أخبار عاجلة

بيطار ومصري.. المسكونان باللاذقية والبحر والذاكرة

لا يُمكنني التحدث عن اللاذقية إلا وتتجسد صورتان في ذهني، صورة البحر وصورة منذر مصري، وقد يبدو غريبا ربط البحر بإنسان، لكن البحر ومنذر لهما الإنطباع ذاته في نفسي: الرسوخ والطمأنينة والبقاء. بداية أحب أن أتحدث عن جريمة تبليط البحر، حيث كان أهالي اللاذقية يقصدون مقاهي البحر المتلاصقة البديعة، وكنت طفلة ألهو مع أقراني بنثر فتات الخبز للأسماك، ورشق بعضنا بماء البحر، وكان تعبير ( إذهب وبلط البحر ) تعبير عن المستحيل، لكن تبين لنا أن المستحيل هو الذي يحدث في سوريا، أذكر يوم تبليط البحر وكنت مراهقة تملك أحلاما, كبيرة وواثقة بالحياة، وسعيدة، حين وقفت مع جمهور من الناس ذاهلين من تلك الآلات الضخمة العملاقة الحديدية ترمي أطنانا من الرمل وتُكسر صخور الشاطئ طاردة البحر وأحلامنا وسعادتنا خارج اللاذقية، أذكر أنني صرت أعاني من نوب ضعف في الذاكرة لمدة أشهر بعد تبليط البحر الذي أعتبره جريمة مُخطط لها، ولم أفهم سبب تلك النوب من ضعف الذاكرة التي أصابتني بعد تبليط بحر اللاذقية، ربما أراد جهازي العصبي أن يُنسيني البحر قليلا, كي أتحمل تلك الصدمة المروعة. ظل البحر صديقي الروحي وعزائي طوال حياتي في اللاذقية، ورغم السنوات الأربع التي عشتها في دمشق أثناء إختصاصي في طب العيون، حيث كنت أشعر دوما «أنني أنشد بحرا» ما، كما لو أنه من غير المقبول ألا يكون لكل مدينة بحرها، وكنت في كل زيارة إلى اللاذقية أهرع إلى الأزرق اللامتناهي أبثه أشواقي وأسراري الساذجة.
كان يُمكن لجريمة تبليط البحر أن تنعكس بصورة مؤذية أكثر في نفسي وعلى شخصيتي، لولا منذر مصري، الذي كان يتميز بثقافته العالية الأدبية والفنية، وتقديره العالي للثقافة وإيمانه بدورها إذ أصر أن تكون مكتبته ( فكر وفن ) منارة ثقافية حقيقية في اللاذقية، وأذكر أن أول كتاب اشتريته من مكتبته كانت رواية «العراب»، يومها تعرفت بمنذر مصري، ودعاني مع أصدقائي لحضور نادي السينما كل يوم خميس في سينما الكندي حيث كان يختار أفلاما بديعة، وبعد حضور الفيلم كان منذر وصديقه مصطفى عنتابلي وهو صديق عزيز جداً يفتتحان باب النقاش حول الفيلم، وكانا مصدر المعرفة بالنسبة لنا في ذلك الوقت من بداية الثمانينات حيث لم تكن هناك فضائيات متنوعة ولا انترنت ولا موبايل، توطدت علاقتي مع منذر مصري وأسرته، وأكثر صفة كانت تلفتني فيه إضافة لثقافته المتنوعة والعالية هي أنه يُحب الناس جدا» ولديه أصدقاء من كل المذاهب والأديان، ويصادق الصغير والكبير بالبراعة والمودة ذاتها، كان صديق إبنتي ندى منذ طفولتها وصديق أبي أستاذ اللغة العربية حيث كان يزورنا منذر دون موعد بل يدخل قائلا بمرحه الأصيل في نفسه «مرحبا» ويجلس يقرأ أشعاره لأبي الذي لم يكن متحمسا للشعر الحديث، لكن منذر كان يزجه في نقاشات طويلة وغنية كنت أستمع إليها بإعجاب، منذر الذي يبدو للوهلة الأولى لا منتميا وبوهيميا، خاصة في نظر التقليدين وأصحاب الأفكار المتكلسة والجامدة هو في حقيقته ملتزم أشد الإلتزام برسالة مقدسة وهي جعل الناس يتذوقون ليس شعره فقط بل كل شعر