تراسل الفنون فـي أعمالها الروائية

ما فتئت الرواية الحديثة تستضيف أنواعا من الفنون شتّى، تستعير أدواتها، وتسترفد تجاربها، وتستلهم طرائقها في الصياغة والتعبير، متجاوزة بذلك، أسطورة «نقاء الجنس» و«هويّة النّوع»، وهي الأسطورة التي تشبّث بها البعض تعزيزا للحواجز القائمة بين الفنون، وتوكيدا للأعراف القِرائيّة التقليديّة .ما فتئت الرواية الحديثة تستضيف أنواعا من الفنون شتّى، تستعير أدواتها، وتسترفد تجاربها، وتستلهم طرائقها في الصياغة والتعبير، متجاوزة بذلك، أسطورة «نقاء الجنس» و«هويّة النّوع»، وهي الأسطورة التي تشبّث بها البعض تعزيزا للحواجز القائمة بين الفنون، وتوكيدا للأعراف القِرائيّة التقليديّة .هذا التراسل جعل الرواية الحديثة خطابا كبيرا أو، إذا استعرنا عبارة رولان بارت، «مجرّة من النصوص» ومهرجانا من اللغات، فمن مختلف الفنون باتت تستمدّ الرواية  خطابها، وتنحت أقنعتها، وتؤسس رموزها، مستبدلة قانون الفصل بين الأنواع حفاظا على خصائصها، بقانون المزج بينها .. إنّ الرواية الحديثة وهي تتشرّب الكثير من التعبيرات الثقافية  وتجعلها جزءا مكينا من بنيتها اللغويّة،  لم تعد تكتفي بعناصر السّرد التقليدية لإنتاج شعريّتها ، بل أصبحت تنتجها، أيضا، من ذوبان الحدود بين الأجناس الأدبيّة، من  انفتاحها على قارّات فنّية جديدة، من تفاعلها مع مختلف المجالات المعرفيّة وكأنّ الرواية الحديثة تريد، كما ذهب البعض، أن تستعيد الوحدة الأولى  للحواسّ الإنسانيّة التي توازي وحدة الكون كلّه.هذا التراسل لم يغيّر من بنية الرواية الحديثة ونظامها  ولغتها فحسب بل غيّر أيضا من طرائق تقبّلها..لهذا كان من الضروريّ أن يُرْهف الناقد الحديث أدواته، ويعدل عن الأعراف القرائيّة التقليديّة التي تقوم على الفصل بين الأجناس،حتى يتمكن من الإحاطة بكل أشكال التراسل، ويبرز انعكاساته على الرواية الحديثة وإيقاعاتها .والمتأمّل في مدوّنة الكاتبة العمانيّة غالية ف.ت. آل سعيد يلحظ تواتر هذه الظاهرة، ظاهرة التراسل بين الفنون،  في أعمالها تواترا لافتا ، فرواياتها ما انفكّت تستدعي فنونا لغويّة  وغير لغويّة، توظف، بنباهة فائقة، طاقاتها الرمزيّة واللغويّة، مخترقة، باستمرار، أعراف السّرد التقليدية،  من أجل تأسيس جماليّات جديدة.ونحن، إذ ننعطف على هذه الأعمال بالنظر والتدبّر سنكتفي، في هذه الورقة، بتأمّل تراسل رواياتها مع فنون ثلاثة هي :الشعر، والموسيقى  والحكاية الشعبيّة ..وهذا التراسل نعتبره  من أكثر ضروب التراسل تردّدا في روايات الكاتبة .لكن هذا لا ينفي وجود أشكال أخرى من التراسل كثيرة تحتاج، هي الأخرى،إلى نظر واستقراء. الشعر والرواية شبّه الشاعر الفرنسيّ الكبير «بول فاليري» النثر بالمشي، والشعر بالرقص،وأوضح أنّ المشي كالنثر يقصد به صاحبه أن ينال غاية، ويحقّق فكرة، أيْ إنّ المشي واسطة قائمة تنتهي ببلوغ الهدف، والوصول إلى الغاية، أمّا الشعر فهو الواسطة والهدف،ليس له غاية، إنّما هو الغاية. المشي، كالنثر، يسلك به صاحبه أقصر الطرق وأقومها وأقلّها عوجا ليصل إلى بغيته ولكنّ الرقص بخلاف ذلك لا يتحقّق إلاّ إذا أكثر صاحبه من اللفّ والدوران، وأمعن في المجيء والذهاب، وأسرف في الرّواح والغدوّ..من هذه المقارنة استصفى «فاليري» نتيجة مؤدّاها أنّ الشعر مفترق عن النثر ولا يلتبس به مضيفا «أنّه أشدّ ما يكون بعدا وتساميا عن القصّة والرواية اللتين تصفان حوادث الواقع وتعرضان مشاهد من الحياة «.