أخبار عاجلة

اليهود والموسيقى

قبل مدة قصيرة أثيرت في "المجلة الموسيقية الجديدة " (1) قضية "الذوق الفني اليهودي"، وسرعان _ نشبت الخلافات بهذا الصدد. فقد أسفر الدفاع عن الذوق الفني اليهودي والتشكيك به عن نقاش ساخن. ويبدو لي شخصيا أنه ينبغي الا نتباه  في هذا النقاش وبالدرجة الأولى الى مسألة مبدئية هامة يؤسفنا أنها قوبلت حتى الآن إما بصمت من جانب النقد أو نوقشت بحرارة وانفعال مغرط.على أن مهمته النقد في هذه الحالة كان يمكن أن تكون نبيلة على نحو خاص، لأنه دون الانحطاط الى مناقشة ما اختلقه النقد نفسه، ودون الاساءة بذلك الى جوهره بالذات، كان على النقد أن يكتفي بالتعامل سر الوقائع الأكيدة والظاهرة بوضوح.

وبين الوقائع العالية القيمة التي تهمنا في هذه القضية هناك قبل كل شيء النفور الداخلي العميق من كل ما هو يهودي، وهو نفور نعرفه جميعنا، ويميز الشعب بأسره، ويظهر جليا على الدوام.

إننا نرغب هنا في تفسير هذا النفور العميق من جانب الشعب إزاء اليهود وحدهم في الفن، وفي الموسيقى حصرا. ومنفض الطرف عن مجالي الدين والسياسة. فاليهود، من الناحية الدينية أعداء الداء منذ القدم، بل وغير جديرين حتى بالكره.. أما في السياسة الصرفة فإننا وإن كنا لا نتصادم معهم مستعدون دائما لتمكينهم من إقامة مملكة جديدة في القدس. ويبقى لنا أن نعرب عن شديد أسفنا لكون الدوق روتشيلد رفض بحذق كبير شرف أن يكون ملكا لليهود، وفضل أن يصبح "يهودي الملوك ".

ولكن حين غدت السياسة عندنا ملكا للمجتمع خيل للمثاليين أن وضع اليهود القانوني المميز يستدر العدالة الانسانية. وأيد هذه النظرة بالذات ما مهر لدينا أنفسنا من طموح الى التحرر الاجتماعي. وهنا تحديدا ينبغي علينا أن نبحث عن أصل كفاحنا في سبيل تحرير اليهود، إذ ظللنا في هذا السياق نكافح على الدوام في سبيل مبدأ مجرد، في سبيل فكرة وليس في سبيل تحرير اليهود كشيء ملموس، ويعود سبب ذلك الى أن ليبراليتنا برمتها لم تتكشف إلا عن لعبة عقل قصير النظر، لأننا شرعنا بتحرير شعب لا نعرفه، وبطبيعة الحال نتحاشى أي علاقة معه. وعلى النحو نفسه تماما فإن حماستنا في الذود عن مساواة اليهود لم تكن تنبع إلا من صبوتنا المثالية العامة، وليس من الشعور بالعطف على اليهود إطلاقا. ومهما قيل من كلام حميد عن عدالة ضرورة مساواة اليهود فإننا بعد احتكاكنا المباشر بهم، لم نتخلص من الشعور إزاءهم بأصدق أنواع النفور.

وفي هذا النفور الغريزي من اليهود نصطدم بمسألة لابد من توضيحها نظرا لأبد يتعين عليها أن تفضي بنا الى هدفنا.

ولا مناص من الاشارة الى أن الانطباع السلبي المنفر الذي يخلفه اليهود فينا يفوق بطبيعته وعمق قوته سعينا الواعي للتخلص من هذا المزاج غير الانساني النزعة. ولا نفعل الا أن نخدع أنفسنا. وبوعي كامل في هذا الحالة، عندما نستسلم لسورة شهامة، وعبثا نود أن نقنع أنفسنا والآخرين بأن ذلك  الشعور الطبيعي الذي يستدعيه اليهود فينا يجب أن يتميز بقدر خاص من الانسانية والأخلاق.

ويبدو أننا شرعنا نصل في المدة الأخيرة الى اقتناع عاقل بأن الأحري بنا هو أن نحرر أنفسنا من ضغط هذا الخداع الذاتي، وأن نتفحص بروية كاملة موضوع «عطفنا» القسري.

فعندما سنقوم متعقلين، خلافا لضلالاتنا العاطفية بتكوين مفهوم يحدد كيف يجب أن تكون مواقفنا من اليهود وكيف هي الآن، سوف نستغرب إذ نرى أننا أبان كفاحنا من أجل منحهم المساواة كنا معلقين في الهواء على نحو يثير الشفقة، وكنا نقاتل الغيوم ببسالة.

أما المجال الرائع البعيد عن مثاليينا المتهودين، مجال الواقع الفعلي فقد استلفت أنظار أولئك الذين كانت تسليهم قفزاتنا الهوائية الضحكة، ولكنها لم تكن تسليهم بالقدر الذي يمنعهم من التخلي لنا ولو عن جزء منه مكافأة لنا على بهلوانيتنا المثالية.

على هذا النحو تماما، وكما لو بشكل عرض كامل، أصبح "دائن المشوك " ملك الدائنين، ولا تبدو وساطات هذا الملك لتحقيق المساواة لليهود إلا جهودا ساذجة في نظرنا، مادام الأمر الأكثر إنصافا وإلحاحا الآن هو أن علينا نحن أن نطالب بمساواتنا مع اليهود.

وتشهد وقائع العالم اليوم على أن اليهود أكثر عن ستساوين في الحقوق، إنهم يسيطرون وسيستمرون في السيطرة مادام  للمال قوة تعجز إزاءها جميع طموحاتنا وأفعالنا.

ولا يتطلب توضيحا كون بني اسرائيل قد توفروا على هذه القوة القاهرة نتيجة  الويلات التاريخية والفظاظة الوحشية التي ميزت الحكام المسيحيين، الجرمانيين(2) وبخصوص تأثير اليهود على الفنون الجميلة تجدر الاشارة قبل كل شيء الى أن الفن المعاصر بلغ في تطويره درجة من الكمال جعلت مواصلة تطويره متعذرة الا بعد ارساء أسس جديدة له.

وقد استغل اليهود هذا الظرف من أجل تزعم النقد الفني وأخذ زمام الفن بأيديهم فلنتوقف عند هذه النقطة بمزيد من الاهتمام.

