أخبار عاجلة

اليوت فـي تجلياته النقدية رحلة في أعمال عباقرة الأدب على مر العصور

لم يكن توماس ستيرن اليوت، المعروف بـ (ت. س. اليوت) شاعرا عظيما فحسب، وإنما كان ناقدا كبيرا، ترك بصماته النقديه على سابقيه ومعاصريه من الكتاب، وذلك من خلال مجلده النقدي الشهير (الأعمال النثرية الكاملة )، الذي اشتمل على أهم كتاباته في مجال النقد، حيث قام بتحليل أعمال عباقرة الأدب، بدءا باليونانيين القدماء، مرورا بعصر النهضة، وانتهاء بكتاب عصره. وجمع فيه بين الشاعر والروائي والفيلسوف واللاهوتي، وقدم ايماءات نقدية ترقى إلى مستوى الحكمة، ولا تتوقف عند لحظتها الآنية، بل لا تزال تمتلك حداثة اللحظة المعاصرة.
هذه المقتطفات النقدية من مجمل أعماله في النقد، لا تكتفي بإضاءة تفاصيل دقيقة كانت غائبة عن ذهن النقاد حول تلك الأعمال العظيمة، وإنما تقدم لنا زادا نقديا معرفيا، يمكن أن يرقى بابداعاتنا وبطريقة فهمنا للإبداع.
عزرا باوند: مقياسه والشعر 1917
مقتطفات من (عزرا باوند : مقياسه والشعر )
ت. س. اليوت، الأعمال النثرية الكاملة ل ت. س. اليوت: (1905 – 1918). الصادر عن جويل سبيرز بروكر ورون شوشارد (بالتيمور 2014). ص : 630
عزرا باوند هو الأب الشرعي للشعر الحر في اللغة الإنجليزية بكل فضائله ورذائله(1). هذا المصطلح فضفاض، فالناس الذين لم تعتد آذانهم على سماع هذا النوع من الشعر كانوا يطلقون عليه اسم (الشعر الحر ). في المقام الثاني، فإن استخدام باوند لهذا الوسيط قد أظهر زهد الفنان وايمانه به كوسيلة خارج إطار المتعصبين. فقد قال هو نفسه: حين يكون لدى المرء مادة مناسبة لكتابة سوناتة، فعليه استخدام شكل السوناتة، لكن من النادر جدا أن يجد أي شاعر نفسه، في حوزته مجموعة من الأشياء التي يمكن أن تكون نموذجا متوافقا تماما مع السوناتة. ص : 633
هذه العلاقة بين الشعر والموسيقى، تختلف اختلافا كبيرا عما يسمى ” موسيقى ” شيللي أو سوينبورن، فهي موسيقى غالبا ما تكون أقرب إلى فن الخطابة (أو فن الوعظ) مقارنة بالأداة الموسيقية. لكي يقترب الشعر من حالة الموسيقى، ليس من الضروري أن يكون مفتقرا للمعنى الذي يستعيض عنه بالغموض والتجريدات الرنانة، كما هو الحال مع هذا البيت من الشعر:
وقت مع هدية من الدموع
حزن مع كوب يتدفق…
بعيدا عن هذا البيت لسوينبورن أو طحلبية مالارميه. فشعر باوند دائما محدد وملموس لأن هناك عاطفة محددة وواضحة وراءه. ص : 634
ربما تكون الكلمات هي الأصعب من بين كل الأدوات الفنية: لأنها يجب أن تستخدم للتعبير عن الجمال البصري والجمال الصوتي إضافة إلى كونها أداة تواصل للمعنى المتطابق مع قواعد اللغة. ص : 639 – 640
عندما يغير الشاعر أو يطور، فإن عدد المعجبين به سوف ينخفض. على أي شاعر إذا أراد البقاء حيا ككاتب بعد سنته الخامسة والعشرين، أن يغير، يجب أن يسعى للبحث عن التأثيرات الأدبية الجديدة. سيكون لديه عواطف مختلفة للتعبير عنها. وهذا يزعج الجمهور الذي يحب أن تبقى أعماله تدور في دائرة مشاعر شبابه. يجب عليه أن يفتح مجلدا جديدا لقصائده، مع التأكد أنه سيكون قادرا على الدخول إليه كما فعل في السابق. الجمهور لا يحب التعديل المستمر الذي اتبعه ازرا باوند في مسيرته الشعرية.
في ذكرى هنري جيمس
كانون الثاني يناير 1918
مقتطفات من (في ذكرى هنري جيمس) ص : 648
لقد مضى بعض الوقت على موت هنري جيمس. لم يتأثر تيار الأدب الإنجليزي بشكل ملحوظ بأعماله خلال حياته، وربما يظل ينظر إلى جيمس على أنه ذكي بامتياز، لكنه فضولي بشكل لا يصدق، التيار الحالي من الصعب أن يهتم: لا يهتم أبدا أن قلة من الناس سوف يقرأون جيمس. ” نفوذ” جيمس لا يهمهم أبدا: أن تتأثر بجيمس يعني أن تكون لديك القدرة على استلهام شيء منه، أو أخذ ما يريده المرء منه، أو رؤية الأشياء التي يغفل عنها المرء، هناك دائما القليل من الأشخاص الأذكياء الذين يمكنهم فهم جيمس، وأن يفهمه بعض الأشخاص الأذكياء هو أقصى ما يتمناه المرء. ص : 649
كان ناقدا لا يعمل على اصطياد الأفكار، وإنما على اصطياد المخلوقات. كان نقده ذا حس مبدع للغاية. يركز على الشخصيات، أفضل الشخصيات، الشخصيات التي لها نجاحها المميز في عالم الإبداع: ديزي ميلر، الأخ الصغير، هو أحد تلك الشخصيات: كان يرسم شخصياته بدقة متناهية، كل شخصية كان يستخرجها من واقعها الخاص، يكفيه جوهرها، كل ما يطرحه واقعي وحقيقي بالنسبة لذلك الفرد، ولكن ما يتم اختياره يكون من خلال فن عظيم مناسب لمكانه في المخطط العام للعمل الأدبي.ص : 650
عبقرية جيمس النقدية جاءت من خلال اصراره الإتقان، وهروبه المذهل من الأفكار. الإتقان والهروب، يمكن اعتبارهما الاختبار الأخير لذكائه المذهل. كان يمتلك ذهنا في غاية الصفاء لا يسمح لأية فكرة أن تنتهكه وتعكره.
فيليب ماسينجر
الملحق الأدبي للتايمز بتاريخ 27 أيار – مايو 1919 (الجزء الأول )
11 حزيران – يونيو 1920 (الجزء الثاني )
مقتطفات من ” فيلييب ماسينجر ”
ت. س . اليوت، ابحاث مختارة، الطبعة الثالثة، لندن 1951 . ص : 206
الشعراء غير الناضجين يقلدون، الشعراء الناضجون يسرقون، الشعراء السيئون يشوهون ما يأخذونه، والشعراء الجيدون يوظفونه فيما هو أفضل، أو على الأقل في عمل آخر مختلف.ص : 209
… ذلك التغيير الطفيف الدائم للغة، تلك الكلمات التي توافقت واندمجت في تراكيب مدهشة ومفاجئة، وتداخل المعاني الذي يؤدي إلى معان جديدة، كل هذه الأشياء التي ترقى بالحواس، تعتبر تطويرا للغة الإنجليزية لم نكن قادرين على مضاهاته. ص : 212
… الشخصية، التي يفترض أن تكون حية، يجب تخيلها من بعض الوحدات العاطفية، يجب ألا يتم استلهام الخصيصة من ملاحظات متفرقة من الطبيعة البشرية، وإنما من تلك الأجزاء والوحدات التي يتم الإحساس بها… إن الحرف ” الحي ” ليس بالضرورة ” حقيقيا بالنسبة للحياة”. إنه كأي شخصية يمكن أن نراها ونسمعها، سواء كانت حقيقية، أم شخصية مزيفة عن الطبيعة البشرية كما نعرفها. أن ما يحتاجه مبتكر الشخصية لا يكمن في معرفة الدوافع، وإنما بحساسيته الشديدة. لا يحتاج المسرحي إلى فهم الناس، وانما يجب أن يكون على دراية استثنائية بهم. ص : 217
كانت كوميديا مارلو وجونسون، وجهة نظر للحياة، كانا كما هو الحال في الأدب العظيم يحولان الشخصية إلى عمل فني شخصي، كان هذا دأبهما مدى الحياة، طالت تلك الحياة أم قصرت. ماسينجر ليس مجرد شخصية صغيرة: بالكاد نعثر على وجود لشخصيته. لم يقم انطلاقا من شخصيته الخاصة ببناء عالم من الفن كالذي بناه كل من شكسبير ومارلو وجونسون. ص : 219
القدرة على القيام بهذا التحريف الطفيف لجميع العناصر في عالم المسرحية والقصة، من أجل أن يكتمل العالم في ذاته، والذي قام به كل من مارلو وجونسون، والذي يعتبر شرطا اساسيا لمسرحية هزلية عظيمة، تم رفضه من قبل ماسينجر.
كريستوفر مارلو
فنون ورسائل، خريف عام 1919
مقطتفات من ” كريستوفر مارلو ”
ت. س. اليوت، أبحاث مختارة (الطبعة الثالثة، لندن، 1951) ص : 119
تطوير القصيدة الجوفاء، يشبه إلى حد بعيد التحليل المذهل للقطران الصناعي. إنه قصيدة واحدة من تلك المشتقات السابقة، ولكنها تمتلك خصائص لا تتكرر في أي تحليل أو تراكيب القصائد الجوفاء التي تم اكتشافها في وقت لاحق. ص : 119
بلاغة مارلو عبارة عن كلام منمق بسيط للغاية، بينما اسلوب شكسبير قائم على العيوب والنقائص، التي تبرع في تعذيب الصور الفاسدة التي تبدد الخيال بدلا من المساعدة على تركيزه.