إنّ الحجج التي ساقها «بول فاليري» ليؤكد اختلاف الشعر عن النثر هي التي  أغرت كُتاب الحداثة بالجمع بينهما جمع تآلف وانسجام.. فإيقاع الشعر، واعتبار اللغة مقصودة لذاتها، وفتنة المجاز كانت كلّها من الأسباب العميقة التى دعت الروائيين الحداثيّين  إلى استدعاء الشعر في الرواية بحثا عن ذرى تعبيريّة بكر. ومثل الخيميائيّ الذي كان يمزج عنصرا بآخر ليظفر بمعدن ثمين  كان الروائيّ الحديث  يمزج لغة بلغة، وأسلوبا بآخر ليظفر بدلالات جديدة .فمن وجوه الحداثة السرديّة أنّ الروائيّ بات إذا استخدمنا عبارات «بول فاليري» ماشيا وراقصا، راويا ومغنّيا ،، يوظّف اللغة لغايات سرديّة، ويستخدمها لغايات جماليّة …إنّه هذا الساحر الذي يؤاخي بين المتناقضات ويصالح بين المتباينات في وحدة لا تنفصم عراها.هذه المعاني تتجلّى بوضوح في أعمال الكاتبة العمانيّة غالية ف.ت. آل  سعيد، التي أتاحت للفنون أن تتقارب على تباعدها، وتتجاذب على تنافرها، مستبدلة، الأعراف الروائيّة القائمة على الفصل بين الأجناس والفنون، بأعراف جديدة تقوم على المزج بينها . لقد تسلّل الشعر إلى أعمال الكاتبة، منذ الرواية الأولى، ساحبا وراءه لغته ورموزه وإيقاعاته، وخصائص رؤيته للعالم والأشياء.بحيث انتهت رواياتها فضاء تتقاطع فيه لغتان : لغة السرد ولغة المجاز، وهاتان اللغتان ظلّتا تترافدان، على اختلافهما، داخل هذه الروايات، وتتفاعلان من أجل خلق لغة روائيّة مختلفة.إنّ القصائد التي أثبتتها الكاتبة في رواياتها، وهي كثيرة، تفتح، داخل البناء السرديّ، أفقا تفصح من خلاله  لغة الشعر عن جملة من المعاني لا يمكن للغة السّرد أن تفصح عنها. فلكلّ جنس طرائقه في التعبير، ووسائله في تأسيس الدّلالة، وأساليبه في مخاطبة المتقبّل..والكاتبة، وهي تستدعي الشعر في الرواية، فإنّما تسعى إلى رفد نصوصها بخصائص هذا الجنس، بطاقاته المجازية والرمزيّة ، بقوّته الإيقاعيّة والموسيقيّة وهذا يعني أنّ الشعر ليس، في هذه الروايات، نفلا زائدا وإنّما هو المخرج الذي لا ينال بغيره.بسبب من كلّ هذا  كانت شخصيّة الشاعر من  أهمّ الشخصيّات المتواترة في مدوّنة الكاتبة الروائيّة، شخصيّة لا تكاد تختفي حتى تعاود الظهور من جديد .وهذه الشخصيّة من شأنها أن تقدّم الواقع من منظور آخر مختلف، من زاوية ثانية غير التي تنظر منها بقيّة الشخصيّات. فالشاعر، كما جاء في إحدى رواياتها، : « ذو صوت فريد» وهذا التفرّد في الصّوت تحتاج إليه الرواية الحديثة ضمن  جوقة تعدّد الأصوات فيها.منذ الرواية الأولى «أيام في الجنّة» يطلّ علينا  البطل «غسّان» رجلا محبّا للشعر، كأبناء جيله، جيل الأربعينات، يتعاطاه أحيانا،»يدوّن كل شيء في دفتر خصّصه للقصائد، ثم يسجلها بصوته على أشرطة يحتفظ بها، فإذا ما سنحت الفرصة والتقى بأحد هواة الشعر من أمثاله، فإنه يسمعه ما أنجبت، كما يقول عبقريته،من كلمات وشجون».وقبل أن أواصل الحديث عن الشعر في الرواية أريد أن أنوّه بعنوان هذه الرواية . فقد استوقفني لأنّه، أوّلا، مفعم بالشعر، بالكثير من الشّعر.ولأنّه، ثانيا، من العناوين التي تفتح أمام المتقبّل أفقا لا يحدّ منتهاه..فما إن ننطق به حتّى تتداعى إلى الذاكرة صور الفراديس الضائعة في أساطير البابليّين، وفي الكتب المقدّسة، وفي قصائد الرومانسيين من   ملتون إلى أبي القاسم الشابّي صاحب القصيدة الرّائعة : الجنّة الضائعة.