إن كل ما حصل عليه أقوياء وأغنياء ورما والعصور الوسطى من جهد قدمه لهم الانسان المستعبد الذي كأن يكابد أنواع العوز والويلات، كل ذلك حوله اليهود في أيامنا الى أموال. حقا، فمن يستطيع أن يرى على الأوراق دلالية البادية البراءة أبها مجبولة بدعاء تمدد لا يحصى من المبيد.

وكل ما حققه أبطال الفن بجهود لا حمو لها التهمت طاقتهم بل وحياتهم نفسها خلال صراعهم ضد قوى الظلام المعادية للفن على امتداد ألفي سنة بائسة، كل ذلك تحول في أيدي اليهود الى موضوع اتجار بالأعمال الفنية. فمن سيرى في ملامح تناغم الأعمال الفنية انها وليدة جهود شاقة ومقدسة بدلتها العبقريات على امتداد ألفين من السنين، أما كون الفن الجديد كله قد اتخذ سمة يهودية فمسألة شديدة الوضوع للعيان، جلية للشعور بحيث لا تتطلب برهانا. بذا فنحن في غنى عن الذهاب بعيدا، ولا حاجة بنا لملتصق في تاريخ الفن طلبا للبرهان على واقعة بينة.

يكفينا أننا توقفنا حيري أمام حتمية ضرورة تحرير الفن من تأثير اليهود الطاغي. إننا بحاجة الى قوة لن نجدها إذا ما توقفنا عند دراسة الظاهرة نفسها والاكتفاء بتعريفها نظرا. ولبلوغ هذه الغاية خير لنا أن نستطلع مزاجنا ومشاعرنا العفوية. إن المسبب الحقيقي لغفورنا من اليهود منجده في ذلك الشعور العتيد الذي ينفرنا منهم، وقد آن لنا أن نعترف، به صراحة. إذ ان نعرف، أخيرا، ضد من سنناضل.فقبل ذلك لمن يكون بوسعنا أن نمني أنفسنا بأننا سنحرر الميدان من العفريت المعادي لنا. المرابط تحت ستار ظلمة أمينة كتيمة قمنا. نحن الانسان الطيبين : بالقائها عليه لنخفف من بشاعة مظهره.

إن اليهودي الذي له وب واحد، وهو رب له وحده، يتبدى لابصارنا في الحياة اليومية بمظهره الخارجي قبل كل شيء. وهذا المظهر المميز سمة ,لا تنفصل عن اليهودي أيا كان الشعب الأوروبي الذي يعيش بين ظهرانيه، وعلى يمثل ملامح غريبة وكريهة في نظر جميع الأوروبيين إننا تلقائيا لا نرغب في أن يثرن ثمة شيء مشترك بيننا وبين من له هذا المظهر الذي كأن يجب أدن يعد حتي اليوم  مصيبة بالنسبة لليهود. إلا أننا نراهم اليوم،سعداء بهذه المصيبة. وتدل نجاحات اليهود على أن صفاتهم الفارقة تلك كما لو أنها ميزات.

ويصرف النظر عن ذلك التأثير الاخلاقي الذي تمارسه علينا الطبيعة بلعبة كريهة بحد ذاتها، يجب علينا أن نلفت الانتباه  في هذا القضية الى ذلك المظهر الخارجي اليهودي الذي لا يمكن أبدا أن يكون موضوعا للفن التشكيلي الصرف. وحين، يرغبون في الفن برسم شخصية اليهودي نجدهم يستقون الصور فن عالم الخيال، وبحكمة يخلعون تليها النبل أو يجردونها تماما من كل يميز المظهر اليهودي في الحياة العادية.

لن يتصدر اليهودي خشبة المسرح أبدا. وما الاستثناءات بعددها وسماتها إلا إثبات للقاعدة.

فنحن لا نستطيع أن نتصور يهوديا يمثل دور شخصية أغريقية أو معاصرة في مشهد درامي، وإلا بلغت المفارقة حد الاضحاك الى العرض (3). وهذا فائق الأهمية  إذ أن الانسان الذي لا نعد مظهره صالحا لايصال الجميل، يفرض علينا أن نعدد بشكر عام غير صالح لأن نجسد جوهره فنيا.

غير أن معالجة قضية تأثير اليهود على الموسيقى تتقلب الالتفات أساسا الى لغة اليهود، والى الانطباع الذي يخلفه لدينا الكلام اليهودي.

إن اليهود يتكلمون لغة الأمة التي يعيشون بين أبنائها، ولكنهم يتكلمونها كأجانب.

ونحن لا ننوي الانشغال بدراسة هذه الظاهرة، ولكننا لا نستطيع الا نلقي بمسؤولية ذلك على الحضارة المسيحية انتي فرضت على اليهود عزلة قسرية، مثلما لا فتهم اليهود بعواقب الظاهرة نفسها، ليس علينا إلا أن نضيء الصفة الجمالية لهذه الظاهرة ونجلوها.

ولابد قبل كل شي ء أن ن خذ بعين الاعتبار كون اليهودي الذي تعلم الكلام بجميع. اللغات الأوروبية، ولكنه لم يتقنها كلغات أم، ظل محروما نهائيا من أي قدرة على التعبير بتلك اللغات بكامل الاستقلالية والخصوصية الفردية. فاللغة ليست مسألة فرد واحد، بل هي نتاج جماعة تاريخية، ولا يستطيع المساهمة في ابداع تلك الجماعة إلا من نشأ وترعرع فيها. واليهود يقفون منبوذين خار- الجماعة التاريخية لتلك الشعوب ائتي يعيشون وسطها. إنهم وحيدون بديانتهم القومية، وحيدون كقبيلة معدومة الأرضية منعها القدر من التطور داخل نفسها الى حد أنه حتى لفقها الخاصة لم تصل الينا إلا كلغة مميتة.

والى اليوم كان الابداع بلغة غريبة متعذرا حتى على العباقرة العظام. لذا ظلت الحضارة اليهودية وفنها غريبين بالنسبة لليهود، فلم يقوموا بأي مساهمة في تشكيلهما وتطويرهما. بل كانوا محرومين من الوطن يكتفون بالنظر اليه من بعيد. ليس اليهودي قادرا الا على التكرار والمحاكاة بلغتنا وفننا، ولكنه عاجز عن ابداع أعمال بديعة، عاجز عن الخلق.

