعتباطي– الذي يسيطر على موضوعه ويحدده, ولا يكون مجرد تمثيلٍ شفّاف و»حسّاس» لهذا الموضوع– هي فكرة تنتمي في الأصل إلى ردّة الفعل «الفاسدة» على الجماليات الهيغلية. وقد واصل البحث الفني والنظري أيام أوليس التركيز على هذه المشكلة. غير أنَّ مفهوم «الاعتباطية» في هذا التقليد متعلّق بتأسيس لغة مشتركة (koiné) ثقافية جديدة: فهو محاولة لإعادة صياغة وعي النخبة الإيديولوجي والتقنيات الفنية الفردية في آنٍ معاً. ومن هنا مكابدة المذهب التجريبي الرامية إلى إكمال السيطرة الثقافية. وهذا هو السبب في هجوم نيتشه على فاغنر, وهجوم إليوت على الشعراء الإدوارديين: ليس لاستسلامهم للذائقة السائدة بحدّ ذاتها, بل لِلَقْدَرِ الذي يحول فيه هذا الاستسلام دون هيمنةٍ مقبلةٍ. غير أنّه لكي يكون عرفٌ اعتباطيّ مهيمناً, لا بدّ له من أن يقدّم ذاته على أنه الإمكانية الوحيدة: مثل أليغورة نيتشه, التي تجد عند كافكا تحققهها المشؤوم. وبالمقابل, فإنَّ اقتراح اثنين من الأعراف أو أكثر لـ «الموضوع» الواحد يعني نقضها جميعاً والتخلّي عن كلّ مزاعم الهيمنة. وهذا بالضبط ما يحصل في أوليس.
 قلتُ إنَّ أوليس تقوم على تعددٍ في الأساليب. ومثل هذا الإجراء لا علاقة له بوجهة نظر هنري جيمس أو جوزيف كونراد المختلفة, حيث يحفّزُ التنوّعُ في سيكولوجيا الشخصيات ما نجده من تنوعٍ في الأساليب. أما لدى جويس, حين يُقَدَّم حَدَثٌ واحد بأسلوبين مختلفين أو ثلاثة أساليب مختلفة أو خمسين أسلوباً مختلفاً, فلا يكون هذا الإجراء قائماً على أيّ تحفيز أدبيّ مُقَنَّن. بل هو استكشاف تقني محض (كما تعمل نوعية الموضوع «اليومية» أيضاً على تعزيز الخاصية فوق الأدبية للرواية). غير أنَّ هذا الاستكشاف لا يفضي إلى اختيار. فالأساليب المختلفة – وما تجسّده من أشكال إيديولوجية– متكافئةٌ جميعاً تمام التكافؤ: جميعها اعتباطية بالتساوي, وجميعها عاجزة بالتساوي عن فرض ذاتها. ولذلك, فهي جميعاً, وبالتساوي, لا أهمية لها كتأويلات للواقع أو صياغات للّغة الأدبية. ومع أنَّ هذه الأساليب تنتقص من قيمة معنى واحدها الآخر وتحطّ من شأنه, إلاّ أنَّ أيّاً منها لا يغدو الحامل المتميّز لهذا المعنى(28). ففي أوليس, ما من أساليب «جديرة بالثقة», وقادرة على «تفسير» الواقع, وما من أساليب «زائفة», يُقْصَدُ منها «إلقاء قناع» على هذا الواقع, كما أنّه ما من تمييز نوعيّ بين ثقافة «النخبة» وثقافة «الجمهور»: فـ «العناوين» التي يضعها جويس لفقرات الفصل السابع, «آيولوس», ليست «أصدق» ولا «أكذب» من الحوار العاميّ الذي يحفّ بها؛ وأسلوب جيرتي. «العاطفي المُبْتَذَل» ليس أصدق أو أكذب من الحوار الداخلي البعيد عن الثقافة لدى بلوم أو من أسلوب السارد المتجرد والبعيد عمّا هو شخصي؛ ويصحّ الشيء ذاته على التنقّل بين المغالاة الملحمية والنزعة الطبيعية العامية في الفصل الثاني عشر، «السيكلوب», ويصحّ قبل ذلك على سيل الأساليب المستخدمة في الفصل الرابع عشر، «ثيران الشمس».
