أخبار عاجلة

انبثاق قصيدة النثر النسوية

تكشفت التحولات الدالة لقصيدة النثر بوصفها فضاء شعريا مفتوحا عن انبثاق صيغة جلية للكلام الجمالي النسوي، أصبحت فيه المرأة العربية المبدعة أكثر تفتحا وإشراقا وتعبيرا عن همومها الحقيقية بشكل غير مسبوق في الشعرية العربية القديمة والمعاصرة على السواء، حيث كان من نتائج التحولات الجمالية المثمرة لقصيدة النثر احتضان الصوت النسوي شعريا ليعبر من خلال هذا الشكل بمعياريته الفنية المفتوحة، حيث تجلت ظاهرة القصيدة النثرية النسوية بوصفها إحدى الفعاليات الجمالية المبدعة التي مارست المرأة فيها الكتابة بشكل مطلق، لا يعتد بالحالة الرومانتيكية البسيطة التي كانت تصنف ضمنها كتابة المرأة العربية، أو بالأفكار الأولية التي كانت تحصر كتابة المرأة في نطاق ما هو سردي يتوخى في الأساس الكتابة عن الآخر، وعن التعبير عن بعض إشكاليات القهر أو الحب، أو التجارب الوجدانية الصغيرة .
-1-
وفي قصيدة النثر تمردت المرأة الكاتبة على هذه الآفاق الضيقة التي كانت تنحصر فيها كتاباتها الإبداعية، وكانت تتقوقع تحت مفاهيم الكتابة الوجدانية، مما وضع هذه الكتابة تحت مأزق مفهوم : «الكتابة النسوية» الذي شكل مفهومه نشاطا نظريا وتطبيقيا في اتجاهات النقد الحديث، وتشير إلين شوالتر Elain showalter في دراستها: «نحو شعريات نسوية» Towards a Feminist Poetics إلى أن «النقد النسوي يمكن أن ينقسم إلى نمطين جليين، النمط الأول : هو ما ينتمي إلى المرأة بوصفها قارئا للنتاج الأدبي، مع الحفاظ على فرضية تغيرات القراءة النسوية بالنسبة لمعطيات النص، التي توقظنا بدلالاتها وشفراتها الجنسية، وسوف أسمي هذا النمط بـ«النقد النسوي التحليلي»، أما النمط الآخر من هذا النقد فهو يرتبط بالمرجعية التاريخية… وبالأيديولوجيا، وبالظاهرة الأدبية، فهذه الموضوعات تتضمن : الصور، والكتابة التسجيلية، وأدب المرأة» (1)
وعلى الرغم تجليات هذا النقد النسوي، فإن المرأة حوصرت به، بشكل يميز بين كتابتها وكتابة الرجل، فاتجهت مدفوعة بشحنة هائلة من الصمت اللا إرادي، وبحالة من القهر الذي مورس عليها من قبل أدبيات المجتمع العربي الراسخة التي تنظر في مجملها بدونية إلى المرأة (2) اتجهت إلى كتابة هذا الشكل الشعري الذي عثرت فيه على مطلق جمالي مفتوح يمزج بين ما هو نثري وما هو شعري، ويضع الشرط الجمالي في مرتبة تالية للرؤية، والتعبير، والحالة، وينفتح أكثر على مكنونات الذات، وجوهر الواقع .
لقد أصبحت قصيدة النثر بخواصها السردية – الشعرية أكثر ملاءمة للكتابة النسوية، ويشير صلاح فضل إلى ذلك بقوله: «أول ما يتبادر إلى الذهن الآن أن هذا الجنس المهجن الجديد قد أصبح أكثر الأشكال الفنية تلاؤما واتساقا مع (صوت المرأة) الحاد الرفيع، الذي أخذ يشق فضاء الثقافتين العربية والعالمية، ويزاحم أصوات الرجال الجشة وإيقاعاتهم الخشنة المسرفة» (3)
إن هذا الصوت يتجلى الآن بوصفه نوعا من الخلاص من الهيمنة الذكورية التي كانت لفترات طويلة تمثل وسيطا بين المرأة والقارئ، حيث أصبحت المرأة اليوم تعبر عن قضاياها بنفسها، خاصة تلك القضايا التي تمس خصوصيتها وذاتها.
ومع أنه ليس من العدل – فيما يشير صلاح فضل- أن نعتبر قصيدة النثر (شكلا نسائيا) في الكتابة الشعرية، لأن مبدعيها الكبار كانوا رجالا في جميع اللغات، إلا أن المرأة – خاصة العربية – يمكن أن تعثر فيها على الوعاء المناسب لصب تجربتها المكتومة المكفكفة عبر عصور مديدة، لبث شجونها ونفث همومها وتحقيق ذاتها في نوع يثير غيظ المجتمع الذكوري الرشيد، فهي لم تعد مجرد صوت يترنم صادحا بأقوال الرجال، مكررا لنغماتهم، مكرسا لمنظومة قيمهم، وإنما آن لها أن تسترد صوتها المبحوح وكلامها المتكسر ونبرتها الحميمة الصادقة» (4)
إن التحديق في النتاج الشعري النسوي في فضاء هذه القصيدة يبرز أمرين ملفتين :
– الأول : النظر إلى أن هذا النتاج يعد ظاهرة فنية وتعبيرية غير مسبوقة في النتاج الأدبي العربي بوجه عام ـ فلأول مرة في تاريخ الشعرية العربية نعثر على هذا الكم الوفير من الشاعرات ومن الإصدارات الشعرية النسوية في فترة زمنية وجيزة تتمثل في العقدين الأخيرين من القرن العشرين خاصة.
– الثاني : تعدد أنماط هذا النتاج، وتحوله جماليا ودلاليا خلال هذه الفترة .
لقد أصبح الوعي الماثل بكتابة المرأة وعيا بالفكر الإنساني العام، المطروح عبر انبثاق مفهوم «النسوية» في الرؤى والمفاهيم الغربية المعاصرة،
من هنا، وفي ظل هذا الأفق فإن الحالة التعبيرية النسوية العربية اليوم لا تخرج عن هذا الإطار الإنساني، الذي يحتفي بكتابة المرأة، ويشرع لها المجال للتعبير عن قضاياها وشؤونها بشكل مباشر.
– 2 –
لقد انبثقت قصيدة النثر النسوية بوصفها ظاهرة من أهم ظواهر تحولات الشعرية العربية الحديثة – بعد بدايات فردية في الستينيات والسبعينيات- في العقدين الأخيرين من القرن العشرين على الأخص، وتجلت بشكل مثير للانتباه في عقد التسعينيات بخاصة، ويتسنى لنا أن نعزو ذلك لعدة أمور :
– أولا : صعود مفهوم «النسوية» Feminism , والتركيز على إعادة قراءة إنتاج المرأة المبدعة، واتجاه المرأة العربية إلى تحقيق ذاتها الكتابية في شكل شعري لا يزال مثارا لجدل فني في الساحة الأدبية العربية، وما يزال في حاجة للفحص والتحليل، وهي – وفق ذلك – ترى أن جدة الكتابة بهذا الشكل سوف يهبها أرضية للتحقق إذ تضحى آنئذ مثارا للجدل والتساؤل .
– ثانيا : استثمار السياق التاريخي والأدبي العام الذي بات يحتفي بالتجارب الجديدة، ويؤثر الانفلات عما هو أيديولوجي، ويجافي فكرة الالتزام سواء كان هذا الالتزام على مستوى العقيدة السياسية أو حتى الدينية، أو على المستوى الفني الذي كان يحتفي بالقيم الفنية الكلاسيكية والمحدثة الجليلة ويلتزم بتصوراتها عن الفن والحياة .
– ثالثا : انفتاح قصيدة النثر على مستويات عدة من الصيغ والأشكال وانفتاح خطابها التعبيري على كافة الأنساق السردية والشعرية، جعلها فضاء مفتوحا للتعبير الذي قد لا يتطلب في بداهته جهدا لغويا أو إيقاعيا أو تصويريا، مما أغرى الكثيرات بالاتجاه إلى هذا الشكل الذي لا يحتاج أحيانا إلى تجربة سابقة وطيدة في كتابة القصيدة العربية بشكليها : العمودي والتفعيلي بما فيهما من صرامة فنية بدءا من استثمار العناصر اللغوية وانتهاء بالصورة والإيقاع والتجريب الشكلي، وبما فيهما من ميراث إبداعي يجعل من مسألة المقارنة الدائمة بين النموذج المنتج والنموذج الجديد، صيغة مثلى لتقييم فعالية النموذج الجديد، ومدى تجاوزه أو تواءمه مع النموذج المنتج السابق، مما قد يفضي إلى حرمان الأصوات الجديدة من إكمال الطريق الشعري صوب التميز الفردي المبدع الخلاق، أو قد يحبط بعض التجارب الجديدة في مهدها، أو قد يحفز – من وجهة أخرى – هذه الأصوات الجديدة ويمنحها القدرة على التميز.
– رابعا : سطوع قصيدة النثر العربية في التسعينيات من القرن العشرين، واعتبارها الشكل الشعري الأبرز في تلك المرحلة الذي يتصدر المشهد الشعري . (5)
– خامسا : مواكبة أشكال التعبير النسوية الأخرى التي بدأت في التجلي بشكل مثير في السينما، والغناء، والفن التشكيلي، وفي الرواية والقصة القصيرة . (6)
لقد مثلت البدايات النثرية الأولى لدى مي زيادة، وسلمى الصائغ الجذور الأولية في أفق الكتابة الشعرية بالنثر، وبتجاورها فيما بعد مع تجارب نازك الملائكة، وفدوى طوقان وسلمى الخضراء الجيوسي، وملك عبدالعزيز في نطاق القصيدة التفعيلية، أصبحت ثمة علامة واضحة على أن لدى الشاعرة العربية ما تعطيه في مجال الشعرية العربية المعاصرة، وعلى الرغم من تنازع الريادة الشعرية الحديثة واختطافها أحيانا من قبل السياب أو أدونيس أو البياتي وصلاح عبدالصبور، فإن المرأة سجلت بعض الحضور الشعري المتميز، ولكنه كان حضورا فرديا لا يشكل نوعا من الظاهرة التي تتعدد فيها الأصوات وتتكاثر .
وفي هذه المساحة التي بدأ فيها المشهد الشعري في التحول إلى كتابة القصيدة الحديثة، كان ثمة صوت نسوي ينشر كتاباته النثرية بدأب، حيث بدأت الشاعرة ثريا ملحس في نشر نصوصها النثرية بدءا من ديوانها الأول :«النشيد التائه» الذي صدر في العام 1974 . (7)
وتتسم تجربة الشاعرة الفلسطينية ثريا ملحس، بالسمات نفسها التي وجدناها لدى رواد قصيدة النثر في مرحلة ما قبل الخمسينيات وأوائلها، خاصة لدى ألبير أديب، وأورخان ميسر، وعلي الناصر، من حيث الاسترسال والتداعي الذاتي، واستلهام التراث خاصة الأسطوري منه . لقد قدمت ملحس تجربتها الأولى المبكرة في ديوان : «النشيد التائه»، وتلت ذلك بديوانها «قربان» الذي قدمت فيه تجربة نصية تتسم بالتكثيف، واستثمار العبارات القصيرة جدا في تشكيل النص، بيد أن الطابع الوجداني جعل النصوص تدور في فضاء مغلق، متكرر، لا تتعدى فيه الشاعرة وصف بعض مظاهر الطبيعة، وبعض التساؤلات عن الموت والحياة والوجود :
أأنت مخبري يا قمر؟/ أم أنت يا نجوم؟
أأنت يا سماء؟/ أم أنت يا كون؟/ أين طريقي؟
أين قصيدتي؟/ أين قيثاري ؟ (8)
وهي تعبر أيضا عن الأنهار والبحار والصخور، والغيوم، والرعود، مما كان سائدا في الشعرية الوجدانية العربية خاصة عند شعراء المهجر، وشعراء مدرسة أبوللو.
بيد أن ثمة تجربة شعرية أخرى، واكبت ظهور جماعة مجلة شعر، وقصت أثرها الجمالي، وواكبت القضايا الفنية التعبيرية التي طرحتها قصيدة النثر لدى ظهور هذا المصطلح بشكل حاسم مع مقالة أدونيس :«في قصيدة النثر» التي نشرت بالعدد 12 من مجلة شعر .
