أخبار عاجلة

تشريــــح السلطـــة: تجاذبات القوة والتخييل لبشير مفتي..

مثل خرائطي جديد بمفهوم «جيل دولوز» يعود الروائي «بشير مفتي» في رواية «دمية النار»(1) إلى الماضي، ليحفر بمطرقة التخييل في «الطبقات الرسوبية» لمرحلة التحرر من الاستعمار والشروع في بناء الدولة الوطنية، كاشفا عن مناطقها المظلمة، مما يضع الصورة الرومانسية التي رسمها الجيل الأول من الروائيين لهذه المرحلة على أنها فترة اليوتوبيا الاشتراكية موضع السخرية والهدم. 
 بهذا الوعي الحفري الساخر يؤكد الروائي « بشير مفتي»، دور التخييل الروائي في كتابة التواريخ المنسية، وتشخيص الأصوات المقموعة. ففي مقابل سرد السلطة الذي يبسط تاريخا أحاديا للحدث (الثورة)، بوصفه التاريخ الحقيقي، تاريخ الأمة، تنتج الرواية سردا انبثاقيا انتهاكيا، يزرع التشكك والتفكك في خطاب السلطة، حيث تنبثق الأصوات المقموعة من هاوية نسيانها، بما يغير شروط الخطاب التي صاغت سلطة الماضي. تتأكد هذه الوظيفة النقدية بمجاوزة الروائي الرؤية الرومانسية وتبني منظور انجلاء الأوهام، حيث يكشف الجانب المظلم، المسكوت عنه، الذي حول الثورة إلى سلطة كليانية تستحوذ على كل مفاصل المجتمع، وتحول الفرد إلى مسخ، مادة بدون روح، مجردة من مثلها العليا.
الكاوس/ ميتافيزيقا السرد
لا ينبغي أن يفهم من توضيحنا للبنية الانتهاكية لخطاب الرواية على أنها رواية سياسية. فعلى الرغم من أن ثيمتها سياسية (تشريح السلطة) إلى أن بؤرتها وجودية ميتافيزيقية مفتوحة على «الاستطيقا السلبية» بمفهوم «أدورنو»، استطيقا العدم والنفي الذاتي. فالنص يكتب في عنف زمنية متشظية لذات متلاشية (البطل رضا الشاوش). هذه الزمنية تتضمن تفكيك بنية الخطاب بما هو تصوير خطي للقصة وتمثيل شفاف للأطروحي المباشر، لأن موقع التلفظ ينشطر في زمنية الكاوس (فقدان البصيرة)، حيث تتدحرج الذات خارج المركز نحو المجهول، منشطرة بين ما كانت عليه (الماضي) وماهي عليه (الحاضر) وما ترغب أن تكون عليه، بدون نقطة ارتكاز تسند محاولة استعادة ذاتيتها المفقودة (هل كنت أقاوم ذلك الفقدان…في تلك الدوامة كان كل شيء فقد وجهه، مثلما فقدت أنا روحي، صار العماء كليا، والهياج اللامرئي للحيوان المفترس كليا هو الآخر، صرت أنا ولست أنا، صار الخيط الرابط بين الأول والثاني معدوما، ولم يعد وجهي يحيل على وجهي..) (ص119).