ونستطيع أن نقدر كم اليهود غرباء بالنسبة لنا انطلاقا من كون لغتهم نفسها كريهة علينا. إن خصوصيات الكلام السامي، ولا سيما عناد طبيعته، لم تمح حتى بتأثير الفي سنة من الاختلاط الثقافي بين اليهود والشعوب الأوروبية.

ان نطق الاصوات بحد ذاته غريب علينا وشديد الاثقال على أسماعنا وكريهة علينا كذلك بنية التعابير غير المألوفة التي تضفر على الكلام اليهودي طابع ثرثرة بالغة التشابك، الأمر الذي يجب أخذه بعين الاعتبار قبل كل شيء، لانه _ كما سيتبين لاحقا – يفسر الانطباع الذي تخلقه لدمنا أحدث المؤلفات الموسيقية اليهودية.

انصتوا الى كلام اليهودي يذهلكم فيه على نحو كريه افتقاره الى أي شيء أنساني، انه نوع من الهذر المبارد المليء باللامبالاة. وليس فيه ما يسمو الى حد القلق الرفيع والشبوب الذي يشعل القلب.

وإذا ما أكثرنا من توجيه كلامنا الحار الى يهودي أثناء الحديث معه، فإنه سيتحاشانا دائما تحاشيه عدواء لأنه لن يجد في نفسه ردا بذلك القدر من الحرارة.

وحين يتجاذب اليهودي أطرافا الحديث معنا لا يغضب أبدا، اللهم إلا إذا مس الأمر مصالحه الشخصية، لذا فإن قلقه ليس إلا أنانية ضيقة تعبر عن نفسها في شكل قبيح من الكلام اليهودي وأنانية مضحكة وقادرة على إيقاظ أي شعور إلا شعور العطف على المتكلم.

وينتضي الانصاف أن نفترض أن اليهود في أمورهم اليهودية المحضة وفي الحياة العائلية يعربون حتما عن مشاعر انسانية غيرية، إلا أننا لا نستطيع أخذ ذلك بعين الاعتبار، نظرا لأننا مضطرون لأن نستمع الى اليهود الذين يخاطبوننا نحن بالذات في الحياة والفن.

إن خصائص الكلام اليهودي المشار اليها أعلاه، تجعل اليهودي _ كما نرى – عاجزا عن التعبير بالقول الفني عن أفكاره ومشاعره. وينعكس عجزه هذا على نحو صارخ حين يتطلب الموقف التعبير عن انفعال رفيع… إننا نتكلم عن الغناء فالغناء كلام انفعالي الى درجة التوهج، والموسيقى هي لغة التوهج ويوسع اليهودي أن يبلغ نوعا معينا من الترهج المضحك في تأثيره، وليس التوهج الرائع الحميم، وعندئذ لا يطاق إجمالا، بصوف النظر عن الغناء. إن كل ما في مظهر اليهودي وكلامه من صفات تعافها أنفسنا الى أقصى حد، يؤثر علينا في غناء اليهودي تأثيرا منفرا تماما. اللهم إلا عندما نتوقف لدقيقة نحنا الجوانب المضحكة في الظاهرة.

لذلك فبديهي أن يكون عجز اليهودي الطبيعي عن مكابدة الالهام محسوسا بقوة قسوى في الغناء بوصفه التعبير الأكثر حياة وصدقا عن حالات الروح.

ولعله ينبغي الافتراض بأن اليهود ة قادرون أيضا على تعاطي الفنون الأخرى، إن لم يكونوا قادرين على الغناء:

إلا أن موهبة التأمل العاقلة لم تكن يوما كبيرة لدى اليهود بالقدر الذي يجعل بيئتهم تتكشف عن فنانين عظماء. ومنذ أقدم العصور كان اهتمامهم موجها دائما الى أمور ذات مضمون عملي أكثر ملموسية من الجمال والمضمون الروحي لظواهر العالم الواقعي غير المادية.

إننا لا نعرف حتى الآن معماريا يهوديا واحدا أو نحاتا يهوديا..

ونترك لأهل الخبرة والاختصاص أن يحكموا على ما يصنعه المر سام اليهودي في مجال الرسم. ولكن يبدو أن الرسامين اليهود يحتلون في الفن الابداعي نفس المكانة التي يحتلها أحدث الموسيقيين اليهود في الموسيقى.

وأيا كانت الغرابة فلابد من الاقرار بأن اليهود المميزين بانعدام الموهبة تماما في مجال التعبير عن كيانهم، سواء في الكلام أو الغناء، قد هيمنوا على الذوق الاجتماعي وعلى قيادته في الموسيقى أكثر أنواع الفن الحديث انتشارا.

فلنتفحص إذن، قبل كل شيء، كيف أتيح لليهودي أن لقد حدث في تاريخ تطورنا الاجتماعي منعطف أدى الى اعتراف شامل برفع المال الى مرتبة المبدأ الرائد. ومذ ذاك فإن اليهود الذين كانت ممارسة الربا مهنة وحيدة لديهم تضمن لهم أرباحا هائلة دون بذل جهد مكافيء منحوا حق أن يكونوا الأوائل في مجتمع على ذلك المقدر من الجشع الى المال، سيما وأن اليهود أنفسهم جاءوا بهذا الحق معهم.

لقد تبين أن التعليم المعاصر، المتيسر للطبقات الغنية وحدها متاح لليهود بالدرجة الأول، وبذلك تحول التعليم على نحو مهين الى موضوع للترف.