بن جونسون
ملحق التايمز الأدبي، 13 تشرين الثاني – نوفمبر 1919
مقتطفات من ” بن جونسون ”
ت. س. اليوت، أبحاث مختارة (الطبعة لثالثة، لندن، 1951 ). ص : 147
كانت سمعة جونسون من ذلك النوع القاتل الذي لا يليق بذكر شاعر عظيم. فلكي تكون مقبولا عالميا، وأن تكون بعيدا عن الثناء الذي يروي الرغبة في قراءة الكتاب، وأن تكون مبتلى بدلالات المناقب التي تثير أقل قدر من المتعة، وأن تقرأ فقط من قبل المؤرخين وعلماء الآثار، تلك هي المؤامرة المثالية على قبولك. ص : 148
عندما نقول أن جونسون بحاجة للدراسة، فنحن لا نعني بذلك دراسة معرفته الكلاسيكية، ولا سلوكيات القرن السابع عشر، بل نعني التشبع البارع بعمله ككل. هذا ما نعنيه، لكي نتمتع به بشكل مطلق، يجب أن نصل إلى جوهر عمله ومزاجه. يجب أن نراه غير متحيز للزمن، ككاتب معاصر. إن رؤيته ككاتب معاصر لا يتطلب الكثير من الجهد كي نضع انفسنا في لندن في القرن السابع عشر، إن ما يتطلب جهدا كبيرا منا هو وضع جونسون في لندن. ص : 158 – 159
إن السخرية الرائعة التي يتمتع بها جونسون في النهاية، لا تكمن في اصابتها لهدفها، وإنما في بنيتها. السخرية هنا مجرد وسيلة للوصول إلى النتيجة الجمالية، والدافع الذي يخلق عالما جديدا في مدار جديد. ص : 159
شخصياته كانت وستبقى، مثل شخصيات مارلو، شخصيات بسيطة، لكن بساطتها لا تكمن في روح الدعابة أو المونومانيا. النظر إليها من وجهة النظر هذه عبارة عن تسطيح لها. التبسيط هنا يتكون بشكل كبير من تقليل التفاصيل، والهيمنة على الجوانب ذات الصلة بالتخفيف من الدافع العاطفي لتلك الشخصية، لجعل تلك الشخصية متوافقة مع بيئة معينة. هذا التجريد ضروري للفن، كما هو الحال في تشويه مسطح الرسم. انه شبيه بفن الكاريكاتير، هذا الفن العظيم. إنه مثل مارلو كاريكاتوري عظيم وجميل، ويتمتع بروح دعابة خطيرة.
ويليام بليك
13 شباط – فبراير 1920
مقتطفات من ” ويليام بليك ”
ت. س. اليوت، ابحاث مختارة (الطبعة الثالثة، لندن، 1951) ص : 317
اذا تتبع المرء عقل بليك خلال مراحل متعددة من تطوره الشعري، فمن المستحيل أن يعتبره شخصا ساذجا، أو رجلا بريا، أو حتى حيوانا أليفا من الحيوانات البرية. غرابة تتبخر لتنتج خصوصية تشتمل على كل خصوصيات الشعر العظيم: شيء يمكن العثور عليه في أعمال كل من هوميروس واسخيلوس ودانتي وفيلون، ويمتلك عمق وخفايا أعمال شكسبير، كما يمكن أن يكون شكلا آخر من أعمال مونتان وسبينوزا. إنه يمتلك تلك النزاهة الغريبة، في عالم خائف للغاية من أن نكون صادقين، أنه أمر مرعب بشكل غريب. شعر بليك يبعث على عدم الارتياح للشعر العظيم. ص : 318 – 319
لديه فكرة (شعور، صورة)، يقوم بتطويرها من خلال التراكم أو التوسع، وغالبا ما يغير شعره، ويتوتر في كثير من الأحيان قبل أن يصل إلى خياره النهائي. الفكرة بالطبع، تأتي ببساطة، لكن عند وصولها تخضع للتلاعب لفترة طويل. في المرحلة الأولى يهتم بليك بالجمال اللغوي، وفي المرحلة الثانية يبدو ساذجا بشكل واضح، وهذا هو الذكاء الناضج حقا. ص : 319
من المهم أن يكون الفنان على درجة عالية من فهمه لفنه الخاص، لكن فهمه هذا يمكن أن يكون عائقا أمام عمليات الفهم العادية للمجتمع التي تشكل فهم الإنسان العادي. لأن مثل هذه العمليات تتوقف بشكل كبير على اكتساب الأفكار غير الشخصية التي تحجب ما هو موجود فعلا، أو ما نشعر به حقا، أو ما يمكن أن يثير اهتمامنا بالفعل. بالطبع لا يعتمد هذا على المعلومات المكتسبة، وانما على التوافق الذي يمكن أن يفرضه تراكم المعرفة، وهذا ضار.
اندرو مارفيل
ملحق التايمز الأدبي، 31 آذار – مارس 1921
مقتطفات من ” أندرو مارفيل ”
ت. س. اليوت، مختارات من نثر اليوت، (لندن، 1975). ص : 162
ذكاء شعراء كارولين ليس من ذكاء طقوس شكسبير، ولا من ذكاء درايدن، شاعر الازدراء العظيم، ولا من ذكاء بوب، سيد الكراهية العظيم، ولا من ذكاء سويفت سيد الاشمئزاز العظيم. ما أعنيه هنا هو بعض الجودة الشائعة في أعمال كامو وأعمال كاولي والتعابير التي كان يستخدمها الشاعر اليوناني اناكريون في قصائده التي تتحدث عن الحب والنبيذ، أو القصائد متعددة المقاطع لمارفيل. إنه مجرد انجاز تقني، أو مفردات وصياغات سادت في حقبة زمنية معينة. إن ما نعنيه بالذكاء هنا، هو مجرد ذكاء عقلاني قاس يرزح تحت رحمة الغناء البسيط.ص : 170
وبما أن اعيننا ما تزال على مارفيل، يمكننا القول أن الذكاء ليس مجرد معرفة يمكن خنقها في بعض الأحيان من خلال الاطلاع، كما هو الحال في الكثير من أعمال ميلتون، وليس مجرد سخرية، بالرغم من أنه يمتلك نوعا من الصرامة التي قد يتم الخلط بينها وبين السخرية من قبل العقل. حيث يتم الخلط بينها وبين سعة الاطلاع لأنها تنتمي إلى عقل متعلم غني بأجيال من الخبرة، ويتم الخلط بينها وبين السخرية لأنها تنتمي إلى بحث مستمر وانتقاد للتجربة. إنها تنطوي على الأرجح، على اعتراف ضمني في التعبير عن كل تجربة، أو أنواع أخرى من الخبرة الممكنة، والتي نجد معظمها بادية بوضوح في أعمال شعراء كمارفيل.
ماري لويد
ذي ديال، كانون الأول ديسمبر 1922
مقتطفات من ” ماري لويد ”
ت. س. اليوت، أبحاث مختارة (الطبعة الثالثة، لندن، 1951 ). ص : 457
بالنسبة لها، لم يكن هناك أي شيء مغاير وغريب، ولم يكن في جاذبيتها الكوميدية أية مبالغة أو مغالاة. ص : 458
في صالة الموسيقى، يجد الكوميديون ما يعبر عن كرامتهم وحياتهم الخاصة، وهذا الأمر لا يوجد حتى في الاستعراضات الأكثر تفصيلا وكلفة… كان الرجل العامل الذي يذهب إلى صالة الموسيقى يرى ماري لويد، وينضم إلى الكورس، ليجد نفسه جزءا من العمل، يجد نفسه منخرطا في هذا التآلف بين الجمهور والفنان، والذي يعد ضروريا للفن بشكل عام، والفن الدرامي بشكل خاص.
ماريان مور 1923
مقتطفات من ماريان مور
الأعمال النثرية الكاملة ل ت. س. اليوت، المجموعة النقدية: الناقد المثالي، 1919 – 1926، انطوني كودا ورونالد شوشارد (بالتيمور، 2014) ص: 496
أرى في شعر مور ثلاثة عناصر على الأقل: ايقاع جديد تماما، وأعتقد أنه أكثر الأشياء قيمة. استخدام غريب ورائع وغير ساخر لما هو غير موجود. وماديا، لغة ارستقراطية بامتياز، لكن، وبكل بساطة فإن المصطلحات الغريبة التي يتم انتاجها في أمريكا من قبل مؤسسات التعليم العام، تجعل من المستحيل على الأمريكيين التحدث نصف ساعة فقط دون استخدام شروط التحليل النفسي والتي تدخل ” المعتوه ” قسرا في ” الأبله “، وهذه هي البساطة البدائية في التعبير.ص : 496
الإيقاع، بالطبع، مسألة شخصية للغاية، وليس شكل القصيدة. إنه يشكل دائما النمط الحقيقي للسجادة، ومخطط تنظيم الفكر والشعور والمفردات. إنه الطريقة التي يجتمع فيها كل شيء.ص : 498
لكن بالطبع، كل فن يحاول محاكاة الطقوس. إنه يأتي منها واليها، لانه يجب عليه أن يأخذ زاده منها. لا شيء ينتمي إلى الفن بشكل صحيح أكثر من الطقوس. إنها في الواقع تتفوق على الأرستقراطية ذاتها، فهي اختراع شعبي لخدمة الإحتياجات الشعبية.
” أوليسيس، النظام، والأسطورة ”
ديال، تشرين الأول – نوفمبر 1923
مقتطفات من ” يوليسيس، النظام، والأسطورة ”
ت. س. اليوت، الأعمال النثرية المختارة ل ت. س. اليوت، كرمود (لندن، 1975 ). ص : 175
اعتبر هذا الكتاب التعبير الأهم عن عصرنا الحالي. إنه كتاب ندين له جميعا، ولا يستطبع أحد أن يفلت منه. ص : 177
إن استخدام جويس للشكل الموازي للأوديسة يجعل الكتاب ذا أهمية كبيرة. إنه شبيه بالإكتشافات العلمية. لم يقم أي شخص آخر ببناء رواية على هذا الشكل من قبل: لم يكن ذلك ضروريا من قبل. أنا لا يهمني وصف يوليسيس بأنها رواية. إن شئت أن تسميها ملحمة فلا يهم. اذا لم تكن رواية، فهذا ببساطة لأن الرواية لم تعد قادرة على الخدمة، ذلك لأن الرواية بدلا من كونها شكلا، كانت ببساطة تعبيرا عن عصر لم يفقد شكله بما فيه الكفاية، ليشعر بالحاجة إلى شيء أكثر صرامة. ص : 177 – 178
إنها بساطة طريق للتحكم والترتيب واعطاء شكل وأهمية للبانوراما الهائلة للعقم والفوضى اللذين يشكلان ميزة التاريخ المعاصر… بدلا من الطريقة السردية، يمكننا الآن استخدام الطريقة الأسطورية.
” لانسلوت أندروز ”
الملحق الأدبي للتايمز، 23 أيلول سبتمبر 1926
مقتطفات من ” لانسلوت أندروز ”
ت. س. اليوت، أبحاث مختارة (الطبعة الثالثة، لندن، 1951 ). ص : 341
عظاته مصممة بشكل جيد للغاية بحيث يمكن اقتباسها بسهولة. إنها قريبة إلى أقصى درجة من درجات الإمتاع. ومع ذلك فإنها تعتبر أفضل نثر انجليزي في عصرها، أو في أي عصر آخر. ص : 343
لا يمكن لأي دين أن ينجو من حكم التاريخ ما لم يتعاون مع أفضل عقول عصره في بنائه، واذا كانت كنيسة اليزابيث جديرة بعصر شكسبير وجونسون، فذلك بسبب أعمال كل من هوكر واندروز. ص : 347
إن قراءة اندروز على هذه الشاكلة، شبيه بالاستماع إلى الهيلينية العظيمة التي تشرح نصا من التحليلات المتأخرة: تغيير علامات الترقيم، إدراج أو إزالة فاصلة أو منقوطة لجعلها ممرا غامضا لكل ما هو مفاجئ، إنه يركز على مفردة واحدة، ليقارن طريقة استخدامها مع المفردة الأكثر منها قربا والأكثر منها بعدا في السياق. إنها تقنية مشفرة للدخول إلى عمق خالص.