 في انكسار نقطة الارتكاز، التي تتمثل في فقدان البطل لكينونته(قيمه ومثله العليا)، يتشظى الحكي في شروخ هذه التجاذبات الأنطلوجية، ويغرق العالم الروائي في العماء الكلي . ولذلك يتم على صعيد المتخيل تأكيد هذه الرؤية الميتافيزيقية بعملية ترميز للصراع بين الذات (رضا الشاوش) والمؤسسة (السلطة) باستعارات رمزية وجودية ترتقي به إلى صراع ميتافيزيقي بين الخير والشر، بين النور والظلام، بين النظام والكاوس، بحيث تحل الاستعارة الشيطانية محل بشاعة الواقع. سلطة في عنفها وغرابتها تفوق خيال الروائي، يتم الانفلات من واقعيتها بعنف المتخيل الذي يحول الواقع إلى شظايا وكوابيس مدمرة للذات والرؤية، بحيث لا يتبقى من الواقع سوى آثار علامات منقوشة في صيرورة المحو. سلطة من فرط تسلطها وانتشارها لا تحضر في النص سوى في صورة أشباح كافكا، موغلة في سديميتها وفي أسطوريتها. عبارة عن جهاز ينتشر ذاتيا ويتوسع وفق قانون الانتظام الذاتي ليهيمن على العالم الروائي، (أتقرب كل مرة خطوة أو خطوتين من تلك الجماعة، أو الجهاز، أو المنظمة، أو العصابة، لكنها عصابة تحكم، تسير كل شيء بيدها، ولها آليات وقوانين، ومظاهر خادعة، كان الأمر يبدو لي مخيفا، مروعا وأحيانا سورياليا) . 
يبدو وكأن الأمر يتعلق بجهاز آلي تديره قوى خفية، غير مرئية (كانت الفكرة تأسيس جماعة في الظل تحمي البلاد وتسيرها من خلف ستار) (ص127) لذلك يجد البطل «رضا الشاوش» نفسه في فخ شبيه بوضع كل من شخصية «جوزيف ك» في رواية «المحاكمة» وشخصية المساح في رواية «القصر» لكافكا، يواجه سلطة لها طابع متاهة بلا حدود، ولا شكل، ولا تسمية، لا يستطيع الخلاص منها.من فرط تجريديتها» تحضر» في صورة كابوس (من الآن يمكن أن تعتبر نفسك واحدا من الجهاز…كنت الأحدث في الجهاز الذي لم يكن له حتى تسمية يمكن أن تؤكد وجوده، وللحظات ظننت أنني أتخيل فقط، وأن هذا الذي أعيشه ما هو إلا كابوس سأستيقظ منه في أي لحظة، فكيف يكون هذا ممكنا.) (ص133) 
الصعود/ ذروة السقوط
لتأكيد بشاعة عالم السلطة في سيرورته التدميرية للفرد، تختار الرواية على مستوى أشكال التخييل، تشخيص العالم في شكل الهجاء أو الرومانس المضاد، بمعنى أنها تقدم العالم الروائي (الخيالي) في صورة أسوأ من العالم الحقيقي، حيث يؤكد عالم الهجاء القبح والفوضى. فالرواية تعبر عن مأزق عالم بشع، محكوم بحتمية السلطة، ينتقل من سيء إلى أسوأ (الأمور تنتقل من سيء لأسوأ، لهذا أطلب منك العناية بنفسك) (ص87). ويعاش فيه الزمن الرديء على أنه نوع من الكاوس.
 ما تركز عليه الرواية في بناء نموذجها الإنساني هو قانون التحول باعتباره مكونا تشييديا وحافزا للحكي. ففي مسار التكوين، يخضع بطل الرواية «رضا الشاوش» إلى تحولات غير متوقعة، ضمن سياقات ذاتية واجتماعية وتاريخية معقدة، يتداخل فيها الخصوصي بالعام. يأخذ التحول في المتخيل صورة المسخ بالمفهوم الكافكاوي، حيث يتحول البطل من شخص مثالي رومانسي، يحب الأدب والكتابة، وتحت ضغط عوامل متعددة، إلى شخص متوحش قاتل مأجور. ويتم هذا التحول الكارثي على مراحل، في كل مرحلة يفقد البطل جزءا من إنسانيته، ويقترب من هاوية السقوط الكلي.
 يبدأ مساره مراهقا متطلعا للمعرفة، شغوفا بالتعلم، يغرم بواسطة معلمته بحب الأدب وقراءة القصص. غير أن هذا المسار الطبيعي يتعرض لارتجاجات عنيفة مع فشله في أول تجربة حب. وتتضاعف هذه الأزمة العاطفية، بسبب عدم قدرته الخلاص من عقدة أبيه مدير السجن، الذي تلطخت يداه بتعذيب المعتقلين المعارضين للنظام. 