هذه التجربة هي تجربة الشاعرة سنية صالح، التي أصدرت ديوانها الأول في بدايات الستينيات الميلادية، وهي تجربة متقدمة جاوزت الحالة الوجدانية الرومانتيكية التي قدمتها ثريا ملحس، حيث تعد الشاعرة سنية صالح من رائدات قصيدة النثر النسوية، فقد بدأت كتابتها بشكل مبكر مواكب لتجربة مجلة (شعر) (9)
القصيدة عند سنية صالح، عالم متشابك بين ما هو أسطوري وما هو مثالي، وإذا كان الأسطوري يأتي حاملا أزمنته التاريخية فإنه ينبجس تارة أخرى في زمن الحلم المثالي الذي هو صورة محسنة للواقع، تجمله وتزينه في دلالات القصيدة.
إن هذا العالم المتشابك تخييلي بالضرورة، حيث إن استدعاء الماضي لا يتم بآلية العظة أو الاستلهام قدر ما يتم بآلية الكشف والمعرفة، والذهاب إلى المثالي المستقبلي الذي يسعى لمفارقة الواقع . هنا يصبح الخيال قادرا على لعب وظيفته الجوهرية في إعطاء صورة أخرى مغايرة لما هو متوقع أو مألوف، وبالتالي فإن نسق القصيدة الأساسي يتمثل لدى سنية صالح في الصورة .
ونطالع في نصوص ديوانها :«قصائد» الذي يتشكل من خمسة أقسام تحمل العناوين التالية : شام، اطلقي سراح الليل، هذيان، مستقبل من الرمال، طوروس القلقة، عشاق من الرمال، نطالع أنماطا كثيرة لهذه الصورة الناجمة عن تشابك أو ائتلاف ما هو أسطوري بما هو مثالي، ويتجلى ذلك في المقطع الرابع من قصيدة :«شام اطلقي سراح الليل»:
ها هو حصانك الثلجي يطير مجنونا بنار / المستقبل / تلمع عيناه ببريق الدهشة، / شيء ما يغريه في المضي، / شيء ما يمنعه ويشد لجامه،
ولكن، / لو كان المستقبل يرى مثل السحب/ أو الطيور، / لو كان يُفتح مثل النوافذ،/ لاخترت لك أعظم الأعمار، / لكنك وارثتي في الشقاء، / لقد أفرغت في جوفك حمم الايام/ ولظى السنين، / وها يلسع قلبي السكران / وميض النجم الذي يشبهك، / وعندما تحاصرك الرياح السوداء / يحاصرك الأولياء الشرسون،/ اسرجي خيولك للفرار / لكن حذار، / كي لا يحتال عليك ذئب الأسطورة / كي لا يحتال عليك القمر/ نامي في العراء، / حيث نار الحقيقة تضطرم، / حيث تقلبات الزمن/ بخطواتها الخرساء، تذهب وتجيء
كنمر يلتقط الأرض بأقدامه المخملية . (10)
كما أن الشاعرة تركز على ثنائيات : الماضي والمستقبل، الروح والجسد، الولادة والموت :
«في الجسد تضع الروح بيوضها،/ فيخرج أطفال شقر، زرق العيون، / يلعبون مع البحر / يبنون له قصورا من الرمال، / ويغرونه بالدخول، / ولكنه أذكى من أن يخدع . (11)
ولقد جاءت التجربة اللبنانية النسائية في قصيدة النثر متقدمة بشكل جلي بالمقارنة مع البلدان العربية الأخرى، حيث طرحت هذه التجربة عدة أصوات نسائية شعرية تجلت تحديدا في مرحلة السبعينيات الميلادية مع تأزم الحرب الأهلية اللبنانية، وما تلاها من عدوان إسرائيلي في العام 1978م، ثم في عدوان آخر وغزو أدى إلى حصار بيروت في العام 1982م . كانت الحرب هي العنوان الدلالي الأبرز في نتاج شاعرات هذه المرحلة وما تلاها، وهنا برزت القصيدة الوطنية التي يغلب عليها المفارقة، والتي ظهرت في كتابات «نجوى قلعجي، وزينب حمود، وفهمية نصرالله، وإنصاف الأعور معضاد، وقد شهد العقدان الأخيران من القرن العشرين انبثاقا حقيقيا للقصيدة النثرية النسوية، بل إن العقد الأخير شهد كثافة في الإصدارات الشعرية النسوية غير مسبوقة في تجربة الكتابة الإبداعية لدى المرأة العربية(12)
لقد فتحت قصيدة النثر، بفضاءاتها التعبيرية المشرعة مجالات جديدة لدخول مناطق خصبة للإبداع عبرها، خارج نطاق مركزية العواصم الكبرى في العراق والشام ومصر، أبرزها منطقة الخليج، وبالتحديد في الإمارات والبحرين، حيث لم يقتصر حضور القصيدة النثرية في مركزيتها اللبنانية، بل تجلت في هذه المنطقة التي برزت فيها شاعرات متميزات مثل : ظبية خميس، وميسون صقر القاسمي، وفوزية السندي، ونجوم الغانم، وحمدة خميس، وعائشة البوسميط، بل إن التجربة الإماراتية النسوية في مجال قصيدة النثر سبقت التجربة المصرية التي تجلت على الأخص في مرحلة التسعينيات من القرن العشرين، بدءا بنتاجات شاعرتين هما : إيمان مرسال، وفاطمة قنديل، ثم تبعتهما أعداد من الشاعرات مثل: هدى حسين، غادة عبدالمنعم، غادة نبيل، منى عبدالعظيم، وغيرهن (13)
إن كثرة هذه الأسماء الشعرية وتنوعها وتعددها، وتجايلها ما يؤكد على هذا التحول البين في تراتبية الكتابة الشعرية العربية، وفي انتشارها الجلي على مستوى القصيدة النثرية، بحيث أعطى هذا الشكل مساحة من الانتشار التعبيري النسوي الكثيف.
-3-
تستقصي هذه الدراسة فضاءات القصيدة النثرية وأنساقها، لدى عينة من الشاعرات اللائي ظهرن خلال النصف الثاني من القرن العشرين، وتجلى نتاجهن الشعري عبر هذه المرحلة المديدة في نتاج بعض الأصوات الشعرية النسوية المفردة، مثل : ثريا ملحس، وادفيك شيبوب، ثم تيريز عواد، وسنية صالح وإنصاف معضاد الأعور، ثم تنامت الأصوات النسوية بشكل مطرد في العقود الأخيرة من القرن العشرين، حتى أصبحن يشكلن ظاهرة إبداعية غير مسبوقة في فضاء الشعرية العربية في السنوات الأخيرة لهذا القرن العشرين .
وتنهض الدراسة هنا على القراءة الدلالية للنصوص النسوية، عبر الكشف عن أبرز المضامين التي تناولتها شاعرات هذه القصيدة، ولعل هذا الكشف يندرج بشكل ما في تشكيل موقف تأويلي من القصيدة النسوية على اعتبار أن «تحديد مضمون خطاب ما يشكل موقفا تأويليا» (14)
وهذا المزج بين ما هو دلالي وبين ما هو تأويلي قد يحتاج أيضا لرؤية بعض العناصر المكونة من الوجهة البنيوية أو الأسلوبية للبحث عن الطابع البويطيقي نهاية الأمر الذي تعطيه النصوص، ومن هنا وكما يوضح امبرتو إيكو :
«إن التعرف على قصيدة النص هو التعرف على استراتيجية سيميائية. وقد يتم التعرف على الاستراتيجية السيميائية أحيانا انطلاقا من أسس اسلوبية متداولة» (15)
على أن هذا التعرف قد يبقى محكوما بإطار زمكاني في التوصل إلى دلالية النص أو تأويله، ولهذا يبقى التأويل الدلالي دائما عملية منقوصة، لأنها تشارف قسمات النصوص عبر الحجاب الزمكاني، فضلا عن حجاب الكتابة نفسها .
وتتشكل عينة الدراسة من 40 شاعرة، روعي في اختيارهن جملة من النقاط :
– أولها : القراءة الزمنية التاريخية لمراحل تطور قصيدة النثر النسوية، باختيار عينة من الشاعرات ممن يمثلن نموذج الريادة في مراحل الخمسينيات والستينيات، ثم من يمثلن الفترة الزمنية من السبعينيات حتى التسعينيات .
– ثانيها : رصد التحولات الجمالية في كل مرحلة، لدى النماذج المختارة، وتمثل هذه النماذج للتحولات الجمالية المتعددة .
– ثالثها : التنوع الجغرافي للأصوات الشعرية المنتقاة، بحيث تتمثل فيها جل الأقطار العربية التي لها تجربتها المتميزة عبر هذا الشكل، والتي أسهمت بشكل جلي في انتشار هذا الشكل الشعري .
– رابعها : التنوع العمري و«الجيلي» لكاتبات قصيدة النثر، حيث شملت العينة أصواتا نسائية من مختلف الأعمار والأجيال .
– خامسها : اختيار ديوان شعري واحد لكل شاعرة على حدة، بوصفه نموذجا للقراءة النصية .
ويمكن لنا أن نستشرف بداءة بعض الخواص الدلالية العامة التي تتسم بها نصوص هذه العينة من الشاعرات، وهن الأكثر حضورا في المشهد الشعري النسوي في أفق قصيدة النثر خاصة في العقدين الأخيرين من القرن العشرين .
ويمكن جدولة هذه العينة من الشاعرات، كالتالي (16) :
إن التحديق في الخواص الدلالية العامة التي تمثلها هذه العينة الشعرية، تبدي لنا أن شاعرات قصيدة النثر قد ركزن على جملة من الفضاءات الدلالية، والفضاءات التقنية الجمالية في تخليق خطابهن الشعري، ومن خلال القراءة النصية المكثفة التي أبدت لنا هذه الخواص، فإنه يمكن تقسيم هذه الخواص إلى قسمين :
– الأول : يتعلق بما تحتوي عليه النصوص من رؤى ذاتية أو موضوعية، من حيث التعبير عن الذات الأنثوية، والموقف من الآخر (الرجل) والكتابة عن القضايا الوطنية.
– الثاني : يتعلق بالآليات الفنية والجمالية التي استثمرتها الشاعرات في توليد وإخصاب نصوصهن الشعرية.
إن القراءة النصية المكثفة لتجارب هؤلاء الشاعرات، يمكن لها أن تضيء عناصر التحول في أداء الكتابة النثر- شعرية في القصيدة النسوية هنا، وهي عناصر تشكل الإطار الدلالي العام لهذه التجارب، من خلال القسمين السالفين بحيث يتسنى لنا أن نقف على قصيدة النثر النسوية عبرهما بما يحقق نوعا من الوقوف على أجلى خواص التجربة النسوية في قصيدة النثر، ويبرز بطبيعة الحال الوعي النسوي الإبداعي القار خلال مكنونات هذا الشكل الشعري .
إن القراءة النصية للقصيدة النثرية النسوية، تبرز لنا بداهة حديث المرأة الكاتبة عن نفسها، وبالتالي فإن صوت الأنا النسوية هو الصوت الأبرز هنا، وهو صوت كامن في جل النصوص الشعرية الواردة بهذه العينة السابقة من الدواوين، إذ تسعى الشاعرة من خلال قصيدة النثر إلى تقديم ذاتها بشكل جلي حاد من جهة، وإلى تقديم الرؤية الأنثوية الحقيقية للعالم من جهة أخرى دون وصاية ذكورية .. وفي نصوص كثيرة – على سبيل المثال – لسلوى النعيمي، وظبية خميس، ولينا الطيبي، وميسون صقر، وفاطمة قنديل، وعائشة البوسميط نعثر على هذه الذات .
تقول سلوى النعيمي :
أحاول إقناع نفسي / أنني بنت هذا العالم/ وأن الأفق مفتوح أمامي/ حتى البحر . (17)
وتقول ظبية خميس :
أنا من جيل لم ينجب حتى ذاته/ دهمته الحرائق منذ لحظة الولادة/ ومنجزات الآخرين السماوية/ وسجونهم التي لا تعرف الرعاف
…..