ومنذ تلك اللحظة تنفتح أبواب حياتنا الاجتماعية أمام اليهودي المتعلم، ويتعين علينا أن نأخذا بعين الاعتباي خلافا لليهودي غير المتعلم. وقد بذل اليهودي المتعلم جهودا خارقة للتخلص من الملامح البارزة التي يتصف بها أبناء لجلدته. بل كان في كثير من الحالات يقر بأن من الحكمة اعتناق المسيحية لغاية واحدة هي التخلص من آثار أصله برمتها. غير أن هذا المسعى لم يعطه أبدا امكانية كاملة للوصول الى النتائج المرجوة. ولم يكن يؤدي به إلا الى البقاء في عزلة تامة جعلته إنسانا عديم القلب، الأمر الذي كان يرغم على التخلي حتى عن تعاطفنا السابق مع المصير المأساوي لقومه. وعوضا عن العلاقة التي تعمد قطعها مع أبناء قومه لم يستطع اليهودي كسب علاقة أخرى أكثر رفعة مع المجتمع الذي كان ينريد الارتقاء بنفسه الى مستواه. إذ حتى اليهودي المتعلم ك فت علاقته تنحصر بمن هو محتاج الى ماله إلا أن لم يكن يوما بقدر تماما على أن يقيم بين الناس علاقة ناجحة. لذلك يكون اليهودي غريبا ولا مباليا في مجتمع عصي على فهمه أبدا. فهو لا يشعر بأي تعاطف مع فيول ذلك المجتمع وتطلعا ته، ولا يعنيه تاريخه وتطوره، وقد رأينا المفكرين اليهود في هذا الوضع بالضبط، إذ , المفكر اليهودي شاعر ينظر الى الوراء، في حين أن الشاعر الحقيقي نبي يقرأ المستقبل. غير أن هذا الابداع التنبؤي متعذر إلا بوجود أعمق أنواع التعاطف المفعم بالصدق التعاطف مع قوة الجماعة، القوة العظيمة التي يحس بها الشاعرون وعي. ولا كان اليهودي منبوذا من هذه الجماعة الطبيعية بسبب أصله، ومنقطعا عن العيش مرقوسه، فإنه مهما كأن ذكيا، لا يستطيع إلا أن ينظر الى ثقافته بوصفها مجرد ترفء لأنه في نهاية المطاف لا يعرف ماذا يفعل بها، وقد أصبحت الفنون الجميلة جزءا من هذا التعليم العالي، ولاسيما الموسيقى التي من السهل تعلمها دائما خلافا للفنون الأخرى.

فالموسيقي وحتى الموسيقى المنفصلة عن الفنون الأخرى بلغت أسمى درجات القدرة التعبيرية بفضل جهود أعظم العباقرة. ولكنها بالمقارنة مع تلك الفنون، ليست قادرة على التعبير أحيانا إلا عما هو تافه ومبتذل.

إن ما أراد اليهودي المتعلم. المطلع على الفن أن يعبر عنه ي محاولاته لخلق أعمال فنية، كان من المتعذر أن يكون إلا تافها ومبتذلا، لأن الفن نفسه كان بالنسبة له مجرد هادة للترف.

ثم إن المزاج الذي يلهم اليهودي في فنه مزاج يقه خارج الفن، إذ أن اليهودي لا مبال بمضمون الأعمال الفنية ولم يمد يعنيه شيء إلا الشكل.

فاليهودي لا يهمه ماذا يقول في العمل المفني، وتبقى لديه قضية هي كيف يقول، وهذه القضية في رأيه. هي الوحيدة الجديرة باهتمامه.

إلا أنه ما من فن غير الموسيقى يفتح هذا الفضاء الواسع للابداع خارج صور محددة ويكون بذلك عديم المضمون تماما.

لقد عبر عظماء العباقرة بفنهم عن كل ما كان بالامكان التعبير عنه في الموسيقى، بوصفها فنا منعزلا، واستنفدوه.

لم يبق بعدهم إلا التقليد. ولمكن يمكن أن يكون التقليد ن جحد وصائبا كما تفعل الببغاوات في تقليدها كلام البشر. إلا أن التقليد في الفن عاجز عن التعبير وعديم الحس، شأنه شأن تقليد تلك الطيور التهريجية.

ذلك ما يمكن أن يقال بخصوص التقليد، وبما هو جدير بالقرود من محاكاة لأساليب الابداع الموسيقي عل أيدي يهودنا "صناع الموسيقى" الذين لم يقدموا للموسيقى إلا لكنتهم الخاصة، هذا إذا كأنوا قد قدموا أي شيء مميز.

هذه اللكنة اليهودية صفة لهم جميعا لا تنسحب فقط على بسطاء اليهود الذين ظلوا أوفياء لقومهم، بل تسعي جاهدة للبقاء أيضا عند اليهودي المتعلم، أيا كانت محاولته للخلاص منها.

تلك هي قسمة اليهودي المتعلم البائسة، وقد تكونت أيضا بفعل خصوصيات وضعه الاجتماعي نفسها.

وأيا كانت المهدمات خيالنا الابداعي عفوية ومجردة فإنها تظل أبدا ذات صلة بالأرض الطبيعية ويروح الشعب الذى تنتمي اليه تلك الالمهامات على الدوام.

إن الشاعر الحقيقي أيا كان نوع الفن الذي يبدع فيه، يجد دائما محرضات وبواعث فنية لابداعه في حياة شعبه الطبيعية التي يلاحظها ويدرسها بكامل المحب. فأين لليهودي استعلم أن يجد هذا الشعب ؟ إيستعيض عنه بمجتمع يلعب هو فيه دور مبدع للأعمال الفنية : حتى ولو افترضنا أن للفنان اليهودي أي نوع من الصلات مع هذا المجتمع، فإن ذلك ليس صلة بالمشعب، بل هو فرع منه بعيد عن الجذع المعافى، ولكن هذه الصلة خالية من الحب خلوا يتجلى لليهودي بألم إذا ما دقق النظر في هذا المجتمع، وعندئذ ليس المجتمع بالذات هو وحده الذي يصبح بالنسبة له غريبا وغامضا، بل وسيواجهه المجتمع هنا بنفور لا إرادي مهين في جلائه، فيدرك عندئذ أن جميع حسابات الفئات الأغنى في المجتمع وإمكانياتها عاجزة عن تدمير هذا النفور أو إضعافه، ولما كان مصدودا صدا جارحا للغاية عن مشاركة الشعب حياته، وعاجزا في جميع الأحوال عن فهم روح هذا الشعب، يرى اليهودي المتعلم نفسه من جديد مشدودا الى جذور قومه حيث ما من شك في وجود قدر أكبر من التفاهم على الأقل. ويكون عليه، شاء أم أبى ,أن يمتح من هذا النبع، غير أن النبع قد نضب، لأن حياة شعبه فقدت مضمونها التاريخي. إن اليهود الذين لم يكن لديهم فنهم لم يكن لديهم كذلك حياة ذات مضمون فني أبدا. لذلك لم يكن حتى الفنان الثاقب النظر بقادر على أن يستخلص من تلك الحياة إلا شكلا للأعمال الفنية. وليس أمام الموسيقار اليهودي , إلا أن يتعبد يهوه خاشعا، بوصفه التعبير الموسيقي الوحيد عن شعبه. إن الصومعة هي المصدر الوحيد الذي يستطيع اليهودي أن يستقي منه مواضيع شعبية يفهمها فإذا ما رغبنا بأن نتصور هذه العبادة الموسيقية فائقة النبل والسمو في صفائها الأول، كان أحرى بنا أن نعي أن هذا الصفاء وصل الينا عكرا أبشع ما يكون العكر. إذ أن قوى اليهود الحياتية الداخلية لم تعرف على امتداد آلاف السنين أي نمو متواصل، وإنما تجمد كل شيء في مضمون واحد وشكل وأحد، شأن اليهودية إجمالا. وهذا الشكل الذي لا ينعشه تجدد المضمون أبدا يغدو باليا. ولما كانت المشاعر البائدة الميتة في مضمونه كان الشكل عديم المعنى. أثمة من لم يقتنه بذلك وهو يستمع الى الأناشيد الدينية في أي صومعة ؟ وهل هناك من لم يتملكه أبشع شعور ممزوج بالرعب والرغبة بالضحك لدى سماع تلسع الحشرجات التي تشوش الشعور والعقل، ذلك الأنين، تلك الثرثرة. ما من رسم كاريكاتوري يستطيع أن يصور بمزيد من القبح ما ينشدونه منا بصرامة ساذجة ولكنها تامة. ويلاحظ مؤخرا سعي حثيث الى الاصلاح يحاول أن يعيد الى الانشاد صفاءه القديم، إلا أن كل ما يمكن القيام به من جانب خيرة المثقفين اليهود في هذا الاتجاه سيكون عقيما. إذ أن اصلاحاتهم لن تصل بجذورها الى جماهير الشعب. ولذلك لن يتمكن المثقف اليهودي أبدا من أن يجد في شعبه ينبوعا للفن الابداعي. إن الشعب يبحث عما يمكن عما يعيش به، عما هو حقيقي بالنسبة له، وليس على صورة الشيء  أو عن شيء تم إصلاحه… وما ذلك الشيء الحقيقي بالمنسبة لليهود إلا ماضيهم المشوه.