والحال, أنَّ عدم اكتراث جويس بأيّ معيار من معايير الوظيفة أو الحقيقة في الأشكال الثقافية يقرّبه من الدادائية. غير أنَّ الكولاّج الدادائي كان مقتصراً على إعلان تساوي المنتجات الجاهزة, المكتملة. أما جويس فيمضي إلى أبعد من ذلك: فالنزعة المحاكاتية غير العادية لديه تحاول أن تشير إلى أنَّ الإجراءات التأليفية ذاتها – «وسائل الإنتاج» الأدبية– متساوية, ويمكن استبدال واحدهما بالآخر: فهي تفتقر إلى أيّ وظيفة اجتماعية محدَّدة, وليست جديرة بأيّ مُسْتَقْبَل. وأوليس هي بيع مجنون بالتصفية للأساليب الأدبية؛ وليس مصادفة أن جويس لم يؤسّس مدرسةً, وأنَّ أولئك الذين يستخدمونه كنموذج ويقلّدون واحداً من أساليب أوليس الكثيرة يخونون قَصْدَ روايته الأساسي: ألا وهو الرفض المنهجي لاتّخاذ واحد من الأساليب باعتباره الحامل المتميّز للتعبير.
   وما قيل عن الأسلوب يصحّ أيضاً على الإيديولوجيا في أوليس. فما من شيء في هذه الرواية سوى الإيديولوجيا: إنّها عالم الوعي الزائف. وهذا ما يتضح مباشرةً إذا ما تذكّر المرء وعي شخصياتها المُحَاصَر والمُعَرْقَل, تلك الشخصيات التي تعجز عن فهم ما يجري, بل وعن فهم أفعالها هي ذاتها, إلا عبر إنتاج أسباب غريبة يطيح بها مجرى الأحداث ويعيد إنعاشها بأشكال مختلفة لكنها عقيمة بالمثل (ولا نحتاج سوى لأن نتذكّر آلاف المشكلات التي يواجهها بلوم, وينظر فيها, ويخفق في حلّها عبر مسار ذلك اليوم). وفي حين تفترض نظرية الرواية عند لوكاش توتراً بين «العالم الروحي» للبطل و»الطبيعة الثانية» للعالم الخارجي, فإنَّ جويس يسوّي هذا التوتر ويختزله إلى عادات لا معنى لها ولا هدف: فلا تعود الإيديولوجيا أداةً – متحيّزة وربما غير فاعلة, لكنها «بطولية» – لمحاولة قولبة العالم, بل روتيناً تافهاً يبقى على قيد الحياة على الرغم من زوال وظيفته.
   وأوليس عالم إيديولوجي على الرغم من ذلك, الأمر الذي يعود أساساً إلى معالجتها للأسلوب. وبصورة عامة, فإنَّ كلّ خيار أسلوبي «يترجم» أو يعلن مسبقاً خياراً إيديولوجياً ضمن المجال الأدبي, مُفَرِّعاً بذلك تأثيره الاجتماعي. ومن ثمّ, ما إن يبلغ خيارٌ أسلوبيّ تموضعه النهائي – ما إنْ «يحلّ ذاته تماماً متحوّلاً إلى شعر»، كما يقول كروتشه– حتى تبدو وظيفته الإيديولوجية, التي تحققت للتوّ, وكأنها تتلاشى فيقدّم الأسلوبُ ذاتَه على أنّه عملية أدبية محضة, وضرورة «جوهرية» من ضرورات التطور الأدبي. ومثل هذا التجسّد «البريء» للإيديولوجيا في الأدب هو المسعى الكبير الذي سعى إليه إليوت, من نظريته في «المعادل الموضوعي» إلى كتاباته في سياسات الثقافة. أمّا جويس, من جهة أخرى, فيدع القناع يسقط. وأوليس تنكر على الاستكشاف الأدبي كلَّ «موضوعية» وكل «طبيعية», لأنها تقدّم جميع الخيارات الأسلوبية على أنها متحيّزة, اعتباطية, وذاتية. وما يوضحه جويس, بفعله هذا, هو الطبيعة الإيديولوجية الدائمة التي تميّز الأساليب جميعاً.