أريد أن أفر، بعيدا، إلى آخر الأرض/ أن أولد من جديد/ بقلب ليس كالتفاحة الحمراء/ وذاكرة لا تحمل لون البحر/ ووجه لا يحمل من هذا الشرق أية رائحة.
أريد أن أولد كالسيد المسيح/ أو أبونا آدم../ ولا أريد أن أكون حواء/ التي أنجبها من ضلعه ../ ضلعه الوحيد . (18)
فالبحث هنا عن الحرية المطلقة، يتجاوز الحدود المصطنعة التي قاست منها المرأة العربية، والشاعرتان هنا تسعيان للولادة من جديد، سلوى النعيمي :«بنت العالم«وظبية خميس تنقب عن صورة الولادة الجديدة التي تشبه ولادة آدم والسيد المسيح . إن هذا الانعتاق إلى الحرية والولادة، هو المحفز الأول الذي يخرج بالمرأة إلى العالم، وإلى أن تصبح هي الصائغة لأشيائها وأفكارها .
وفي ديوانها :«هنا تعيش» تبرز لينا الطيبي هذه الذات المنفردة التي تقاوم بصوتها مأساة العالم.. تعبر الطيبي عن الذات الأنثوية من خلال توارد: «الأنا» بشكل ملفت، ومن خلال الأفعال المضارعة المتوالية الكامن فيها ضمير الأنا بصيغة :«أفعل«كما أن تكرار الأسماء مضافة إلى ياء الملكية من الظواهر البارزة في نص الديوان الطويل، وهذه الصيغ كلها تبرز مدى احتفاء الشاعرة بذاتها في مواجهة العالم، فقد عرفت الشاعرة – فيما يشير صبحي حديدي في تقديمه لديوان: «هنا تعيش»- «مشاق إدراك الصوت الأنثوي المركب في تناقضاته وتصالحاته مع قطبي الروح والجسد، وفي عذابات أن يطلق ببحة أزمانه في وديان سحيقة عرفت من قبل بحة أصوات أليسا وميديا وإلكترا . وهذه ليست نسوية معتدلة أو نسوية مضمرة مقلوبة على رأسها، وليست تحويل آليات المنزل الرتيبة إلى شعر، لأن موضوعات القصائد، ببساطة، ليست امرأة وليست حياة امرأة، إنها الفضاءات العريضة التي تقاربها أنثى مسكونة بإنسانية وجودها» (18)
تركز لينا الطيبي على الصوت في جل مشاهد الديوان :«صوتي يخرج في الهباء، أقفلت صوتا على المساء، صوتي وحده يحفر، هب صوتي في هبوبي، يضيق بي المنزل أوسعه بصوتي» وهذا التركيز على الصوت إنما يأتي تعبيرا عن لفت الانتباه إلى صوت الذات داخل النص، وإلى محو الوحشة، وإلى أن الرؤية الأنثوية للعالم تحتاج إلى هذا الصوت الذي يحاول أن :«يحفر» خصوصيته وسط ضجيج الواقع وركامه
وفي مشهد الرؤية/ الرؤيا، تعبر الطيبي عن ذاتها مستعيدة ذاكرة الطفولة وذاكرة المكان:
ولأنني رأيت ما رأيتُ / أقفلتُ صوتا على المساءِ
وحلمتُ .. / تلك الملاعب خضراء الطفولة/ ما كنتها، وما عرفتها/ مشيت على القسوة/ خانتني فسحاتي/ انسللت من الوقت/ وحيث الهواء يلاعب موتاه/ كانت تلك وقفتي/ المدينةُ ../ حيث الماء ينسكب مجروحًا/ ينزه غبطته/ سوداءُ/ تلك هي. ولأنني في مساء ما / وقتُ يولدُ ليفرّ/ أنظر مرآتي
وأرى خطواتي المهزومة أصواتا بعيدة . (20)
إن البحث الدائم عن التحقق، وتجديد الكينونة النسوية بمفارقة هذا الواقع الفحولي البيطراركي، يجعل الشاعرة تبحث عن صوتها المستقل كما رأينا عند الطيبي، وهي من الحرية بمكان بحيث تستعيد ما يصبو لها، وتكتب ما يعن لها من مواقف أو مشاهد .
وتتوافق هذه الرؤية التي تقدمها لينا الطيبي مع ما تصوغه فاطمة محمود في قصيدتها : جراح تشبهني
أريد لأعلق هذا المساء/ على الأسئلة/ وأمضي..
المزيد من الأجنحة/ المزيد من الضوء/ المزيد/ من الحرية/ المزيد/ المزيد/ مني . (21)
كأن الحرية هنا هي بمثابة ابتكار للأنا، وأن المزيد منها، هو مزيد من تحقق الأنا، وتجلي كينونتها .
ولا يتناقض هذا البحث الدائم عن الحرية، مع الإشارات الشعرية الكثيفة إلى حالات القهر التي تمارس على المرأة، ولذلك فإن الذات الشاعرة تلتقط بعض المواقف التي تتجلى فيها مثل هذه الحالات، لكنها لا تومىء إليها بشكل مباشر، بل بشكل إيحائي، من خلال نقد الواقع العربي الذي يفرق في المعاملة بين المرأة والرجل منذ يفاعتهما، حيث تصبح «الجدران» للمرأة فيما السموات والأرض للرجل ، ففي قصيدة بعنوان :«الشارع» تعبر سهير المصادفة قائلة :
كنا نقسم فيما بيننا/ شارعنا بالشبر/ ونوزع الظل معا، / على الجيران بالعدل/ فلما طلّ شاربه وثديي/ صارت الجدران لي/ والأرض والسموات له/ واشتكى جيراننا من الظلم . (22)
وتتبدى المرأة المقهورة أيضا عند ظبية خميس، فهي في :«جنة الجنرالات» تعبر دائما عن الحصار والرقابة خاصة الرقابة الاجتماعية، كما في نصها :«حتى حليب أمهاتنا» وفيه :
أنا من جيل لم ينج حتى ذاته/ دهمته الحرائق منذ لحظة الولادة / ومنجزات الآخرين السماوية/ وسجونهم التي لا تعرف الرعاف/ سموا له ماضيهم .. وزجوا به إلى المستقبل «مستقبلهم»
(رسموا له حدود قلبه .. وشرحوا له على موائدهم، جسده، وقرروا مبكرا أنه لن يفقه إلا ما فقهوه .. وأن المفاجأة هي مجرد خلل، خلل بسيط في وعيه .. وجنون عظمة عند الآخرين (23)
كما نرى هذا التعبير قد يصل عبر وسم هذه الحالة التي تقهر فيها المرأة إلى درجة العبودية كما لدى الشاعرة فهمية نصرالله في ديوانها :«عاصمة الأرض» في قصيدة بعنوان:«أنا عبدة» هذه العبدة التي تبحث عن حريتها وخلاصها عن طريق حبيبها، :
أنا عبدة يا سيدي/ أخبز لأطعم الجياع، وأبقى جائعة/ أملأ الجرار وأسقي العطاش/ وأبقى ظامئة/ يجلسون في الظل وأنا/ عبدة تعيش تحت الشمس/ وجلدي الأسمر لا يستحق عناية/ أنا عبدة/ وتربطني بالأرض صلة عميقة/ أتقبل جراحي بصمت/ وأتغير مع الفصول/ أنا عبدة/ أنا عبدة يا حبيبي/ ولا أجد غير يدك/ تمدها لي فتعتقني/ ولكن من يعتقك/ من عبودية نفسك؟
لك الظل يا حبيبي لأنك السيد/ وأنا عبدة / أجلس في الشمس . (24)
-4-
تظل العلاقة بين الرجل والمرأة، علاقة متوترة دائما، ولأن الآخر المستبد هو العامل الرئيسي في نكبة المرأة، وفي قهرها الدائم، فإن الصورة السلبية للرجل تتأدى بشكل بين في القصيدة النسوية، ويتخذ هذا الأداء ثلاث صور :
الأولى : تجاهل الرجل .
الثانية : الانتقام من الرجل بنقده وتعريته.
الثالثة : السخرية
ففاطمة قنديل تدعو شعريا إلى إزاحة ما هو جسدي، والكتابة عن مطلق الروح، عن الوحدة :«أريد أن أبعث وحيدة
أن أخلد وحيدة
ربما أعتاد الوحدة . (25)
كما أن الشاعرة تمارس السخرية مما هو جسدي، وبالتالي السخرية من الآخر ومن قيمة :«الحب» الذي هو كما تقول الشاعرة :«الحب ناصية للتسكع» (26)
فيما تعبر في مشهد آخر بهذه الصور المفارقة :
لن أرتدي جسدي هذا الصباح، لأن جسدي
1 يجب أن ينقلب كجورب
2 لأنه قد يصلح إفريزا
3 لأنني لا أذكر أين تركته بالأمس
وهي لن تمطر هذا الصباح، فلماذا أسير وفوقي ظل
يراقبني طوال اليوم؟ (27)
وهذا التخلص من الجسدانية، والتوجه صوب الوحدة، هو بمثابة تجاهل للآخر. الرجل) فها هي الأنثى مجرد «جورب» أو «إفريز» وهو مجرد رداء ترتديه وقتما تشاء وتخلعه متى تشاء، وهنا دعوة مضمرة للرجل للتخلي عن قيم الحب والغزل التي ينشدها في المرأة .
سيأتي من سوف أحب/ فأخلع عن رأسه إكليل الشوك/ وأضعه في الماء/ كطاقم أسنان/ يكون علي أن أتعرى – إلا مما عليه أن يعريه/ ويكون عليه ألا يرتبك لشرارات جسدي / فتحرق أصابعه كعود ثقاب . (28)
وإذا كانت هذه الصورة الساخرة عند فاطمة قنديل، تعطي مفادا بعدم أهمية هذا الجسد، وأهمية الأنوثة التي ينشدها الرجل، فإن هذا الجسد يصبح مجرد «جثة» عند سلوى النعيمي ومن المفارق أن هذا يحدث في مشهد حميمي للحب، تقول النعيمي في قصيدة بعنوان : الحب
ببطء/ تمر يدكَ/ قريبة قريبة/ أحس وهجتها ولا تلمسني/ تبارك ما أعطيتُ قريبة قريبة/ لا تلمسني/ ببطء/ وكأنها ترسم حدود جسدي/ عندما سيسقط / بعد قليل / جثة . (29)
والشاعرة ظبية خميس تنتقد العالم السري للرجل، خاصة فيما يتعلق بالحياة الجنسية، وفي علاقاته مع المرأة، وهو في نصها يتحول إلى دمية يمكن تقطيعها جزءا جزءا من الرأس إلى الوجه والأسنان والعينين والأذنين والأصابع – كما في النص – وهذا التقطيع بمثابة نوع من السخرية المفارقة من عالم الرجل، ومن حياته السرية .
وفي مشهد من نص :«المتوجة بالزبد في مدينة لا بحر لها» تقول ظبية خميس :
سأقطعك بأسناني/ إلى جمهوريات صغيرة/ وأجعل من كل مفصل من مفاصلك / أعلاما، ورايات، ودستورا/ لقوانين بذيئة، لا ترحم أحدا
سأحلق شعر رأسك، الناعم والداكن/ وأنثره غابات سوداء/ ونقط قليلة من دمك الذي مازال ينبض
سيكون لونا للثمار وللورود. / وسأنفض عينيك من محجريهما/ وأحولهما إلأى ينابيع ماء ملون
يكون الأزرق بعضه/ والأخضر بعضه/ وما تبقى منه سأشرب لوحدي حتى/ ينطفىء ذلك الظمأ.(30)
هكذا فإن الصورة السلبية للرجل ترد بشكل بين في نصوص القصيدة النسوية، وهذا الحضور الكثيف لهذه الصورة السلبية مرده إلى هذه النظرة التاريخية المأساوية التي تنظر فيها المرأة إلى عصور من القهر مارسها الرجل تجاهها، وإلى انتقام وسخرية مضمرة ومباشرة تعبر بها المرأة عن هذه العصور التي لاتزال أصداؤها بينة بشكل سافر حتى اليوم.(31)
مع ذلك كله لا تتخلى المرأة الشاعرة عن خصوصياتها، وعن عوالمها الأثيرة، فهي لها أشياؤها الصغيرة، ولها أحلامها، وتأتي القصيدة لتحتضن هذه العوالم البسيطة، وتعبر عن حياتها .
