أخبار عاجلة

بائع الموسيقى

جاءته الضجة من السقف عنيفة حادة, رأح الأطفال يلعبون الكرة على ملعب رأسه ، الجدران تهتز، والصرخات تتسرب من الشقوق ، والضحك يصير نزيفا في جلده .

يتطلع إلى دفتر النوتة واسلاكه الشائكة لا تمتلئ بطيور الموسيقى، يتصاعد الصراخ في الأعلى ، وتترنح القشور الصفراء من السقف نحوه ، ثمة خطوط داكنة كثيفة على الجدار، كأنها ثعابين نائمة في الرمال.

تنزل أصابعه بقوة على البيانو، شلال من الشرر يتبعثر من الفضاء نحو الشجر،تصاعد أهات غريبة حادة عنيفة وسط الصياد وضجة السيارات والكرلجات ، أصابعه تجري على المكعبات البيضاء الشفافة عصافير ممزقة ، لا تكف عن الزقزقة ، والنزيف ، والتحليق ، ارتجافات تتصاعد، وكبوات تنزلق إلى قعر الأرض .

تنفجر الضجة فوق ، وبدا إن شجارا اندلع بين الصغار، منك وفى عظيم على البلاط والعندم ، أخذت خريطة كبيرة من القشرة تهتز، وحدث تبعج في كرة السوائل الكريهة في روح الجدار.

توقف ، فتح النافذة بعنف ، أطل لاويا عنقه إلى الأعلى ، كانت السماء محاصرة بين عمارتين ، أسياف تمتد هنا ، تركها العمال نازفة بالاسمنت والماء، ومكيفات تهدر هناك تبول وتفح على الطرق والرؤوس ، وزرقة السماء لم يرها ابدا، عباءات من الرماد والغبار والأوكسجين الغائب ولعاب النار، يصرخ ، ويصرخ ، دون أن تفته النوافذ ، أو تخفت الضجة ، أو يتوقف العويل ، أو يسلم الصغار رأسه له ، يدقون بأحذيتهم على قشرة دماغه ، تتساقط أصابعه في الهواء.

 يضع شيئا فعق جسده ، ويتوجه نحو باب الشقة ، كانت صالته معتمة ، فارغة من الأشياء والكلام ، يصعد إلى الطابق الأعلى، يره غابة من النعال والأحذية والصنادل ، مدينة  باكستانية كاملة تجمعت فوق روحة شاكية سلاحها، ناثرة روائح الدهن وعطن الأسرة والثياب المبلولة .

يضغط الجرس بشدة ، يطلع شرطي نزع نصف ردائه ، ويحدق فيه مستاء، ليس ثمة لغة بينهما ، ويظهر وراءه ذلك الحشد المخيف من الصغار، ونسوة

ذوات أجساد ضخمة.

يشير إلى الأطفال ، الذي بدوا حلوين رائعين في هياكلهم المزهرة بالضحك

والورد، يدق على رأسه ، ويشير إلى أوراقا وبيانوه وغرفته والجدار المتشقق . ينزل والضجة خفتت قليلا، والأحذية المهترئة الكثيفة ، والرطوبة المشتعلة ، والهدوء المراوغ وعفاريت الشقة ، والبيانو البارد، طردت أنامل الروح .

– ياعزيزي ، يا حبي، دعني أؤلف وكف من هذا الضجيج النحاسي!

هذا ما كان يقوله لشقيقه ورفيق شقته ، رئته الأخرى التي نزحت من صدره، والذي جاء به إلى هذا الحبس الانفرادي وتركه وحيدا لقشور السقف المتساقطة ونيران الأرض الشاملة .

تعاونا واقتسما الشقة ، وودع سمير بيتهوفن وباخ وموزارت ، وزعق مع الآلات الموسيقية المعلبة ، وصراخ الحديد، وراح يذبح الطيور التي زقزقت في سدرة عمره ، ويعلق الكتب، ويسهر طوال الليل في العب التي يحمحم فيها بالاته ، والمكبرات الضخمة تهز المكان الصغير، والعيون الكثيفة تحدق في الراقصات ، وسحابات الدخان تغسل الجلود والثياب بالكربون .

– سمير ماذا فعلت بنفسه، أخي حبيبي كل هذا السهر، والمجيء في الفجر، توصل البقايا إلى شققهن ، ثم تنام إلى الظهيرة وتسعل وتبصق طوال العصر، ثم لا تملك ثمن التبغ وتستولي على علبي وخبزي!