إي هذا السعي باتجاه المنابع الشعبية، سواء من قبل الفنان اليهودي أو أي فنان آخر، يكون محسوسا وظاهرا بوصفه ضرورة لا واعية. فالانطباعات التي تكونت بالقرب من هذه الينابيع أقوى من آرائه بالفنون المعاصرة، وتنعكس في جميع مؤلفاته. هذه الألحان والايقاعات البائسة في أناشيد الصوامع تسيطر على الخيال الموسيقي لدى الموسيقار اليهودي، تماما كما كانت الغنائية المباشرة في أغنيتنا الشعبية ورسم إيقاعها والرقص الشعبي قوة خلاقة في إبداع ممثلي موسيقانا وغنائنا المغني.

لذلك فإن قدرة المثقف اليهودي على الاستيعاب الموسيقي تعجز عن فهم كثير مما في دائرة غنائنا الشعبي التأملي الواسعة، إنه لا يفهم إلا ما يخيل اليه خطأ أنه متشابه مع الخصوصيات الموسيقية اليهودية.

ولكن لو حاول اليهودي تفهم أسمى إبداعتنا الفني لكان عليه أن يدرك أنه ما من شيء في فننا يشبه أدنى شبه الطبيعة الموسيقية اليهودية، ولجرده ذلك مرة والى الأبد من الجرأة على المشاركة في إبداعنا الفني.

إلا أن اليهودي، من حيث وضعه، بعيد عن التعميق جديا في فننا إما عمدا ( خوفا من أن يعرف مكانته الحقيقية بيننا) وإما لا إراديا (لأنه  رغم ذلك عاجز عن فهمنا)، فهو ينصت بسطحية الى إبداعنا وينابيعه الحية. ونتيجة لذلك الموقف السطحي من الموضوح توصل الى استنتاجات طائشة أوهمته بهذا التشابه الخارجي الذي لا يرده أحد غيره. وعلى هذا الأساس فإن السمات الخارجية العرضية، سواء في الظواهر أو في حياتنا عموما أو في فننا، تبدو لليهودي جوهرية. وحين يجعل من هذه السمات أساسا لابداعه  يتخذ ذلك الابداع طابعا مشوها وغريبا وسمجا. أما المؤلفات الموسيقية اليهودية فيتساوى تأثيرها فينا مع تأثير قصائد جوته مترجمة الى لهجة يهودية ضيقة.

وكما تختلط في لهجة يهودية ضيقة كلمات وتعابير تفتقر افتقارا مذهلا الى القدرة التعبيرية، كذلك تتضافر في ابداع الموسيقار اليهودي أشكال وخصوصيات أسلوب جميع الأزمنة وجميع الموسيقيين ء فنجد في تجميعها ذاك وفي الفوضى المتعددة الألوان أصداء جميع المدارس.

ومن الواضح أن المسألة في هذه المؤلفات لاتنحصر كلها في المضمون ولا في المادة التي تستحق الكلام عنها. بل تكمن في طريقة التعبير نفسها تحديدا.

فما الذي يمكن أن يكون طيبا في هذه الثرثرة إلا كونها فقط تستدعي في كل لحظة جديدة استثارة جديدة لملا نتباه بتغير تعابيرها العديمة المعنى:

إلا أن  الالهام الحقيقي، التوهج  حين يتجسدني يجد تعبيره من تلقاء ذاته.

فاليهودي كما قلنا، محروم من التو فج الحقيقي، ذلك التوهج الذي يحرضه من تلقاء نفسه على الابداع الفني. على أنه ما من طمأنينة هنأك حيث ينعدم التوهج. فصا الطمأنينة الحقيقية النبيلة  إلا التوهج وقد هدأه نكران الذات ,Resignation وحيث لا تسبق الطمأنينة التوهج ليس ثمة إلا الخمول. أما نقيض هذا الخمول فهو القلق الشائك الذي نتلمسه في المؤلفات اليهودية هن أولها الى آخرها. باستثناء الحالات التي يتراجع فيها ذلك القلق أمام خمول عديم الروح والاحساس.