توماس ميدلتون
ملحق التايمز الأدبي، 30 حزيران – يونيو – 1927
مقتطفات من ” توماس ميدلتون ”
ت. س. اليوت، أبحاث مختارة (الطبعة الثالثة، لندن، 1951 ). ص : 163
مأساة ” ذي تشينجلنغ ” 2، مأساة أبدية، تماما كمأساة اوديب أو انطوني وكيليوبترا، إنها مأساة الطبيعة غير السيئة بطبيعة الحال، ولكنها أيضا غير مسؤولة وغير متطورة، مما يجعلها تقع في عواقب أفعالها. في كل عصر وفي كل حضارة، توجد حالات من نفس الأشياء للطبيعة اللاأخلاقية، التي نجدها فجأة محصورة بالكد الذي لا يرحم: بالأخلاق، الأخلاق التي لا يصنعها الإنسان وإنما الطبيعة، حيث تجد نفسك مضطرا إلى عواقب فعل تم التخطيط له بكل بساطة. بياتريس ليست مخلوقا أخلاقيا، ولكنها تصبح أخلاقية من خلال اللعنة التي اصابتها. ص : 167
الكوميديا شديدة العصف. آباء ثقيلون، يتشدقون كما ينبغي للآباء ان يفعلوا. الأبناء بريون متوحشون، ويقومون بكل الطيش المتوقع منهم: الآلات هي نفس الآلات الإليزابيثية المعتادة. يبدو أن ميدلتون مهتم بإرضاء الجمهور بما يتوقعونه، لكن ذلك يأتي بلا شخصية ثابتة، وبلا حراك للطبيعة البشرية.
” فرانسيس هربرت برادلي ”
الملحق الأدبي للتايمز، 29 كانون الأول – ديسمبر 1927
مقتطفات من ” فرانسيس هربرت برادلي ”
ت. س. اليوت، أبحاث مختارة (الطبعة الثالثة، لندن، 1951 ). ص : 444 – 445
الكثير من القراء، يضعون في اعتبارهم أن مفارقات برادلي الجدلية، وحماسه الواضح في استخدامها، ما هي إلا عادة من عاداته في ازعاج الخصوم، من خلال قدرته على المفاجأة، وعدم القدرة على الفهم، أو عدم القدرة على التفكير الموضوعي. وقد خلص هؤلاء القراء إلى أن هذا كله مجرد موقف، من رجل عديم الضمير إلى حد ما. لكن الدراسة العميقة لعقل برادلي تقنعنا بالتواضع الحقيقي لهذا الرجل، وأن مفارقاته ما هي إلا سلاح لرجل متواضع وحساس للغاية. ص : 448
… الدراسات الأخلاقية ليست مجرد هدم لنظرية السلوك النفعي، بل هي هجوم على العقل النفعي كله. بالنسبة للنفعية، كما يعرف كل قارئ لأرنولد، إنها معبد فليستيا (3)، العظيم. ومن هذا المعبد تسلل ارنولد إلى المنمنمات والزخارف، وألقى بظلاله على الصور. وتبقى أفضل عباراته فخا من أجل الإيقاع بنا، وتضليل ذاكرتنا. لكن برادلي، ومن خلال نقضه الفلسفي للنفعية، قوض تلك الأسس. أحفاد جيرمي بنثام الروحيين أعادوا بناء معبد جديد، كما يفعلون دائما، لكن على الأقل، بناء معبد آخر لنفس العبادة، لكنهم قاموا بتطبيق نمط جديد من الهندسة المعمارية. ص : 449
هذا لا يعني أن عمل ارنولد كان عبثا، خاصة إذا كنا مقتنعين أنه يجب أن يتم مرة أخرى. يجب أن نعرف مقدما، فيما إذا كنا مستعدين لهذا الصراع، أن القتال يمكن أن يشهد فترات هدنة، لكنه لن يشهد سلاما. اذا أخذنا الرأي الأوسع والأكثر حكمة لقضية ما، فليس هناك شيء اسمه قضية خاسرة، لأنه لا يوجد هناك شيء اسمه قضية مكتسبة. إننا نناضل من أجل القضايا المفقودة لأننا نعلم أن هزيمتنا واستياءنا قد يكونان مقدمة لانتصار من سيخلفوننا، على الرغم من أن النصر نفسه سيكون مؤقتا. إننا نقاتل من أجل الحفاظ على شيء ما على قيد الحياة، من التوقعات بأن شيئا ما سينتصر. ص : 453
وحدة فكر برادلي ليست وحدة يحققها رجل لا يغير رأيه. اذا لم تكن لديه سوى فرصة ضئيلة للتغير، فذلك يعود إلى أنه عادة ما يرى مشاكله منذ البداية بكل تعقيداتها وصلاتها، بمعنى آخر، إنه يراها بحكمة، ولأنه لم يكن ليخدع أبدا حتى من خلال الإستعارات الخاصة به، كان، في الواقع، اكثر استخداما من غيره لتلك العبارات، ولم يمل أبدا من الاستفادة من الاستعارات الجاهزة.ص : 454
الفلسفة بلا حكمة باطلة. عند الفلاسفة العظام، عادة ما ندرك تلك الحكمة التي يمكن أن نطلق عليها الحكمة الدنيوية. الحس السليم لا يعني، بالطبع، رأي الأغلبية أو رأي اللحظة المعاصرة. ليس هناك شيء يمكن أن نحصل عليه دون نضج ودراسة وتفكير.
دانتي/ 1929
مقتطفات من دانتي
ت. س. اليوت (الطبعة الثانية، لندن، 1965 ). ص : 7
من خلال تجربتي الخاصة في تقدير قيمة الشعر، وجدت دائما أنه كلما قلت معرفتي بالشاعر وعمله، قبل أن أبدأ بقراءته، كلما كان ذلك أفضل. … فعلى الأقل يمكن أن يحفزك للحصول على منحة دراسية كي تستمتع بالشعر، بدلا من أن تفترض أنك تستمتع بالشعر لأنك حصلت على منحة دراسية. ص : 8
ما يثير الدهشة في شعر دانتي، هو أنه، من ناحية، سهل القراءة لدرجة كبيرة. إنه اختبار، اختبار إيجابي، فالشعر الحقيقي يمكنه التواصل قبل فهمه. ص : 14 – 15
علينا أن نفكر في نوع العقل الذي يميل بطبيعته وممارسته للتعبير عن نفسه بصورة رمزية: بالنسبة للشاعر الكفء والمؤهل، فإن الرمز يعني صورا بصرية واضحة. حيث تعطى الصور المرئية الواضحة كثافة أكثر من خلال وجود معنى. نحن لا نحتاج إلى معرفة المعنى، لكن من خلال ادراكنا للصورة يجب ان ندرك أن المعنى موجود أيضا. ص : 26
تجربة أية قصيدة، هي تجربة أية لحظة على مدى الحياة. إنها تشبه إلى حد كبير تجاربنا المكثفة مع البشر الآخرين. هناك لحظة أولى، أو اللحظة المبكرة الفريدة من نوعها، وهي لحظة الصدمة والدهشة، وحتى لحظة الرعب. اللحظة التي لا يمكن نسيانها أبدا، ولا يمكن أن تتكرر أبدا، لكنها تصبح خالية من مضمونها إن لم تعش في تجربة أخرى أكبر، حيث تعيش داخل شعور أكثر عمقا وهدوءا. ص : 28
بالنسبة للعلم أو فن كتابة الشعر، اللذين يمكن تعلمهما من جحيم دانتي، نجد أن أعظم الشعر يمكن كتابته بأعظم اقتصاد في الكلمات، وأكبر قدر من التقشف في استخدام المجاز، والتشبيه، والجمال اللفظي، والأناقة. ص : 36
من الخطأ التفكير بأن هناك أجزاء من الكوميديا الإلهية تثير اهتمام الكاثوليك أو علماء العصور الوسطى. لأن هناك اختلافا (وهذا هو ما أحب أن أؤكد عليه) بين المعتقد الفلسفي والقبول الشعري.ص : 63
بالنسبة لشاعر كشكسبير، نحن أقل عرضة لتجاهل نصوص الشروحات والتفسير، أما بالنسبة لدانتي، فهناك حاجة ماسة للتركيز على النص، والأكثر من ذلك أن عقل دانتي أبعد ما يكون عن طرق التفكير والشعور التي نشأنا عليها. ما نحتاجه ليس المعلومات بل المعرفة: الخطوة الأولى للمعرفة هي التعرف على الاختلافات بين شكل الفكر والشعور الخاص بنا.
” ارنولد وباتر ”
بوكمان، أيلول – سبتمبر 1930
مقتطفات من ” ارنولد وباتر ”
ت. س. اليوت أبحاث مختارة (الطبعة الثالثة، لندن، 1951 ). ص : 431 – 432
يتمتع ارنولد بموهبة بسيطة في مجال الإتساق والتعريف. ولم تكون لديه قوة استدلال فيما يتعلق باي شكل من الأشكال: رحلات تحليقه تفتقد إلى قوة المنطق: هذه الرحلات إما أن تكون قصيرة أو دائرية، لم يحمل أي عمل من أعماله النثرية تحليلات وثيقة للغاية. وقد نشعر أن المحتوى الإيجابي للعديد من الكلمات ضئيل جدا. الثقافة والسلوك هي الأشياء الأولى التي يتم اخبارنا عنها. لكن ما هي الثقافة وما هو السلوك؟ اشعر إنني أعرف أقل القليل في كل قراءة. ص : 432
للثقافة ثلاثة جوانب، حسب نظرنا اليها من خلال الثقافة والسياسة، أو من خلال المقالات والنقد، أو من خلال الملخصات. في الكتاب الأول من هذين الكتابين تظهر لنا الثقافة بميزتها الفضلى، والسبب واضح: الثقافة تبرز على خلفية تتناقض معها، خلفية من عناصر محددة من الجهل والابتذال والتخيز. ص : 434
يبدو أن كتب أرنولد تررد مرارا وتكرارا مقولة أن الايمان المسيحي مستحيل بالنسبة لرجل الثقافة، فهو سلبي بشكل يدعو للضجر. المثقفون سلبيون بطريقة غريبة: هدفهم التأكيد على أن مشاعر المسيحية يمكن ويجب الحفاظ عليها من دون الإيمان. من هذا المنطلق يمكن استخلاص نوعين مختلفين للإنسان، ونوعين مختلفين من الاستنتاج : الاول أن الدين هو الأخلاق، والثاني أن الدين هو الفن. تأثير حملة أرنولد الدينية يكمن في فصل الدين عن الفكر. ص : 438
تميز باتر يكمن في خصوصية الدين في الثقافة، ومن جانب آخر:من العاطفة، ومن الإحساس بشكل خاص، ومن أجل القيام بذلك، كان يفعل فقط ما قدمه له ارنولد من رخصة للقيام به. ص : 438
اذا كان هذا هو ما يخبرنا به قاموس أكسفورد، فإن هذا المصطلح ما هو إلا ” تقدير مقدس للأجمل “، ثم هناك نوعان على الأقل: أولئك الذين تكون مهنتهم صوتية، وأولئك الذين يعتبرون أكثر مهنية. اذا أردنا أن نفهم اللوحة، فيجب ألا نذهب إلى أوسكار وايلد ليساعدنا على فهم اللوحة، فلدينا متخصصون مثل السيد بيرينسون أو حتى السيد روجر فراي. حتى في هذا الجزء الأول من عمله الذي لا يمكن إلا أن يسمى نقدا أدبيا، فإن باتر يظل دائما وفي المقام الأول أخلاقيا.