هكذا يتشكل مسار تجربته كحلقة مغلقة من الإخفاقات، إخفاق في الحب، فشل في استكمال الدراسة، عقدة الأب القهرية، اغتصابه للمرأة التي أحبها. تكتمل هذه الحلقة الجهنمية من السقوط الشيطاني بانضمامه إلى الجهاز الأمني الذي يتحكم في دواليب الحكم بالبلاد، حيث يتحول إلى قاتل مأجور ينفذ عمليات قذرة لفائدة النظام.
وعلى الرغم مما يحققه البطل من ارتقاء على صعيد المال والنفوذ في الجهاز الأمني، بارتقائه أعلى المراتب، إلا أنه يخسر كل شيء في النهاية. فالثمن الذي يدفعه مقابل هذا الصعود الفجائي هو تنازله عن مبادئه وقيمه (وبينما كنت أتقدم في سلم الترقي التدريجي نحو الصعود لقمة فقدان الروح، كان سعيد عزوز يتعثر بعض الشيء) (ص121)، وتكون النهاية المأساوية حين يقتل على يد ابنه غير الشرعي الذي انضم إلى جماعة متطرفة مقاتلة.
 المفارقة إذن، أن كل ارتقاء في مراتب الجهاز السلطوي يواكبه سقوط في الروح، وتشرد شيطاني في المجهول. وبالتالي يمثل صعوده صورة ساخرة للسقوط، أو ما يسميه ملتون «السمو الرديء» (عجيب أمر الحياة..لقد وصلت للذروة فإذا بها تظهر لي كهاوية مفتوحة، سرداب مظلم، قلعة محصنة ولكن فارغة…) (ص152). 
إن «الصعود الهزليّ» ساخر بسبب القيم المقلوبة للعالم المنحط. (يختلط الزمن فلا يعود يمشي على رجليه ولكن على رأسه). الثورة تغتال أبناءها الأوفياء لمبادئها، وتكافئ الوصوليين والانتهازيين، والاستفادة من 
الخيرات الاجتماعية مرهونة بمدى الولاء للنظام، أي لجماعة السلطة المتحكمة في موارد النفوذ والمال والقوة.
 وإذا كان محكي البطل في بنيته العميقة يحاكي على نحو ساخر نموذج البحث، فإن مغامرته لا تنتهي بعودة ظافرة. على الرغم مما يحققه البطل من نفوذ وسلطة داخل الجهاز، فإنه لا ينعم بالاستقرار، بل يسقط في دوامة التفسخ والانحلال. من المنظور السيميائي الذي يحدد أنماط الوجود، لا تتمكن الذات (البطل) في نهاية برنامجها السردي من نقش وجودها كذات محققة، حيث أن ارتقاءها في الجهاز لا ينقلها إلى حالة الاتصال مع موضوع القيمة، وكل من ينتج عن هذا الارتقاء (أي نمط الوجود كذات محينة) هو التحول/ المسخ. لا يتعلق الأمر إذن، بقصة ظافرة. إذ تشكل نهاية الصعود ذروة السقوط. 
في النهاية تنتصر منظومة الفساد (السلطة)، ويفقد قيمه، يتحول إلى جسد بدون روح، إلى مادة فاسدة لا تصلح سوى للقتل. وإمعانا في السخرية من مصير البطل، يستعير المتخيل وعلى غرار نموذج كافكا صورة «دراكولا» لوصف هذا التحول، حيوان مفترس يعيش على امتصاص دماء الآخرين.
