صدور العدد السادس والثمانون من مجلة نزوى

بييترو تشيتاتي: كتبي شكل من أشكال السرقة أنجز الحوار: Gerard de CortauzeMagazine littéraire

ولد بيترو تشيتاتي في فلورانسا عام 1930، وهو مؤلف لعشرات الكتب مخصصة للكتاب الكبار، هوميروس، غوته، كافكا، تولستوي، بروست، كاترين مانسفيلد.
نال عن روايته «التاريخ الذي كان سعيدا ثم صار أليما ومميتا» (كاليمار 1990) جائزة ميدسيس للأجانب.
خصص دراسته الأخيرة «الشر المطلق، في قلب رواية القرن 19» لدراسة صور الشر كما تجسدت في المتن الروائي للقرن 19 الذي يعد مرحلة ازدهار هذا الجنس. فتناول كلا من بالزاك، وادغار آلان بو، هاورطون، دوستوفسكي، ستفنسن، وأيضا تناول الشخصيات التي أبدعها هؤلاء الروائيون الكبار، فكلها شخصيات منجذبة لصورة الشر، شر يقطع، يقتل يجذب، يفتن، شر بصور شيطانية وجنونية
اعترف تشيتاتي أنه يسعى إلى القبض عن المنفلت في الزمن، مؤكدا أن عمله له قرابة من عدة جوانب مع عمل النساج، حيث إن كتبه امتدادات لكتب الكتاب الذين يكتب عنهم ويعلق عليهم ويحوزهم.
إذ بين كتابة المقالات وسير الكتاب، تشبه نصوصه مرآة عاكسة لكتب الآخرين. ولذلك يعتبر نفسه كاتبا من الدرجة الثانية، كاتبا بيد ثانية في هذا الحوار يبين أسرار كتابته ومواقفه من الكتابة.
l: توضحون في كتابكم الأخير أن الروائيين الكبار في القرن 19، كانوا منجذبين إلى صورة «الشر المطلق»، هل هذا الأمر ينطبق على كتاب اليوم.
l l: أظن، أن الأدب، منذ القرن 19، لم يوقف البحث حول «الشر المطلق»، بنوع من البشاعة والقسوة لا مثيل لهما. كان الأمر يتعلق، فعلا بنوع من الاستشراف لما كان سيحصل. أما في أدب القرن العشرين، فموضوعة «الشر المطلق»، أقل حضورا. باستثناء كافكا، من خلال تحليلاته المدهشة للشر، أو بالأحرى كل أشكال الشر، وعلاقته بالخير. لأنه في القرن العشرين، تحقق الشر المطلق في التاريخ، وأصبح هو هتلر، ماو، ستالين، بول بوت، وبالطبع موسوليني.
l: في نظركم الوعي المعاصر مسكون بالفراغ.
l l: يتخذ الفراغ أشكالا متعددة. في المرتبة الأولى، هناك الفراغ الطاوي، الذي يركز على تحويل الروح إلى مرآة عظيمة، حيث يتعاكس كل من الفكر والواقع في صفائها المطلق (وفنائهما)، هناك فراغ آخر، يمثله stavroguine في رواية (الممسوسون) لدوستوفسكي، لقد عُرض ستافروكين باعتباره الشر المطلق لأنه، بعد أن اغتصب صبية، سيتركها تنتحر من دون أن يفعل شيئا لمنعها. قُدِّم بطريقة متتابعة باعتباره “الثعبان البارع”، ثم “الثعبان”، ثم “العنكبوت”! كان stavroguine يعيش الفراغ الأكثر رعبا، وهو أقصى ما يمكن لكائن بشري أن يعرفه: وعي مسحوق للأبد بدناءته وانحطاطه.
l: ما الذي تقصدونه حين تؤكدون أنه لا ينبغي أن يكون لدينا مصير وأن نعيش بالوكالة.
l l: كل الناس لهم مصير، ولدي أيضا واحد. لكن حينما بدأت أكتب، تبين لي أنه لم يكن لدي مصير، الذين كان لهم مصير كانوا يدعون غوته، بروست، كافكا، بودلير، دوستوفسكي، وولف، بيسوا، ليوباردي الخ. كان لديهم مصير أكثر شسوعا وعمقا من مصيري، الذي لم يكن سوى نوع من الانعكاس لمصائرهم. وفي الواقع، إذا كان لديهم مصير، فإنني كنت عاجزا على أن يكون لدي واحد، وبما أنني لم أكن قادرا على اجتراحه، فعلى الأقل كان بإمكاني محاولة الاقتراب من كل هذه المصائر، كان الأمر يتعلق بمشروع صعب، وأحيانا منهك. يعرض أوجها عديدة وبعض المظاهر الخطيرة: كان يمكنني أن أضيع بكل بساطة. ولكني أدركت، بسرعة، أن طريقي كان هنا، مرسوما، ولا طريق آخر.