إنّ هذا العنوان لا يوحي بمعنى العروج و النّعيم بقدر ما يوحي بمعنى الهبوط والشقاء.فالبقاء في الجنّة لم يدم غير «أيّام «..ثمّ كان النزول إلى الأرض، مع كلّ ما تنطوي عليه عبارة  الهبوط من وجع الانفصال عن الأصل الذي تحدّرنا منه .في هذه الرواية لم تترك هويّة «غسان» الشاعرة ظلالها على مسارّ الرواية،  كما أنّ المتلقّي لم يتعرّف  إلى تجربته الشعريّة،  ولا إلى رؤاه الفنّيّة  لكن حضوره وحده جعل لغة الرواية تشفّ وترقّ وتتحوّل إلى قطعة فنيّة راقية.منذ كتابة « أيّام في الجنّة « ظفرت الكاتبة ،  بإحدى شخصيّاتها الأثيرة، أعني شخصيّة الشاعر التي ستتردّد في أعمالها اللاحقة تردّدا واضحا.في العمل الثاني الموسوم ب» صابرة وأصيلة « يتحوّل الشعر إلى عنصر مكين من عناصر الرواية، يتخلّل فصولها، ويمتزج بأحداثها ووقائعها، فيقطع حبل السّرد من ناحية، ويعدل باللغة من الحقيقة إلى المجاز من ناحية أخرى. الشعر هنا ليس حلية أو زينة ولكنّه لبّ الرواية وأصل وجودها.من أبطال هذه الرواية الشاعر «شهم أبو طفلة  «المتحدّر من أسرة تحبّ الشعر وتتعاطاه .جاء من فلسطين إلى عمان للتعليم والتنوير، كما جاء في الرواية  .وقد اقتطفت الكاتبة من ديوان عدنان الصائغ  الموسوم بـ» تحت سماء غريبة «مجموعة من القصائد أوردتها في متن الرواية، لتكون بمثابة استبطان للحال التي يكابدها «شهم»  وهو بعيد عن أرضه الأولى .قصائد الصائغ تتعاورها معاني الحبّ والحرب والشعر، أي إنّ هذه القصائد موصولة بلحظة زمنيّة محدّدة تشهد لها حينا، وعليها حينا آخر. لكنّ الصائغ وهو يلوذ بتلك اللحظة يعمد إلى شقّ القشور عنها لينفذ إلى الباقي في داثرها والدّائم في متحوّلها…كلّ قصائد الصائغ حفرٌ في نصّ العالم، سعيٌ ممضّ من أجل فهم تناقضاته، طرْقٌ على الأبواب المغلقة، احتجاجٌ على كلّ ما استتبّ واستقرّ وأصبح معمّما، سائدا.كلّ هذه المعاني وظّفتها الكاتبة وهي تجري قصائد الصائغ على لسان «شهم «،هذا الفلسطيني الذي حمل معه وطنه أنّى مضى يوشّحه بالأغاني والقصائد.تدور أحداث الرواية في فترة مخصوصة من التاريخ  العربيّ عامّة،وتاريخ عمان  على وجه الخصوص،موظفة هذين التاريخين  لإثارة جملة من الأسئلة الاجتماعيّة والسياسيّة الموصولة بتلك المرحلة.في هذا السياق نريد أن نؤكّد إنّ غرض الكاتبة، من خلال رواياتها، ليس كتابة التاريخ، وإنّما تأمّلهُ، مساءلتهُ، تقييمهُ، فهي لا تفتأ تحفر في الماضي ، تستقصي تفاصيله،تريد أن تفهم الكثير من ظواهره..ومن أهمّ هذه الظواهر التي ترغب الكاتبة في فهمها ظاهرة الظلم المسلّط على الإنسان، الإنسان على وجه الحقيقة والإطلاق، فمنابت هذا الظلم لا توجد في  الحاضر وإنّما هناك، بعيدا في الماضي، لهذا وجب الارتقاء صُعُدا في التاريخ  من أجل إدراك هذه الظاهرة والإحاطة بها  وفهم أسرارها ودواعيها. وقد لا نبالغ إذا قلنا أنّ أكثر أعمال الكاتبة  كانت حفرا في التاريخ ، هبوطا في أعماق آباره السرّيّة من أجل كتابة جنيولوجيا هذا الظلم على حدّ عبارة ميشال فوكو .في هذا السياق تبرز المرأة بوصفها إحدى  ضحاياه .والواقع أنّ كل أعمال الكاتبة تعاطف مع هذه «الضحيّة «، واستقراء عميق لتاريخها المتسربل بالدم، فالكاتبة لا تقرأ هذا التاريخ بعين عالمة اجتماع   متمرّسة فحسب، وإنّما تقرؤه بقلب روائيّة  مشبوبة العواطف، تستدرك على المجتمعات الذكوريّة  التي جعلت من العنف طقسا من طقوس الحياة اليومية.  