أخبار عاجلة

بـــــلاد الشــــمس نصوص من الأدب الإنجليزي حول العرب والجزيرة العربية

توماس بيلي ألدريتش Thomas Bailey Aldrich ، 1836-1907، شاعر وروائي وصحفي أمريكي مشهور. كان صديقا لوالت ويتمان. نشر ما لا يقل عن عشرين عملا بين الشعر والرواية. من أعماله الروائية المتصلة بالشرق والجزيرة العربية: ملكة سبأ (1877). له قصائد متنوعة متأثر فيها بالثقافة العربية وبخاصة كتاب ألف ليلة ولية. سنترجم بعضا من هذه النصوص، ونكمل البقية في الأعداد القادمة.
«ترحيب عربي»
لأنكَ جئتَ ضيفا مُتْعَبا
إلى خيمتي، أدعوكَ إلى الراحة.
هذا إبريق الزيت، وهذه قِرْبة النبيذ،
هذا التمر الهندي والرُّطَبُ لك؛
وبينما أنتَ تأكل، يا مجيد، هناك،
سأرش الماءَ على وجه فرَسك
وأطفئ النارَ عن منخريه.
الله الله!
هكذا يعاملُ العربيُّ عدوَّه،
وكأنه لم يرتكب جريرة
يشاركُه الخُبْزَ والملح.
وفي معركة عادلة، يضربه حتى الموت
وبالمتعة نفسها حين كان يعطيه الخبز!

«تلبيس العروس»
وهكذا، بعد الاستحمام، أحضرت الإماءُ
الثياب المزركشة لترتديها،
والإزارَ السديميَّ من الموصل،
واللؤلؤَ والأوبالَ لشَعرها،
والشبشبين لقدميها اللّدِنتين،
(كانا على شكل هلالين متلألئين)
والخزامى، وسُنْبُلَ الطِّيب،
وعطورَ الورد، والنَّدّ، والمسك.
وبعدما فرغت الإماءُ من تلبيسها،
(شمس الضُّحى، وأمنية الفؤاد!)
كانت مثلَ نجمة مُضيئة في الغسق،
وماسةٌ واحدة على جبينها
ترتجف بنارِها الحبيسة!
«طريقُ العَالَم»
في بلاطِ هارونَ الرشيد حدث مرة،
أنّ شاعرًا عربيا أنشد هذه القافية الرائعة:
«وَقَمَرٍ كحَدْوَةِ الحِصَانِ
يَعْلَقُ نَعْلا فَرَسَ السُّلْطانِ».
على سماع هذا، ابتسم سُموّه، وأمر
للرجل بقطعة من الذهب. الغناءَ أيها العبد!
انحنى المُغنّي السعيدُ على عُودِه،
وكما فعل سابقا،
ابتسم الخليفة وأمر للشاعر
بسِكّة أخرى من الذهب. الغناءَ مرة أخرى،
أيها العبد!
مرة أخرى جاء الشِّعْرُ سَلِسًا كغديرٍ
فِضّيٍّ يَتدفّقُ أسفلَ التل.
وهكذا ظل الخليفة يتمايل طربا من الغناء
ويُعطي الذهبَ ويَطلب المزيدَ من الشعر
ولكنّ المُخيّلة البارعة بلغت ذُروتَها
وأخذت تَهِنُ شيئا فشيئا:
النّشَازُ ارتفعتْ وتيرتُه؛
فالمعنى صار ناقصا
والقوافي متنافرة
فتَرَ الإبداعُ، والعُود غدا منزوعَ الأوتار،
والمغنّي يكرّر أغنياتِه.
الخليفة، غاضبا، أمرهم
بالصمت وقال:
يا مِسْطحُ، اقطعْ رأسَه حالا!
أيّها الشعراء! ليس في
جزيرة العرب وحدَها
سُتقطعُ رؤوسُكم إذا
فقدتم مَواهبَكم!
«التبغ اللاذقاني»
I.
حين يكون زجَاجُ النوافذ ملتصقا بالصقيع،
وكُرَاتُ الثلج السحرية تضرب بوحشية،
أسْحَبُ أريكتي على البساط
وأسترخي قُبَالة المُصْطلى العتيق.
ثمّة مساجدُ ومآذنُ مرسومة على البلاط،
و
مُؤذّنٌ أعمى يرفع يديه
ويدع والمؤمنين الى الصلاة.
مَطويًّا بالخمول، وأحلامِ الشَّفَق،
أسمع الشّوْكرانَ يُسَقْسِقُ ويُغنّي
كما لو أنّ وسط قلبه
يكمن قلبُ الربيع السعيد.
غِناءٌ لا يُضاهيه أبدا غِناءُ الفِرْدوسي،
ولا رَزَانة سعدي، ولا خَلاعة حافظ:
أسترخي وأنفخُ حلقاتٍ بيضاءَ من الدخان،
وأشاهدُها ترتفع وتطف وبعيدا.