– يرد ساخرا:

– أهذه عيشة نحياها؟ إلى متى تهدر مواهبك لدى بأخ .. ماذا تجدي مثل هذه الموسيقى العنيفة ، الحالمة ، الساحرة .. وسط هؤلاء الاجلاف ، التيوس القادمة إلى حظيرتنا من كل حدب وصوب ؟

يمضي حاملا طبلته الضخمة ، ويعسكر في البار، ويدق ، ويعزف ، وينتشي بطوق ورد بلاستيكي، ناعم مثل الوزغ ، ملوث بالبصاق والسل ، وكل يوم يتمنى أن يفني أمام هؤلاء السكارى الشبقين ، وفي الفواصل ، بين رقص النسوة ، في لحظات تعبهن ، وتجفيفهن للعرق واللعاب ، يعلى الفرصة ليغني أغاني لا تطالع سوء المقاعد الفارغة والعلب المهروسة ، يغرد في بيت الراحة ، وينزف ذكرياته وأظافره ، وليس ثمة صدى أو هوى ، ويعود اليه في غبة الليالي، والفجر رمز لدم مجهول في المساء، ينبطح علي الفراش مسلما إياه قطعا من رئته .

يرمق البيانو مرعوبا:

أعزف ! أعزف!  تلك تغد وفداء للمنسيين في الخان والظلمات ، أعزف ! ربما تتوقف الشقوق في الابدان ، وينام الأطفال في حجرك مهدهدي بالأحلام ، أعزف وأسلخ عظامك وأغرزها في الرمال الصفراء الزاحفة عي الأرصفة ، أعزف ، وأحضن أخاك المتساقط على الدرج ، وأنت تتلمس دمه ، ولا مبالاته ، أعزف في هذا العمق الكامل ، ضع علاماتك النادرة الشاحبة بين هذه الأسلاك والافلاك ، وجوها من الجميلات اللاتي حببتهن ، وهربن من يديك إلى البيوت الكبيرة والقصور والحانات ، اعزف وجيبك فاض وروحك فائضة !

– ياأخي كريم ، ألم تنبر بد من هذا الجوع كله ، سرير بارد، وعثر معتم ، وثلاجة تمتني بالصراصير، وحي مليء بالاغراب والدخان والزحام والانقاض ..؟! تعال ، طالع ما أنا فيه الأن : شقة واسعة قرب البحر، وصديقة جميلة ، وما لذ وطاب ! .

يرمقه برثاء، البدلة والهاتف النقال والسيارة لم تملا شقوق هيكلا الخاوي،  يخاف أن تكسره الرياح والزجاجات والسجائر والسهر.

يضيف :

– وجدت لك عملا مناسبا،عزف راق في مطعم ومشرب محترم تستطيع أن تتلاب بالبيانو أمام أولئك العشاق ، ستجد ثللا من العصافير والكناري تسجد لك .

كانت الشقة فارغة ، لم يبق إلا البيانو وكرسي صغير رفق بها، أخذت أجراس المالك ، والباعة الذين تسلف منهم ، والأصدقاء الذين نسى ديونهم ، تصير اوركسترا الألم اليومي.

تأمل روحه في المساء وهي تنزلق إلى الحمى:

في عتمة النور المقطوع راح  يصرخ: لماذا تعزف على ضوء شمعة ، ولماذا تعصر بسدك لينزف : أكتف بكل هذه الألحان الميتة في التابوت ، والفرق في بركة الأصوات ، كفى ! كفى عد إلى أهك ، انزل الى الخطيرة ، كفاك جريا مراء ا هذا الباص الفضائي!

يترنح ، يلوح مهددا لخصمه الرابض في الظلام ، تغوص أصابعه في تنور الموسيقى، تصرخ عروقه وهي تسير إلى الحمم ، ممتلئه بالانفجارات وتتطاير كل من النار والبحر في الجليد الشعبي، في طير فوق مستنقعات الضفادع ، ثم يترز متألما، جائعا، يعب من الهواء الساخن الرب ،شبه عار، مغسولا بالعرق .

نظرات الجيران الأجانب تحق فيه بدهشة وهم يصعدون إلى شققهم ويفتحون الأنوار والمكيفات .

ذهب إلى المطعم والمشرب عازفا، فوجده محاطا بحديقة جميلة ،وبدت القاعة واسعة وأنيقة ، وجثم البيانو بعيدا عن البار والحضور، معطية خطواته الملائكية مساحة شعرية ، فراح يدندن بأحلامه وبأ غنيات العشاق الكبار وبجراحه .

في بضع الليالي القليلة تلك ، حلق وأعاد النور والكلام للشقة، والطعام والنوم لجسده ،وكون التماعات لمقطوعات راحت تتشظى بين عزف المساء ونزف الظهيرة ، وسعد برفقة مطربة شابة أجرت حنجرتها طوال الليل للسهارى.

ثم فوجئ في ليالي العطل بزحف عفيف: حشود ملأت القاعة ، وغير كأنها موج من الأعشاب الداعية ، ضحكوا من رقرقة البيانو، ضجوا من عشق النوارس ، ذبحوا البجع ، واستراحوا حين وضعوا شريطا ملونا تحت خصر المغنية الراقصة .