 الملاحظ أن التحول/ المسخ يتم في المرحلة التي ينضم فيها البطل إلى الجهاز. ولهذا التموضع دلالته من حيث إحالته على النسق الأكسيولوجي للنص.إنه يحدد البعد الإيديولوجي لمنظومة الفساد، بمعنى أن هذا التحول تقوم به المؤسسة الإيديولوجية للسلطة، وذلك بخلاف التحول مثلا في رواية «أحلام بقرة» للروائي المغربي محمد الهرادي، الذي تقوم به المؤسسة الطبية، حيث يخضع البطل لتحول من الإنساني(بشر) إلى الحيواني (بقرة). وتستدعي ثيمة التحول علاقات تناصية وشيجة بين النص ونصوص معاصرة في مقدمتها رواية المسخ لكافكا، والنص نفسه في لعبته المرآوية يكشف عن انتسابه لهذه السلالة الكافكاوية (وأنا في العاشرة من عمري عندما أهدتني معلمة العربية قصة «المسخ» ومن يومها لا أدري ماذا حدث في رأسي، سكنتني ذبابة الأدب، كما جنون القصص والخيالات..)(29)
 وإذا كان سرفانتس بحسب إدوارد سعيد يحقق لبطله نوعا من الخلاص الجزئي، لأن دون كيخوت يتدبر أمر بقائه بعيدا عن التلوث في نقاء قصده وقادرا على نقل شيء من إشعاع شعره الظافر، على الرغم مما فيه من مثالية مجردة وسخرية من النفس، إلى خصمه المنتصر، فإن البطل بتخليه عن مثله العليا، وانضمامه للجهاز يسقط في التلوث، ويصبح عرضة للكاوس (العماء).
 ما تشخصه الرواية إذن، هو سرد دائري بدون خلاص، لأنها لا تقدم أية حلول لإشكال البطل. يعيش «رضا الشاوش» حياته هاربا من صورة أبيه السجان المتسلط، ويخوض تجربة الخلاص من عقدة الأب، لكن مغامرته تنتهي بالسقوط في دائرة أبيه، يتحول إلى شخص مثله يقتل الناس لفائدة النظام (لقد قررت أيامها عدم الحديث عن أبي، لقد خرجت من تلك القوقعة نهائيا، ولم يعد لي أية علاقة بماضي ذلك، كنت هاربا منه، مع أنني كلما هربت كلما عدت، حتى أيقنت بأنني مرتبط به بخيط سحري، ومندمج حتى العظم بداخل تلابيبه، لقد فتحت الباب أخيرا لنفسي كي أكون مثله، شخصا ينفذ الأوامر ويعيش بلا ضمير. صرت أبي بشكل لاواع) (ص122)
إذا كانت هندسة الدائرة هي ما يحكم مسار البطل، بما يؤشر الى نوع من الحتمية في المصير، وعلى زمنية مغلقة، لا تتيح أي مجال للتغيير، فإن المتخيل كما سنرى، يشخص على المحور الانشطاري نماذج انتهاكية، استطاعت أن تخرق دائرة السلطة، وتخلق إشراقة أمل للتحرر والتغيير، وبالتالي تقدم بدائل جديدة، حتى وإن كانت تتحرك على مستوى الهامش، فإنها تحدث اختراقات عميقة في نسق السلطة، وتحضر كعلامة إنسانية مشرقة وسط عالم المسخ والظلام الذي يلف المتخيل الروائي (كان تفانيه (عدنان) وإخلاصه لموقفه منذ ترك البلاد مختارا المنفى والحرية على العيش حيث يستلذ الحياة في بلده أمرا مثيرا للإعجاب. مسار آخر غير مساري، كما لو أن الحياة تريد دائما أن تقدم للعالم نموذجين واحد يغرق في عتمتها، وآخر يشع بنورها، ولقد كان يبدو لي من بعيد كنقطة ضوء لن أصيرها..) (ص153) 
لعبة التمويه/ الذئب الذي يظهر ويختفي
إذا كانت بنية الازدواج (الصعود/ السقوط، النور/ الظلام) تموقع المتخيل في فضاء بيني يقع بين حدي الهجاء والرومانس، الأفول والإشراق، فإنه (الازدواج) يشكل على صعيد التركيب إستراتيجية سردية تتضمن تفكيك الخطاب السردي إلى حكايتين، حكاية الروائي/ الكاتب مع المخطوط، وحكاية «رضا
الشاوش» صاحب المخطوط. يتجاوز الازدواج الحكائي وظيفة الانعكاس المرآوي ليدشن صيرورة من
 التقاطعات والتمفصلات بين الحكايتين، تقوم على لعبة التمويه.