بودلير 1930
مقتطفات من ” بودلير ”
ت. س. اليوت، أبحاث مختارة (الطبعة الثالثة، لندن، 1951) ص : 423
كان واحدا ممن يتمتعون بقوة عظيمة، ولكنها كانت قوة للمعاناة فقط. لم يهرب من المعاناة، ولم يتمكن من تجاوزها، لذلك اجتذب الألم لذاته. لكن ما كان بإمكانه فعله، مع هذه القوة القوة الهائلة، وحساسيته اللتين لا يمكن لأي ألم أن يضعفهما، وهو دراسة معاناته. وفي هذا الأمر حصريا، فإنه يختلف عن دانتي كليا، ولا يشبه أية شخصية من شخصيات جحيم دانتي. لكن، من ناحية اخرى، فإن معاناة بودلير تعني ضمنا حالة من التفجر الإيجابي. في الواقع، في طريقة معاناته،هو فعلا نوع من حضور خارق، وانسان عبقري عظيم.ص : 434
كان يمتلك تقنية أعظم من غوتييه، ومع ذلك، فإن احساسه بالإنفجار، كان يتفجر داخله باستمرار. وهنا لا اقصد كلماته وايقاعاته، وإنما مخزونه من الصور. (كل صورة من صوره مقيدة بمكان ما )، وليست قابلة للف أو الدوران. ص : 429
طالما أننا بشر، فإن ما يمكن أن نفعله إما أن يكون المرء منا شريرا أو طيبا، بقدر ما نفعل من الشر أو الخير، نحن بشر، ومن الأفضل، ولو كان ذلك على النقيض، أن نفعل الشر، بدلا من أن لا نفعل شيئا: على الأقل لنثبت وجودنا. صحيح القول إن مجد الإنسان يكمن في قدرته على الخلاص، لكن الصحيح أيضا، القول إن مجده يكمن في قدرته على الخطيئة.
أفكار باسكال
مقتطفات من ” أفكار باسكال ”
ت. س. اليوت، أبحاث مختارة (الطبعة الثالثة، لندن، 1951). ص : 404
إن فترة المجتمع العصري في حياة باسكال ذات أهمية كبرى في تطوره، لقد زادت معرفته بالرجال وصقلت ذوقه. لقد أصبح رجل العالم دون أن يفقد أبدا ما تعلمه، وحين حول أفكاره بشكل كامل نحو الدين، كانت معرفته الدنيوية جزءا من تكوينه، وهو أمر ضروري لقيمة عمله. ص : 407
قبل كل شيء، كان رجلا يزخر بالعواطف القوية، وقد تعزز شغفه الفكري للحقيقة، بسبب عدم رضاه عن الحياة البشرية قبل أن يتمكن من العثور على تفسير روحي لها. ص : 408
لفهم الطريقة التي يستخدمها باسكال، يجب على القارئ أن يكون على استعداد لمتابعة عملية عقل المؤمن الذكي. المفكر المسيحي – وأعني بذلك الرجل الذي يحاول بوعي وضمير أن يشرح لنفسه التسلسل الذي يبلغ به ذروة الإيمان، وليس المدافع العلني عنه – هو الذي يجب أن يتحكم بالرفض والإقصاء… بالنسبة لغير المؤمن، تبدو هذه الطريقة مخادعة ومنحرفة: لأن الكافر كقاعدة عامة، ليس مضطربا لدرجة كافية كي يتحتم عليه شرح العالم لنفسه، كما أنه لا ينزعج كثيرا نتيجة هذا الاضطراب، ولا يهتم بشكل عام (من الناحية المعاصرة) ب (الحفاظ على القيم ). لا يأخذ بعين الاعتبار أن كانت لديه بعض الحالات العاطفية، أو التطورات المعينة في شخصيته، أو ما يمكن أن نطلق عليه (القداسة) فهي أمور فطرية ومعروفة جيدا، فالتفسير المرضي للعالم، هو تفسير يعترف (بواقع) هذه القيم. والإنسان الكافر لا يعتبر هذا المنطق مقبولا. إنه، اذا جاز التعبير يفصل قيمه وفقا لثوبه، لأن مثل هذه القيم ليست ذات قيمة كبيرة. الكافر يبدأ من الطرف الآخر، فهو على الارجح لا يسأل مثل هذا السؤال: هل حالة التوالد البشري قابلة للتصديق؟ وهذا من شأنه أن يدعوه مباشرة إلى قلب المسألة. ص : 409
قلت سابقا إن طريقة باسكال، هي (في مجملها) طريقة المدافعين المسيحيين النموذجيين. كان هذا التحفظ موجها إلى اعتقاد باسكال بالمعجزات، التي تلعب دورا كبيرا في بنيته، وهو دور أكبر مما هو عليه الحال لدى الكاثوليك المعاصرين. قد يبدو من الرائع قبول المسيحية لأننا نؤمن أولا بأن معجزات الإنجيل حقيقية، وقد يبدو من المعقول قبولها بشكل أساسي لأننا نعتقد أن المعجزات المعاصرة أكثر واقعية، نحن نقبل المعجزات، أو بعض المعجزات، ولكي نكون صادقين لأننا نؤمن بانجيل يسوع المسيح: إننا نقدم ايماننا بالمعجزات على الانجيل، ولا نقدم ايماننا بالإنجيل على المعجزات. ص: 411 – 412
باسكال هو رجل العالم بالنسبة للزاهدين، وهو نسق فريد بين رجال العالم. كان يمتلك العلم الدنيوي وشغف الزاهد. وكلاهما اندمجا فيه كفرد. أغلبية الناس كسولة العقل، زائفة، يستوعبها الغرور، وفاترة العواطف، بالتالي فهي غير قادرة على الكثير من الشك أو الكثير من الإيمان، وعندما يكتشف الرجل العادي نفسه بأنه متشكك أو غير مؤمن، فإنه عادة يتخذ ذلك الوضع البسيط الذي يخفي إهماله للتفكير الذي يمكن أن يقوده إلى الاستنتاج. ص : 416
القلب له اسبابه التي لا يعرفها العقل، كم سمع كل منا مثل هذا التعبير، ولكنه ينقله في كثير من الأحيان إلى مساره الخاطئ. لهذا لا يعني بأي حال من الأحوال تقديم القلب على الرأس، دفاعا عن الغيبيات. إن القلب، في مصطلحات باسكال، هو ذاته عقلاني، هذا إذا كان قلبا بالفعل. بالنسبة له، بدت المسائل اللاهوتية أكبر بكثير وأكثر صعوبة وأهمية من المسائل العلمية، مما جعله يتورط فيها بشكل كامل. ص : 416
لا يمكنني التفكير بأي كاتب مسيحي آخر، ولا حتى بنيومان، إن أكثر ممن يمكن أن أشيد به، هو باسكال، خاصة بالنسبة لأولئك المتشككين الذين لديهم عقل يمكن أن يتصور أو يتخيل، وحساسية تمكنهم من الشعور، ويعيشون الفوضى وعدم الجدوى والغموض، وسر الحياة والمعاناة، والذين لا يمكنهم العثور على السلام إلا من خلال ارضاء البشرية كلها.
فـي ذكراه / 1936
مقتطفات من ” في ذكراه ”
ت. س. اليوت، أبحاث مختارة (الطبعة الثالثة، لندن، 1951 ). ص : 328
تينيسون شاعر عظيم، لأسباب واضحة تماما. لديه ثلاث صفات نادرا ما توجد إلا في الشعراء العظام: والوفرة، التنوع، والكفاءة والأهلية الكاملة. ص : 328
دون أن يخطئ في محاولة كتابة أية قصيدة لاتينية باللغة الإنجليزية، كان يعرف كل شيء عن التفسير اللاتيني الذي يمكن لأي شاعر انجليزي أن يستخدمه، وقد قال ذات يوم أعرف أصوات كل كلمة انجليزية باستثناء المقص. ص : 331
يمكننا ابتلاع أكثر المذاهب والمعتقدات بغضا وتنفيرا، اذا امتلكنا سردا مثيرا. بالنسبة للسرد، لم يكن لدى تنيسون أية موهبة سردية على الإطلاق. بالنسبة للقصيدة الثابتة أو القصيدة المتحركة اللتين تدوران حول نفس الموضوع، يمكنك أن تقارن ابداعه بيوليسيس كرواية مكثفة ومثيرة، وبالبطل في جحيم دانتي في القرن السادس عشر، دانتي يروي قصة، أما تينيسون فما هو إلا صائغ بمزاج رثائي.
ميلتون 1 / 1936
مقتطفات من ” ميلتون 1 “ت. س. اليوت، مختارات نثرية من ت. س. اليوت، كيرمود (لندن، 1975) ص : 260
بالنسبة لشكسبير، إنه يتفوق كثيرا على أي شاعر آخر في اللغة الإنجليزية، لأن مجموعة مفرداته تقدم إبداعا دائما، فهي توسع معنى الكلمات الفردية المجتمعة في السياق، وهذا الأمر ينطبق على ” مهد الإنتاج ” و ” الغابة الخشبية “. من خلال المقارنة، نجد أن صور ميلتون لا تعطي الإحساس بالخصوصية، ولا تطور الكلمات المفردة معانيها ودلالاتها، لغته تعني أنه يمكن للمرء استخدام المصطلح دون اهمال مصطنع أو تقليدي. ص : 263
من عيوب الأسلوب الخطابي وجود التشويش فيه من خلال تضخيم الخيال السمعي على حساب البصر واللمس، بحيث يتم فصل المعنى الداخلي عن السطح، وحيث يميل إلى أن يصبح غامضا،أو على الأقل، دون أن يترك تأثيرا على القارئ حتى يمكنه فهمه بشكل كامل. لاستخراج كل شيء ممكن من الفردوس المفقود، يبدو أنه من الضروري قراءته بطريقيتين مختلفتين: الأولى من أجل الصوت، والثانية من أجل الحس.