وحسبنا في هذا السّياق أن  نحيل على رواية «أيام في الجنّة « حيث تدور الأحداث حول شخصيّة «غسّان» اللاهية، هذا الرجل الذي « لا يؤمن بالحب إطلاقا على الرغم من حبّه للشعر، مع الجنس الآخر يؤمن بالإطاحة به وتدمير استقلاليته. برأيه يجب أن تكون المرأة خاضعة مستسلمة.» ..ويتجلّى هذا السلوك واضحا مع زوجته كلارا حيث يمعن في إذلالها «والسخرية منها حتى تبقى طوع أوامره..لا مفرّ لها في الدنيا.»في العمل الثالث» سنين مبعثرة»يستأثر الشاعر / العازف : «سيوم علوان أحمدو «بأجزاء من الرواية التي تصوّر، بلغة دراميّة، ما آل إليه هذا  الشاعر بعد كتابة قصيدة سياسيّة ألصق نسخا منها على أعمدة الكهرباء والمباني ومخافر الشرطة والمؤسسات الحكوميّة ..قصّة الشاعر يمكن ، متى اقتطعت من الرواية، أن تشكّل عملا فنّيا مستقلاّ بنفسه غير مفتقر لغيره، ففيها  توافرت كلّ عناصر السّرد بحيث يمكن اعتبارها ضربا من التّضمين، وفق المصطلح القديم، والذي يذكرنا بمنطق الدائرة المفتوحة الذي سنتحدّث عنه في فقرة قادمة..إنّ الشعر، لدى « سيوم»، سليل الحياة ، وكون الشعر سليل الحياة فهذا يعني أنّ الشعر يسهم في تحريرهذه الحياة، في نقلها من مجال الضرورة إلى مجال الحريّة…والواقع أن» سيوم «ظلّ، رغم البطش الذي لحق به،شديد الانهماك في الواقع  والشعرُ عنده ليس تعبيرا عن حقائق النفس فحسب بل هو تعبير عن حقائق الواقع وقد امتزجت بحقائق النفس. فالإحساس بالخلل ينتاب كلَّ شيء إيقاع متواتر في قصائده .  لهذا تتحوّل الكتابة إلى  طريقة نقد للحياة، محاولة لتقويم ما اختلّ من أمرها  .هذه الظاهرة ذاتها تتردّد أيضا في رواية «جنون اليأس» حيث ينفتح السّرد على الشعر، على مطلق الشعر..  فهذه الرواية مراوحة بين صيرورة القصّ وكينونة الشعر،انتقال مستمرّ  بين عالم البشر وعالم الذات، تردّد دائم بين لغة السرد ولغة الاعتراف.البطل الرئيس في هذه الرواية شغوف، هو الآخر، بالشعر، يحتفظ في مكتبته «بمجموعة كتب قديمة في الشعر والأدب»…لا يفتأ يتناقش مع أصدقائه، كما جاء في الرواية، في «مواضيع مختلفة مثل الشعر واللغة والسياسة والاقتصاد».هنا أيضا أوردت الكاتبة عددا من القصائد،لكن الذي يلفت الانتباه أن هذه القصائد التي تسلّلت إلى الخطاب السّرديّ لم  تنسب إلى أيّة شخصيّة من شخصيّات الرواية وإنما وردت بين الأحداث وكأنّها امتداد لحركة القصّ، كأنّها «تعليق « على تلك الأحداث، تكثيف لها، تحويلها إلى استعارات ورموز.هذا الشعر يفتح كوّة داخل الرواية، يستبدل إيقاع السرد فيها بإيقاع البوح، ويعوّض الجماعيّ  بالفرديّ، والآنيّ بالدائم، وينقل النصّ من الخارج إلى الدّاخل ومن التقرير إلى الإيحاء.هذا الزواج بين السّرد والشعر إنّما هو صورة لزواج شخصيّة  «صابرة « الروائيّة بالشاعر الدكتور» جبريل أبو عقبة» .. كما جاء في الرواية  التي توهّمت الكاتبة صدورها وانتشارها.لكنّ الشعر لا يحضر في روايات غالية ف.ت.آل سعيد من خلال القصائد وأسماء الشعراء فحسب  وإنّما يحضر أيضا من خلال بنية هذه الروايات، لغتها، أسئلتها الكثيرة .ومثل الشعر تنطوي هذه الأعمال على إيقاعها المخصوص، على موسيقاها المتميّزة.