ولتوضيح كل ما قلنا، أعلاه نتوقف عند مؤلفات موسيقار يهودي واحد أنعمت عليه الطبيعة بموهبة مميزة قل من نعم بها قبله. إن جميع ما رأيناه، خلال دراستنا لنفورنا من كل ما هو يهودي. وجميع تناقضات هذا الكائن كل عجزه عن الانخراط في حياتنا وفننا اللذين قدر على اليهود أن يعيشوا خارجهما حتى ورغم سعيه الى العمل الخلاق، كل ذلك يتعاظم الى درجة نزاع مأساوي كأمل في شخصية وحياة وفن فيليكس مندلسون _ بارتولدي – لقد أثبت لنا أن بوسع اليهودي أن يتمتع بأغنى موهبة مميزة وان يتمتع بثقافة مرهفة متناسقة تبلغ الكمان، وبأرق شعور بالشرف، ومع ذلك ويصرف النظر عن جميع هذه الميزات فإنه ليس أدرا على أن يخلق فينا ذلك الانطباع الذي يسحر الروح والقلب، الانطباع الذي ننتظره من الفن الذي كنا نكابده دائما ما إن يتوجه الينا أي من ممثلي فننا ليتكلم معنا.

استنتاج مماثل، إملائية أن يشرحوا بالتفصيل هذه الصفة الأكيدة في مؤلفات مندلسون، أما نحن فنفترض أنه يكفينا انطباعنا العام المتولد عن مؤلفاته. والحقيقة هي أنه لم يكن في مقدورنا أن نحس أننا مفتونون بأي من مؤلفات هذا الموسيقار إلا عندما تقدم لخيالنا تسليات كتلك التي يحبها خيالنا في العادة حبه توحيد و ضفر أرق الأشكال الموسيقية البالغة النعومة والتصنع التبيهة بالمؤشرات الضوئية المتبدلة في المشكال. إلا أننا لم نكابد شيئا حين كان مطلوبا من صور مندلسون الموسيقية أن تحرك فينا أعمق مشاعر القلب البشري وأقواها (4).

ومندلسون نفسه يشعر بتلك الحدود التي تنتهي عندها قدرته الابداعية الخلاقة.

فحين يكون عليه، كما في الأوراتوريو (5)، ان يرتقي الى الدراما، لا يستيطع مندلسون تجنب اللجوء الى شكل من الى التعبير سبقه اليه الموسيقار الذي اختاره قدوة له وكان ذلك التعبير سمته الفردية الخاصة.

وفي نفس الوقت ينبغي أن نتنبه الى أن مندلسون اتخذ لنفسه قدوة من الأسلوب الموسيقي لأستاذنا القديم باخ، فاستخدم أشكاله ليعوض بها عن لفته المفتقرة الى القدرة التعبيرية.

لقد تشكل أسلوب باخ الموسيقي في مرحلة من تاريخ موسيقانا كانت، خلالها اللغة الموسيقية الثساملة ما تزال في بداية طموحها لبلوغ مزيد من الفردية. الا أن التقاليد الموسيقية القديمة كانت في ابداع  باخ ما تزال  بعد على قدر من الحضور الحي والصرامة الشكلية والحذلقة بحيث ادر العنصر الانساني الفردي، كان في أول تفتحه لدى باخ،  وذلك بفضل ما تميزت به عبقريته مدن قوة عظيمة.

إن لغة بأخ تنتمي الى لغة موزارت. وأخيرا الى لغات بيتهوفن، مثلما ينتمي أبو الهول المصري الى تمثال الانسان الهيليني، أي مثلما يطلع أبو الهول بوجهه البشري من جسد ما زال حيوانيا، يطلع رأس باخ بوجهه البشر ي النبيل من باو وكة(6) التقاليد القديمة.

إن الفوضى الغامضة عديمة المعنى في الذوق الموسيقي المنفلت هذه الأيام تتمثل في كوننا ننصت في وقت واحد الى لغة باخ وبيتهوفن ونتحدث عنهما وكأنهما لا يختلفان الا بأشكال الابداع وبالفردية، دون أن نلحظ الفرق الثقافي التاريخي الفعلي بينهما. ومن السهل فعم سبب ذلك، إذ أن لغة بيتهوفن لا يمكن أن يتعلمها إلانسان مخلص صادق، لأنها لغة انسان موسيقي كامل. فبحكم فموحه الطاغي للعثور على موسيقى مطلقة، سبر أغوارها وملأ´ها الى أقصى الحدود، بين لنا بيتهوفن طريق اخصاب جميع الفنون بوساطة الموسيقى، بوصف ذلك الطريق هو الترسيع الناجح الوحيد لمجالها. أما لغة باخ فيسهل على الموسيقار البارع ان يقلدها حتى ولو دون أن يقلد باخ نفسة. ويعود ذلك ال أن في إبداع باخ عناصر شكلية تفوق المضمون الفردي الذي لم يكن له الصدارة في زمنه. إذ لم تكن تتشكل في تلك المرحلة إلا طرق التعبير الموسيقي بمعزل عن مضمونها.

أما جهود مندلسون الابداعية الرامية الى جعل الأفلام الغامضة التافهة تجد تعبيرا ليس شائقا فقط بل وصاعقا للعقل فقد كانت فعالة في التمهيد للانحلال والتعسف في أسلوبنا الموسيقي.

فبينما كان بيتهوفن، بوصفه الأخير في سلسلة أبطالنا الموسيقين الحقيقيين يسعى برغة عظيمة وقوة خارقة للوصول الى أكمل تعبير عن مضمون عصي على !لتعبير بوساطة شكل مرن بارز المعالم تميزت به صوره الموسيقية، كان مندلسون يكتفي بأن يبث في مؤلفاته هذه الصورة الناجزة لتكون ظلا سائبا، غريب الشكل، لا يتأثر ببريقه الهيولي إلا فيالنا العنيد، أما الطموح الأنسان المحض الطموح الداخلي المتوهج الى التأمل المفني فلا يكاد يضيئه الأمل بالتحقق إلا قليلا. ولا يفصح مندلسون عن نفسه أمامنا على نحو ذاتي لنرى فرديته المرهفة التي تدرك عجزها عن مقارعة المستحيل إلا عندما يتملكه شعور خانق بهذا العجز، على ما يبدو، ويرغمه على التعبير  عن إذعان رقيق وحزين. وهذه هي كحا سبق أن قلنا، السمة المأساوية في شخصية مندلسون. على أننا لو أردنا أن نخله عطفنا على الشخصية المحضة في مجال الفن لما تجرأنا ,I ننكر هذا العطف على مندلسون، على الرغم من أن هذه المأساوية كانت _ على الأرجح _ لصيقة به، ولكنها لم تكن لديه شعورا مضنيا وضاء.

ولكن باستثناء مندلسون لا يستطيع أي موسيقار يهودي آخر أن يبعث فينا ولو عطفا من هذا النوع، فثمة في ايامنا موسيقار يهودي ذائع الميت، واسع الشهرة، قدم مؤلفاته لا بهدف ترسيخ الفوضى في مفاهيمنا الموسيقية وإنما بهدف استغلال تلك الفوضى.