” بايرون ”
1937
مقتطفات من بايرون
ت. س. اليوت، في الشعر والشعراء( لندن، 1957 )
ص : 193
حين يقوم أحد الأقارب المسنين بسرد حكايات عن طفولته، فإن مثل هذ الأمر يبدو مملا، لإنه يقترن بالعودة إلى العديد من السنوات. بالنسبة لشعر بايرون، فإنه مصحوب بما يشبه هذا المظهر: تأتي الصور أمام العقل، وتذكرنا بعض القصائد بالطريقة الدونجوانية، فهي مشبعة بالإحباط والسخرية الخاصين بالقرن السادس عشر، كما كانت تظهر لنا من خلال الدوريات المدرسية.ص: 196

الحبكة عند بايرون، اذا كانت تستحق أن نطلق عليها هذا الإسم، بسيطة للغاية. ما يجعل الحكايات مثيرة للاهتمام، وهذا يعود أولا إلى سلاسة تدفق القصيدة، والمهارة في تنوعاتها واختلافاتها من حين لآخر لتجنب الرتابة. ثانيا، النزوع إلى الشرود والهذيان. الاستطراد، في الواقع، هو أحد الفنون القيمة للراوي.إن تأثير الاستطراد عند بايرون هو الذي يبقينا مهتمين بالراوي نفسه، ومن خلال هذا الاهتمام، يسعى إلى زيادة اهتمامنا بالقصة.
ص : 200 – 201
بالنسبة لبايرون، يمكن للمرء أن يقول، إنه دون أي شاعر انجليزي آخر متميز مثله، لم يضف شيئا إلى اللغة، ولم يكتشف شيئا من الأصوات، ولم يطور شيئا في المعنى للكلمات الفردية. لا يمكنني التفكير في أي شاعر آخر عظيم غيره، استطاع أن يدفع شاعرا أجنبيا للكتابة بالإنجليزية. يمكن لأي شخص عادي أن يتحدث اللغة الإنجليزية، ولكن لا يستطيع سوى عدد قليل من الناس في كل جيل فعل ذلك، وبناء على هذا التعاون غير المستقر بين عدد كبير من الأشخاص الذين يتحدثون لغة حية، وعدد قليل جدا من الناس الذين يكتبونها، يعتمد استمرار اللغة والحفاظ عليها. تماما كما يفعل الحرفي الذي يستطيع التحدث باللغة الإنجليزية بشكل جميل أثناء عمله، أو في حانة عامة، قد يكتب رسالة بلغة ميتة، تحمل بعض التشابه مع صحفي متمرس يزينها ” بعبارات الغضب الجارف ” و ” الضوضاء “، هكذا يكتب بايرون بلغة ميتة أو على وشك أن تموت.
ص : 2006
يبدو أن لرذائله الخاصة، توأم فضيلة يشبهها تماما. فمع دجله، نجد أن لديه صراحة غير عادية. ومع تكلفه، نراه شاعرا يحتفل به احتفالا ميهبا، ومع هرائه وخداعه الذاتي لديه صدق الغيرة المتهورة. هو في يوم ما ارستقراطي نبيل، وسكير مبتذل. ومع كل ما لديه من غرور وشيطانية مزيفة، فإنه قادر على اثارة السخط، وهو سيئ السمعة وقذر ومؤمن بالخرافات.
” ييتس ”
تموز – يوليو وكانون الأول – ديسمبر 1940
مقتطفات من ” ييتس ”
ت. س. اليوت، الأعمال النثرية المختارة ل ت. س. اليوت، كرمود (لندن 1975 ).
ص : 249
عندما زار لندن، أحب أن يلتقي بالشعراء الشباب ويتحدث معهم. لقد قال الناس عنه أحيانا، إنه متعجرف ومتغطرس. لم اجد ذلك أبدا في أحاديثه مع الكتاب الأصغر منه سنا، شعرت دائما أنه يقف معهم على قدم المساواة، كالعامل يشارك زميله نفس التعاسة والبؤس. كان، على ما أعتقد، على عكس العديد من الكتاب، كان يهتم بالشعر أكثر من اهتمامه بسمعته أو صورته كشاعر. كان الفن فيه أكبر من الفنان، وقد انتقل هذا الشعور للآخرين، وهذا هو السبب الذي جعل الأصغر منه سنا غير راضين عن صحبته.
ص : 249
… خلال تقدمه نحو منتصف العمر، كان أمام الرجل ثلاثة خيارات: التوقف عن الكتابة تماما، تكرارا نفسه بمهارة وبراعة عظيمتين، أو التفكير في التكيف مع مرحلة منتصف العمر، وايجاد طريقة مختلفة للعمل.
ص : 251
هناك نوعان من غياب الشخصية البشرية أو السمات المرتبطة بها، وهذا الأمر طبيعي بالنسبة للحرفي البارع، وهو ما يتحقق أكثر وأكثر بالنسبة للفنان الناضج. الأول هو ما اطلقت عليه ” المختارة الأدبية” أو القصيدة الغنئاية كما هو الحال عند لوفليس أو سوكلينج أو كامبيون، وييتس، وهو شاعر أرفع منزلة منهم جميعا، والثاني هو أن يكون شاعرا، ومن خلال تجربته المكثفة والشخصية، يكون قادرا على التعبير عن الحقيقة العامة، والاحتفاظ بخصوصية تجربته، ليصبح رمزا عاما. الغريب في الأمر هو أن ييتس، بعد أن كان حرفيا عظيما في الصنف الأول، أصبح شاعرا عظيما في الصنف الثاني.
ص : 253
معظم الكتاب الرجال، إما يتشبثون بتجارب الشباب، بحيث تصبح كتاباتهم تقليدا غير صريح لأعمالهم السابقة، أو يتركون شغفهم وراءهم، ويكتبون من رؤوسهم فقط، ببراعة فنية فارغة. هناك إغراء آخر أسوأ: وهو أن تصبح رجل نبيلا جليلا، أي أن تصبح شخصية عامة ذات حضور علني فقط، مع بعض الزخارف الحياتية، تقول وتفعل وتفكر ما تعتقد أن هذا هو ما يتوقعه منك الجمهور. لم يكن ييتس من هذا النوع من الشعراء، وربما يكون هذا هو السبب الذي جعل شعره الأخير مقبولا أكثر من الرجال الأكبر منه سنا.
” روديارد كيبلينج ”
1941
مقتطفات من ” روديارد كيبلينج ”
ت. س.اليوت، عن الشعر والشعراء( لندن، 1957 ).
ص : 229
نتوقع أن يكون علينا الدفاع عن الشاعر ضد تهمة الغموض، أما بالنسبة لكيبلينج فيتحتم علينا الدفاع عن تهمة الوضوح الزائد. نتوقع شاعرا يجب أن يؤنب ويوبخ لعدم احترامه لذكاء الرجل العادي، او حتى لتعمد الاستهتار بذكاء الرجل العادي: علينا الدفاع عن كيبلينج ضد تهمة كونه ” صحفيا ” يستحضر مشاعر جماعية فحسب. نتوقع أن تتم السخرية منه لأن اشعاره لم تكتب ليتم تفحصها بتمعن. يجب أن ندافع عن كيبلينج ضد تهمة كتابة الأناشيد.
ص : 231
كنت أفكر بوصف كيبلينج ” كاتب أغان “. وهذا الأمر يستغرق بعض الوقت لشرحه وتوضيح ما أعنيه، لأنني بذلك أقوم بتوسيع معنى كلمة ” أغنية “. صحيح أن هناك خطأ غير منقطع من المعنى يربط بين الأنواع المختلفة من الشعر التي تستخدم مصطلح ” القصيدة ” في القصيدة الغنائية السردية، الهدف هو سرد قصة ما، وفي تلك المرحلة من الأدب، كان الشكل الطبيعي هو القصة التي تهدف إلى إثارة المشاعر. شعره عرضي، وإلى حد ما يصدر عن اللاوعي.الشكل عبارة عن مقطع صغير مقفى، يتركز انتباه القارئ على القصة والشخصيات. ويجب أن يكون للكلمة معنى مفهوما على الفور من قبل المستمعين. وقد تقرر جلسات الاستماع المتكررة الإنطباعات الأولى، وقد تكرر التأثير، لكن يجب أن يتم نقل المفهوم الكامل في جلسة واحدة، ويجب أن يكون الشكل من ذلك النوع البسيط الذي لا يلفت الانتباه لنفسه، ولكن التكرارا والالتفافات قد تسهم في التشويش والغموض. لا ينبغي أن تكون هناك مضاعفات متناظرة تقابل دقة الشعور الذي لا يمكن الاستجابة له على الفور.في مرحلة أخرى من الثقافة – كما هو الحال في الانجلوساكسونية، والاشكال المتقنة من الشعر الويلزي – إن تطوير الشعر ببراعة واعية، يتطلب معرفة تقديرية من جانب الجمهور: إن القيود والمعيقات التي تفرض على الجمهور، تفرض عليه التغلب عليها من خلال عرض مهاراته.
ص : 235
حرفة ومهنية الشاعر الكبير قد تفرض عليه الفشل أحيانا، ولكن في أعظم لحظات تجلياته يفعل ما يفعله كيبلينج على الأقل: الكتابة بشفافية، بحيث يتم توجيهنا إلى الموضوع وليس إلى الوسيط.
ص : 235 – 236
نحن ننظر إلى الشاعر كنظرتنا إلى الروائي، أو لما أسماه هنري جيمس الشكل في السجادة. بالنسبة لأعظم الشعراء المعاصرين هذا الشكل واضح تماما( لأننا يمكن أن نكون متأكدين من وجود الشكل دون فهم تام له ): استحضر ييتس في هذه المرحلة بسبب التناقض الواضح في اطواره، وهو واضح جدا في الطريقة التي يكتب بها، وتطور كيبلينج الذي يظهر فقط في ما يكتب عنه. نتوقع أن نشعر مع كاتب عظيم، انه كان عليه أن يكتب عن الموضوع الذي قام بالكتابة عنه، وبالطريقة التي نفترضها. بالنسبة لكيبلينج، يجب أن ننظر إلى الإكراه الداخلي، وإلى الوحدة في التنوع التي نجد صعوبة كبيرة في تمييزها.
ص : 237 – 238
لذلك نجد في القصائد تنوعا غير عادي، وبما أنه لا يوجد نمط واضح، يجب تأسيس هذا التواصل على مستوى آخر. مع ذلك فإن هذا ليس عرض للبراعة الجوفاء، ويمكن أن نكون على يقين من أن هناك طموحا في النجاح الشعبي أو الباطني لمصلحته الخاصة. يجب على الكاتب ألا يكون جادا فقط، فلديه موهبة، ولديه نداء داخلي. وهو ماهر تماما، أي أنه يمتلك القدرة الكاملة على التعبير عن نفسه شعرا أو نثرا. لكن في كثير من الأحيان يكون هذا الأمر أعمق بكثير من مجرد اظهاره لمهارته. لا أعرف أية موهبة عظيمة كان الشعر فيها مجرد أداة… بالنسلة لكيبلينج، القصيدة هي الشيء الذي يتحتم عليه التصرف به. الجزء الأكبر من قصائده تهدف إلى الحصول على الاستجابة ذاتها من قبل القراء، الاستجابة التي يمكن أن يجمع عليها الجميع.