هذا الإيقاع ينبثق من بنية العمل، من حركة الأحداث فيه، من تموّج الزمن داخله، من لغته وأسلوبه وطبيعة  رموزه.ولعلّ أكثر الإيقاعات تردّدا في روايات الكاتبة ، إذا استعرنا مصطلح الكاتب الإيطالي بيترو تشيتاتي، هو الإيقاع الدراميّ ، وهو الإيقاع الذي ينبثق من التوتّر القائم  بين الشخصيات، من الصراع الذي يحكم العلاقة بين الشخصيات والعالم. وهذا الإيقاع إيقاع مضطرب، قلق، منكسر، وهو، في كلّ الأحوال، صورة للحياة التي تعيشها هذه الشخصيّات.لكن الأهمّ من ذلك وعي الكاتبة الشعري الذي يمنح الرواية موسيقاها، ويسم لغتها بميسم الشعر فكثيرا ما يختفي الراوي  ليترك المجال للشعر، مطلق الشعر يصوغ اللغة ويرتّب العالم على النّحو الذي يريد.الرواية والموسيقى اهتمّ الكثير من الروائيّين العرب بالموسيقى وضمّنوا نصوصهم إيقاعاتها وأنغامها وحوّلوها إلى رافد سرديّ مهمّ يمدّ الخطاب الروائي بطاقات جماليّة ودلاليّة جديدة . فمنذ الستينات استدعى جبرا إبراهيم جبرا الموسيقى والرّسم في أعماله الروائيّة،  ووظّف ثقافته الفنّية في البناء السرديّ، وملء فجواته الكثيرة . وأوْلى بهاء طاهر، من جهته، الموسيقى اهتماما مخصوصا في أعماله الروائيّة وجعلها إيقاعا متواترا في نصوصه السرديّة . وأرفقت أحلام مستغانمي روايتها «نسيان كوم «بقرص يحتوي على  أغاني للمطربة اللبنانية «جاهدة وهبي «تتغنّى بالنسيان، كتبت بعضها الروائيّة نفسها، وهذه الأغاني كانت على صلة وثقى بالرّواية وأحداثها أي إنّها لم تكن مجرّد زخرف للزينة والتوشية بل كانت عنصرا أساسيّا في فعل التسريد. أمّا واسيني الأعرج فقد بنى بعض رواياته على الموسيقى الغربيّة حينا والشرقيّة حينا آخر. من هذه الروايات نذكر «كريماتوريوم « التي استثمر فيها شكل السوناتا، ورواية « البيت الأندلسيّ» التي أجراها على إيقاع الموشّح الأندلسيّ.والناظر في أعمال الكاتبة غالية ف.ت.آل سعيد يلحظ حضورا كبيرا للموسيقى فيها. فرواية «سنين مبعثرة « ضاجّة بأصوات الموسيقى  الغربية،والأندلسيّة، والإفريقيّة،والأمريكيّة تواكبها رقصات من كلّ القارات والحضارات.هذه الموسيقى فتحت أعمال الكاتبة على لغة ثانية، غير لغة الكلام، على أبجديّة أخرى، غير أبجديّة اللغة .لم تكتف الكاتبة/الرّاوية بذكر عناوين الأغاني بل أوردت كلماتها داخل المتن الروائي بحروف بارزة، تختلف عن حروف النصّ الروائي،وكأنّ الكاتبة /  الرّاوية أرادت شدّ الانتباه إليها..في صفحات من الأدب الرفيع تصف لنا الرواية رقصة الدراويش التي ينجزها العلاّمة « بابا أكبر» بخفّة ورشاقة لافتتين .إنّه وريث مولانا جلال الدّين الرومي يستعيد رقصة الدراويش يوصفها طقسا روحيّا خالصا.هذا الشيخ الرّاقص  ما فتئ  يطلع طلابه « على خبايا رقصة الدراويش الغامضة  وأسرارها العميقة « بينما كانت الموشحات الأندلسيّة» ذات الأنغام والألحان الجميلة، تواكب دروسه الروحيّة، وترفع الأرواح «إلى  علوّ سحريّ وخفيف «..هذه الدروس هي التي جعلت «دافني «الشخصيّة الرئيسة في الرواية تتخيّل في أحلامها أنّها ترقص بل هي التي دفعتها إلى الالتحام بالشيخ في إحدى الرقصات وقد غمرتها روائح العنبر والمسك والحنّاء الصّادرة عنه..  «إنّ ثقافة الدراويش مختلفة عن الثقافة الروحيّة الغربيّة «  هكذا كان يردّد دائما، ثمّة لطائف في الثقافة الشرقيّة لا تدرك إلاّ بالمعاناة.