فميسون صقر القاسمي في ديوانها :«البيت» تقلنا إلى عالم البيت والعائلة والأم والأب، وهو بمثابة الحضن :
«البيت حضن واسع وبارد، النوافذ على بحر مركون تحت القميص وحمى الغناء الجماعي تقيه برودة هذا البيت.
البيت الذي ينام فيه الأب مستريحا لأنه رب العائلة، والأم التي تطحن الشعير بالصبر والليالي كي يقوم ابنها من تشرنقه، وكي تزف ابنتها الوحيدة إلى حلم تظنه أبيض، هو البيت الذي بلا ستائر يستريح الصوت فيها.. فمن قال إنه وطن كبير للعائلة، تلك السائرة في دروب متآكلة. (32)
كما أن الرؤية الرومانسية ما تزال مهيمنة لدى هذه المجموعة من الشاعرات، سواء في رصد الطبيعة والتغني بها، أو التعبير عن الأحلام والخيالات، كما تحلم عائشة البوسميط :«أحلم أن العالم غرفتي»(33)
، وتصوير المحب، الفارس الذي يتأتى في قصائد الشاعرات على صورة الفارس أحيانا، أو على صورة «الأكوان الصغيرة» كما تعبر نجوى قلعجي (34) وإعلاء الذات الشاعرة، والتغني بالحب والحرية، وهي رؤية تتمثل في الإيراد الكثيف للمفردات الرومانسية، والتعبير عن دلالاتها المختلفة . كما نجد – على سبيل المثال – لدى نجوى قلعجي في ديوان:«أنوار مالحة» التي تعبر عن حاجتها للآخر الحبيب:
آتيك مفتقرة إلى صحرائك، يتسع لرحابتها قمري
آتيك مستغنية عن قيدي وانطلاقي/ لتتحرر في هيكلك حريتي/ من غبار/ ومن جدار .(35)
وتظل الرؤية الرومانسية، بشكلها التقليدي الموروث في النظرة الشعرية لدى بعض شاعرات قصيدة النثر حاضرة، خاصة عند سعاد دكروب في :«ضفائر الحب» وليلى مقدسي في :«ثالوث الحب» ومريم قاسم السعد في :«تراب ونجوم» ورانية محمد بديع سربية في «وإليك أعود»، وهدى الخوري في :«تدفق فيّ أيها البحر» (36)
. وهي نظرة تكاد الذات الشاعرة الأنثوية فيها تذوب في الآخر، كما أنها تكاد تتغزل في الرجل، فهو العظيم، وهو سر التكوين والخلق كما تكتب هدى الخوري «لم أفهم يومها، أني في لحظة، تكونتُ منك.. لم أفهم أني قبلك ما كنت» (37)
وكما تقرأ ليلى المقدسي في :«ثالوث الحب» عيني الرجل في قصيدة :«أقرأ في عينيك»:
أقرأ في عينيك / فرح زمن قادم/ يتسرب إلى جدران قلبي/ وأحاسيس عشق خصب/ ينزرع في تاريخ عمري / …..
أقرأ
وأعبث كعصفور دوري/ بين خفقان بريقهما
ورفيف أشجانهما/ وبحة نداءاتهما
…..
وأجمل ما أقرأ في عينيك/ كلمات، أفراحي، وأتراحي/ سطور لقائي ووداعي/ صفحات ثورتي وهدوئي/ آه ! .. ما أعمق كتاب عينيك. (38)
والحب هو القيمة الجوهرية في كتابة المرأة، ولذلك فإن الآخر (الرجل) يحضر بوصفه الطرف الآخر الأساسي في هذه العلاقة، ليشكل القيمة الإنسانية المعنوية لها، ولتكتمل هذه القيمة بلقاء الطرفين، وهذا يأتي كصورة مناقضة للصورة السلبية للرجل التي عرضنا لها سالفا، حيث إن هاتين الصورتين تتجاوران في القصيدة النسوية، لكن النظرة الغالبة للرجل هي نظرة سلبية في المحل الأول، ولا يجملها سوى البحث عن جوهر الحب، وأوقاته الخصيبة.
تقول حمدة خميس في قصيدة بعنوان:«وقت للحب»:
أيها الحب/ أيها اللهب السري/ في كيمياء الخليقة
أدرْ نخبك/ وانتشلنا
٭٭٭
أيها الحب/ يا قصيدة الكائنات الجميلة/ املأ شعاب الأرض/ وانتشر في الصدور/ والأصابع والأجساد/ لهبا حميميا/ يشتعل بالطمأنينة/ والجذلْ
٭٭٭
أيها الحب / سوف أعتلي/ قمم الأشجار الشوامخ
وأضربُ على صدري/ بقبضتين من التوق والاحتراقْ/ وأدعو المتعبين/ إلى/ مائدتكْ ! (39)
أما أمل الجراح في : قصيدة :«صباح الخير»، فهي لا تخجل في أن تعبر عن هذا العشق الفاتن للرجل، وهي تشير إليه باعتباره مانحا للعشق، والقوة، وهي تصوغ كلماتها في مديح الرجل، وفي تعداد مناقبه في صياغة العلاقة الوجدانية، كما نرى في هذه المشاهد:
صباح الخير / أيها الرجل الملوح بالملح والشمس
ها هما ساعداك/ مشدودان كالوتد حول خصري
تدعوني إلى الرقص الغجري/ تحت شجرة الأفق
وأنا العاشقة المبتلة/ بريقك العذب/ لا أقدر أن أبوح/ امرأة من الشرق أنا/ وراء بيت أبي/ ألف قفل وقفل/ العيون تطاردني بين الأزقة والزواريب
خناجر تحيط بي/ ليس لنا/ غير، هكذا، نظرة خاطفة / وسنبلة/ تذهب من باطن الكف إلى تحت الإبط/ سامحني أيها الرجل المتعب/ يا ذا النظرات التائهة وراء الليل/ وراء الكؤوس الفارغة
وراء صهيل الجياد الراحلة/ اغفر لي عشقي الطفولي المجنون/ فجسدي داخل قلاع داخل قلاع
داخل قلاع/ يدي موصودة مع يدي/ مقيدتان وراء ظهري. (40)
وفي قصيدة بعنوان :«أحبك»، تتأمل أمل الجراح في كلمة الحب بتكرارها ذاتيا، وهي في هذا التكرار إنما تقدم الدلالات المتعددة لهذه الكلمة، عبر توجيه الخطاب للآخر الرجل الغائب المفتقد:
أحبك/ أهمس بها كلمة دون صوت/ دون حركة في الشفتين/ أحبس نفسي في رئتي/ وأبوح/ أحبك دون وصول/ أحبك دون لقاء/ أحبك وحدك المشتهى/ أتجمل سرا أمام المرايا/ أجلس مع نفسي وأبوح/ أحبك . (41)
والعاشق هو «طائر الحب» عند أمل جراح(42) وهي تشعر بالفقد لغيابه، حتى إنها تستحيل إلى أصغر جزء ضائع في أكبر مساحة، في تعبير ضدي بين الحصاة والبحر :«أنا دونك حصاة وحيدة في قاع البحار» (43)
هكذا فإن المرأة حين عبرت عن نفسها، وبحثت عن حريتها وكينونتها في هذا العالم، التفتت إلى العلاقات الأخرى مع أشيائها الخاصة، ومع الآخر (الرجل) وصاغت نصوصها من خلال نظرتين للجرل الأولى: سلبية ساخرة، والثانية: صورة إيجابية حالمة، تتجلى فيها العلاقة الوجدانية، وقيمة الحب التي تبحث عنها المرأة في نصوصها الشعرية بشكل جلي بارز.
-5 –
شكلت القضايا الوطنية جانبا بينا مهما في شعرية قصيدة النثر النسوية، حيث عبرت جل الشاعرات عن هذه القضايا، واحتفت قصائد كثيرة لديهن بتفاصيل الوطن باعتباره المهاد، والحضن المتسع الذي يلملم أحزانهن، وتتأتى الرؤية الوطنية لدى شاعرات قصيدة النثر كصيغة من صيغ التحول الدلالي في أفق هذه القصيدة التي يغلب عليها الطابع الذاتي والشخصي والفردي في إنتاج عوالمها الشعرية، حيث إن الكتابة عن الوطن لم تكن تتأدى بمثل هذه الكثافة أو العمق التعبيري المفارق في تجارب المرأة الشعرية في الشكلين الشعريين الآخرين : العمودي والتفعيلي، حيث اتسع المجال هنا في القصيدة النثرية، ولم تعد الكتابة عن الوطن تتمثل في التغني به أو بمديحه فحسب، بل بالتعبير عن مآزقه، وانكساراته، وتعرية الواقع، والتعبير عن المأزق السياسي عبر المفارقة والسخرية أحيانا، ونقد الذات، وقد يتم ذلك كله بشكل مباشر يحتفي بالجمل الحادة التقريرية والوصفية المباشرة، أو بشكل مستتر يطغى عليه الرمز، والتجريد. (44)
إن اللحظة العربية المرتبكة، والواقع المتشظى، والإحساس العام بالتشتت كل ذلك أفضى بالشاعرة العربية إلى البحث عن الهوية وعن واقع أمثل لصيغة الحياة العربية، وهو ما يتجلى تمثيلا في نصوص متنوعة لكل من دعد حداد، ظبية خميس، ليانا بدر، منيرة مصباح، أمل الجبوري، منية سمارة، فهمية نصرالله، أمينة العدوان، عائشة أرناؤوط، وزينب حمود .
وقد اتسمت تجربة ظبية خميس الشعرية بالحدة الجارحة التي نراها في ديوانها:«جنة الجنرالات» حيث سعت الشاعرة إلى كشف الواقع العربي وتعريته، خاصة في نصوص: «ديسكو، درنك، ديمو كراسي أو وداعا أيتها الرؤوس» و«نشرة الأخبار» «جنة الجنرالات» (45) وفي نصها :«نادي الديمقراطية» ترصد مشاهد الحياة العربية التي أصابها التغريب بشكل طاغ..، وهنا تبحث الشاعرة عن الحرية والهوية:
طويلا، تحدثنا عن الحرية/ طويلا، بحثنا عنها/ وقد رأيناها .. عرفناها/ لكننا، أبدا، لم نجدها في المكان.(46)
وهي في هذا النص تنقل مشاهد التغريب التي شملت ألفاظا وكلمات أجنبية كثيرة، وتشبها بالحياة الغربية في مسميات الأندية الليلية، وفي تقليد المدن العربية للمدن الغربية من الوجهة الاستهلاكية :
آه قد حاولنا / «روتاري كلب» … و«ليونز كلب»
«جولف كلب» …و«بييتش كلب» / «فري كويت كلب» … و«الحلفاء كلب»/ «إيران جيت كلب» …و«كامب ديفيد كلب»
….
….
ولم نستطع افتتاح :
«الفرو كلب» … لأن الصحراء حارة/ و«العراة كلب» … لأننا مسلمون/ لكننا قد حاولنا/ آه .. حقا .. قد حاولنا . (47)
إلى أن تقول باحثة عن هويتها الحقيقية:
أسمع صوت الموتى الغامضين/ أرصد أشباحنا بينهم/ أتعشى قمر الصحراء «الطبيعي»/ وأقشر وجه الشمس/ ألبس قلادة «المعلقات» / وأتوضأ بماء زمزم/ أسبح في «النيل» / وأتغذى سمك «الفرات» / أشتري أيقونة «الحجارة» / وأرسم لوحة لصالون فخم فيه وجه«جميلة بوحيرد»/ أعلق صورة «جمال عبدالناصر» على / جدار بيت أمي/ أحسن تلاوة الإنجيل، والمزامير، والتوراة/ وأرتل القرآن .