II.
أكاليلُ الدخان المتغضّنة مثلَ عمائمِ
جوقةٍ من العبيد
أوعمائمِ وزراءَ مملوءةٍ بالمَكْر والجريمة،
أقطعُ رؤوسَها من حين لآخر،
بساق الغليون، في ضربة واحدة.
وأحيانا، سحَابة مُتسكّعة
تتشكل بأناقةٍ حسب رغبتي،
وإلى جانبي تقف سيدتي،
تَحلُّ نِقَابَها بيدين ناصعتي البياض.
إنها أكاليلُ من الدخان تأتي وتذهب
في شكلٍ غامض، نَفَسًا من النار!
يا حبيبتي، لو كنتِ هنا فقط
بجانبي في هذا الضوء اليانع،
رغم كل الرياحِ المريرة العاصفة،
والطرقاتِ المخنوقةِ بالثلج،
ستكون ليلة عربية أصيلة!

«حين يذهب السلطانُ
شاه زمان إلى أصفهان»
حين يذهب السلطان شاه زمان
إلى مدينة أصفهان،
وقبلَ أن يصلَ إلى هناك
حيثُ بساتينُ النخيل الملتفّة،
وعند آخِر البوّابات الثلاثين للقصر،
حيث زهرة الحريم، والورود الفاغية،
يأمر بوليمةٍ في غرفته الأثيرة:
مكعبات الثلج المتلألئة،
المُحَلّاة بعصير الفاكهة، والمُلوّنة بالتوابل،
مع القِشْدة، والأشربة المُسْكِرة، والتمورِ الحلوة،
والتفاح السوري، والسفرجل العثماني،
والليمون، والأُتْرُجّ، والمشمش،
والأنبذة التي يعرفها أمراء الشرق؛
والعبيد النوبيون يحملون
جِفَانَ اللحوم المُتبّلة والأسماكِ الفاخرة
وكلَّ طبقٍ غريبٍ يتمناه جلالته،
داخلة وخارجة من بوابات خشب الأرز.
وعلى الأرضيات الفسيفسائية
ينتشر شقائقُ النعمان، والآسُ، والبنفسج،
ونافورةٌ موسيقية تنفثُ مياهَها
الملوّنة في الهواء.
وعند الغَسَقِ تُحرّرُ السلطانة شَعرَها،
وتُحنّي أظافرَها،
وتعضُّ شفتيها
حتى تُزهرا مرة أخرى؛ ولكنْ، للأسف، ذلك الوردُ
لا يتبرعمُ أو يُفغي للسلطان!
ليس للسلطان شاه زمان
حين يذهب إلى مدينة أصفهان.
ثم بإشارةٍ من يدِها المُضيئة
تنسلُّ صبايا سمرقند الراقصات
في أشكالٍ خرافية من أرض عَبْقر،
ويُحدثن سَديما مفاجئا في الهواء
بخُمُرِهنّ الناعمة وشعورِهنّ العائمة
وأذرعِهنّ البيضاء.
الدمُ الشرقيُّ يتدفّقُ في عروقهنّ،
ويُشرقُ في عيونهنّ.
وهناك، في هذا الفردوس الشرقي،
العابقِ بأنفاسِ الصندل،
والمسكِ، والصّبِر، والمُرّ
تجلس جلالتُها وردةً فاغيةً على أريكةٍ من الحرير،
وهي تحتسي النبيذ الاستراخاني،
وعشيقُها العربي يجلس معها.
وذلك حين يذهب السلطان شاه زمان
إلى مدينة أصفهان.
الآن، عندما أرى الضوء،
مشتعلا خافقا في الليل
من نافذة باب جاري المقابل،
أعرفُ تماما، كما أعرفُ أن أصلّي،
أعرفُ كما يعرف اللسانُ أن يقول:
إن السلطان البريء شاه زمان
قد ذهب إلى مدينة أصفهان!