لقد علموا جمهور الأوبرا المعاصرة لدينا على امتداد زمن طويل، وخطوة إثر خطوة أن يكف عن مطالبه ,التي كان ينبغي طرحها ليس على المؤلفات الدرامية الفنية فقط، بل، وعلى مؤلمفات الذوق الحسن إجمالا.

إن مقاعد التسلية في هذه القاقات لا تعتلي ء أساسا إلا بجزء من الطبقة الوسطى التي يعتبر إن مقاما التسلية في هذه القامات لا تمتليء  أساسا إلا بجزء من الطبقة الوسطى , التي يعتبر الملل سببا وحيدا لشتى أنواع توجهاتها.، غير أن فوض الملل ,لا يداوى بالمتع الفنية، لأنه لا يمكن تبديده عمدا، وكل ما في الامكان هو المتعتيم عليه بشكل آخر من الملل. على أن ذلك الموسيقار الأوبرالي الشهير جعل من الانشغال بهذا التعتيم مهمته الفنية في الحياة ويبدو أن من النافل تماما استعراض تلك الأساليب التي استخدمها فبلوغ أهدافه الأهم  ويكفي أنه، كما تشهد نجاحاته، كان يتقن الخداع اتقانا تاما. حقا، أليس بالخداع قدم لمستمعية (8) الملولين اللهجه الضيقه المعروفة جيدا ومنذ زمن قديم على أنها التعبير الدارج والمغوي عن تلك الابتذالات التي كثيرا ما طالعتنا جهارا في شكلها الطبيعي خير الجذاب ؟ ولقد أهتم أيضا باستخدام امكانيات الهزات الدرامية والكوارث الحسية، وهي ما ينتظره الملولون بفادغ الصبر. فإذا ما تمعنا في أسباب نجاحه لن نجد ثمة ما يثير العجب إزاء كونه يبلغ في يأته بسهولة. فبلوغه الغاية هنا أمر واضح ومذموم لمن يدقق في الأسباب التي جعلت كل شيء متاحا له في هذه الظروف. حتى أن هذا الموسيقار المخادع يستمريء الخداع  فيخدع نفسه، وربما متعمدا أيضا، معلما يخدع مستمعيه الملولين. نحن نصدق مخلصين انه يرغب في خلق أعمال فنية، وهو يعرف في الوقت عينه أنه عاجز عن ذلك. وللخلاص من هذا النزاع البغيض بين الرغبة والعمل يكتب أو برأت لباريس ويوافق بسهولة على عرضها في جحيم المدن الأخرى.

وهذه في الموقت الحاضر أضمن طريقة لاقامة مجد لنفسه دون أن يكون فنانا. وتحت ضغط هذا الخداع الذاتي، وهو ضغط ينبغي الا يكون سهلا تماما. يتبدى لنا هذا الموسيقار في مظهر مأساوي أيضا. ولكن مأساة الشعور الشخصي في اهتمامه المريض تتحول الى تراجيكوميديا. لكان هذا الموسيقار الشهير يقدم في مجال الموسيقى تلك الملامح المضحكة حقا التي لا تستدعي الشفقة وتميز اليهود عامة.

وهكذا بعد مناقشة الظواهر السالفة التي يفترض فيها أن تجعل نفورنا المؤسس والمسوغ والراسخ أيضا تجده اليهود مفهوما يمكننا ,أن نشير الى هذه الظواهر بوصفها أعراضا لانحطاط المرحلة الموسيقية التي نعيشها.

فلو ان هذين الموسيقار ين اليهوديين اوصلا هو سيقانا حقا الى قمة الازدهار لتعين علينا الاقرار بأننا تخلفنا وأن تخلفنا كأمن في عجزنا العضوي عن الابداع الفني. فهل الأمر كذلك ؟ بالعكس، إن ما في زماننا من غنى فردي موسيقي صوف يبدو متعاظما أكثر مما هو متناقص بالمقارنة مع المعهود الماضية.

إن المعجن كامن أيضا في روح فننا المساعي الى حياة أخرى، فنية محضة هيهات أن تكون متوافرة له الآن. ويتضح هذا العجز في النشاط الفني لدى مندلسون الموسيقار الذي يتمتع بموهبة من نوع خاص. أما ترهات الموسيقار الآخر (مييربير). الناشر فتشهد بشكل ملموس على تبعية مجتمعنا الموسيقية، وعلى افتقاره لطموحات فنية حقيقية.

تنك أهم المنقاط التي يجب أن تجتذب انتباه من يثمن الفن. ويجب علينا أن نتدارسها وأن نسأل أنفسنا بشأنها بغية تكوين مفهوم واضح عنها، إن من يخاف هذا العمل، من ينصرف عن هذا البحث ولا يشعر بضرورته، إنما يبعد عن نفسه فرصة عاقلة للخروج من قوقعة الحياد القائمة على عادة قديمة فارغة جامدة وينتمي الى "الموسيقى اليهودية ".

لم يكن بوسع اليهود فيما مضى أن يحيطوا بهذا الفن قبل أن تدفعهم الحاجة الى اكتشاف واثبات ما للموسيقى من قدرة حياتية سلبية داخلية.

وطالما كانت الموسيقي كفن مميز تنطوي على قدرة حياتية عضوية فعلية، حتى في حياة موزارت وبيتهوفن ضمنا، لم يكن ثمة أي موسيقار يهودي وكان متعذرا تماما على ذلك العنصر الغريب كليا عن هذا الجسم أن يشارك في تنمية حياته. وعندها أصبح الموت الداخلي للجسم أكيدا عندئذ فقط تمكن من كان خارجه من السيطرة عليه لا لشيء إلا لافنائه. أجل، لقد تفسخ جسمنا الموسيقي، فمن ذا الذي يستطيع وهو يرى تفسخه أن يقول إنه ما يزال حيا؟

سبق أن قلنا أن اليهود لم يعطوا فنانا حقيقيا واحدا. إلا أنه لابد من التذكير بهنريش هايني. فحينما كان يبدع بيننا كل من جوتة وشيلر لم يكن ثمة أي يهودي آخر. أما حين انقلب الشعر عندنا كذبا، حين لم يبق لدينا أي شرعي حقيقي، فإن مهمة هذا الشاعر اليهودي، هايني، الناشر القوي الموهبة الشعرية تمثلة في الكشف بسخرية ساحرة عن هذا الكذب، عن هذا الذبول عديم القرار، عن النفاق الجزويتي في فننا الذي كان يحاول عبثا اضفاء شكل الشعر على نفسه. كان هايني يجلد أبناء قومه الموسيقيين اليهود بلا رحمة جزاء إصرارهم السافر على أن يصبحوا فنانين، فما كان لخدعة أن تصمد أمامه. لقد كان يطارده بلا كلل عفريت لا يرحم هو عفريت النفي لكل ما بدا له سلبيا عبر جميع أوهام الخداع الذاتي المعاصر، حتى بلغ الأمر به شخصيا أن كذب على نفسه بأنه شاعر. لهذا أصبح له كذبه المنظوم الذي لحنه موسيقيونا. لقد كان هايني ضمير اليهود مثلما أن اليهود مثلما الضمير السيىء  لحضارتنا المعاصرة.