l: لماذا نحس أنكم لستم أنتم إلا في الوقت الذي تعيدون فيه إحياء الماضي؟
l l: حين أكتب كتابا، أكون في حاجة ماسة إلى مسافة ما. أكون محتاجا إلى مغادرة عصرنا والتوجه نحو الماضي. أن أصعد النهر بعكس الماء. يعطيني هذا المسار سعادة كبرى ودوخة في الآن معا. الدوخة الأكثر كثافة. وقد برهنت على ذلك حينما كنت كتبت “الفكر الزاهر”. كتاب حاولت فيه أن أفهم “الأوديسا”، يعني، الغرب. كان لزاما علي أن أصعد أكثر من 25 قرنا خلت ! كان يتوجب علي أن أتحدث عن الآلهة والإلاهات، والأبطال، والبطلات، والأناس البدائيين، وعن المصائر والأشرار. لكنني استخلصت من هذا التوغل في البعد عنصر قرابة عظيم. كنت أرى، في هرمس وعوليس الشخصيتان الرئيسيتان، عند هوميروس، أنهما نمطي الأصلي، الخاص بي .
بالتحدث معهما كنت أتحدث مع نفسي، منزلهم كان هو منزلي. فيما يتعلق بكتبي الأخرى، المخصصة لغوته وتولستوى، وبروست وكافكا ومانسفيلد  وفيتزجرالد، وليوباردي، فإنها تعالج كل الكتاب المولودين بعد سنة 1750. فالقرنان الذين مرا بين 1750 و1950 يشكلان عصرا أحبه وأفضله عن باقي العصور. عصر أُحِسُّني قريبا منه جدا. إنه شبيه بوطني الثاني، قريب وبعيد في الآن نفسه. يمكنني أيضا أن أشم بشكل واضح رائحة هذا الزمن رغم أنه زمن ماض: الهواء الذي أستنشقه كل صباح، الحركات، الملابس، طريقة الحديث، طريقة التجوال. فمن أجل أن أكتب عن كافكا أو فيتنز جرالد كنت غالبا أستغل ذكريات شخصية. كنت أتذكر أبي وأمي، أتذكر ما كان يقولانه ويفعلانه. فهما كانا يعيشان في هذا العصر بالفعل.
l: نجد هذا الأمر، في كتابكم «حياة مختصرة لكاترين ماسفيلد». الذي يمكن أن نعتبره رسم شخصية على الطريقة الفرنسية.
l l: طبعا، إنه قصة حياة أكثر مما هو قصة كاتب، قصة مصير. كل عملي يرتكز على إحياء بعض من هذه اللحظات الانتقائية، كاترين في سويسرا، كاترين في جنوب فرنسا، كاترين في باريس، حيث قضت ليلة لتمارس الحب مع Francis carco. كنت أبحث عن إعادة المنفلت والمتعذر إمساكه من الزمن. محاولا تثبيته، وهكذا أثبت كل ما يكونه: ضجيج الزقاق، الناس، الشمس…
l: هل الأدب يكون فقط تعديلا؟
l l: يمكن للأدب أن يكون أيضا ترصيعا وتطريزا، لكن ليس هذا فقط، فهو لم يكن كذلك عند غوته ولا عند تولستوي، ولا عند كافكا، من الممكن أنه كان كذلك عند بروست بعض الشيء. وبالمقابل، لدي مظاهر عديدة، وخصوصا في كتبي النقدية، قريبة من الترصيع أو التطريز، وأحيانا هناك شكل من أشكال السرقة. العديد من الصفحات في كتبي هي نُقُول، وتنويعات، وامتدادات لكتب الكتاب الذين أحبهم وأعلق عليهم، وأنتحل أفكارهم، لكن، أثناء مرور هذه الكتب إلى كتبي، يتم تحول يجعل من هذه الصفحات شيئا آخر. حينما أتحدث عن بروست وكافكا، فإنهما لم يعودا فقط بروست وكافكا، لم يعودا بالضبط بروست وكافكا. فالنسبة صعب تقويمها: ما الذي لم يعودوه –فقدوه؟ أي جزء مني اخذ مكانه في الكتاب؟
l: لماذا تعطون اهتماما خاصا “للبيوغرافيا”؟
l l: لا أحب أن يقال عن كتبي بأنها “سير”. كتب جورج بانتر أو جون ايف تاديي حول بروست بإيجابياتها وسلبياتها، هي بيوغرافيات حقيقية بالمعنى الجلي للكلمة.