أتشبث بقلائد الفراعنة/ وأحمل بين ثيابي طلسما وثنيا/ من صحراء العرب .(48)
إن هذه المسميات والتعريفات الواردة بالقصيدة هنا، التي تشكلها المفارقة الضدية عبر التقابل بين الجمل ودلالتها الأولية والعميقة، وهي لأماكن وجغرافيا وأعلام وكتب مقدسة وتاريخ، تعطي للذات الشاعرة معنى الهوية . إن التشبث بالتاريخ والجغرافيا إنما هو بمثابة حنين إلى ماض مقدس، يتسرب إلى الوجدان الجمعي، وينتقل إلى الوجدان الذاتي، ويعطي شعورا بالفخر القومي فضلا عن الشعور بالزهو الذاتي، وهو هنا لا يمثل نوعا من الهروب من مأزق الحاضر، قدر ما يمثل استلهاما محفزا للتاريخ، ولتجذر المكان، مما يعطي بشكل ما محفزا لاستشراف ما هو قادم . إنها المفارقة النقيض التي تهجو لتتأمل، وتقسو بحثا عن التغيير صوب الواقع المثالي الأفضل .
ويأتي التعبير عن القضية الفلسطينية من الظواهر الجلية في قصيدة النثر النسوية، حيث تلتفت الشاعرات هنا إلى المأساة الفلسطينية، وما يقوم به الاحتلال الإسرائيلي من قتل يومي للشعب الفلسطيني، فضلا عن الحصار والعقاب الجماعي، وتعبر الشاعرات عن ذلك من خلال رؤيتين :
– الرؤية الوصفية المباشرة، من حيث توصيف مشاهد الحياة الفلسطينية تحت الاحتلال.
– الرؤية الرمزية – التاريخية، باستدعاء الرموز التراثية سواء كانت أسطورية أم إسلامية التي تعبر عن الخلاص، والحرية .
ويبرز الوطن عند أمينة العدوان في صورته الكبيرة التي تختزنها الأرض بتضاريسها المتعددة، ويختزنها التاريخ بأزمنته المتوالية .. والوطن عندها لا تمثله – فحسب- هذه الجغرافيا أو تلك، أو هذه التفاصيل الزمكانية، بل تراه في وجوه الناس، وفي أفعالهم، وفي صور الشهداء والمحاربين، فهي تغني للمحاربين دائما، وترى أن :
الحرب ليست ضد العرب الذين يقيمون في البنوك والمخادع، كما في نص :«لن نقتل الموتى» :
سنقيم حربا ضد العرب/ ليس ضد العرب/ الذين يقيمون في البنوك/ والمخادع/ لن نقتل/ هؤلاء الموتى/ سنقتل/ الذين يقيمون/ في الخنادق/ ويحملون/ البنادق . (49)
وترى أمينة العدوان في نص :«الشهيد» أنه هو أول من يحافظ على الهوية والوطن، من خلال موته الحي إذا صح التعبير، فهو على الرغم من رحيله يعطي معنى التمسك بقيمة المدن والأسماء :
يمسك أوراقا لم تدفن/ مدنًا لم تسلم/ أسماء لم تمتْ/ في جنازة حفار القبور (50)
أما ليانا بدر في ديوانها : «زنابق الضوء» فهي تستعيد وطنها فلسطين بالكلمات الشعرية المؤثرة، عبر الصور الصغيرة اليومية، والتخييل الشعري الذي يحدث أثرا رمزيا، وهي تعبر عن الأرض والبيئة والثقافة الشعبية الفلسطينية من خلال مفردات الأرض الفلسطينة والحياة اليومية هناك وما تقاسيه فلسطين من فجائع ومآس على يد الاحتلال الإسرائيلي، بيد أن هذا المحتل تتجاوزه القصيدة إلى القدس رغم الحواجز:
على حاجز «إيرز» / أم «الرام»/ أو حاجز «قبة راحيل» / سوف أقف دائما / أتقصى خصلة من شعر أمي/ داخل أسوار القدس . (51)
وعند عائشة أرناؤوط فإن الوطن يصبح محرما، لذلك فهي تختفي في اللا مكان، وتعبر عن التلاشي والوحشة والاغتراب، ويضم كتابها الشعري :«الوطن المحرم» ديوانين هما :«الفراشة تكتشف النار» و«لا» ويصور الأول المأساة اللبنانية، فيما يصور الثاني هزيمة العام 1967م، وتلتقط الشاعرة من صور الحرب الأهلية اللبنانية والغزو الإسرائيلي للبنان في العام 1982 مشاهدها الفجائعية الدرامية، خاصة في قصيدتها عن مذابح :«صبرا وشاتيلا«التي أخذت من تاريخ حدوثها عنوانا لقصيدتيها «فجر الجمعة 17/9/»1982» و«ظهر السبت 18/9/1982»:
أيها الفجر الهائم/ تعال احتذ جسدي المهترىء/ وتسكع في روث الزمن/ في ركام الجثث المتخبطة بالحجارة/ تعال نحو موتنا الطلسم/ جثثنا سريعة العطب/ وغدا لن يكون بإمكاننا استقبالك بلا رائحة.(52)
وهي في كتابها تنقد الواقع العربي، كما تنقد التسلط السياسي والأنظمة الرسمية، كما في قصيدة :«وطن من الجص» حيث :
«الجلادون متعاقبون./ عند كل زاوية يترصد روحك تنين مدرع/ في كل أرض جهزوا لك صليبا/ وكل ليلة عاهل الممالك/ يمعدن الهواء من حولك/ على الأقل.. تعلم كيف تستطيع النهوض من موتك.(53)
ويتواصل نقد التسلط الرسمي في قصائد كثيرة لدى أرناؤوط، وهي تمارس هذا النقد الشعري بتعميق المفارقات الشعرية، وباستخدام لغة جارحة حادة، لكنها تلوذ بالرمز، وبالتعبير الكثيف عن الغضب، والألم :
يليق بكم صمتكم المبجل/ لأن ساعة القيلولة بلا منهج/ لا تفتتها القنابل/ ولا يقطعها هدير الموت
لأن لغة الضاد سجينة زنزاناتكم/ لا تقتطعون منها إلا شرائح/ تستطيع الانزلاق في لغات الآخرين/ دون أن تهدد عروشكم .(54)
وقد أثرت الحرب الأهلية اللبنانية أواسط سبعينيات القرن العشرين، وما تلاها من احتلال إسرائيلي دام حتى نهاية القرن، في ولادة المأساة اللبنانية التي عبرت عنها الشاعرات في شكلها الفجائعي الذي حمل المجازر، ومشاهد القتل، والتدمير والخراب إلى لبنان، ومدينة بيروت التي كانت رمزا للحرية، والفن، والجمال زمنا طويلا .
إن آثار هذه الحرب تظهر بشكل جلي لدى الشاعرتين: فهمية نصرالله، وزينب حمود، حيث يتشكل ديوان فهمية نصرالله :«عاصمة الأرض» من 38 قصيدة، تقع في خمسة أقسام هي : «نداء إلى قراءة واضحة، لا تسألوني عن لبنان، أبطال باشان، الاغتراب، هنا»، والأبرز فيه أن الرؤية الوطنية تخامر القصائد إن مباشرة أو بشكل غير مباشر، حيث تحتفي بتفاصيل المكان، وتسرد شعريا قسماته، والمكان هنا بمثابة هوية لدى الشاعر، فهو احتضن طفولتها، فيما تعبر في قصيدة «أريد طفولتي» (55)، كما احتضن أحلامها التي تكبر شيئا فشيئا، بيد أن الحرب جاءت لتكسر ذلك، وهنا تتحول الرؤية الشعرية إلى التعبير عن مآسي الحرب، بالغضب، والحزن، وتأمل الموت كما في قصائدها :«عصاك أيها الراعي الصالح، يكون أو لا يكون، نداء إلى قراءة واضحة، لا تسألوني عن لبنان، ممن أنتقم» (56)
إن مشاهد الحرب الأهلية تتجلى في صور فجائعية لدى الشاعرة حيث :«الدموع الدامية في المحاجر» وحيث «تنبسط حقول الدم» وحيث «بيروت أرملة تتشح بالسواد، وفارسها مزقته الحراب «كما تشتعل الحرائق بالأوردة، والرأس المقطوع يتدحرج كالكرة على السلالم» (57) كما تتجلى هذه الصور في صياغة مشهدين : ما قبل الحرب وما بعد الحرب، كما تصور الشاعرة في قصيدة «بيروت»، وفيها نعثر على هذه النداءات المتوالية التي تكاد الشاعرة تتضرع بها إلى بيروت، مرددة تفاصيلها المكانية، ومقدمة عبر الصور المتقابلة هذا المشهد الذي يحمل قدرا من التوتر الدرامي الذي تصوغه بنية الكلمات ومعانيها الدلالية :
يا شجرة الزيتون/ التي تحمل الأحزان في صدرها
والفرح في أوراقها الدائمة الاخضرار/ أي ساطور جهنمي يهوي على جذعك/ أيتها اللؤلؤة المفردة الجمال/ عروس البحار/ أيتها الظبية البيضاء/ المطعونة بآلاف المدى والحراب/ أيتها الحكيمة المغتالة بالسم كسقراط/ أيتها الفريدة بين المدن المصدرة للشرائع/ مع الأشرعة الضاربة في البحار / …/ أيتها الجنة التي تحولت إلى غابة/ أيتها الوطباء / التي قتلها حنانها/ أيتها الهادية التي أضلها الضلال/ لك حزني ورثائي وتوجعي/ أيتها الشهيدة المبضعة بمدى فتيانها/ الراضعين ثدييها/ لك حزني ودموعي الحمراء .(58)
وتتشابه مع هذه الرؤية التي تقارن بين صورتين، رؤية زينب حمود في قصيدتها :«منظر الأيتام أبكاني»:
أين الزهور؟ / ونيسان سافر يستجير/ وبكى الربيع ورود الأقحوان/ أين الطيور؟/ والروابي تكحلت بسواد الحداد/ وراحت تنادي/ ارجعوا ألحاني/ أين الجمال؟/ عفّوا الجمال/ دفنوه.. شوهوه/ ويح وطني/ وصموه بالعار/ والطغيان.(59)
إن مشاهد الجثث البتراء، والجيف الشوهاء، والأرصفة المتخمة بجماجم الموتى، والموت الذي يحصد الأبرياء، تصبح هي المشاهد المألوفة في الوطن، إنها المأساة اليومية التي يتم التعبير هنا عنها شعريا عبر استثمار التقابل بين آلية :«القبح الجمالي» بمعنى توارد الكلمات التي تعبر عن الموت والخراب والدمار، وآلية «تجميل النص» التي تشير إلى مفردات الطبيعة، بأشجارها وطيورها، ومراعيها الخضراء .. إنها الحياة في مقابل الموت المجاني .
من أشعل الفتيل وراح يغني على ضوئه؟ / لتبدأ لعبة الإغراق/ ويرقصوا على الرماد/ وتشتعل البلاد/ آه يا للوجع الجنوبي . (60)
وتقدم الشاعرة دعد حداد بعض الرؤى المفارقة التي يمتزج فيها الذاتي بما هو واقعي، كما أنها تتأمل في القيم الإنسانية وفي المعاني الوجدانية المختلفة، وهي في ديوانها :«تصحيح خطأ الموت» تنشد تغيير الواقع من خلال تتبع الشخصيات البسيطة: الحارس الليلي، الفلاحون، الصيادون، إلى جانب الأطفال والشعراء، كما تنشد هذا التغيير عبر أشياء الطبيعة، وأدوات الحياة اليومية، وهي تقدم ذلك في بنية شعرية تلوذ بالسرد، وتحتفي بحكائية المشهد، كما في هذا المقطع من قصيدة :«قصة الحارس الليلي»:
بيت وشجر/ ابتدأ الفلاحون سعيهم الجاد/ لصرخة مشتركة، / وهم يعبرون النهر،/ تحت أقدامهم … انهدم الجسر، / وارتفعوا كتلة واحدة، وصراخا واحدا/ وأوقفوا شهيدا واحدا . مدمّى.