غير أنَّ ذلك لا يعني أن أوليس ينبغي أن تُقْرَأ على أنها نقد للإيديولوجيات, فما بالك بأن تقرأ على أنها نقد للإيديولوجيا بوجهٍ عام, بوصفها الشكل النوعي لوعي الاغتراب الرأسمالي. فجويس يقدّم الأساليب والإيديولوجيات في أوليس على أنها كيانات شكلية محضة, منتجاتُ تجربةٍ تفتقر إلى أيّ تحفيزٍ أو غَرَض(29). وبعبارة أخرى, يستطيع جويس أن يقدّم لنا تمثيلاً عظيماً للظواهر الإيديولوجية والأدبية لأنه يعلن ضمناً, وفي الوقت ذاته, أنَّ هذه الظواهر ليست ضروريةً ولا تابعةً للمجتمع الذي تصدر عنه. ونقده للإيديولوجيا قائمٌ هو ذاته على إيديولوجيا: إيديولوجيا عدم ضرورة الثقافة اجتماعياً وزيادتها عن الحاجة, والتي هي نتاج نمطي من نتاجات الوعي الشائع في الرأسمالية الكلاسيكية, ذلك الوعي الذي يرى في «البنى الفوقية» الثقافية أمراً زائداً عن حاجة عمل المجتمع المنتظم, فهذا ما تُعنى به سوق بولاني ذاتية التنظيم, والتي هي ذاتها آلية مستقلة في العادة عن جميع القيم والأغراض الثقافية.
  والحال, أنّ الاقتناع بزيادة الثقافة عن الحاجة هو اقتناع راسخٌ وعميق لدى جويس حتى إنّه يعتبر المجال الجمالي عاجزاً عن أن يكون مثالاً لحال العالم أو تعويضاً عنه. وقد لاحظ إيكو أنَّ هدف أوليس (وأكثر منها مأتم فينيجان) هو أن تستنسخ الواقعيّ لغوياً: وهذا صحيح, وهو إعلانٌ عن زيادةٍ عن الحاجة كلّيةٍ وشاملة. وما دام جويس مسلَّحاً بمثل هذا اليقين, فإنه لم يكن عليه سوى أن يعيد, في المجال الأدبي, إنتاج الآليات المشوَّشة والمرتبكة ذاتها التي تحكم المجتمع. وهذا ما يفعله في أوليس: تلك الرواية «الأدبية» على نحوٍ بارز و»الاجتماعية» على نحوٍ بارز, والتي تجبر النقد على التنقّل الدائم من السيميولوجيا إلى السوسيولوجيا وبالعكس.
ولطالما أكّدتُ على الحتمية التاريخية لعمل جويس. فالفكرة التي مفادها أنَّ الظواهر الإيديولوجية والجمالية حشوٌ زائد عن الحاجة وغير مثمر اجتماعياً هي فكرة تنتمي إلى الماضي أيضاً: فقد أوضح تاريخ قرننا العشرين أنَّ العكس هو الصحيح. غير أنَّ هذه الفكرة العتيقة قطعاً زوّدت جويس بكلبيّةٍ ثقافية جعلت منه نبياً للكلبيّة يجري اتباعه. فمادة أوليس- غياب الفارق بين القيم الثقافية والتقنيات التعبيرية, واستنساخ الأطرزة الإيديولوجية وتكافؤها, وحرية الاختيار الزائفة- هي مادة النظام الثقافي المعاصر. وتفكيك التراتبيات الثقافية, أو «دمار العالم» كما قال كورتيوس, ليس سوى إلغاء للحدود الثابتة والتراتبية التي تعيق توسّع «السوق الثقافية» والتي عَمِلَ جويس إزاءها كمُدَمِّرٍ جذريٍّ حقيقيّ. أمّا التساوق المتكامل بين الثقافة والمجتمع, بين الخيارات القيمية والحياة اليومية, فهذه قصة خمسينيات القرن العشرين. ولكن هل من السخف حقّاً أن نفكّر في أنَّ الرأسمالية المعاصرة هي أيضاً محاكاة ساخرة لماضيها الليبرالي؟
 الهوامـــش
j يستخدم الكاتب هنا التقنيات الطباعية – الكتابة بحرف كبير C أو صغير c- في تقديم المعنى، حيث يقصد أنَّ النقد الأدبي قد حوّل انتباهه عن الأزمة البنيوية الجوهرية والعميقة إلى الأزمة العارضة التي يمكن أن تتمثّل في حدث عابر كالحرب.
jj لـجيمس جويس، وفرانز كافكا، وتوماس مان، و ت. س. إليوت، و روبرت موزيل على التوالي.