كان يتطلع إلى ذلك الحشد ذي الأفواه المفتوحة الذي يلتهم العب والمكسرات والخان ، يضع أشرطة من المال على أعناق الراقصات ، وينهض متعاركا وشاتما ومدعيا وباكيا، يقرقر بمياه الشيشة ، يترنح في دورات المياه ، وينس آحشاءه ورؤوسه وجيوبه في الغرف ، وكرامته في الشوارع .

أعزف للسكارى، وأنسى الكنشرتو، وسيمفونية المزامير،ورقص البجع في البحيرة الذهبية ، وارتب من هذه الأيدي الفنه تنقض على الصدور البضة ، وأفراس الشهوات تحمحم وتنثر النقود تلالا من القصور تنمو بين الاثداء، وللخزائن وهي تنفض تحت أقدام العاهرات ، وأنت تسقط بين الأزقة والقشور والحضور والخمور والانقاض ، تترنح ، والليالي تدور، ولا فضة أمطرت، وتعود للشقة كل فجر تحمل فجيه الطبول ، وأيدي الدخان ، وكل من المدرة لا تتكلم إلا تحت نافذتك، والسيارات لا تتعطل بطارياتها إلا عند وساد)، والعمارة لم تكتمل والمسامير تتجول في عقك ، أعزف دمك !

ماذا يريد الليل أن يقول ؟لماذا يمدد جسمه كالارغول . ولا يقول ؟ لماذا ينمو كالغول ولا ينبس ؟

يجلس على مقعده وراء الألة ، السحارة المعدنية التي تفيض بالثعابين ، يدق بأصابعه على أسنانها فتتقيأ الموسيقى والأرداف والتأوهات وتظهر النسوة يهززن أثداءهن الملأى بالورق ، وتنتفخ السماعات الضخمة بانفجارات الهواء، هنا تقوم الدببة بالغناء، هنا تغازل أفراس البحر القمر.

شقته امتلأت بالأثاث، وعظامه باللحم ، وأذانه بالصمم ، وقلبه بالحصر، وصدره بخرائط الفحم .

يرى أخاه متخشبا على فراشه ، ظهر جلاد دموي في رثته ، انتزع نصف هيكلا، وراح يبكي كلما ألتهم ضلعا، حتى تسلمه أخيرا جريدا من نخلة غارقة في امام .

في غمرة الذبح اليومي، والزحام ، والصراخ النحاسي، وموت العصافير، يقاد إلى الأجزاء الأخيرة لأخيه ، ذلك الخوص الباقي من الفضة .

هوذا يعود الى الشقة ، ليس ثمة سوى البيانو علي تلة من نور، أحجارها تنكلم وسط الخرس :

أهة تتماد من الشرق ، ثقب أسود هائل يبتلع الورق والوجوه ، آهة خافته تتسرب من الأرض .

يجثم كي البيانو.

أصابعه تتلمس جسد حبيبته ، ينزل أخاه الى قعر الأرض ، تتبرعم أصوات وأغصان ، تأوهات خافته لمحاربين مقتولين في المدن ، أصابعه تدق بخفوت ، والروح المحبوسة تتقلقل في المياه ، أمة حادة تتصاعد من الشرق ، ويصرخ التلاميذ في الدروب ، وتبدو الجنازات بهية في فضاء الحرية ، وتنفجر الموسيقى بغية: ضربات عنيفة تتصاعد، مطر يهطل ، عواصف تضرب الأرصفة ، أضرا، غريبة تندلع ، كم نهار جاء، كم ليل مضى، وهو مربوط في عزف الريح، لماذا توقف الضجيج داخله، وحلت السكينة ؟

خفرت عميق في الشرق ، أهات خفيضة ، زقزقة عصافير أخيرة قبل الرصاص، الأيدي المدهوسة لا تزال ترتش ، ضربات ملتاعة من ((السي)) المعذبة ، الراكضة في كل الجهات ، انقطاعات مدوية ، تدفق للانقاض ، صمت ، صمت مريع ، " الدوى" الخائنة تقهقه وتزحف ، كم ليل جاء، كم نهار مضى، ومطر الدم والنور يتدفق بلا أفق ، يندفع اليه الشرطي وأولاده ونساؤه ، يتفتق البيانو، ينهمر السقف بالأشلاء، والأصابع البيضاء تقول ، الضرب يتصاعد على الباب ، والعمارة تتطقل بالصحو، وأخوه في فضائه البارد يلوع، ومسامير البناء تحنو رأسه ، وهو يعزف ، الأولاد يقلعون شعره ، وهو يحمل البيانو في الأزقة ، يدق ..
 
عبدالله خليفة (قاص من البحرين)

شاهد أيضاً

متابعات ورؤى المفارقات المشهدية في شعر حلمي سالم

اختلفَ الباحثونَ والدارسونَ حَوْلَ مَفْهُومِ الْمُفَارَقَةِ فِي النَّقْدِ الأدَبِي اختلافاً واسعاً ومن ثمَّ ، فيجب …