لكنّ أجمل القصص التي تسردها رواية « سنين مبعثرة «، كما أشرنا سابقا، هي  قصة علوان أحمد العازف  الذي  وصفه الراوي العليم بقوله «يهوى العزف على الموسيقى والشعر والأدب « وقد أجرت الكاتبة على لسانه عددا من قصائد عدنان صائغ..وكلّها قصائد غاضبة اختارتها الكاتبة لأنّها، كما جاء في إحدى عتبات الرواية، «صرخة من الأعماق ومرآة تعكس بوضوح صورا متعدّدة، يدمى لها القلب ويتحرّك لها الوجدان، عن القمع والاستبداد والجوع والتشرّد والتلاعب والاستهتار بكرامة الفرد، من أجل غاية واحدة فقط هي بقاء السلطة الأبديّة  في يد المتسلّط…» .هذه القصائد ذات غنائية عالية، تشدّ السّامع إلى إيقاعاتها قبل أن تشدّه إلى دلالاتها، فالصائغ ظلّ وفيّا لقصيدة التفعيلة، يوظف إمكاناتها الموسيقية الكبيرة، وربّما استعان بالجناس والتكرار لشحن سطوره الشعريّة بطاقات إيقاعيّة جديدة.تحوّلت القصائد التي استعارتها الكاتبة  من « نشيد أوروك وهذيانات داخل الجمجمة « إلى خيوط داخل نسيج الرواية، ذابت في ماء أحداثها، وأصبحت بعضا من بنيتها ونظامها.«دافني» أحبّت هذا العازف الإفريقيّ منذ رأته على رصيف القطار يداعب قيثارته فتتدفق ألحانه الساحرة  « بسلاسة وسهولة من أطراف أنامله الطويلة التي تنساب على الأوتار مثل سحب هائمة».. لقد ذكّرها بالمغنّي الأمريكي «جيمي هندركس «، لكنها سرعان ما استدركت قائلة :» عازف محطة القطار يفوق جماله جمال جيمي هندريكس «وفي مشهد يذكر برواية زوربا الإغريقي طلب العازف الإفريقي يد حبيبته أمام حشد كبير من الناس الذين تجمّعوا للاحتفال بمهرجان غلاستونبري الغنائي السنويّ. وعلى وقع الموسيقى تمّ عقد قرانه على المرأة التي أحبّ ..وبهذه المناسبة»عزف مقطوعة موسيقية سمّاها راية الحرّيّة .».في قصّة علوان احتفاء استثنائيّ بالموسيقى، بالرّقص، بالأصوات والحركات ..وهو ما يحوّل بعض المشاهد التي تأنّت الكاتبة  في رسمها إلى عيد من أعياد العين والأذن، أي إلى عيد من أعياد اللغة.إنّ الموسيقى في حياة  «علوان « كانت أكثر من هواية، إنّها أسلوب حياة أو إذا أردنا الدقّة قلنا إنّها طريقة مخصوصة في فهم الوجود، فهي السبيل إلى الأنقى والأرقى والأبعد، أي السبيل إلى المطلق. هذا الحضور الغامر للموسيقى نصادفه أيضا في رواية « سأم الانتظار «حيث تتعدّد أسماء الموسيقيين العرب والأجانب كما تتعدّد نصوص الأغاني وعناوينها ..فهذه « بلندة» وهي إحدى الشخصيّات الرئيسة في الرواية، تهفو، في لحظة ضعفها، الى سماع أغنية تينا تشارلز : لماذا ثمّ تثبت نصّ الأغنية الذي سرت كلماته، كما قالت، في بدنها كالمخدّر، مضيفة : « إنّ معنى الأغنية يتطابق تماما وما تشعر به الآن «.أمّا في الجزء الثاني من الرواية فتتعدّد الأغاني على نحو لافت، فهذا حاتم، وهو أحد أبطال العمل، ينشد، في لحظة يأس بصوت عال أغنية صباح فخري ..ولم يكتف «بالتمايل والغناء بل شدّ ربطة عنقه على رقبته وصرخ مخاطبا المارّة في الشارع :انظروا إلى رجل يشنق نفسه علنا .ثمّ طفق يغنّي مقاطع من قصيدة نزار قباني رسالة من تحت الماء….«هلين»، من جهتها، تقبل على أغاني المطربة الإنجليزية الشهيرة «فيرا لين «وقد أوردت الكاتبة كلمات أغنيتين من أغانيها فيهما حنين للقاء لن يكون :سنلتقي في زمن ما وفي مكان ما أكيد سنلتقي ثانية في يوم مشمس واصل الابتسامة كماكنت تفعل دائماحتّى تطارد السماء الزرقاء والسحب البعيدة..لكنّ الموسيقى تحضر أيضا في قصّة «كفن ومولي «..