تروي الحكاية الأولى بصوت المتكلم علاقة الروائي/ الكاتب بشخصية «رضا الشاوش» الذي تعرف عليه في بيت «عمي العربي». أثار فضوله الأدبي فقرر مطاردته من أجل معرفة أسرار غموضه (غير أن ما شدني إليه لم يكن شكله…تخيلته بطلا تراجيديا يصلح للموضوعات التي كنت أرغب في كتابتها…حرك دون شك فضولي، وقررت من يومها مطاردته كما يطارد محقق مجرما ارتكب جريمة استثنائية) (ص6)
الملاحظ أن الحكاية الإطار لا تنغلق على نموذج السيرة الغيرية، بمعنى أنها لا تقتصر على تقديم شخصية «رضا الشاوش»، بل تستدعي نصية السيرة الذاتية، حيث تقدم معلومات تخص حياة الروائي/ الكاتب(كان ذلك في أواخر شهر سبتبر من عام 1985، تلك الفترة التي كانت حينها واعدة رغم البؤس… كانت تمثل بالنسبة لي بداياتي في درب الكتابة، وكنت تحث تأثير قراءات شيطانية كثيرة ومتنوعة…كنت مدفوعا بسحر جنوني إلى هذا الطريق…كنت أنظر له على أنه شيء سيحدث وكفى، يوما ما كنت سأحقق وجودي الحقيقي ككاتب، وليس كأي كاتب عارض، ولكن ككاتب يستحق هذه التسمية بالفعل.) (ص5)
تنقش الرواية إذن جغرافيتها النصية في تمفصل المابين، كفضاء انتهاكي للحدود، بين نسق السيرة الذاتية ونسق التخييل الروائي، وبالتالي تتوزع لعبة السرد على الاستراتيجيات المتداخلة بينهما، حيث يتقاطع التخييل والسيرة، الذاكرة والسرد، الماضي والحاضر، ليولدا صورا مركبة من الهوية والكينونة، من التاريخ والوجود، مؤطرة وفق قانون الازدواج، حيث يتوزع التلفظ السردي على موقعين، صوت الروائي في «التقديم»، وصوت «رضا الشاوش» في المخطوط. ويتم ضبط العلاقة بينهما وفق نسق التأطير الذي بموجبه تكون حكاية المخطوط (الحكاية المؤطرة)متضمنة في الحكاية الأولى(الحكاية الإطار).
بتوظيف تقنية الإطار، يحاول الروائي إيهامنا بأنه ليس كاتب النص، وأن مهمته اقتصرت – بمفهوم السيميائيات – على القيام بدور «العامل المساعد» على نشر المخطوط. وفي «التقديم» الذي كتبه الروائي للمخطوط، يوضح ظروف وقوع المخطوط بين يديه، ويعلن أنه لا يتحمل أية مسؤولية فيما يقوله محتوى المخطوط. يأتي التقديم إذن، كتصريح بإبراء الذمة من تبعات المخطوط، ولذلك لا يدعي الروائي ملكية النص. وبمقارنته بالنموذج البدئي للسارد، هو سارد أقل درجة من السارد الكلاسيكي في التراث السردي العربي. فإذا كان السارد في المرويات العربية ينسب الحكاية للغير، ويكتفي بوظيفة النقل عن سارد مجهول(بلغني، زعموا أن…) فإن الروائي، يتنازل عن وظيفة النقل، ويتضاءل دوره إلى مجرد عامل مساعد على «نشر» المخطوط، كما هو دون زيادة أو حذف. وبالتالي لا يرقى إلى مستوى السارد من الدرجة الثانية، التي ارتضاها السارد التراثي لموقعه الاعتباري.