ومصلوبا/ احذر .. أيها السائر ليلا ووحيدا بين النجوم،/ وبين الحفرات التي لم ترحم./ احذر .. أيها العابث بالأرض البور/ احذر أن تمشي ليلا وحيدا بين النجوم/ وبين الحفرات .. التي حفرت للأطفال/ ولكل من يجر ساقيه جرا، إلى بيت منعزل/ ذي سقف معدني متآكل،/ وأرض مشبعة بالرطوبة/ وبأصناف الحشرات./ والحفرات … التي لا تفجر الينابيع. (61)
إن الرؤية الوطنية التي تقدمها شاعرة قصيدة النثر، لا تكتفي بالهواجس المباشرة، أو بالمفارقة والسخرية، لكنها تتكىء أيضا على العناصر الميثولوجية، والفولكلورية في قراءة الواقع، وعلى استلهام التاريخ القديم، والتناص مع النصوص المقدسة، كما وجدنا لدى ليانا بدر، وكما نجد في ديوان منية سمارة:«كتاب النهر والبحر وما بينهما»، حيث تتوارد بعض هذه الموتيفات مثل : كنعان، وأريحا، وجوليات، وسليمان وبلقيس، ونبوخذ نصر، وهيردوت، وصلاح الدين، والظاهر بيبرس، ومحمد علي، وهي تمزج الأسطورة بالمكان حين تعبر عن المدن الفلسطينية : أريحا، القدس، بيت لحم، الناصرة، عكا، غزة بإهابها التاريخي . (62)
وفي نموذج دال تعيد منية سمارة توصيف التواريخ المأساوية في الذاكرة العربية المتعلقة بإنشاء الكيان الصهيوني، حيث تقول في قصيدة بعنوان :«تواريخ»:
1917 كل التفاحة لنا، ولهم بذرتها
1948 نصف التفاحة لنا، والنصف الآخر لهم
1967 نصف التفاحة لهم، والنصف الآخر لهم؟؟
كل التفاحة لهم
ولنا قشرتها !! (63)
وتقسم الشاعرة ديوانها إلى خمسة أبواب: باب الأعلام، وباب المدن، باب المواقع، باب الورد، باب شواهد من يتيمة العصر، وهي في هذه الأبواب تعيد تسمية الشخصيات وتعريف المدن والوقائع من جديد، تسمية تتخلق من هذه الرؤية الشعرية للتاريخ والإنسان والعالم، وهي رؤية مفارقة على الأغلب لدى الشاعرة، ومكثفة تتكىء كما ذكرنا على العناصر الميثولوجية والتاريخية، ومن هنا فإن البنية الوصفية هي البنية المهيمنة على قصائد الديوان .
إن الشاعرة تتعرض للشخصيات التاريخية برؤية أخرى، إنها لا تمدح ولا تستلهم قدر ما تختلف، وتجرح بشفرات الكتابة الشعرية، جاعلة الوطن: «فلسطين» هو المكان الذي تنبثق منه الأشياء، فهي تخاطب بلقيس :
ردي عليك ثوب الفتنة/ وانتفي ريش الهدهد/ واكسري العصا النخرة/ فأمامك أسطورة الوهم/ ظل سليمان/ وجنوده/ وأسواره/ والمستعمرات.(64)
وهي ترى أن: «نبوخذ نصر» سيعود «فالامبراطور العظيم، قادم ليعد أسراه، ويسدل الستار» (65) وهي حين تصف المدن، تعبر عن صمودها التاريخي، وعن دلالة صمود المكان الذي يهب تجلياته لروح الإنسان الفلسطيني، والعربي، جاعلة من المكان والتاريخ بمثابة ذاكرة حية، ينبغي تمثلها لاستعادة فلسطين، فأريحا :«ستمزق قمصان الأرض، وتطلق الصيحة التي لا ينتظرها أحد سواي» والقدس:«تتلفع بعباءتها البركانية، وتمارس السحر على هذا العالم» وعكا: «تمنح رغبتها لطفل صغير لم يبلغ الحلم بعد اسمه الكنعاني» (66) وهي في هذه التوصيفات تسعى للتغيير القادم من المستقبل .
وفي باب :«شواهد من يتيمة العصر» تعبر عن مأزق الواقع العربي، خاصة السياسي، وهي تتشابه مع ظبية خميس في هذه التعبيرات الحادة المسنونة التي تأتي على صيغة تسميات وتعريفات جديدة فالمخيم: «لافتة وشعار، وفتنة نائمة» والدولة: «شرطة للآداب لمطاردة الثوار الذين لم يخونوا زوجاتهم»، والديمقراطية :«درج أثري ينزل عليه زبانية السلطان إلى الشعب ليقضوا مضجعه» والدول: «قطط متوحشة تأكل صغارها بعيدا عن عيون الناس» والملوك: «عباقرة يجلسون في نفق البلاغة، ويرشون الكلمات على الممر»، وهي في هذه التوصيفات، إنما تسعى لواقع أفضل عبر نقد الواقع الحاضر، وتجاوز قبحه وإماتته عبر رصد مساوئه بشكل مفارق، والكشف عن حقيقته المخبوءة، تقول في قصيدة بعنوان: «الثورة» :
صف من التوابيت الملونة/ والثقوب الخفية
والنزوات الساذجة/ تتناسخ وتختلط/ تقطع بسيوف الرعب أنامل النساء/ وتسرق من الأطفال نشوتهم. / وحين تبتعد/ نرى كم كانت بشعة/ حين لم تترك لنا سوى ديكتاتور/ يحرك دُماه/ وهو جالس على العرش . (67)
نخلص من هذه المشاهد الوفيرة التي أزجيناها هنا للتدليل على ما يحتله الوطن من مساحة شعرية رحبة لدى شاعرة القصيدة النثرية، إلى أن التعبير شعريا عن الوطن قد جاء في قصيدة النثر بصورة مكثفة، لعبت فيها المفارقة دورا جليا في صياغة المشاهد الشعرية، كذلك فإن اللعب بالثنائيات المتضادة، واستلهام العناصر الأسطورية والتاريخية، من الملامح البينة في هذه المشاهد، بيد أن ذلك كله يبقى رهين البحث عن الهوية، وعن استعادة الزهو الذاتي عبر لحظات الانتصار الوطنية .
-6-
شغّلت هذه المجموعة من الشاعرات جملة من الآليات الفنية في إنتاج قصائدهن، وهي آليات من الوفرة بمكان بحيث لا يتسنى للباحث استقصاءها في هذا المقام الذي نقتصر فيه على بيان الدلالات والمضامين الشعرية العامة لدى هذه العينة من الشاعرات، بيد أنه يمكن لنا الإشارة إلى أبرز هذه الآليات في تكوين نصوصهن الشعرية، على اعتبار أن هذه الآليات – بمعنى ما – تؤثر في اختيار الموضوع الشعري وفي اصطفاء النسق اللغوي الذي يتجلى به النص من ناحيتين :
– أولا : إن الشكل الذي جاءت به قصيدة النثر، جعل فضاءها مفتوحا لاختيار الموضوعات غير التقليدية، سواء فيما يتعلق بالكتابة الجنسية، أو التعبير عن المأزق السياسي بشكل حاد، ومفارق، وهي أنماط من الكتابة لم تألفها الكتابة النسوية من قبل بمثل هذه الوفرة التي نجدها في قصيدة النثر النسوية.
– ثانيا: إطلاق فضاء الاختيار النصي من بنية النظام اللغوي، لأن آلية تكوين المشهد الشعري – مثلا – تجعل من منشىء النص متحركا بحرية في وضع أية ألفاظ أو مفردات، أو جمل في نصه دون نظر إلى مستوياتها الصوتية أو معانيها المعجمية، كذلك فإن إنتاج النص عبر البنى القصيرة يقود إلى التكثيف، وإلى التجريد بديلا عن الاستطراد والإطناب.
– إن من أبرز الآليات التي استثمرتها الشاعرات هنا، اعتماد البنية القصيرة لإنتاج نصوصهن، فالقصيدة النسوية لا تقدم – على الأغلب- بنية ملحمية طويلة، أو قصيدة ذات نسيج هارموني معين يحمل ذرى الشعر المختلفة داخل البنية، بل إنه يقدم لقطات وفلاشات ومشاهد سريعة . إن هذا التقديم بمثابة تشظّ للبنية الشعرية، وللرؤية في آن معا . كما نجد في كثير من النماذج لدى فوزية شلابي، وفاطمة محمود، وسلوى خميس، وفوزية أبو خالد، وليانا بدر، وسلوى النعيمي ومنية سمارة، وآمال موسى – على سبيل المثال – واختيار البنية القصيرة هو بمثابة اختيار لنموذج شكلي فلاشي تبتغي الشاعرة من ورائه توصيل رسالتها من أكثف طريق، في شكل مكثف جدا، وكأن هذا الشكل يلخص في إيجاز شديد ما تريد الشاعرة توصيله، كما أنه يتسق مع بعض ارتهانات قصيدة النثر من حيث القصر والوجازة والتوهج، وهذا ما يومىء إليه روبرت شولز حين يرى أن «القصائد القصيرة التي نكتبها هي في الأعم الأغلب نسخ إجمالية مختصرة لما يمكن اعتبارها بسهولة نصوصا تأملية أو خطابية أو سردية أو درامية . وهي غالبا ما تكون توليفا من أنماط الخطاب هذه ومن غيرها» (68)
ومن نماذج هذه النصوص القصيرة التي تتكون بشكل فلاشي، مكثف، يتكىء على اختيار بعض المفردات القليلة، وتتمثل فيها الكتابة بالحذف، حيث تغيب بعض عناصر الجملة سواء فعلية أم اسمية، هذه المشاهد :
ليانا بدر :
– انتظارك/ رنين ذهب جسدي/ على رخام غيابك . (69)
– عندما لا تكون أنت/ هل هناك زمن؟ (70)
سلوى النعيمي : ميتافيزيك :
في ضوء الشمس/ لا ظل لي/ في قلب العتمة/ ظلي أكبر مني. (71)
ذروة :
ماذا يهمني الزمن/ تدومهُ الرحلة/ ما دمتُ قد؟(72)
آمال موسى : ثورة العصافير :
نائمةً في زورقٍ من ياقوت/ أصابعي تتسلق الصخور الكريمة/ وبنات أحلامي تنبىء الأقفاص بثورة العصافير.(73)
فوزية أبو خالد : هوية
أنا البنت التي بها مس/ ويُلبسها القرين إلى القرين . (74)
لحد :
أحس أنني مضغوطة داخل جسدي
فلو أنني أتنفس بعمق لتشققت بشرتي. (75)
وطن :
هل هذا وطن/ أم طوفان لم نحتط له ؟ (76)
فوزية شلابي : ديالوج
وجعٌ في التمهل/ هل يواشجني الغرقى/ أم للفراغات / أدير هذا الحوار ؟ (77)
إن الملاحظ على هذه المشاهد أنها تعطي شحنتها الرسالية على شكل شفرات من الجمل المكثفة، وهي قد تأتي في صيغة تقرير، أو في صيغة سؤال، وهي على الأغلب تتخلى عن التفسير أو التأويل أو الإفادة، إنها تعطي السؤال، وتقدم الهواجس، حتى في تقريرها لا تتوخى إيصال يقين ما، بل تحرص على أن يكون اللا يقين هو جوهر التقرير، وأن تكون العبارة الشعرية أكثر مراوغة في القبض على دلالاتها .
إن البنية القصيرة في إنتاج القصيدة النثرية، ذات انتشار واسع لدى الشعراء والشاعرات على السواء، وهي بنية ملائمة للكتابة النسوية أكثر، لأنها لا تعتمد على التجريب العميق الملحمي أو الدرامي أو الفكري الذي قد يتأتى في نصوص طويلة، تركيبية ومعقدة، قد يقبل عليها الشعراء، لكن – وحسب العينة المختارة من الشاعرات – لا نجد قبولا لهذه البنى الطويلة في القصيدة النسوية إلا في بعض النماذج القليلة مثل ديوان :«هنا تعيش» للينا الطيبي، و«الجرائر» لنجوم الغانم. وهما في النهاية مكونان من جملة من القصائد القصيرة .
ومن الآليات التي يستند إليها هذا النتاج النسوي آلية المفارقة، وهي تبرز خاصة في القصائد ذات البعد الوطني والواقعي على الأغلب، مثلما نجد عند الشاعرات اللائي يبرز عندهن هذا البعد، كما لدى منية سمارة، وزينب حمود، وفهمية نصرالله، وظبية خميس، وأمينة العدوان على سبيل المثال .