كتبي حول غوته وتولستوي وبروست وكافكا، على العكس من ذلك، ليست سيَرًا بالمعنى الحقيقي. طبعا، أتحدث عن طفولتهم أو عن مرحلة مراهقتهم. لكن هذا الأمر لا يدوم طويلا، إذ تأتي لحظة يتوقف فيها سرد الحياة، يمحى سرد الحياة. ويتحول. الله وحده يعرف كيف، تحول فاوست، وحرب وسلم. والبحث عن الزمن الضائع والمحاكمة إلى شيء آخر. نجد أنفسنا هنا أمام نوع من القفز، من التحول المفاجئ في الطقس. نمر إلى بُعد آخر ليس هو بعد قصة الحياة. كيف نفهم ونفسر هذا الأمر؟ كيف فعل بروست لينجر رواية «البحث»؟ كيف فعل كافكا لينجز رواية «المحاكمة». كيف فعل هذا الرجل المشتت جياكومو ليوباردي كي يكتب هذا الأثر الذي يشكل عمله؟ مهما يكن، أحب أن أكتب هذه السير «المزيفة»، لأنها تمكنني من محاولة الإمساك في شباكي بهذا الشيء المنفلت الذي هو الحياة. أحب النكهة، العطر، لون الحياة، لكن هذه الحياة، تعلمون ذلك، لا أحسني قادرا على أن أحكيها بطريقة مباشرة. أحتاج إلى أن أحكيها عبر تولستوي أو بروست، بطريقة غير مباشرة. أحتاج إلى وسيط ، إلى مصفاة، عموما، فأنا كاتب من الدرجة الثانية أكتب بيد مستعارة (écrivain, second main)
l: يمكننا، والحالة هذه، القول إن مشروعك الأدبي ينبني على إبراز الطابع المنفلت للزمن والعصي عن الإمساك.
l l: نعم. كتبي مليئة، دائما، بهذه التفاصيل، والألوان والعناصر التي تعطي للزمن نكهته الخاصة. ما أسعى إليه، هو إعادة علامة الزمن الأكثر دقة. يجب على كل قارئ أن يعتقد، من دون أن يطرح أدنى تساؤل، أنه يتجول حقيقة في عام 1973، 1860، و1931 بالكاد يتبين أن كل ما هو بصدد مقارنة قد لا يكون صحيحا كله، أو هو صحيح في جزء منه، لأن الزمن، مثله مثل الحياة، موسيقى منفلتة. وهذه الموسيقى تخترق الزمن، تنتمي إلى كل الأزمنة. حتى ولو أنها ليست موسيقى الأبدية –التي لن أخاطر بعدم تمثيلها- لكنها بالأحرى نوع من الزمن السعيد، الكئيب. خليط متنافر من السعادة والكآبة حيث ترن كل الموسيقات الممكنة. فيجب على المؤلف، أو رئيس الأوركسترا، أن يختفي ليتساءل القارئ «لكن من أين تأتي هذه الموسيقى القليلة؟ ما الذي تود قوله؟»
l: لكن تنطلقون دوما من الحياة لتصلوا إلى الكاتب؟ وليس العكس، ذلك ما يبدو لي.
l l: بالطبع، أنطلق دائما من الحياة للوصول إلى العمل. لن أقوم أبدا بعكس ذلك. لا أُحِسُّنِي قادرًا على ذلك. لكن، أفكر فيهما الآن، سيكون من المضحك أن أحاول هذه المغامرة. إني لا أحتفظ من حياة الكاتب إلا بالمشاهد التي يمكن اعتبارها مشاهد رمزية. أبحث دوما عن الرجل السر. أبحث عن الهبوط إلى أعماق آباره السرية التي هي الكائن: حتى الهاويات انطلق من السطح، أعطي الكثير من التفاصيل المتعلقة بهذا السطح، وهذا من أجل الوصول إلى النقطة السرية، والغامضة، حيث يصير الإنسان كاتبا. وإنه فقط في هذه اللحظة المحددة للاكتشاف يمكنني أن أحلل العمل.