ويتعين علينا أيضا أن نذكر يهودنا آخر قدم نفسه عندنا بصفته أديبا. لقد غادر عزلته اليهودية وقصدنا طلبا للنجاة فلم يحظ بها، وأصبه عليه أن يعي أنا لن ينالها إلا بنجاتنا، أي في صدق الانسان. فأن يصبح اليهودي إنسانا بيننا يعني قبل كل شيء أن يكف عن كونه يهوديا. وذلك ما فعله بيرنيه. لقد علمنا بيرنيه أن هذه النجاة متعذرة في الرفاه والترف البارد اللامبالي، ولكنها _ كما هي بالنسبة لنا _ تتطلب جهودا مضنية وعوزا وخوفا وفيضا من المصائب والآلام.

إننا نقول لليهود : قفوا دون خجل على الطريق الصحيح لأن تدمير الذات ينقذكم ! عندئذ سنكون متفقين وبمعنى ما لا فرق بيننا! ولتتذكروا أن ذلك هو الشيء  الوحيد الذي يمكن أن ينجيكم هن اللعنة التي تصمكم، لأن نجاة "اليهودي التائه (10) AHASVERUS   في هلاكه.

الهوامش:

1- Neue Zeitschrift fur Musik.

2- في القرن التاسع عشر لم يكن معروفا، بعد التاريخ الحقيقي لمن يسمون

باليهود الذين لم يكن لشيء أو لأحد غيرهم فملن "بمصائبهم الابدية "- (الناشر الروسي ).

3- بوسعنا أن نقولى الكثير عن أدوار الممثلين اليهود انطلاقا من الخبرة التي تراكمت في المدة الأخيرة. إنهم لم يكتفوا باحتلال الخشبة بل يبدو وكانهم تمكنوا من سرقة الصور الخشبة من مؤلفها.

ما من "نموذج " يهودي يكتفي بالسعي لتمثيل مخلوقات شكسبير او شيلر، بل ويحاول أن يستعيض عنها بتعبيراته الخاصة المنحازة. ويخلف ذلك انطباعا بأن الشخصية اليهودية فقدت وجه الانسان الحقيقي واستعاضت عنه بوجه يهودي ديماجوجي. ان تزييف فننا، ولاسيما الفن الدرامي " وصل حد خديعة فظة جعلت الناس لا يتحدثون حتى عن شكسبير )الا من وجهة نظر صلاحية مسرحياته شرطيا للعرض. الناشر الألماني.

 4- سنتحدث فيما بعد عن المدرسة اليهودية الجديدة التي تأسست بسبب هذه الصفة في موسيقى مندلسون وكأنما لتسويغ هذه الغرابة "حاشية فاغفر".

5- Oratorio   مقطوعة موسيقية دينية وليس فيها تمثيل. (المترجم ).

6- الباروكة هي الشعر المستعار.

7- المقصود هو مييربير. (الناشر).

8- ان من لاحظ ما تبديه الطائفة اليهودية من شرود وقح ولامبالاة وهي تستمع الى موسيقى الصلاة في الصومعة يستطيع أن يفهم لماذا لا يشعر موسيقار الاوبرا اليهودي بأنه مهان عندما يصطدم بهذا الموقف نفسه من قبل الجمهور المسرحي إزاء مؤلفاته " ثم لا يكس من متابعة عمله أمام ذلك الجمهور، لأنه جمهور يجب أن يبدو له هنا، رغم ذلك أكثر حشمة مما في معبده _ حاشية فاغفر -.

9- يلفت النظر أيضا كون الموسيقيين اليهود الآخرين، بل والمثقفين اليهود عامة، يعظون هاجسا إلى حد ما لكلا الملحنين الشهيرين فانصار مندلسون يرون في ذلك الموسيقار الأوبرالي الممتاز شيئا شنيعا. وبفضل احساسهم الرقيق بالشرف يشعرون بمدى اساءته القوية لليهود، ولذلك فإن حكمهم عليه لا رحمة فيه. وبالعكس فإن حزب الموسيقار الأوبرالي أكثر حذرا في حكمه على مندلسون وينصت بحذر، على الأرجح، أكثر مما بنفور الى السعادة التي بلغتيا في عالم الموسيقي فيبدو انهم مهتمون بتفادي الفضيحة والاستمرار، دون تعرية الذات، في التأليف الموسيقي دون صخب زائد. ومه ذلك فإن النجاحات الأكيدة التي حققها الموسيقار الاوبر الي تبدو لهم جديرة بالاهتمام، إذ يجب أن يكون فيها قيمة ما، حتى وان كان يمكن عدم تأييد كل شيء فيها وتقديمه على أنه "ذو شأن ". حقا أن اليهود على قدر من الدهاء يجعلهم يعرفون حقيقة الوضع الذي هم فيه – الناشر الروسي -.

0 1 – " اليهودي التائه " أسطورة أدبية شعبية تصف اليهودي الذي سخر من السيد المسيح وهو في طريقه الى الصليب فقضى الله عليه أن يبقر تائها هائما في الأرض الى يوم المدين. وقد تناول هذه الأسطورة أدباء كثيرون بينهم جوتة وشيلر والرومانسيون الألمان عامة. – المترجم -.
 
النص: ريهان فاغنر
ترجمة: نوفل نيوف (مترجم من سوريا يقيم في موسكو)

شاهد أيضاً

الكتابة والتصوّف عند ابن عربي لخالد بلقاسم

لا تكمن أهمية هذا الكتاب في  تصدّيه لمدوّنة هي من أعقد المدوّنات الصوفيّة وأكثرها غموضا …