1- يقول كارل بولاني, في كتابه أصول عصرنا: التحول العظيم, لندن 1945, ص 30- 31: «يقتصر أمر الصراع في الأعوام 1914- 1918 على أنه عجّل وفاقم أزمةً لم يخلقها. لكن جذور المعضلة لم يكن من الممكن تبيّنها في ذلك الوقت؛ كما بدت ضروب الرعب والدمار في الحرب العالمية الأولى للناجين على أنها المصدر الواضح لتلك العقبات التي تقف في وجه التنظيم الدولي الذي انبثق على نحوٍ غير متوقّع. فجأةً توقّف نظام العالم الاقتصادي والسياسي عن العمل وبدا أن الأذيات الرهيبة التي أنزلتها الحرب العالمية الأولى بجوهر الجنس البشري توفّر نوعاً من التفسير. والواقع أنّ عقبات ما بعد الحرب التي وقفت بوجه السلام والاستقرار كانت مستمدة من المصادر ذاتها التي انبثقت منها الحرب العالمية الأولى».
2- ألبرتو آسور روزا, Cultura e società di massa» «, في Quaderni storici, 20, 1972.
3- ستيفن هيث, «تجاذبات», Tel Quel, 50, 1972.
4- أمبرتو إيكو, le poetich di Joyce, الطبعة الثانية, تورين, 1966, ص 91- 92.
5- لوشيو كوليتي وكلوديو نابوليوني, Il futuro del capitalismo: crollo o sviluppo , باريس- روما 1970, ص 153- 154 (وقد نشرت ترجمة إنجليزية مجزوءة لمقالة كوليتي بعنوان «نظرية انهيار الرأسمالية», في الكتاب الذي حرره تيد هوندريش بعنوان غايات اجتماعية ووسائل سياسية, لندن, 1976).
6- كارل ماركس, نظريات فضل القيمة, نيويورك 1952, ص388.
7- كارل ماركس, رأس المال, 1, لندن 1957, ص 45. من الضروري عند هذا الحدّ أن نشير إلى أوليس, وإلى الفصل المعنون «سيرسه» على وجه التحديد. فهنا يترجم جويس «عالم الدين الملفع بالضباب» (حيث يُعرف هذا الفصل أيضاً بـ«Walpurgisnacht» أو «ليلة والبورغ») إلى واقع المتروبول اليومي. فجأةً, تبرز السلع على أنها الآلهة الحديثة: الأشياء تفلت من سيطرة البشر وتبدأ بالحركة, والغناء, والكلام. وبالمقابل, يقع البشر فريسة تحولات متواصلة تسيطر عليهم وتخنقهم لدرجة أنهم يفقدون كلّ هوية في أرجوحة الاغتراب هذه, والتي هي دليل على زعزعة الأدوار الاجتماعية والنفسية وعدم استقرارها.
8- إ. ج. هوبسباوم, الصناعة والإمبراطورية, هارموندزورث 1971, ص 130- 131, 151. وانظر أيضاً, موريس دوب, دراسات في تطور الرأسمالية, لندن 1946, ص 313- 314.
9- انظر رودلف هلفردنغ, رأس المال المالي: دراسة في آخر أطوار التطور الرأسمالي (لندن 1981, ص 408, الهامش 8): «لا يمكن أن يكون ثمة شكّ في أنّ مجرى التطور المختلف الذي اتخذه النظام المصرفي في إنجلترا, والذي لم يعطِ المصارف في مجال الصناعة سوى قدر بالغ الضآلة من النفوذ, هو أحد أسباب تلك الصعوبة البالغة التي واجهتها الكَرْتَلة في إنجلترا… وتعود التحسينات في تنظيم الصناعة الإنجليزية, خاصةً نمو التجمعات في السنوات الأخيرة, إلى المنافسة الأميركية والألمانية. فالصناعة الإنجليزية كان قد عرقلها ذلك الاحتكار الذي مارسته على السوق العالمية…» (التشديد لي).
10- ستيورات. ج. وولف «Le trasformazioni del mondo europeo 1880-1910», في Quaderni Storici، 20, 1972.
11- أليك ويست, أزمة ونقد ومقالات أدبية مختارة, لندن 1975, ص 120- 121.
-12 أوليس, هارموندزورث 1968, ص567. جميع المقبوسات هي من هذه الطبعة.
13 – نصوص ميرسكي وراديك مُضَمَّنَة في الأنطولوجيا المعَنْوَنَة جيمس جويس: الإرث النقدي, المجلد 2 (1928- 1941), تحرير روبرت هـ. ديمنغ, لندن 1970, ص 592, 625.