l: تحليل يركز دوما على التفاصيل، لأنكم تكرهون الأفكار العامة.
l l: صحيح. لا تعجبني الأفكار العامة كثيرا، أعتقد أننا كلّنا مقترفون لكل الجرائم التي تقع في الأدب كما في الحياة. بالمقابل، أحب من أدعوهم «كتاب فلاسفة» تكون لديهم أفكار عامة، يخفونها ثم يقلبونها وهم يلعبون، ثم يقلبون مثل قفاز النسق الذي اقترحوا علينا من أجل أن يؤسسوا نظاما آخر مختلف تماما عن الأول. كان أفلاطون هو الأول من هؤلاء الكتاب، وأيضا القديس اغسطين، ومونطاني، وشكسبير وروسو وغوته، وكيركارد، وليوباردي، وبودلير وبروست وكافكا ونيتشه. إنه نسق الأنساق العظيم، الذي تكون فيه كل الأسئلة ممكنة، وكل الأجوبة. إذا تأملت في كتبي، وفي دراساتي على وجه الخصوص، أقول لنفسي إنها ليست سوى إعادة بناء للكتب السرية، للكتب التي لا نرى، والتي يجهلها الكاتب نفسه: الكتاب الحقيقي الثاوي في أعماق الكتاب، الكتاب الخفي الذي يهجع تحت الكتاب السطح. فكل كتاب من كتبي له إيقاعه الخاص، من هنا تعتبر كتبي «روائية»، إيقاعها «روائي». السر في ذلك هو الإيقاع، والإيقاع لا نختاره إنه هو الذي يختارنا. إيقاع كتابي حول غوته بطيء جدا. وبالنسبة إلى كتابي حول تولستوي، هو إيقاع مزدوج: فمن ناحية، إيقاع الشباب، إيقاع سريع ومن ناحية أخرى، إيقاع الشيخوخة، الجاف، الذي يخفف من السرعة. أما الإيقاع المخصص لتحرير كتابي حول كافكا، فهو إيقاع درامي: قلق، منكسر، مثله مثل حياة كافكا ومصيره. كتابي حول ليباردي الذي أنهيته لتوي، يتناوب فيهما ايقاعان، البطئ والسرعة.
l: فيكم شيء من سانت بوف.
l l: إِنكم تثنون علي ثناء جميلا. فلدي إعجاب كبير بسانت بوف، فأجزاؤه الخمسة «بوررويال»، هي إحدى القمم المطلقة للأدب الفرنسي. عمليا كل مقالاته تتمتع بجمال كبير. حتى حين يتظاهر بأنه لم يفهم هذا الشيء أو ذلك، حتى حين يكون خادعًا وحسودًا ومليئا بالحقد، حتى حين يحكي أشياء غير مقبولة. فهو قادر أن يكتب أشياء مدهشة بمشاعر سيئة. وهذا نادر جدا. يبدو لي اليوم، أن سانت بوف قد خرج من دائرة النسيان في فرنسا: إنه شيء جميل. لكن في إيطاليا وباقي العالم لم نعد نقرأه –يلومونه دائما على أنه قال سوءًا حول بالزاك. صحيح هذا، فأن نقول شيئا سيئا حول بالزاك أمر لا يغتفر. لكن إذا قرأنا الصفحات التي خصصها له، ندرك أنها أفضل الصفحات التي كتبت حول بالزاك من ناحية العمق والإنسجام. كان بودلير يبجله، بالرغم من أن سانت بوف لم يبادله ذلك. وكتاب «ضد سانت بوف» لبروست تسبب في خطأ كبير. فبروست دمّر سانت بوف، كما دمّر Ruskin، لأنه كان في حاجة ماسة لهدم سانت بوف الذي بداخله، لكن، في الواقع، سانت بوف المباطن لبروس لا يمكنه أن يموت.