ص : 241
الموهبة العظيمة في استخدام الكلمات ،والفضول المذهل وقوة ملاحظته العقلية وكامل حواسه، تشكل قناع المتعة بالنسبة له، وخلف ذلك كله، تلك الموهبة الغريبة للنظرة الثانية، لنقل الرسائل من مكان إلى آخر، موهبة مربكة للغاية، حيث يؤكد وجوده حين نكون متأكدين تماما من عدم وجوده. كل هذا يجعل من المستحيل فهم كيبلينج بالكامل، ومن المستحيل التقليل من شأنه.
ص : 243
يجب أن نكيف أنفسنا للإعتراف بأن امبراطورية كيبلينج لم تكن مجرد فكرة جيدة أو سيئة، وإنما كانت واقعا شعر به. وفي تعبيره عن مشاعره، لم يكن بالتأكيد يهدف إلى التملق للغرور الوطني أو العنصري أو الإمبريالي، أو محاولة نشر برنامج سياسي: كان يهدف إلى ايصال الوعي بوجود شيء ما يشعر به معظم الناس لكنهم لا يدركونه بشكل كاف. كان ادراكا للعظمة بالتأكيد، ولكنه كان أكثر وعيا بالمسؤولية.
ص : 244
أعتقد أن كيبلينج قد فكر بالشعر وبالنثر أيضا كوسيط لغرض عام. واذا أردنا اصدار حكم على هدفة، فيجب أن نحاول أن نضع أنفسنا في المواقف التاريخية التي كتب فيها أعماله المختلفة، لنعرف ما إذا كان تحيزنا مؤازرا أم معاديا. يجب أن لا ننظر إلى ملاحظاته حول موقف تاريخي واحد من وجهة نظر فترة لاحقة. يجب علينا أن ننظر إلى عمله ككل، وإلى السنوات السابقة في ضوء السنوات اللاحقة، والا نبالغ في اعطاء الأهمية لمقطوعات أو عبارات معينة قد لا نحبها.

جونسون كناقد وشاعر
من ورقة مقدمة في الكلية الجامعية لنورث ويلز عام 1944
مقتطفات من ” جونسون كناقد وشاعر ”
ت. س. اليوت، في الشعر والشعراء (لندن، 1957 ).
ص : 162
اعتبر جونسون أحد أكبر ثلاثة نقاد للشعر في الأدب الإنجليزي: الآخران هما درايدن ووليريدج.
ص : 162 – 163
درايدن، المهتم بالدفاع عن طريقته الخاصة في الكتابة، حيث ينتقل من العام إلى الخاص، يؤكد على المبادئ، وينتقد شعراء معينين فقط لتوضيح حجته. وجونسون، في سياق انتقاده لأعمال شعراء معينين، انتهت أعمالهم – يقودنا إلى التعميم.
ص : 165
من المؤكد أن جونسون نظر إلى الشعر الإنجليزي من وجهة نظر تعتبر أمرا مسلم ابه، صقل للغة والتأويل من خلال سطور محددة. مما يؤدي إلى ثقة في صحة استمرارية أداء الأسلوب الذي تم انجازه. ثقة أقوى من قدرتنا أن نضعها في نمط أو أنماط معينة في عصرنا الذي بالكاد ننظر إليه على أنه مجرد خلل في قدرته النقدية.
ص : 167
عن طريق ” الأذن “، بالنسبة للشعر، فإن هناك تخوفا من شيئين يمكن اعتبارهما تجريدا مستلهما من بعضهما البعض، ولكنهما ينتجان تأثيرهما من خلال ” الوحدة”: الايقاع والكلمات. إنها تدل على بعضها البعض: لأن الاملاء – المفردات والبنية – يحددان الايقاعا، والإيقاعات التي يجدها الشاعر ملائمة ستحدد اسلوبه. الإنطباع الفوري للإيقاع والكلمات هو الذي يجعلنا نتقبل القصيدة، ويشجعنا على منحها المزيد من الاهتمام واكتشاف اسباب أخرى تجعلها تروق لنا.
ص : 169
الانحراف الحديث يعني طرح درجة معينة من عدم الانسجام، أي أن نكون متسامحين مع هؤلا الشعراء الذين لا يعرفون ما يحاولون قوله بالضبط، طالما أن القصيدة جيدة، وتقدم صورا مدهشة وغير مألوفة. في الواقع، هناك ميزة معينة في هذا الهذيان الرخيم، ويمكن أن تكون مساهمة حقيقية في الأدب إذا استجابت بشكل فعال للشهية الإنسانية الدائمة لقرع الطبول والصنوج. كلنا نريد أن نسكر مرة بعد أخرى، سواء فعلنا ذلك أم لم نفعل: الإدمان الحصري على بعض أنواع الشعر له نفس الأخطار التي تعتمد على نوع واحد من الكحول. إلى جانب شعر الصوت – الذي يحتل موقعا وسيطا بين شعر الصوت وشعر الحس – هناك شعر يحاول توسيع حدود الوعي البشري وتعريفه بأشياء غير معروفة للتعبير عما لا يمكن التعبير عنه. أنا لست مهتما بهذا الشعر. بين طرفي السحر والمعنى، نحن اليوم أكثر إغراء بالموسيقى من المعاني المبهجة، ومن مضامين الحكمة والذكاء التي تنص عليها أحكامنا المرتجلة. كان عصر جونسون، وجونسون ذاته أكثر ميلا إلى الاختيار الأخير، كان بوسع جونسون أن يقبل الكثير من الشعر الذي يبدو لنا أنه كفؤ وسليم. أما نحن فمستعدون لقبول الشعر كما هو حتى ولو لم يكن كفؤا أو سليما. نحن نتسامح كثيرا مع الصوت والصورة، ولا نتسامح كثيرا مع الشعور.
ص : 175
يقول جونسون إن الشعر الأجوف أكثر ملاءمة للمرحلة، لأنه ببساطة، أقرب إلى النثر: بعبارة أخرى، الأشخاص الذين يتحدثون ينتجون أحيانا شعرا موقعا خماسي التفاعيل، لكن الكثير منه لا ينتمي للشعر المقفى. أنا لا أعتقد أن مثل هذا الحكم صحيح تماما. فإذا كان جونسون قد فشل في تقدير الموسيقى الخاصة بالشعر المأساوي الأجوف، فربما يكون قد خدع أيضا عندما ظن أن الشعر الأجوف يمكن أن يكون شكلا من أشكال التخاطب.
ص : 178
جونسون كان اخلاقيا، ولكنه كان يفتقر إلى المقاييس التي تفصل بين نوعين من الشعر الهجائي الإنجليزي. السخط يمكن أن ينتح شعرا، لكن يجب أن يكون سخطا متدثرا برداء السكينة والهدوء. أشعر بأن هناك سخطا متخيلا تم تقديمه هنا في لندن، وهو سخط بديل للاستنكار الحقيقي. في هجاء درايدن، كما هو الحال في أنواع مختلفة من الشعر، يختفي المضمون الساخر في الشعر. لدى درايدن يصبح الإنسان الساخر عملاقا سخيفا، وتصبح حشرة البوب الضارة شيئا جميلا وغريبا. في لندن، يصبح التأثير الكلي نوعا من الشكوى.
ص : 181
لم يكن جونسون يمتلك موهبة البناء، التي تمكنه من إقامة بنية أكثر تفصيلا. فالبنية عنصر مهم في التركيب الشعري – هنك حاجة ماسة إلى مجموعة متنوعة من المواهب – وصفية وسردية مثيرة. نحن لا نتوقع عادة بنية قريبة جدا من قصيدة مقطعية ذات سطرين، والتي تبدو وكأنها تبدأ وتنهي في أي مكان.
ص : 183
اوافق على ان القصيدة التي لا تترك انطباعا فوريا، ولا تجذب انتباهنا بأي حال من الأحوال، من غير المحتمل أن تثير التشويق لاحقا. لكن يبدو لي أن جونسون لا يقر بإمكانية أي تطور أو توسيع حدود المتعة، أو الوعي التدريجي لجمال جديد، أو متابعة المعلومات بشكل أفضل. لا يسمح يسمح بنضوج القارئ وتنمية حساسيته من خلال خبرة أعمق، ومعرفة أكثر شمولا.
ص : 184
بالطبع، نحن جميعا، نتأثر في درجة انجذابنا إلى عمل فني معين، من خلال تعاطفنا مع الأفكار، بالإضافة إلى شخصية المؤلف. نحن نسعى، وفي عصرنا هذا يجب أن نسعى إلى التقليل من الإنجذاب أو التنافر، من أجل التوصل إلى تقييم عادل للجدارة الفنية.
ص : 187
في مجال الأسئلة المثارة حول ما اذا كانت القصيدة مكتوبة بشكل جيد أم سيء، وما اذا كان يمكن تحسينها، وما إذا كانت الإيقاعات سليمة، وما إذا كان اختيار الكلمات مثقفا وشديد الحساسية، وما إذا كانت هناك صور موزعة بشكل صحيح، وما إذا كانت الصيغة صحيحة، وما إذا كانت انتهاكات البنية الطبيعية مبررة. يبدو لي أن كل هذه الأسئلة تضع السائل في دائرة الإشتباه أو الحذلقة، وبالتالي تصبح في الكثير من الأحيان تعليقات لا قيمة لها بالنسبة للمؤلف. الا إذا كانت تلك الأسئلة لصالحه، فإنها يمكن أن تكون حملة دعائية له، إنها حملة يجمع المتسائلون فيها للوقوف مع أو ضد شاعر معين.
ص : 191
يجدر بنا أن نسأل أنفسنا: لماذا لا يوجد عمل لاحق للنقد من نفس النوع. إن النقد في القرن التاسع عشر لم يكن ينتمي إلى درجة البحث العلمي، من خلال عرض حقائق مؤكدة حول مؤلف وآخر. كان يميل إلى كونه نقدا أدبيا. مع كولريدج اندمج النقد بالفلسفة والنظريات الجمالية، ومع أرنولد اندمج مع علم الأخلاق ليصبح الأدب وسيلة في تشكيل الشخصية، لدى بعض النقاد ومنهم باتر، يصبح موضوع النقد ذريعة من نوع آخر. وفي أيامنا هذه أصبح تأثير علم النفس أو علم الاجتماع على النقد الأدبي ملحوظا… ببساطة، الشروط التي يمكن بموجبها الحكم على الأدب ببساطة وبطريقة طبيعية، كأدب، لم تعد موجودة.
” ميلتون 2 ”
وقائع الأكاديمية البريطانية، تشرين الأول – اكتوبر 1947
” مقتطفات من ميلتون 2 ”
ت. س. اليوت، في الشعر والشعراء (لندن 1957 ).