إبداعي، وكل كتاب أو رواية تستحق الإهتمام، وكل أغنية وكل مطرب أجنبي أو عربي، وكان بروحه المحبة والعميقة والبسيطة في الوقت ذاته يشعر بمسؤوليه إتجاه كل من حوله، وكم آلمني كما آلم كثيرين من أهل اللاذقية لحظة إضطر إلى تحويل مكتبة «فكر وفن» التي كانت علامة من علامات الثقافة والحرية في اللاذقية إلى محل لبيع الأحذيه. يومها تذكرت ألمي عندما بُلط بحر اللاذقية، وأحسست أن ثمة يد خفية تعمل على وضع العراقيل أمام نمو الحس الإبداعي والجمالي والثقافي لدى المواطن السوري، ومرت سنوات لم ألتق منذر، كنت في دمشق وكان في اللاذقية، ولما بدأت الكتابة وكتبت روايتي الأولى «يوميات مطلقة» وفيها حكيت عن معاناتي لمدة سبع سنوات مع المحاكم الروحية المسيحية، التي حكمت علي بالهجر لسبع سنوات! وأثرت غضب الناس وخاصة الطائفة المسيحية إذ إنتقدت بشدة المحاكم الروحية المسيحية وكتبت «فصلا كاملا» عن صاحب السيادة (المطران) وتسببت هذه الرواية في حصول قطيعة بيني وبين أبي لمدة سته أشهر، إذ كان من الصعب على رجل متصالح مع الكنيسة والمجتمع أن تكون لديه إبنه متمردة، وتعرضت للنميمة وقله قليلة دعمتني وكان أولهم منذر مصري الذي زارني في عيادتي وهنأني بروايتي الأولى «يوميات مطلقة»، وعادت صداقتنا تنتعش، وتزداد رسوخاً ونضجاً مع التجارب الحياتية لكل منا، وأجزم أنه يكاد يكون الرجل الوحيد المتصالح مع نفسه والمؤمن تماما بمساواة المرأة مع الرجل، وأكبر دليل كان علاقته وتعامله مع أخته الشاعرة المبدعة مرام مصري وأخته منى، كان يؤمن أنهما تملكان نفس حقوقه ويحق لهما نفس حريته، وكنت أشعر براحة مطلقة وثقة كبيرة في التحدث إليه، وكنت آخذ رأيه في كل كتاب أطبعه رغم أنه كان يستاء مني حين يكتشف أنني دفعت بكتابي إلى الطباعة قبل أن يعطيني رأيه، وكنت أضحك وأقول له: رأيك يهمني. وشكلنا منذر وأنا ثنائياً فكرياً وثقافياً حقيقياً في اللاذقية من دون أن ندري، كانت شلة من الأصدقاء والمثقفين يجتمعون في بيتي وكان منذر حاضراً دوماً يستوعب كل الأفكار ويجنبنا شجارات كثيرة يمكن أن تندلع بسبب تباين الأفكار. ولم أدرك تماماً أنني ومنذر نشكل الثنائي العاشق للاذقية إلا بعد إندلاع الثورة السورية التي أسقطت القناع عن الجميع بدون إستثناء، ومن الأيام الأولى صُعقنا أن كثير ممن نعتبرهم مثقفين ووطنين يرفضون أن يعترفوا أن ما حصل في سوريا هو ثورة ضد الفساد والظلم وإنعدام الكرامة، وأصروا على إعتبار أن المتظاهرين رعاع أو مدفوع لهم أموالاً! وكنت ومنذر نتحدث بصبر لا محدود أن كل مقومات الثورة متوفرة في سوريا، وأن المواطن السوري مُروع ومذعور من قبضة الأمن طوال الوقت، وكنا نستشهد بأصدقاء لنا ضاع شبابهم في السجن بسبب أفكارهم، ومن هؤلاء مثلاً ياسين الحاج صالح ومحمد سيد رصاص ومنذر خدام، ومحمد حبيب، وسأضطر لكتابة صفحات إذا أردت أن أذكر كل الأسماء لأصدقائنا الذين زجوا في السجون لسنين طويلة، وجمعنا الألم الذي وصل حد الذهول– منذر وأنا – وأصرينا ألا نترك اللاذقية، ونحن نتأمل بحزن نزوح الكثير من الأصدقاء إلى الخارج طالبين الأمان والنجاة من وطن تحول إلى ساحة وغى، وتكثفت