وتبرز المفارقة في النصوص الأكثر عمقا، لأن اللغة المواربة للمفارقة تجعل المبدع، يومىء ويلمح أكثر مما يقرر ويؤكد، فإن الفن – فيما يشير دي. سي ميويك- «لا يتصف بالمفارقة عندما تكون جاذبيته أشد بساطة وأكثر مباشرة واستحواذا» (78)
ونلحظ تجلي البنية السردية عند صفاء فتحي، ليانا بدر، ظبية خميس، ميسون صقر، نجوم الغانم، أمل الجبوري، ففي نصها (احتمالات الربيع السومري) نرى أن البنية السردية تتأدى في النص بشكل لوحة وصفية، يمكن لصقها في البنية الكلية للنص :
«أنت لا تصطاد إلا البحر لتنجب الجزر الميتة، وتنصب الطوفان إلها للرجوع
كل الشواهد بيادق
لعبة هي الأرض، مرعى للملوك
لمستهم لئلا يجيئوا ويقتلوني في الغياب، تهشمت الرؤيا تمضغ لحمك المنشور في كل بلد ليلد حواري يتوارون في سقوط الضوء«(79)
وتحقق البنية السردية في النص الشعري انسيابا للجمل الشعرية، وتمددا لها، لارتباط السرد بالحكاية، وحين يكون المشهد حكائيا، لا يمكن اختزال جزء منه، بل تأتي الجمل متوالية يحفظها عنصر السببية الذي يتتالى بشكل خطي أفقي، كما أن هذه البنية تحفظ للنص تماسكه الدلالي على الأقل لأنها تصوغ حكاية ما داخل المشاهد الشعرية، وفي مشهد لصفاء فتحي من : عرائس خشبية«تسرد شعريا :
«ذهبنا معا لتفقد حور العيون الذائبة في التراب تحت أمطار لم يكن بإمكانك أن تلعقها . كانت العربات جميلة والشوارع مستوية ظهر يوم أحد في أغسطس في الطريق المؤدي إلى مقبرة الكتاب حين تبدأ في اللعب مع الأموات في المسارح»(80)
ولنجوم الغانم :«كانت تجلس وحيدة هناك، محصنة بوصايا الكهان والمشعوذين، تقلد حمامها عقود الجوهر والماس وتسقيم من ماء الجنة، فلما انتصف الضحى، بدأت الحمامات تسقط صريعة الواحدة تلو أختها، فيما هديلهن يتضور بين الأعناق» (81)
من الجلي هنا أن استثمار قصيدة النثر للبنية السردية، يعطي قدرا من التنوع التعبيري داخل النص، كما يقيم حوارية جمالية شكلية بين نمطين من التعبير، أولهما : البنية المكثفة، القصيرة التي تعتمد الاختزال، والتكثيف، والإضمار، والحذف، والتقشف الشديد في المفردات، وبين بنية ثانية تعتمد الاسترسال، والحكي، وحضور العناصر النحوية بما يتطلبه السياق القصصي لها، ومن ميزة هذا الاستثمار الجمالي أن قصيدة النثر تنفرد وحدها بالمقارنة مع الشكلين الآخرين، باحتضان أقصى طاقات واستقصاءات هذه البنية، خاصة أنها تنفتح على مجالات دلالية خصبة، ولا يقف بها التوجه الشعري، والخيال الإبداعي عند حد.
ويجيء التناص بوصفه من الآليات البارزة في قصيدة النثر النسوية، كما نرى في استثمار التراث عند ليانا بدر – مثلا -، كما في قصيدة :«أناشيد» حيث تستلهم الشاعرة في هذه القصيدة «نشيد الإنشاد»، تقول الشاعرة :
حبيبي عنقود عسل/ حبيبي ضمة تأخذني إلى جنة عناق/ حبيبي جنون قمري/ لا يكتمل . (82)
ويمثل الزمان تيمة أساسية لدى الشاعرة في قصيدة النثر، كما عند أمل جراح، آمال بيومي، وميسون صقر، وهالا محمد، وعناية جابر، وهدى النعماني – على سبيل المثال –
تقول هدى النعماني :
الزمان أحيانا، الزمان دوما، هو المفارقة
دسم، فريد، هو المفارقة . وإن لا بديل له
وإن لا أخ له.(83)
وتقول هالا محمد :
«المستقبل كلب كسول» (ص7-9) وهي تعبر عن الماضي والمستقبل، ودلالات الوقت بشكل كثيف.(84)
لقد أشرنا هنا بشكل مكثف إلى أبرز الآليات الفنية التي استثمرتها الشاعرات في صنع قصيدتهن النثرية، وهي آليات عامة في قصيدة النثر، إلا أن خصوصيتها هنا وجدّتها، تعزى إلى أن المرأة الشاعرة أضحت على علاقة وطيدة بنصها المكتوب، ودخلت منطقة التجريب الشعري بكل عنفوانها الذهني والإبداعي، بعد عصور من الصمت اللا إرادي، وهي تحاول هنا إثبات وجودها، عبر هذا الشكل الشعري الجديد، بحثا عن ذاتها الحقيقية، وصوتها المعبر، وحريتها المفقودة .
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
إشارات
1- PHILIP RICE AND PATRICIA WAUGH :
2 MODERN LITERARY
THEORY- A Reader – ARNOLD – LONDON-
Third Edition 1996- P. 99
وتقع مقالة إلين شوالتر Towards a Feminist Poetics في الصفحات 99-108
تعد فرجينيا وولف Virginia Wolf من رائدات حركة هذا النقد حينما اتهمت العالم االغربي بأنه مجتمع :«أبوي «منع المرأة من تحقيق طموحاتها الفنية والأدبية إضافة إلى حرمانها اقتصاديا وثقافيا … وتعد سنة 1969 بداية تفجر الكتابات التي تعالج المرأة وقضيتها، لكن هذا النقد في العالم الغربي لا يتبع نظرية أو إجرائية محددة، وإنما تتسم ممارسته بتعدد وجهات النظر ونقاط الانطلاق وتنوعها، كما يفيد من النظرية النفسية والسيكواوجية والماركسية ونظريات ما بعد البنيوية عموما . (انظر : ميجان الرويلي، وسعد البازعي : دليل الناقد الأدبي، المؤلفان، الرياض، الطبعة الأولى 1995 ص.ص 160-161
2- في دراساته المتتالية عن المرأة، بين د. عبدالله الغذامي ما تعرضت له المرأة من تمييز، ومن نظر بدونية إلى كتاباتها، وهيمنة ما سماه ب«النسق الذكوري» على الثقافة والكتابة العربية، راجع في ذلك كتبه الثلاثة التي خصصها عن كتابة المرأة، وهي :«المرأة واللغة» و«ثقافة الوهم» و«تأنيث القصيدة والقارىء المختلف» وهي صادرة عن المركز الثقافي العربي، بيروت، الطبعة الأولى السنوات : 1996 ،1998 ،1999 على الترتيب.، يقول الغذامي في ذلك :«لقد خرجت المرأة عمليا من مرحلة الحكي، ودخلت إلى زمن الكتابة. ولكنها تدخل إلى أرض معمورة بالرجل أو هي مستعمرة ذكورية. والمرأة لا تدخل الكتابة بوصفها سيدة النص إذ إن السيادة النصوصية محتكر ذكوري . وتأتي المرأة بوصفها ناتجا ثقافيا جرت برمجته وجرى احتلاله بالمصطلح المذكر والشرط المذكر، ولذا فإن المرأة تقرأ أو تكتب حسب شروط الرجل، فهي – لذا- تتصرف مثل الرجل أو بالأحرى تسترجل» انظر : عبدالله الغذامي : المرأة واللغة ص 47
3- صلاح فضل : قراءة الصورة وصور القراءة، دار الشروق، القاهرة، الطبعة الأولى 1997 ص 107
4- السابق ص 109
5- يأتي هذا على اعتبار أن أكثر الإصدارات الشعرية اليوم هي لأجيال قصيدة النثر، كما أن دور النشر تتوجه لطباعة الدواوين الصادرة في هذا الشكل بانتظام، خاصة دور النشر اللبنانية مثل : الجديد، والمؤسسة العربية للدراسات والنشر،، ودار شرقيات وميريت بالقاهرة، ودار الجمل بألمانيا، كذلك تحظى هذه القصيدة باهتمام الملاحق والصفحات الثقافية بمعظم الصحف العربية خاصة : الحياة، والقدس العربي، كما خصصت بعض الدوريات ملفات نقدية عنها، ودارت بعض المعارك الأدبية حول القصيدة .
6- وفرت ثقافة عصر الاتصال الكثير من المجالات التي تبدت فيها نتاجات المرأة بكثافة خاصة في السينما، والغناء، وانتشار ظاهرة :«الفيديو كليب» فضلا عن الموضة وعروض الأزياء، والمطبوعات الملونة، وبرامج الفضائيات الخاصة بالمرأة، وغيرها التي تعتمد أساسا على الوجه الأنثوي في تقديم برامجها، ولعل توجه المرأة إلى الكتابة، وإلى الشعر خاصة هو توجه ضد تيار جارف يقود المرأة للتعبير بالشكل، والجسد أكثر من تعبيرها بالعقل والقلب والوجدان.
7- ثريا ملحس: النشيد التائه، بيروت، المؤلفة، الطبعة الأولى 1947
8- انظر ثريا ملحس : «قربان»، بيروت، الطبعة الأولى 1948 ص 66
9- أصدرت سنية صالح ديوانها الأول بعنوان :«الزمان الضيق» (المكتبة العصرية، بيروت الطبعة الأولى1964) والثاني :«حبر الإعدام، دار الأجيال، دمشق الطبعة الأولى 1970» والثالث :«قصائد، دار العودة، بيروت، الطبعة الأولى 1980» . كما لها ديوان :«ذكر الورد» (رياض الريس للكتب والنشر، لندن، الطبعة الأولى 1988)
10- سنية صالح : قصائد (ص . ص 11-21)
11- السابق (ص 31)
12- يمكن أن ندلل على ذلك بظهور هذا الكم الكبير من الأسماء الشعرية النسائية التي تكتب قصيدة النثر التي ظهرت خصوصا في العقد الأخير من القرن العشرين، ولعل طبيعة هذا الشكل الشعري، وتخلصه من تعقيدات الوزن والعروض،واعتماده البنية القصيرة كمكون أساسي للكتابة، وإيثار المرأة الابتعاد عن البنى الملحمية الطويلة، والبنى الشعرية المعقدة حفز المرأة العربية للكتابة بهذا الشكل، انظر إشارة صلاح فضل المهمة في هذا السياق في الهامش (3)
13- يظل التوجه إلى كتابة قصيدة النثر في مصر في حالة نشاط دائب، حيث تظهر بين الفينة والأخرى مجموعة من الشاعرات، بيد أن صعوبة النشر وكلفته يبقى العائق البارز في عدم طبع دواوينهن الشعرية، على عكس أترابهن في الشام والخليج اللائي تتوفر لهن سبل النشر .