l: لماذا كتبك عبارة عن فضاءات مغلقة، حيث كل شيء ضروري، ولا يمكن الاستغناء عن أي كلمة؟
l l: لم أفكر أبدا من خلال هذه الطريقة (من خلال هذه الكلمات)، لست متأكدًا أن هذا الأمر ينطبق على أدبي: لدي شيء ما من المتسكع. وحدهم الكتاب الكبار يشيدون أعمالا كل شيء فيها يكون ضروريا ولا غنى عنه. حتى الفاصلة الصغرى. فكرة الفضاء المغلق هذه كانت عزيزة على بروست. ولقد بنى كلود ليفي ستراوش نسقه كله حول هذه الفكرة. وإذا كانت كتبي، بطريقة ما، لها شيء مع هذا الفضاء المغلق، فلأنني أعتقد أن سر الكتاب يمكن أن يكون مخفيا تحت هذه الفاصلة أو تلك.
l: هل لديكم ميل إلى تولستوي، الذي يمكن أن تقول عنه إنه موضوعي، أم إلى دوستوفسكي الرؤيوي.؟
l l: أحب أن أكرر، أن الكاتب لا يحتاج إلى المشي في الصحراء حتى يرى ما هي الصحراء. فالكاتب الكبيٍر، وخاصة الروائي الكبير، لا يحتاج إلى التجربة. فهو يحمل الواقع كله والتجربة كلها في عقله حتى دون أن يرى أو يسمع أو يعلم أو يعرف ما سيرويه. المثال النموذج على ذلك، كما وضح ذلك جليا بودلير، هو بالزاك. لم تكن لديه سوى معرفة مختزلة عن حضارة عصره: فقط بعض الومضات الصغيرة. ومع ذلك فلا أحد عرف كيف يعرضها بقدر نفاذ بصيرته. هذا العرض العظيم اقتطعه من دماغه، الذي كان ينطوي على هذا العرض، لم يكن يحتاج بتاتا لمعرفة الحياة ولا معرفة أبطاله، ولا كل طبقات المجتمع الفرنسية في عصره.
l: أنت كاتب منحدر من المكتبة، وأبدًا لن تكون إلى جانب زولا؟
l l: كل كتبي هي انعكاس لكتب أخرى. إذ يمكن القول إني كاتب ينحدر من المكتبة، في أفضل الأحوال، يمكن أن أحكي بعض الأشياء التي حدثت، يوما ما، في إحدى زقاقات روما، وأيضا في الزقاق الذي أسكنه.
l: هل تعتقدون كما تولستوي أن الموت هو الذي يعطينا الإمكانية الوحيدة الحقيقية لرؤية العالم الآخر؟
l l: الموت نوع من أنواع المراوغة. إنه ثقب نحاول من خلاله رؤية ما وراء الحياة. إنه، ربما، هو الذي يمنحنا الإمكانية الحقيقية الوحيدة للنظر إلى العالم الآخر. فتولستوي الذي لم يكن يؤمن بالله، حكى كل هذا في روايته “الحرب والسلم” وفي روايته “موت إيفان ايليش” لكني أعتقد أنه ليست هناك العديد من “المراوغات تمكننا من فهم العالم الآخر. إنها منشورة على طول الحياة اليومية. فوجودنا، فضلا عن ذلك، مكون من أحاسيس قبلية. والكتاب هم أولئك الذين يستطيعون تأويل هذه الأحاسيس القبلية. بفهمها وإعلانها، أفكر هنا في بروست ونابوكوف، لكننا نحن، الأناس العاديين، لا نستطيع حل مثل هذه الألغاز. إننا نحيا هنا، ونحن عميان.
l: تطلبت منك بعض أعمالك وقتا طويلا وجهدا، مثل كتابك حول غوته الذي استغرق تحريره عشر سنوات، ما الذي حصل طيلة هذه السنوات العشر؟
l l: الكتاب حول ليوباردي، الذي حدثتك عنه قبل قليل، تطلب مني جهدا أكبر وزمنا أكثر، لكن حينما ينجح كتاب، على القارئ أن يقول “في هذا الكتاب كل شيء يبدو سهلا، طيِّعا، تم بلا عناء”.