وهي قصة حبّ غريبة الأطوار، تذكرنا بعض فصولها بالقصّ الشرقيّ الذي يتوّج، في الأخير، بالموت.لقد شجّعت «مولي» حبيبها» كوفن» على تعلّم الغناء» وأصبحنا معا نقضّي ساعات الليل في الغناء ونتدرّب على أحدث الأغاني»وبدأ «كفن  «يغنّي في حانات صغيرة ثمّ اصبح الحبيبان ثنائيّا غنائيّا..لكنّ «مولي «أخذت تشعر بالإعياء وبضعف صوتها غير أنّها أصرّت على مواصلة الغناء فاستفحل الداء وقضى عليها في آخر المطاف.من وظائف الموسيقى في أعمال الكاتبة قطع حبل السّرد والتخفيف من سطوته..لكنّ هذا لا يعني أنّ الموسيقى مسقطة على النصّ الروائيّ.كلاّ،كلّ الإحالات الموسيقيّة تظلّ على وشيجة قويّة بالرواية، موصولة بأحداثها وشخصياتها.بعبارة أخرى نقول إنّ هذه الإحالات لم تكن توشية للعمل  وإنّما كانت سرّ سحره ووجوده.الرواية والحكاية الشعبيّةعمدت الرواية الحديثة، في الكثير من نماذجها، إلى توظيف الحكاية الشعبية،فاستعارت أدواتها، وأساليب أدائها ، وطرائق تصويرها، مستدعية، على وجه الخصوص،، مناخاتها العجائبيّة،  ودوران أحداثها في فراغ زمنيّ هو عالم الممكن المطلق.أمّا الحجج التي فزع إليها النقاد لتسويغ هذه الظاهرة، ظاهرة استدعاء الرواية للحكاية الشعبيّة، فمتعدّدة متنوعة بعضهم ذهب إلى أنّ غاية الروائيّين، من وراء هذا التوظيف،يتمثّل في تأصيل الرواية في أديم الثقافة العربيّة، وبعضهم ذهب إلى  أنّ توظيف الحكاية الشعبيّة توظيف لمستودع  كبير من الرموز والاستعارات، من شأنه أن يضخّ الرواية بدماء جديدة، وبعضهم رأى أنّ هذا التوظيف كان أثرا من آثار التفاعل مع الرواية الغربية التي احتضنت الحكاية الشعبية منذ بروز المدرسة الرومنطيقيّة.وقد  كانت الكاتبة غالية .ف.ت.آل سعيد من ضمن الروائيين الذين استدعوا هذه الحكاية ووظفوا إمكاناتها الدلاليّة والجماليّة .لكن علينا أن نشير إلى  أنّنا لا نقصد أن الكاتبة استدعت حكاية شعبيّة بعينها في أعمالها الروائيّة ووظفت أحداثها أو دلالاتها، لكننا نقصد أنّها وظّفت بنية الحكاية الشعبيّة، جوهرها، خصائصها العميقة.فقارئ أعمال الكاتبة يلاحظ أنها كثيرا ما تنفتح على قصص أخرى تستضيفها  في حركة هي أشبه بالتضمين، والتضمين هو أحد أساليب الحكاية الشعبيّة، يتمّ بمقتضاه استدعاء حكاية داخل حكاية. وهذا التضمين إنْ هو إلاّ زجّ بالمرويّ له في متاه لا يحدّ منتهاه،  حيث تتشابك الدروب وتتداخل السبل، ويصبح التقبّل ضربا من التّيه، ضربا من الاستغراق والذّهول .كما يلاحظ  القارئ المراوحة المتواترة  بين السرد والشعر في أعمال الكاتبة،وهذه المراوحة  تعدّ أيضا إحدى سمات القصّ الشعبيّ .ففي ثقافتنا الشعبيّة لا يفتأ السّرد ينفتح  على الشعر، والشعر ينفتح على السّرد تحقيقا لشعرية النصّ، أي تحقيقا لمتعة التلقّي.، لكن أهمّ هذه الظواهر، في نظرنا،وأولاها بالنّظر والاستقراء:  أسلوب الكتابة وطرائق السّرد .فبعض أعمال غالية ف.ت .آل سعيد تبدو وكأنّها ترْوَى مشافهة رغم تدوينها  : فبنية الجملة، وطريقة السّرد، وطبيعة الشخصيّات تحيلنا مجتمعة على القصّ القديم. لا شكّ في أنّ الكاتبة كانت تمتح ، من غير وعي قاصد،من ذاكرة وشمتها القصص الشعبيّة بنار لغتها، ولا شكّ في أنّها استبطنت بنية هذه القصص وأساليب سردها فتجلّت، بعد ذلك في أعمالها ومن أجل توضيح هذه الظاهرة سنتّخذ رواية «صابرة وأصيلة « أنموذجا للتدليل والتمثيل.