14- امبرتو إيكو : التأويل بين السيميائيات والتفكيكية، ترجمة : سعيد بنكراد، المركز الثقافي العربي، بيروت، الطبعة الأولى 2000 ص 67
15- السابق ص 87 يقول إيكو في هذا المجال :
«من أجل إنقاذ النص، أي نقله من وضع الحاضن لدلالة ما، والعودة به إلى طابعه اللا متناهي، على القارىء أن يتخيل أن كل سطر يخفي دلالة خفية، فعوض أن تقول الكلمات، فإنها تخفي ما لا تقول . إن مجد القارىء يكمن في اكتشافه أنه بإمكان النصوص أن تقول كل شيء باستثناء ما يود الكاتب التدليل عليه . ففي اللحظة التي يتم فيها الكشف عن دلالة ما، ندرك أنها ليست الدلالة الجيدة، إن الدلالة الجيدة هي التي ستأتي بعد ذلك، وهكذا دواليك . إن الأغبياء، أي الخاسرين، هم الذين ينهون السيرورة قائلين :«لقد فهمنا» . إن القارىء الحقيقي هو الذي يفهم أن سر النص يكمن في عدمه» . ص 34
16- تشمل العينة الدواوين الشعرية التالية :
1- أمل الجبوري : اعتقيني أيتها الكلمات، سلسلة : كتابات جديدة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ط1 – 1999
2 – سنية صالح : قصائد، دار العودة، بيروت، ط1 – 1980
3- دعد حداد : تصحيح خطأ الموت، منشورات وزارة الثقافة والإرشاد القومي، دمشق، ط1 – 1981
4- أمل جراح : صفصافة تكتب اسمها، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، ط1- 6891
5- هالا محمد : على ذلك البياض الخافت، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، ط1 – 1997
6- عائشة أرناؤوط : الوطن المحرم، دار الفكر للدراسات والنشر والتوزيع، القاهرة، ط1 – 1987
7- ليلى مقدسي : ثالوث الحب، دار الحوار للنشر والتوزيع، اللاذقية، ط1 – 1993
8- سلوى النعيمي : ذهب الذين أحبهم، دار شرقيات للنشر والتوزيع، القاهرة، ط1 – 1999
9- لينا الطيبي : هنا تعيش لينا الطيبي، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، ط1 – 1996
10- إنصاف الأعور معضاد : الله والحب اليابس، ضمن المجموعة الشعرية الكاملة، دار المناهل، بيروت، الطبعة الأولى 2001، وقد صدرت الطبعة الأولى للديوان في العام 1969
11- نجوى قلعجي : أنوار مالحة، دار العودة، بيروت، د. ت
12- زينب حمود : كلمات على شفاه الجنوب، دار الباحث، ط1 – 1987
13- فهمية نصرالله: عاصمة الأرض، دار غندور للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، ط1 – 1978
14- هدى النعماني : رؤيا على عرش، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، ط1 – 1989
15- سعاد دكروب : ضفائر الحب، المؤلفة، بيروت، د. ت
16- هدى الخوري : تدفق في أيها البحر، دار الفارابي، بيروت، الطبعة الأولى 8991
17- رانية محمد بديع سربية، وإليك أعود، دار البديع للتأليف والنشر، بيروت، ط1 – 1991
18- عناية جابر : مزاج خاسر، دار المدى للثقافة والنشر، دمشق، ط1 – 1995
19- صفاء فتحي : عرائس خشبية صغيرة تسبح في سموات المنيا وبرلين، دار شرقيات للنشر والتوزيع، القاهرة، ط1 – 1998
20- فاطمة قنديل : صمت قطنة مبتلة، دار شرقيات، القاهرة، الطبعة الأولى 1996
21- سهير المصادفة : هجوم وديع، سلسلة كتابات جديدة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ط1 – 1998
22- عالية شعيب : عناكب ترثي جرحا، شركة الربيعان للنشر، الكويت، الطبعة الأولى 3991
23- ثريا ملحس: قربان، بيروت، الطبعة الأولى 1948
24- ليانة بدر : زنابق الضوء، دار شرقيات للنشر والتوزيع، القاهرة، ط1 – 1998
25 منيرة مصباح : تجليات ماسة البرهة، دار شرقيات للنشر والتوزيع، القاهرة، ط1 – 1999
26 – مريم قاسم السعد : تراب ونجوم : أورورا برس، لندن الطبعة الأولى 1991
27- منية سمارة : كتاب النهر والبحر وما بينهما، رياض الريس للكتب والنشر، لندن، ط1 – 1992
28- ظبية خميس : جنة الجنرالات، دار سعاد الصباح، القاهرة، ط1 – 1993
29- ميسون صقر : البيت، المؤلفة، ط1 – 1992
30- نجوم الغانم : الجرائر، كتاب كلمات (4) أسرة الأدباء والكتاب، البحرين، ط1 – 1991
31 – عائشة البوسميط : سيدة الرفض الأخير، المؤلفة، ط1- 1995
32- حمدة خميس : مسارات، اتحاد كتاب وأدباء الإمارات، الشارقة، ط1 – 1993
33- فوزية السندي : حنجرة الغائب، أسرة الأدباء والكتاب، البحرين، سلسلة كتاب كلمات (6)، ط 1 – 1992
34- فوزية أبو خالد : ماء السراب، دار الجديد، بيروت، ط1 – 1995
35- سلوى خميس : مثل قمر على نيته، دار الجديد، بيروت، ط1 – 1999
36- آمال حسن بيومي : وقوفا على باب عاد، دار الكنوز الأدبية، بيروت، ط1 2000
37 – فوزية شلابي : عربيدا كان رامبو، المنشأة العامة للنشر، طرابلس، الجماهيرية العربية الليبية، ط1 – 1986
38 – فاطمة محمود : ما لم يتيسر، المنشأة العامة للنشر والتوزيع والإعلان، طرابلس، الجماهيرية العربية الليبية، ط1 – 1986
39 – آمال موسى : خجل الياقوت، دار شرقيات للنشر والتوزيع، القاهرة، ط1 – 1999
40 – أمينة العدوان : الأعمال الشعرية (2891-8891)، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، ط1 – 1989
17 – سلوى النعيمي : ذهب الذين أحبهم ص 55
18 – ظبية خميس : جنة الجنرالات ص.ص 41-51
19- صبحي حديدي: المبنية للمجهول في المضارع البسيط، مقدمة ديوان لينا الطيبي:«هنا تعيش «ص . ص 7-15
20 – لينا الطيبي : هنا تعيش ص.ص 47-48
21- فاطمة محمود:«ما لم يتيسر«ص.ص 80- 81
22- سهير المصادفة :«هجوم وديع « ص 72
23 – ظبية خميس : جنة الجنرالات، ص 14
24 – فهمية نصرالله : عاصمة الأرض ص.ص 103 – 104
25- فاطمة قنديل : صمت قطنة مبتلة ص 53
26 – السابق : ص 60
27 – السابق : ص 70
28 – السابق : ص 68
29 – سلوى النعيمي : ذهب الذين أحبهم ص 29
30 – ظبية خميس : جنة الجنرالات ص . ص 110 – 111
31 – يتجلى هذا في القصائد النسوية في نبرة السخرية والمفارقة، والانتقام المبطن من صورة الرجل المتسلط، ويتبدى ذلك في نصوص ظبية خميس – مثلا- في نصوص :«المشيئة مرهونة بك «ص.ص 6-7 «المتوجة بالزبد في مدينة لا بحر لها «ص.ص 104 – 120، «مشغولات ذهبية لامرأة ناصعة الجنون «ص.ص 144 -155
32- ميسون صقر : البيت ص 20
33- عائشة البوسميط : ص 59
34 – انظر : نجوى قلعجي : أنوار مالحة
35 – السابق: ص 82
36 – تتحقق لدى هؤلاء الشاعرات على الأخص من بين العينة المختارة، هذه النظرة الرومانسية للرجل، وهي تمثل أحد الاتجاهات الجلية في قصيدة النثر النسوية على الرغم تكرارها، وتقليديتها، وغنائيتها المفرطة.
37 – هدى الخوري : تدفق فيّ أيها البحر ص 13
38 – ليلى المقدسي : ثالوث الحب ص 70 – 73
39 – حمدة خميس : مسارات ص.ص 7-8
40 – أمل جراح : صفصافة تكتب اسمها ص.ص 8-9
41 – السابق ص 10
42 – السابق : ص 30
43 – السابق ص 24 .
44- كان التعبير عن الوطن في التجارب الشعرية النسوية السابقة يتأدى بشكل رومانتيكي، غنائي كما نرى عند نازك الملائكة، أو فدوى طوقان أو سلمى الجيوسي – على سبيل المثال – لكن هذا التعبير في قصيدة النثر النسوية اتخذ شكلا آخر، كاشفا عن البنى العميقة، مصحوبا بالمفارقة والسخرية والبحث عن حقيقة الاشياء.
45 – ظبية خميس : جنة الجنرالات (انظر الصفحات 121- 126 192 – 200 – 201 -218 على الترتيب) وتنسحب بعض هذه الرؤى الجمالية في بعض أعمال الشاعرة الأخرى، مثل : صبابات المهرة العمانية، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، ط1 – 1985
و«السلطان يرجم امرأة حبلى بالبحر «، رياض الريس للكتب والنشر، لندن، ط1- 1988
و«موت العائلة«، دار النديم للصحافة والنشر، القاهرة، ط1 – 1993
46 – السابق ص 174
47 – السابق ص.ص 180 -181
48- السابق ص.ص 185 -186
49- أمينة العدوان : ص 46
50- السابق ص 151
51 – ليانا بدر : نجوم أريحا (ص 146
52- عائشة أرناؤوط : الوطن المحرم ص 61 والقصيدتان ص.ص 61-63
53 – السابق : ص . 68
54- السابق ص 65
55- فهمية نصرالله : عاصمة الأرض ص.ص 97- 98
56 – السابق : أنظر الصفحات 30 -44 .
57 – السابق: الصفحات 30 -45 .
58 – السابق ص.ص 51 -52
59 – زينب حمود : كلمات على شفاه الجنوب ص 28
60 – السابق ص 36
61 – دعد حداد : تصحيح خطأ الموت ص.ص 13 -14
62 – منية سمارة : كتاب النهر والبحر وما بينهما، الصفحات : 35 -38 .
63 – السابق ص 61 .
64 – السابق: ص 20
65 – السابق: ص 22.
66- السابق: انظر الصفحات 33، 34 ، 37
67 – السابق ص 64
68 – روبرت شولز : سيمياء النص الشعري من كتاب (اللغة والخطاب الأدبي : اختيار وترجمة: سعيد الغانمي، المركز الثقافي العربي، بيروت، الطبعة الأولى 1993 ص 95
69 – ليانا بدر : نجوم أريحا ص 17
70 – السابق : ص 19
71 – سلوى النعيمي : ذهب الذين أحبهم ص 19
72 – السابق : ص 41
73 – آمال موسى : خجل الياقوت ص 92
74 – فوزية أبو خالد : ماء السراب ص 8
75 – السابق : ص 11
76 – السابق: ص 24
77- فوزية شلابي : عربيدا كان رامبو ص 17
78 – دي . سي ميويك : المفارقة وصفاتها ص 18
كما يرى ميويك أن «الأدب عندما يكون في ذروة الموسيقى، كما في الشعر الغنائي، يكون بوجه عام أقل اتصافا بالمفارقة. وعندما تكون الصورة «فكرية «أو أدبية سواء بالإفصاح عن قول أو بإيصال رسالة، فإنها عند ذلك تتصف بالمفارقة . ولكن عندما تكون الصورة مثالا للكمال الشكلي أو التجديد التقني أو التعبير المطلق، تغدو المفارقة مشوشة أو دخيلة «ص.ص 17 -18
وعلى سبيل التمثيل ترصد د. تهاني شاكر – على سبيل المثال – عدة أشكال للمفارقة عند أمينة العدوان تتمثل في : «: مفارقة التنافر، ومفارقة السلوك الحركي، والمفارقة اللفظية، والمفارقة الرومانسية«ص 65 – مجموعة كتاب : أمينة العدوان – شهادات ودراسات : وقائع الندوة العلمية التي أقامتها رابطة الكتاب الأردنيين – دار أزمنة للنشر والتوزيع، عمان، الطبعة الأولى 2005م
د. تهاني شاكر : المفارقة في شعر أمينة العدوان ص.ص 65 – 75
79 – أمل الجبوري : اعتقيني أيتها الكلمات ص 32
80 – صفاء فتحي : عرائس خشبية ص 61
81 – نجوم الغانم : الجرائر ص .ص 84 – 85
82 – ليانا بدر : نجوم أريحا : ص 98
83 – هدى النعماني : رؤيا على عرش ص 8
84 – هالا محمد : على ذلك البياض الخافت انظر الصفحات 34 ، 29 ، 28
 
عبدالله السمطي ناقد من مصر

شاهد أيضاً

اللصُّ الورديُّ

وأنتَ مشغولٌ في عالمِك الذي ينمو، مقتطعاً من رقعتنا كلَّ يوم مساحةً جديدةً، يرافقُني طيفُك …