فلا ينبغي للجهد أن يظهر، ويشف. كل شيء لين، سلس، خاضع لإيقاع. حينما أكتب كتابا، تكون كل صباحاتي مخصصة لعمل مكثف، وبعد الزوال، أخصصه للقراءة. وهو نشاط ليس خفيفا ولكنه أكثر سرعة.
l: هل أنت كاتب نهاري أم ليلي؟
l l: سيكون الجواب السهل هو أنه يوجد كتاب نهاريون وكتاب ليليون، سيكون فولتير وستفنسن كتاب النهار والضوء، ودوستوفسكي وكافكا كتاب ليل. لكن الأمر ليس صحيحا. فالأشياء معقدة للغاية، فكل الكتاب الكبار يحيون في الليل، يسكنونه، ويتيهون فيه يسبرون أغواره ويتنفسونه. لو لم يكن لهم ليل سيموتون. فالليل يغذي أكثر من النهار. لكن الكتاب يبحثون دوما عن تحويل الليل إلى نور، بعضهم وصل إلى ذلك، جاعلين الليل يختفي بالمرة. آخرون على العكس من ذلك، مثل كافكا وبروست، يفضلون أن يتركوا لِلَّيْلِ ليله. إنه رهان خطير، لأن الليل شاسع وعميق وسميك لا ينضب، ثم إن الليل مارد، لا يشتهي أن تُعرّيه. أحيانا يحصل أن يكون الليل أموميا، إذن فهو يمنحنا الرعاية والحماية.
l: يخال كافكا أن المخلوق البشري محدود جدا. هل يثير فيكم هذا السؤال شيئا؟
l l: لقد علّم اليونان لكل أوروبا أن البشر مخلوقات محدودة. وأن قوتهم الوحيدة تكمن في الفطنة والقياس (القدرة). هذا التعليم صالح لو كان الإنسان حقيقة محدودا، ولو كان لا يستطيع الإمساك باللانهائي. مفارقة أوروبا أنها أرض النهائي واللانهائي، والمحدود واللامحدود. والحقيقة أنها محدودة وغير محدودة في الآن نفسه. أحيانا، يتصارع النهائي واللانهائي بداخلنا. وأحيانا، نجد علاقة غريبة. لهذا أحب كثيرا أفلاطون وكل الفلسفة التي انحدرت منه. فالأفلاطونية هي الفلسفة الوحيدة التي بلا حدود.
l: ما هي المكانة التي يحتلها الواقع في كتبك؟
l l: إنها مكانة كبيرة. وأحب أن أضيف إنه الواقع كله. وخصوصا، الواقع اليومي، الذي يتكون من كم هائل من التكرارات، والأشياء الصغيرة، والأحداث العبثية أو الساخرة، والنذالة، واللّذات، والايروسية، والكثير من المحادثات – لديكم كلمة بالفرنسية هائلة- ثرثرة Bavardage، والإخفاقات، والغباء وسوء التفاهم. ما كان يسميه سيمون ويل “الثقل”، وما كان يسميه كونديرا “بالخفة”. أحب الناس الذين يتجولون، ثرثرة هنا، ضحكة هناك. زقاق. فكافكا، الذي كان له تجربة مع الرعب لم يتعلم شيئا من الحياة، ومن واقع الحياة. أود كثيرا أن أتمكن من كتابة كتاب يكون موضوعه هو “الواقع” –يكون تقريبا مثل العمل الرائع لكارلو اميليوكادا Quer Pasticciaccio brutto de via Merulana (الذي كانت ترجمته إلى الفرنسية رديئة للغاية) (الخليط المعجن الكريه في جادة الخبثاء) (L’Affreux Pastis de le rudes Merles)
كتاب زاهي الألوان وتراجيدي. إنه لأمر غريب، أن كاتبا كبيرا، لا يعرف أحيانا، الواقع: يقتصر على إعطاء سطح فارغ بالمرة، أبيض، فيه ينعكس. فباعتباري ناقدا، فقد صُنعت حياتي من تجارب الآخرين، فقدري هو أن أفهم مصائر الآخرين.
l: بأي معنى تعتبر كلا من أبُّولي وأوفيد أساتذتك الروحيين؟
l l: أضع أبولي فوق أوفيد، فأفيد كاتب مليء بالنكات. إنه ساحر لكن أبولي أكثر غنى منه: فهو ينتمي إلى أولئك الذين لمسوا العالم الآخر بالأصبع. في أشياء، ظاهريا، لا علاقة لها به.