14- نجد أفضل تحليل لدلالة هذه الظاهرة الإجمالية في مقالة بيري أندرسون «مكونات الثقافة القومية», New Left Review, 50, 1968. أما بشأن الجانب الأدبي لهذه المسألة – وهو الجانب الأبرز- فانظر كريستوفر كودويل, رومانس وواقعية: دراسة في الأدب البرجوازي الإنجليزي, برينستون 1970, وتيري إيغلتون, منفيون ومهاجرون, لندن 1970. غير أنه من الجدير بالملاحظة, أيضاً, أنَّ وظيفة المهاجرين التوجيهية تبرز حتى في المجال الاقتصادي (الميدان السياسي, «المغلق» تقليدياً, يبقى خارج نطاق هذه الظاهرة وبحفاظه على هذه الحصانة, يدفع ثمن الإقليمية). انظر أيضاً هوبسباوم, الصناعة والإمبراطورية, ص 169. «كان وَسَن الاقتصاد واضحاً أصلاً في المجتمع البريطاني منذ العقد الأخير السابق على عام 1914. وغالباً ما كان المقاولون الديناميون النادرون في بريطانيا الإدواردية من الأجانب أو الأقليات (وأهمهم رجال المال الألمان-اليهود الذين وفّروا الحجّة لكثير من العداء للسامية الذي انتشر في تلك الفترة, والأميركيون الذين حظوا بأهمية في الصناعات الكهربائية, والألمان في الكيماويات, والكويكرز والمنشقون الإقليميون الذين ازدهروا حديثاً مثل ليفر، الذي استغلَّ ما وفّرته الإمبراطورية المدارية من موارد جديدة)».
15- الاختيار الذي يُمَارَس في أوليس, ألا وهو اختزال زمن الرواية إلى يوم واحد, هو اختيار جذري حقّاً. فجويس, بفعله هذا, يقول لنا إنَّ الأيام جميعاً متماثلة: وهذا ما يدمّر – على نحوٍ يثير هلع لوكاش- «المنظور» التاريخي والأدبي (الذي هو واحد من السمات البنيوية الأساسية في الرواية كجنس), ومعه فكرة «التقدم» التاريخي. غير أن هذا الاختيار لم يكن ممكناً إلا لمن كان مستغرقاً أشدّ الاستغراق في خصوصية الأزمة الإنجليزية كما توضحها ظواهر إعادة التنظيم اللافتة الجارية في غير مكان. والمقارنة بين جويس وكافكا هي مقارنة كاشفة هنا, ويمكن أن تساعدنا, إذا ما أجريت على نحوٍ منهجي, على فهم كثيرٍ من أوجه الصلة بين الأدب والإيديولوجيا والمجتمع في القرن العشرين.
   فبشأن المشكلة المطروحة – «الزمن» في الرواية– يمكن أن نضع كافكا بصورة مبرّرة عند القطب المقابل لجويس: فرواياته تتطور بصورة تكاد تكون حصرية على المحور التعاقبي ويتمثّل لبابها بصراع لا سبيل إلى علاجه (وهذا ما لا يمكن أن يخطر على بال عند جويس) بين فرد معزول وأجهزة سلطوية متجردة عمّا هو شخصيّ تنتمي أصلاً إلى عالم رأسمالية القرن العشرين (ثالوث البنك – البلاط – الكنيسة, الذي يتوحّد في النهاية في القصر). ولا حاجة للقول أن النتيجة التي تسفر عنها حبكات كافكا التعاقبية تدمّر أيضاً جميع «المنظورات» التي يمكن أن تنطوي على مواساة أو عزاء.
16- أعتقد أنه من الثانوي, في الأرض اليباب, أنَّ الأسطورة تعجز عن إنجاز هذه الوظيفة إنجازاً كاملاً وتشارك التاريخ في النهاية عقمه الفوضوي: فالمهم هو أنّ القصيدة تُعلي على المسرح توتراً متواصلاً بين هذين القطبين, وتضاداً يتكرر الإفصاح عنه, بحيث يُسْتَدْعَى الدين – الذي يختم الأرض اليباب ويبشر بسنوات إليوت القادمة – لكي يحلّ المشكلات ذاتها التي واجهت الأسطورة: فهو حقاً ضَرْبٌ من السوبر-أسطورة.
17 – كونها أسطورة عن ملك هو أمرٌ بمثل أهمية كونها أسطورة: فذلك يشير إلى أن المجتمع لا يمكن أن يعيد توليد ذاته إلا بدءاً من القمة: وهو يمثّل شهادةً على مشكلة وعي هذه القمة, وبذلك يؤكد على الوظيفة الأساسية التي تؤدّيها ثقافة مسيطرة ويؤدّيها الأدب كمثال على القدرة الشكلية والتنظيمية: وبهذا, يعود المرء على وجه الدقّة إلى الوظيفة الخاصة والنوعية التي تؤدّيها الأسطورة.