لقاءاتنا مع الناس والمثقفين لمساندتهم وليساندوننا بطريقة غير مباشرة، إذ كنا فعلاً نخشى الإنهيار النفسي ونحن نشهد تصاعد العنف في سوريا والمجازر ونزيف الألم، والبراميل المتفجرة تنهال على الناس، ووفود من ملايين السوريين النازحين من المناطق الملتهبة كحلب وإدلب والرقة وغيرها إلى اللاذقية طالبين أماناً زائفاً في اللاذقية وطرطوس، وصارت اللاذقية كمدينة سرطانية، تنقطع فيها الكهرباء لساعات طويلة، وتحولت أهم مدرسة فيها وهي مدرسة «جول جمال» إلى ثكنة عسكرية، وكذلك سينما «أوغاريت»، وصار منظر المجندين طبيعياً في كل مكان وشارع، وإختنقت الجدران بصور الأبطال الشهداء يبتسمون بذهول رافعين سلاحهم في وجه السماء، كأنهم كانوا عارفين سلفاً بمصيرهم، ولا يملكون إتجاهه حيلة، وتحول النشاط الإجتماعي الوحيد في سوريا إلى التعازي، كل الأمهات صرن أمهات ثكالى، أو أرامل، ووسط هذا الجو الكابوسي كنا نتلقى إغراءات كثيرة – منذر وأنا – أن نترك المكان، وأنا سافرت مراراً إلى باريس حيث كنت أقضي كل مرة أشهراً أصارع فيها هوى لا يهدأ إلى اللاذقية العائمة فوق دماء أبنائها، وكنت في غربتي ووحشتي في باريس أتصل بمنذر وأشعر أنني في اللاذقية، كان صوته الذي يتعمد أن يكون مرحاً يُشعرني أنني أمشي في كل أزقة اللاذقية الغارقة في الظلام، وكان صوته يهدئني ويخفف من لوعتي للعودة، ودوماً يختم الحديث بكلمة ناطرينك. وكنت أعرف أنني سأعود لأنني ملتحمة بالمكان، ولأن باريس رغم فتنتها وسحرها لا تخصني، كانت علاقتي مع اللاذقية كعلاقة أم مع إبن معاق، قربه عذاب وبعده عذاب، وكنت أشتاق حتى لمجانين اللاذقية الهائمين على وجوههم، ولمقاهي البحر فيها ولتدخين الأركيلة وأنا أتأمل مهرجان القبح الحنون من حولي: الأرصفة التي تغص بالبسطات التي تبيع كل ما لا يلزم، أشياء عجيبة غريبة، وصنايق عملاقة من البسكويت الذي تحسه مصنوع من التراب بلونه الترابي ولا توجد أيه علامة تجارية عليه، ووفود من المتسولين من النساء والأطفال، وحتى الشابات يحملن طفلاً رضيعاً شبه عار، تشعر أن الرحمة الوحيدة التي تنتظره هي رحمة الموت، كان منذر يدعمني بقوة لأن روحي كانت تنزف بإستمرار كروحه، وكأن المتألم حين يلتقي بمتألم مثله يصبح أقوى، لم نعد نملك سوى ذلك التعاضد والصداقة الأصيلة التي عمرها بعمر السنوات التي مرت على جريمة تبليط بحر اللاذقية، أذكر ذلك المساء حين تكاثفت الأحزان في نفسي وأحسست أنني أتهاوى إلى قاع اليأس، إتصلت بمنذر وقلت: لم أعد أقوى على التحمل، وكنت في أقصى إنفعالي بعد أن شهدت المجازر المتراكمة في روحي حتى التخمة، ولا أنسى صوته المتحمس لي وكيف أكد لي إيمانه بي كصديقة وكاتبه مبدعة وكيف أنه هو منذر مصري يتقوى بي، الصدق في صوته شفاني وردني إلى صوابي وإلى إستئناف رحلة المخاض الطويل الطويل في سوريا أو رحلة درب الألام التي ستنتهي بالتأكيد بالقيامة، وكما كتب منذر سأبقى، واللاذقية أمي كما خالدية أمي، فأنا أشاركه الرأي والإحساس والإلتزام بسوريا التي لا أصدقاء لها، وبالشعب السوري الأعزل في ثورته. سنبقى أنا وصديقي منذر في اللاذقية كبحرها تماماً.

هيفاء بيطار