«حشيش»
I.
مُتْرَعًا بالأحلام، هِمتُ على وجهي خلال الليل؛
تحدّرتْ السماواتُ إليّ بشُهُبها الباهرة.
وريحُ الجنوب تنفّستْ عبر قيثارة من وراء الغيب
عازفة موسيقاها كما أحِبّ.
وتراءى لي قصرٌ في شكل سماء:
بوّاباتُه الضخمة المُرصّعة بالياقوت، فجأة
تكشّفتْ عن دهاليزَ أيقونيّةٍ هائلة
من الذهبِ والحَجَر السُّمَاقي،
واستطعتُ أن أرى عبر الستائر الموارِبة،
حدائقَ استوائيةً معتمةً تمتد بعيدا.

II
آهٍ! ما أروع ذلك على الروح،
حين تكشّفتْ لي في تلك السماواتِ العُلا
سلالمُ من البلّوْر
كي أعرَجَ فيها …. آنَذاك سمعتُ
قصفَ المُحيطات الغيبيّة
وهي تصطدم عند القطب ….
تملّكني الخوف … إحساسٌ غامضٌ
بكارثة وشيكة. «آهٍ، خذني بعيدا من هنا!»
زعقتُ،
انْظرْ! من تلك الحفرة المظلمة
التي انفتحت عند قدمي، زحفتْ خلفي،
حتى السلالم الواسعة، مخلوقاتٌ ضخمة،
وحوشٌ ذات ثآليلَ ومخالبَ،
ويلتصق بشفاهها وعيونها
طفيليّات نحيلة تمتصُّها بتضوّر.
ابتعدْ عني أيها المخدّر الحقير!
سأتجنّبُ سحرَكَ الطاغي،
عسلَ الجنة، وصديدَ الجحيم!

«استهلال»
حسّانُ بن عبدل،
جلس عند بوّابة بغدادَ العاجيّة
وأخذ يُزقزق في الشمس،
مثلَ أي عَقْعَقٍ يُزقزق لنفسه،
وأربعةُ فتيانٍ عربٍ سُمْرٍ نحيلين
أنهوا لعبة قِمارهم بنَوَى الخوخ ، واقتربوا.
وإيمان خان، صديقَ الأرواح العطشى،
وبائعَ الماء الزُّلال، توقفَ عن مناداتِه،
ووضع قِرَبَه على البوابة،
وقد بدتْ غائرةً وشاحبةً مثل خدّيْه.
ثم جاء خَصِيٌّ
يُدلّي رُزَمَ الحلوى من رأسه،
ووقف كوثنيٍّ بشِعٍ مقطّعِ الأوصال.
ثم اليهودي، وقد احمرّتْ سيورُ نعله
من غبار الصحراء،
جاء يضلع متّذللا للحشود
كي يحظى بمكانٍ للسماع.
وعلى مَقرُبةٍ منه أيضا
وقف صائغُ الجواهر متألقا مثل مَتْجَرِه.
ومتسوّلانِ ضريرانِ، كلُّ همّهما
أن يَسلكا جميعَ الحِيَل دفعة واحدة،
جاءا يتعثّرانِ،
وقد استحوذتْ عليهما زقزقة حسّان.
بل حتى الخليفة لو كان
مارا هناك بموكبه،
لتوقّفَ ليسمعَ مثلهم؛
فحسّان قد طبّقت شهرتُه آفاقَ الشرق.
من القاهرة بقصورها البيضاء
إلى أصفهانَ البعيدة،
من مكة إلى دمشق، كان حسّانُ العربي،
معروفا بقلبه
النابض بالغناء.
كان يردّد أغانيَه البحارةُ على النيل،
وعذارى البدو،
وكانت تُرَدّدُ أغنياتُه في مخيمات التتار،
لقد عشقه الجميعُ وكان لهم
بمثابة بؤبؤ العين.
وعندما نصحه حكيمٌ كان بجانبه،
لم يردّ عليه بغير الغناء.
وأنا، الغريبُ المتسكّع في بغداد،
الإنجليزي، وشِبْه العربي
من خلال لحيتي!
أدركتُ الملحمة الذهبية كما نَمَتْ،
وكتبتُها لإخوتي النصارى!

——————————-

ترجمة: هلال الحجري

شاهد أيضاً

فراشة في المساء الأخير

جبار ياسين * مِثلَ فَراشةٍ فيِ المساءِ الأخيرِ على الأرضِ تَهِفُّ أجنحتَها في رقصةٍ للوداعِ …