ص : 146 – 147
الباحث أكثر فهما للتحفة الفنية في بيئة مؤلفها: العالم الذي عاش فيه المؤلف، مزاج عصره، تكوينه الفكري، الكتب التي قرأها، والتأثيرات التي صاغته. الناقد أقل اهتماما بالمؤلف من القصيدة ذاتها، وبالقصيدة بالنسبة لعصره. إنه يسأل: ما هي فائدة شعر هذا الشاعر لما يكتبه الشعراء هذه الأيام؟ وهل يمكن أن تكون قوة حية للشعر الإنجليزي الذي لم يكتب بعد؟ لذلك يمكننا أن نقول أن عمل الباحث دائم، وعمل الناقد فوري وعاجل. الباحث يعلمنا أين يمكن أن نمنح اعجابنا واحترامنا. أما الناقد فيجب أن يكون قادرا على أن يتحدث عن الشاعر المناسب في الوقت المناسب، كي يتمكن من صنع تحفة فنية قديمة فعلية، وإعطاء هذه التحفة أهميتها المعاصرة، واقناع الجمهور بأنها مثيرة للإهتمام وممتعة وفعالة.
ص : 148
لا يوجد أي شاعر انجليزي آخر، لا ووردزوورث ولا شيلي، عاش أو اتخذ موقفا في مثل هذه الحالات الهامة كما فعل ميلتون. من الصعوبة بمكان النظر إلى أي شعر آخر ببساطة كشعر، دون تراكيب لاهوتية وسياسية، واعية أو واعية، موروثة أو مكتسبة، وهذه كلها مداخل غير شرعية. والخطر الأكبر منها أنها ترتدي الآن ثيابا مختلفة.
ص : 154
اسلوبه ليس نمطا كلاسيكيا لأنه لا يرتقي بالأسلوب العام بلمسة نهائية من العبقرية، كي يصل إلى العظمة. إنه شكل من التركيبة خاصة واستثنائية، لا تعتمد على الكلام العام، ولا على النثر المشترك، أو الإتصال المباشر بالمعنى. بالنسبة للشعر العظيم يجد المرء صعوبة في تصنيفه، أو بيان ما هو عليه.ما هي اللمسة المتناهية في الصغر التي أحدثت الفرق بين الكلام السطحي الذي يمكن لأي انسان عادي إن يقدمه: التحول الطفيف الذي يكمن في تركيبه للجملة السهلة كي تظل جملة عادية واضحة، لكنه يصل إلى الحد الأقصى وليس إلى الحد الأدنى في تعامله مع اللغة العادية. أي تحريف في البنية، أو في مصطلح أجنبي، أو استخدام كلمة اجنبية بمعناها أو بعيدا عن معناها المقبول في اللغة الإنجليزية، هذه كلها تشكل خاصية من الأشياء التي كان ميلتون أول من ارتكبها. لا توجد في شعره كلمة مبتذلة، أو كلمة شاعرية منتقاة، إلا وتكون ضمن السياق العام لفوضاه المبدعة.
ص : 155
بالتأكيد، كان التصور البديهي الذي لا يمكنه فعله، هو الذي قيد مشروع ميلتون الخاص في ملحة الملك آرثر. لسبب واحد، وهو انه كان لديه القليل من الاهتمام بفهم البشر كأفراد. في الفردوس المفقود، لم يكن بحاجة إلى مثل هذا الفهم للرجال والنساء، لأن مثل هذا الاهتمام لم يكن مطلوبا – بل كان غيابه ضروريا – لخلق شخصياته الخاصة به لكل ما آدم وحواء.شخصيات ليست كأي رجل أو امراة من الشخصيات التي نعرفها: لو كانوا كذلك، فلن يكونا آدم وحواء. إنهما الرجل والمرأة الأصليان، إنهما النموذجان الأوليان، وليس ما تفرع منهما من أنواع.
ص : 157
الفردوس المفقود، مثل يقظة فينيجان، (لا يمكنني التفكير بأي عمل آخر يوفر توازنا أكثر إثارة للاهتمام منهما: كتابان لموسيقيين أعميين عظيمين، كل منهما يكتب لغته الخاصة به، اعتمادا على اللغة الإنجليزية )، هذان الكتابان يطلبان من القارئ إعادة تعديل مزاجه وتخوفه. فيهما ينصب التركيز على الصوت وليس على الرؤية، على الكلمة وليس على الفكرة، وهذا هو التفسير الفريد من نوعه الذي يؤكد على امتلاك ميلتون لمدرسة فكرية.
ص : 157 – 158
إنها الفترة التي كانت فيها الجملة وليس الفقرة هي الوحدة الأساسية في شعر ميلتون. كان يرى أن بنية السطر هي الحد الأدنى الضروري لتوفير نمط مضاد مضاد لطول الفقرة. كان تركيزه منصبا على طول الموجة الشعرية: ومن هنا امتلك نمطا مثاليا وفريدا لكل فقرة، بحيث يتم العثور على الجمال الكامل للسطر ضمن سياقه، وهذا هو الذي جعله قادرا على العمل ضمن وحدات موسيقية أكثر من أي شاعر آخر، وهذا هو دليلي بأن ميلتون وصل إلى أعلى درجة من الإتقان.
ص : 160
يجب أن يقال أن اسلوب ميلتون، ليس أسلوبا شعريا منقوصا: فعندما ينتهك اللغة الإنجليزية فإنه لا يقلد أحدا، إنه شعر لا يضاهى. لكن ميلتون، كما قلت في السابق، تمثل الشعر في أقصى حدود النثر. إن أحد مبادئنا أن يمتلك الشعر فضائل النثر، ويجب أن يكون قادرا صقل الكلام المعاصر، قبل الطموح بالإرتقاء بمستوى الشعر. أما المبدأ الآخر، فهو أن مادة القصيدة وصورها يجب أن تمتد إلى مواضيع تتعلق بحياة الرجل والمرأة المعاصرين كالمواضيع التي نجدها في المادة غير الشعرية. أي البحث عن مادة واضحة وصريحة لتحويلها إلى شعر، وذلك من خلال كلمات وعبارات لم تكن قد استخدمت في الشعر من قبل.
” ما الذي يعنيه دانتي بالنسبة لي ”
الأخبار الايطالية، تموز – يوليو – 1951
مقتطفات من ” ماذ يعني دانتي بالنسبة لي ”
ت. س. اليوت، لنقد الناقد( لندن، 1965 ).
ص : 125
لقد قرأت دانتي فقط، من خلال الترجمة النثرية للنص. قبل اربعين عاما بدأت بفك رموز الكوميديا الإلهية بهذه الطريقة. عندما أظن أنني استوعب معنى المقطع الذي أسعدني، اسكنه في الذاكرة. لدرجة أنني تمكنت خلال بضع سنوات من قراءة جزء كبير من نشيد أو آخر وترديده بيني وبين نفسي، خلال الإستلقاء على السرير، أو خلال رحلة في قطار. الله وحده يعرف ماذا كان ذلك يعني بالنسبة لي، لقد قرأت المقاطع بصوت عال، وهذا يعني أنني قد بدأت الدخول إلى شعر دانتي.
126
بالنسبة لجولز لافورج، مثلا، يمكنني القول إنه كان أول من علمني كيف أتكلم، علمني الإمكانيات الشعرية المتعلقة بكلماتي الخاصة. هذه المؤثرات المبكرة، اذا جاز التعبير، هي تقديم المرء لذاته، وهي حسب اعتقادي، انطباع من جانب واحد، أو اعتراف بمزاج شخص ما، هذا من جهة، ومن جهة أخرى، اكتشاف شكل التعبير المناسب للصيغة الخاصة بالمرء.
126 – 127
اعتقد أن أول ما تعلمته من بودلير، أهمية التعرف على الامكانيات الشعرية التي لم يطورها أي شاعر في اللغة التي اكتب بها، ينقلها من مستوياتها البائسة إلى قمة تجلياتها، من إمكانية الذوبان بين الواقعية الشريرة والخيال الوهمي، إلى إحتمالية تجاوز الأمر الواقع إلى ما هو أروع منه. لقد تعلمت منه كما تعلمت من لافورج أن نوع المادة التي امتلكها، ونوع التجربة التي مررت بها كمراهق، في مدينة صناعية في أمريكا، يمكن أن يكون فيهما مادة للشعر. إن مصدر الشعر الجديد يمكن العثور عليه في ما كان يعتبر حتى الآن أحد المستحيلات، وأحد الأشياء العقيمة، والمستعصية على الدوام. في الواقع، كان عمل الشاعر هو إخراج الشعر من الموارد النظرية غير المستنبطة، وأن مهنة الشاعر هي تحويل غير الشعري إلى شعر. الشاعر العطيم يمكنه أن يعطي الشاعر الأصغر منه سنا، كل ما يجب عليه أن يعطيه، ومن خلال أسطر قليلة. قد أكون مدينا لبودلير بستة أسطر فقط من قصيدة زهور الشر كاملة، ويمكنني تلخيص ذلك بالتالي:
مدينة مزدحمة، مدينة مليئة بالأحلام
حيث ألمح الطيف في وضح النهار يخنق الممر…
كنت أعرف ما يعنيه ذلك، لأنني قد عشته قبل أن أعرف أنني أريد تحويله إلى قصيدة خاصة بي.
ص : 127
عندما كنت صغيرا كنت أشعر بالراحة أكثر مع مسرحيين اليزابيثيين أقل شأنا، أكثر مما اشعر به مع شكسبير: أول شيء كيف اتحدث مع زملائي الذي هم في حجمي. أحد أهم الاختبارات مع هؤلاء السادة العظام، وشسكبير واحد منهم، هو أنهم يعتبرون الشعر مهمة تدوم مدى الحياة، لأن كل مرحلة من مراحل النضج – والتي يجب أن تكون حياة كاملة – يمكنك فهمها بشكل أفضل. من هؤلاء العظام: شكسبير ودانتي وهوميروس وفيرجيل.
ص : 128
من المؤكد أنني استعرت سطورا منه، في محاولة أعادة إنتاج، أو بالأحرى إثارة ذهن القاريء بمشهد من مشاهد دانتي، وبالتالي إقامة علاقة بين جحيم القرون الوسطى والحياة الحديثة. ربما يتذكر قراء قصيدتي الأرض اليباب أن رؤية كتبة مدينتي الذين يتدفقون على جسر لندن من محطة السكة الحديدية متوجهين نحو مكاتبهم، يثير التأمل في ” لم أكن أعتقد أن الموت قد اسقط الكثير من الناس، وفي مكان آخر قمت بتعديل أحد سطور دانتي عن طريق تغييره إلى ” تنهدات قصيرة ونادرة تم إطلاقها”. لقد قمت بالإشارة إلى المراجع من خلال ملاحظاتي من أجل جعل القارئ القادر على تمييز هذه التلميحات، يعرف أنني ريد منه أن يدرك ذلك، وأنه سيفتقد تلك التلميحات أن لم يتعرف عليها ويدركها. بعد عشرين عاما من كتابة ” الأرض اليباب “، كتبت في ” ليتل غيدنغ ” عبارة أقصد بها أن تكون أقرب ما يكون إلى الجحيم أو المطهر، في الأسلوب والمحتوى الذي يمكنني تحقيقه. بالطبع كانت الغاية هي نفسها، كما هو الحال مع تلميحاتي إلى دانتي في ” الأرض اليباب” : اثارة عقل القارئ للتعرف على مثل هذا التوازي، عن طريق النقيض، بين الجحيم والمطهر اللذين زارهما دانتي، وبين مشهد الهلوسة بعد أحدى الغارات الجوية. لكن بطريقة مختلفة: وهنا حرمت من الاقتباس او التكيف بشكل مطول – لقد استعرت بعض العبارات وتكيفت معها بكل حرية- لأنني كنت اقلدها.