l: مرت عشرون سنة، كنت قلت لي: «أوروبا منهكة» فكيف هي اليوم؟
l l: إنه سؤال عريض، فإذا كنت قد قلت لكم منذ عشرين سنة أن أوروبا منهكة، فيجب أن تكون قد ماتت اليوم. ليس الأمر كذلك، حتى ولو أن معنى الانحطاط ملازم لقدر أوروبا. هذا الأمر كان قد قيل، وربما أخطأت. أو، ربما، يتعلق الأمر بحيلة من حيل أوروبا العجوز. الداهية. تراوغ أوروبا دائما كي لا تموت أو تحتضر. من أجل أن تبقى على قيد الحياة. وأن تكون أقوى من أي مرحلة مضت. لا أعتقد في حيوية كل هذه البلدان الاخرى التي تبدو أنها أكثر دينامية من أوروبا. فروسيا، بين 1920 و1988، جعلت الناس يظنون أنها القلب النابض للعالم. في حين أنها لم تكن سوى بلد من ورق مقوى مسكون بالأشباح. من دون شك ما زال يمكننا أن نعقد الأمل على أوروبا. ومن دون شك ما زال ممكنا عقد الأمل على إيطاليا هذه الدولة الواقعة في يد هؤلاء المصابين بجنون العظمة وقطاع الطرق والأغبياء. أية رسالة كانت لأوربا؟ لست متيقنا أنها تتذكر ذلك. مثلا فجهل أوروبا الكبير بالإسلام –أتحدث عن الإسلام الحضاري وليس الإسلام المعاصر- هو علامة غير صحية. أوروبا أعطت دوما حق المواطنة للأجانب، وهذا هو التسامح الحقيقي أي التغذي على تجارب الآخرين –اليونان تغذت على مصر وبلاد فارس- وترك الآخرين يعبرون، أوروبا فضاء مغلق، والفضاء المغلق لا يساعد على التعبير.
l: لماذا تقولون بأن التقدم لا وجود له؟
l l: التقدم هو أكثر الاعتقادات غباءً. الشيء الوحيد المهم، هو الأصول، وأن نؤمن فقط بكل الأصول: وهو الشيء النقيض للتقدم. أي غباء هذا، الرغبة في العثور على اللذة في الذهاب دائما إلى الأمام. ما يعجبني اليوم، هو أن أتوقف، أن أتراجع، أن أخطو خطوة جانبية، وأحيانا إلى الأمام أو إلى الأعلى.
l: دوستوفسكي وهو يتحدث عن دونكشوط قال إن الأمر يتعلق بعمل حيث الحقيقة أنقذت بواسطة الكذب، هل تتفقون معه؟
l l: لا أعتقد أن تأكيد دوستوفسكي صحيح. ففي رواية “الكيخوطي” لم ينقذ الكذب الحقيقة، بل أنقذت الحقيقة بواسطة هذه القوة العجيبة التي هي الوهم. فإننا لا نصل أبدا إلى الحقيقة بطريقة مباشرة، فطرقاتها متاهية وملتوية.
l: هناك لغط وهذر في فرنسا يرتكز على التأكيد مرحليا على موت الرواية. ما رأيكم في ذلك؟
l l: هذه الحماقة ليست حكرا على فرنسا، إنها منتشرة، مع الأسف، في إيطاليا، “موت الرواية هو جزء من هذه الحماقة العامة التي تزين أعمدة الجرائد. والصالونات الأدبية. فالناس الذين ينضبون ويجفون هم أولئك الذين لا يستدعون سوى شكل واحد؛ والحال هذه فالرواية تمتلك أشكالا متعددة. فالرواية هي مكان التحول بامتياز. تتحرك الرواية بلا توقف. تقوم بقفزات إلى الأمام وبالرجوع إلى الوراء من أجل أن تتجدد. فالأدب الإيطالي وسيلة جيدة للحكم على حيوية الرواية. لدينا دانتي، وبترارك وبوكاشيو في فترة القرن 16 بعد ذلك ساد الصمت، قبل أن ينبعث عصر النهضة.
l: هذا يعني أن البيولوجيا هي التي تهيمن على الأدب وليس التاريخ؟
l l: بيولوجيا الأدب لا وجود لها، لكني أخيرا بدأت أعتقد فيها، يجب أن تكون لدينا القدرة على كتابة واحدة منها. فتحت تأثيرات التاريخ، سنكتشف إذن الإيقاعات البيولوجية الكبيرة التي تحدد الإبداع، العودة، السقوط، يقظة الأدب موته الحقيقي أو موته المحقق بكل بساطة.


ترجمة محمد آيت لعميم

شاهد أيضاً

بريد السماء الافتراضي القارئ مُخرّبٌ لغوي بالدرجة الأولى

في تلك اللحظات العاصفة من الريح والمطر والبرق، كان أنسي الحاج يقطع الطريق من الأوتيل …