إنّ الكاتبة، في هذه الرواية، لا تكتب وإنّما تروي، ولا تخطّ وإنّما تحكي.بل إنّها  تتأنّى، على طريقة الرواة القدامى، في السرد، وربّما تعمد إلى التكرار، والارتداد إلى الوراء، والإسهاب في الوصف  من أجل إذكاء فضول القارئ أي تشويقه أي إمتاعه.وكما هي الحال في القصّ القديم تتوالد، في هذه الرواية،القصص من القصص في ضرب من التداعي الذي لا يردّ.إنّه منطق الدائرة المفتوحة، كما نحبّ أن نسمّيه، ونعني بذلك تناسل القصص بعضها من بعض بحيث تنبثق اللاحقة من رماد السابقة .على هذا تصبح كلّ خاتمة فاتحة لبداية جديدة،تصبح إعلانا عن ميلاد حكاية ثانية..لكأنّ السرد، عند الكاتبة، ضرب من ضروب استبعاد النّهاية، لكأنّه استهلال دائم وبداية مطّردة.وإنّه لأمر ذو دلالة أن تقرأ صابرة، في رواية (صابرة وأصيلة ) إحدى قصصها المبتورة على أصيلة وحين تسألها صديقتها: وما نهاية القصّة ؟تردّ قائلة : النهاية ضاعت بين الأوراق الأخرى التي لم آت بها من البيت .هذا الفزع من النهاية له غايات كثيرة لعلّ أهمّها  استدراج المرويّ له حتى يبقى أسير القصّة، ينشدّ إليها ولا يستطيع الانفصال عنها.كلّ هذا يذكرنا بمنطق الحكاية الشعبيّة، بمراسم الشفويّة في سردنا العرب، فالكاتبة مأخوذة بالحكي، بالتنقّل عبر الأزمنة والأمكنة، بتحويل الحياة إلى سرد جميل، يتعاور طرفان في تشكيله وإنجازه : الخيال والتاريخ..تأسيسا على ما تقدّم نقول إنّ الحوار قد انعقد مبكّرا  بين نصوص الكاتبة غالية ف.ت. آل سعيد ومختلف الفنون، وكما هو الشأن في كلّ حوار   ترافدت الأطراف المتحاورة وتبادلت  التأثر والتأثير.وقد أوضحنا  أنّ الكاتبة لم  تقتصر،منذ عملها الأوّل،»  أيّام في الجنّة  « على خصائص جنس الرواية  في صياغة  خطابها وإنّما استعارت خصائص الفنون الأخرى فوظفتها واستلهمت طرائقها في تصريف الكلام وتأسيس الرمز، فاتحة الخطاب السرديّ على آفاق دلاليّة وجماليّة جديدة. . واقتصارنا على تراسل روايات غالية ف.ت. آل سعيد مع فنون ثلاثة لا ينبغي أن يحجب عنّا تفاعلها مع فنون أخرى ..فقراءة متأنّية لهذه الأعمال تكشف عن تراسلها مع السينما،إذ استعارت من الفنّ السّابع أساليب القطع والوصل والمونتاج والإلصاق والكولاج، كما تكشف عن تفاعلها مع الرسم ، وقد استعارت منه لعبة الضوء والظلام،والنور والظل،ومزج الألوان ..كلّ هذا يتيح لنا القول إنّ الكاتبة غالية ف.ت.آل سعيد قد تمكّنت، بعدولها عن قوانين السرد التقليديّة وانفتاحها على الفنون الأخرى، من إنجاز رواية حديثة استبدلت قوانين صفاء الجنس والفصل بين الفنون والصوت المفرد بقوانين الترافد بين الفنون وتعدّد الأصوات .——————————–المصادر:1 أيام في الجنة،رياض الريّس للكتب والنشر، 2011، الطبعة الثانية2صابرة وأصيلة ،  رياض الريّس للكتب والنشر 2007                           3 سنين مبعثرة، رياض الريّس للكتب والنشر   2008                           4 جنون اليأس، رياض الريّس للكتب والنشر   2011                                     5سأم الانتظار ،  رياض الريّس للكتب والنشر   ج1    20166 سأم الانتظار ،  رياض الريّس للكتب والنشر  ج2   2017

 


محمد الغزّي

شاهد أيضاً

الاستضافة العكسية النصوص الشعرية في المتن الروائي

1- لم نعهد في نقدنا العربي الحديث مقاربات مفصلة وجادة عن وجود (الشعري في السردي)، …