ص : 129
… المعيار المختلف، يؤدي إلى طريقة مختلفة للفكر. إنه نوع مختلف من علامات الترقيم، لأن وقفات التقاط الأنفاس لا تأتي في نفس المكان. لقد فكر دانتي ب ” تيرزا رايما ” 4، وينبغي أن تترجم القصيدة بنفس شكل فكرها الأصلي قدر الإمكان.
ص : 129
أحد الأشياء المثيرة للإهتمام التي تعلمتها هي محاولة تقليد دانتي باللغة الإنجليزية، وكان ذلك من الصعوبة بمكان هذا المقطع من إحدى قصائدي – التي لا يزيد طولها عن نشيد واحد من ” الكوميديا الإليهة ” – فقد الكثير من الوقت والجهد والتعب أكثر من أي مقطع بنفس الطول في كل قصائدي التي كتبتها. لم يكن الأمر مقتصرا على تقليد دانتي في صوره وتشبيهاته وتركيباته اللغوية. كان في الأساس اسلوبا عاريا ومتقشفا، يجب أن تكون فيه لكل كلمة وظيفتها. لذلك فإن أدنى درجة من الغموض الدقة، يمكن ملاحظتها على الفور. يجب أن تكون اللغة مباشرة جدا، يجب أن يكون السطر والكلمة منضبطين تماما، وعندما تستخدم كلمات وعبارات بسيطة، فإن أي تكرار للمصطلحات الشائعة، أو الكلمات الأكثر ضرورة يصبح عيبا صارخا.
ص : 133
يبدو لي أن دراسة وتطبيق اسلوب دانتي بالكامل، يعلم الشاعر أن يكون خادم لغته وليس سيدها.
ص : 133
إن نقل لغة شخص، إلى لغة خاصة بشخص آخر، أكثر تطورا وأكثر دقة مما كانت عليه قبل كتابته، هو أرقى انجاز ممكن للشاعر كشاعر.
ص : 134
لذا، فإن مثل هذا الأمر عبارة عن تذكير للشاعر بالإلتزام بالإستكشاف، والعثور على كلمات لما يعجز عن التعبير عنه، والتعبير عن تلك المشاعر التي لا يستطيع الناس حتى الشعور بها، لأنهم لا يمتلكون تلك الكلمات. وفي الوقت ذاته، تذكير المستكشف، الذي يتجاوز وعيه حدود الوعي العادي، أنه لن يتمكن من نقل أفكاره إلى إخوانه من المواطنين العاديين، إذا لم تكن له دراية بالواقع الذي يعيش فيه أكبر بكثير من فهمهم لذلك الواقع.
” فيرجيل والعالم المسيحي ”
ليسينر، 13 أيلول – سبتمبر 1951
مقتطفات من ” فيرجيل والعالم المسيحي ”
ت. س. اليوت، عن الشعر والشعراء، (لندن، 1957 )
ص : 122 – 123
اذا كان النبي، بحكم التعريف، هو الرجل الذي يفهم معنى ما يقوله فهما كاملا، فإن هذا سيكون بالنسبة لي نهاية الأمر. لكن اذا كان لكلمة ” الوحي ” أو ” الإلهام ” معنى، فإنها تعني أن المتكلم أو الكاتب يتكلم بشيء لا يفهمه كليا، أو قد يسيء تفسيره عند خروج هذا الإلهام عنه. هذا الأمر ينطبق بالتأكيد على الإلهام الشعري: لذلك هناك سبب واضح للإعجاب باشعياء كشاعر، أكثر من الإعجاب بفيرجيل كنبي. قد يعتقد الشاعر أنه يعبر عن تجربته الخاصة فقط. قد تكون سطوره وسيلة للتعبير عن نفسه دون التخلي عن نفسه، لكن بالنسب لقرائه، فإن ما كتبه قد يكون تعبيرا عن مشاعرهم السرية الخاصة، وعن استياء جيلهم أو يأسه. إنه ليس بحاجة إلى ما يمكن أن يعنيه شعره للآخرين. والنبي لا يحتاج إلى فهم معنى تعبيره النبوي.
ص : 123 – 124
عندما كنت تلميذا، كنت كثيرا ما اتعرف على الإلياذة والاينييد 5، في نفس العام، لقد وجدت حتى تلك اللحظة أن اللغة اليونانية، في المجال الدراسي، كانت أكثر اثارة من اللغة اللاتينية. ما زلت أعتقد أن أعظم اللغات: لغة لم يتم تجاوزها أبدا كوسيلة تعبر عن الفكر والشعور لأفصى وأرقى مدى. بعد ذلك وجدت نفسي اكثر ارتياحا مع فيرجيل، بعد أن كنت اشعر بعدم الإرتياح مع هوميروس… كان سلوك الناس الذين كتب عنهم هوميروس عقبة أمام استمتاعي بالإلياذة، في ذلك العصر. كانوا آلهة غير مسؤولة، بقدر ما كانت فريسة لشغفها، خالية من الروح العامة، والإحساس باللعب النظيف، مثل الأبطال، وكان هذا صادما بالنسبة لي.
ص : 128
المصير ليس ضرورة، وليس نزوة، إنه شيء ذا معنى جوهري. كل انسان له مصيره، على الرغم من أن بعض الناس هم بلا شك ” رجال مصير “، بمعنى أن معظم الرجال بمن فيهم أنياس رجال قدر، لأنه يعتمد عليه مستقبل العالم الغربي. لكن هذه الأشياء لا يمكن تفسيرها، إنها عبء ومسؤولية أكثر من كونها سببا لتمجيد الذات… اذن هو خادم لأي قوة؟ ليس للآلهة الذين هم أنفسهم مجرد أدوات، وأحيانا متمردون. إن القدر يحيطنا بسره الغامض، لكنه لغز لا يتعارض مع العقل، لأنه يعني أن للعالم، ومسار التاريخ البشري، معنى.
ص : 130
في النهاية، يبدو لي أن المكان الذي خصصه دانتي لفيرجيل في الحياة الأخرى، وهو دور المرشد والمعلم، يعود للعائق الذي لم يُسمح لفيرجيل بالمرور عليه، أو بمعنى آخر لم يكن قادرا على المرور عليه، وهذا العائق بالضبط، بيان علاقة فييرجيل بالعالم المسيحي.
ص : 131
ما هي الكلمة الأساسية في الانياذة التي يمكن للمرء أن يجدها في الكوميديا الإلهية ولا تغيب أبدا عن الانياذة؟ كلمة واحدة بالطبع هي (لوم) (LUME) 6، وكل الكلمات المعبرة عن المغزى الروحي للنور. لكن هذا المعنى الذي استخدمه دانتي، كما اعتقد، لا ينتمي إلى المسيحية الصريح والواضحة، وانما هو منصهر مع معنى التجربة الصوفية الباطنية. وفرجيل ليس صوفيا. تتكرر كلمة (أمور) (Amor) 7، في القصيدة الرعوية 8، (الحب ينتصر على كل شيء )، لكن حب الرعاة لا يمثل أكثر من مجرد عرف شعري. إن استخدام علمة (أمور) في القصيدة الرعوية، لا يشتعل بنفس المعاني كما هو الحال في الإنياذة. على سبيل المثال، نعود إلى باولو وفرانسيسكا بفهم أكبر لشغفهما بعد درنا في دوائر حب الفردوس. بالتأكيد، حب ديدو وأنياس يمتلك قوة مأساوية كبيرة. هناك حنان ورضى بما فيه الكفاية في الإنياذة، في رأيي، لكن الحب لايمنح أبدا، وبنفس المغزى كمبدأ نظام للنفس البشرية، في مجتمع يقدم الفطائر التي تسبب الدهون على الحب، أو حركة الشمس والنجوم. بالنسبة لشدة الشغف الجسدي، فإنه أكثر فتورا لدى فيرجيل من بعض الشعراء الآخرين، وأقل بكثير مما هو لدى كارمن. لدى فيرجيل، نشعر بأنفسنا على الأقل وكأننا نتحرك في نوع من الطيف العاطفي. من بين جميع كتاب العصور الكلاسيكية، نجد أن العالم كان منطقيا بالنسبة له، من أجله ومن أجل كرامته، وهذه الميزة لم تتوفر لأي إنسان مما سبقوه عبر التاريخ، سوى الأنبياء.
________________________________________________________________
1 – الشعر الذي تخلى عن الأنماط المقياسية والقوافي والأشكال الأخرى من الموسيقى، وبالتالي فهو يميل إلى اتباع ايقاع الكلام الطبيعي )
2 – طفل يُعتقد أنه تم استبداله سرا بالجنيات بدلا من الطفل الحقيقي للوالدين في مرحلة الطفولة.
3 – المعبد الذي يشار إليه بتسميات مختلفة في العهد القديم.
4 – تعبير ايطالي يعني المقطع الشعري المقفى، بقافية ثلاثية متداخلة، وقد تم استخدامه للمرة الأولى من قبل الشاعر الإيطالي دانتي اليغييري.
5 – قصيدة ملحمية باللغة اللاتينية كتبها فيرجيل تتعلق بتجارب اينياس بعد سقوط طروادة، مكتوبة بشكل رئيسي لتوفير خلفية تاريخية لروما.
6 – تعني ” أكثر من الحب ” عندما تعشق شيئا ما أو شخصا ما إلى مستوى لا يمكن وصفه، لذا يجب استخدامها بحرص شديد، كي يبقى المعنى قويا.
7 – تعني أن الحب هو الشعور الدافئ القوي الذي يتفجر لديك، عندما تهتم بشخص ما، أو أن لديك مشاعر رومانسية قوية تجاهه.
8 – هي القصيدة المكتوبة بأسلوب كلاسيكي حول موضوع الرعوية. أحيانا تسمى ريفية أيضا.


ترجمة وتقديم: محمد الظاهر

شاهد أيضاً

ارتحالَات النَصّ من بارمينيدس إلى افلاطون ومنه إلى هيدغر

مصطفى الكيلاني* 1 – بَدْءًا: إمْكَان مُغَالَبَة دُوغما القِرَاءَة وَالفَهْم بِالمُقَارَبَة التَنَاصِّيَّة القَوْل بِواحديّة النصّ …