? – نسبةً إلى روبنسون كروزو.
 18 – ماكس هوركهايمر وتيودور أدورنو, ديالكتيك التنوير, لندن 1973, ص43- 44, 46- 61 (التشديد لي). لا شكّ أن تأويل هوركهايمر وأدورنو لهوميروس هو موضع تساؤل, لكن ما أُعنى به هنا ليس معنى الأوديسة التاريخي الحقيقي, بل الدور الذي لعبته القصيدة في تشكيل الخيال الغربي. (واعتقادي أنّ ديالكتيك التنوير يقدّم صورة صادقة على هذا الصعيد).
19- Science& Sociology, المجلد 28, العدد 1, شتاء 1964.
20- إرنست كاسيرر, اللغة والأسطورة, نيويورك 1946, ص 33, 32 (التشديد لي).
21 – أمبرتو إيكو, Le Poetich di Joyce, ص 78 (التشديد لي).
– ادوار دوجاردان  كاتب فرنسي من مطوري  تيّار الوعي.
–  جول لافورغ، شاعر رمزي فرنسي كان أحد الموارد التي استقى منها إليوت الشكل الذي راح يكتب به.
22 – هنا أيضاً تقف تقنية كافكا السردية على طرفي نقيض من تقنية جويس. ففي روايات كافكا, نجد دماراً جذرياً بالمثل لحرية الفرد ووحدته، إلاّ أنّه ينبع من أسباب مختلفة تماماً. فالسبب لم يعد كامناً «داخل» الفرد وعجزه عن السيطرة العقلانية على رغباته وتداعياته الفكرية, بل يكمن «خارجه», في استسلامه المحتوم لسلطة عملية وإيديولوجية تُنْكر عليه أي لجوء إلى أدلّة «ملموسة». ولذلك, فإن تقنية كافكا السردية لا تعبّر عن «خلط» أو«تشوّش», بل عن عقلانية صارمة ومجردة.
23 – باران وسويزي, ص 24.
24 – كاسيرر, ص 24.
–  يميّز ماكس فيبر بين الـ (innerweltliche askesis) والـ (askesis ausserweltliche)، أو بين التقشّف داخل العالم والتقشّف خارج العالم، ويرى أن هذا التمييز يمدّ بجذوره في الإصلاح البروتستانتي ثم اكتسى طابعه العلماني لاحقاً، بحيث بات من الممكن استخدامه لكلٍّ من التقشّف الديني والعلماني.
25 – غالفانو ديلا فولب, نقد الذائقة, لندن 1978, ص 240.
 –  نسبةً إلى  توما الأكويني.
26 – إرنست. ر. كورتيوس, «تطور جيمس جويس التقني والموضوعاتي», في الكتاب الذي حررّه ديمنغ, ص 469.
27 – هذا الاقتباس المأخوذ من يوميات موزيل, يرد في تقديم سيزار كاسيس لكتاب L, uomo senza qualità, تورينو 1972, ص xix-xviii.
28- يمكن إيجاز الفارق بين شعرية «الانحلال» وأوليس في الصيغة التالية: في الأولى دالٌ واحد ينتج مدلولات كثيرة, أما لدى جويس فمدلول واحد ينتج دوال كثيرة. وهذا القَلْب يحلّ الدور الخالق الذي يلعبه المؤلِّف, الذي يوضع على مستوى واحد مع جميع المؤلِّفين الآخرين المحتملين.
 –  جيرتي مكدويل في الفصل الثالث عشر، «نوزيكا»، من أوليس.
29 – ولذلك, فإن أوليس ليست عملاً «حافلاً بالإمكانيات» و«مفتوحاً» تالياً, كما يرى إيكو: ففكرة «الإمكانية» التي تنقلها فقدت كل ملموسية وموضوعية (كما رأى لوكاش بوضوح بالغ في كتابه معنى الواقعية المعاصرة) وغدت وهماً ذاتياً وشكلياً محضاً. وبعبارة أخرى, فإنَّ كلَّ شيء ممكن في أوليس لأنَّ كلَّ شيء سواء وسيّان.

فرانكو موريتي 
 ترجمة: ثائر ديب
  كاتب ومترجم من سورية

شاهد أيضاً

إدواردو أنطونيو بارّا «الــبــئــــــــر»

الى ماريا إيلينا أيالا،  أرملة كابالييرو، التي حدثتني عن البئر.  إذن، أنتَ هكذا تخاف من …