من منظور الدينامية النصية يشتغل (التقديم) الخاص بمحفل الروائي/ الكاتب كميتانص، يقوم بوظيفة تنوير متعددة لسياق كتابة الرواية وديناميتها الخاصة. فالرواية تحكي من موقع مزدوج، تكون وعي الكاتب الاستطيقي (معايير الكتابة) وسياق كتابة النص (العثور على المخطوط). ومن جهة ثالثة تحكي قصة «رضا الشاوش» الشخصية الرئيسة، الذي يقوم بوظيفة مزدوجة، التشخيص والسرد، باعتباره شخصية/ ساردة. ويمكن إجمال وظائف الميتاروائي في النص فيما يلي:
– توضيح سياق كتابة الرواية: الإطار العام (الزمنية، المكان، البطل) .
– تقديم صورة عن الكاتب كوعي سيميائي استطيقي: بداياته في الكتابة، وعيه الجمالي، قراءاته الأدبية والفكرية.
– توضيح معايير الكتابة ومرجعيات المتخيل: (كان مثل تلك الشخصيات الروائية التي تملك ماضيا معقدا، وتجربة مرة، وعلى جرف من السقوط..تخيلته بطلا تراجيديا يصلح للموضوعات التي كنت ارغب في كتابتها، قلقا ميتافيزيقيا جادا، وانحلال في الروح…)(ص6)
بالإضافة إلى وظيفة التنوير المزدوجة للنص (الميتاروائي، الحكاية)، يمكن اعتبار التقديم بمثابة رحم لتكون النص. ومن ثمة يشكل العتبة الأولى التي ينطلق منها القارئ إلى الرواية. وعبر هذا الموقع المتقدم يقترح الروائي / الكاتب سيناريوهات ممكنة للقراءة. 
 من هذا الفعل التدشيني يحفر «التقديم» موقعه الهرمي في هندسة النص. إنه بمثابة المنصة التي تسبق النص. منها يدشن القارئ مغامرته في استكشاف عوالم الرواية، ويبني تخميناته وتوقعاته حول ما ينطوي عليه المخطوط من أسرار وكنوز.
وإذا كانت وظيفة الميتاروائي على المستوى الظاهر، الإيهام بتجريد الكاتب من سلطة النص، بنسبة النص إلى شخصية متخيلة، «رضا الشاوش» صاحب المخطوط، بما يجعل الكاتب في حل من تبعات النص، فإن التحليل يؤكد عكس ذلك. فالتقديم كما رأينا، يمثل الموقع المتقدم لتدشين فعل القراءة، يتمترس خلفه الكاتب ليوزع خيوط اللعبة السردية، حيث يضطلع بدور المخرج في العرض المسرحي، حين يستغل موقع «التقديم» لعرض تفسيرات وإضاءات سيكولوجية وجمالية لشخصية «رضا الشاوش»، تعمل بالأحرى على شكل معايير موجهة للقراءة:
 معيار العمق الشخصي (كان مثل الشخصيات الروائية التي تملك ماضيا معقدا، وتجربة مرة في كل شيء، وعلى جرف من السقوط….)(ص6)
 – معيار التعقيد: (قلق ميتافيزيقي حاد، وانحلال في الروح، وسوء تكوين، وجروح قديمة لا تندمل..)(ص6)
– معيار النموذج (تخيلته بطلا تراجيديا يصلح للموضوعات التي كنت أرغب في كتابتها) هذه التعليقات هي بمثابة قراءة وتأويل للبعد الدلالي للنص، وتطرح نفسها على شكل مبادئ جمالية للقراءة والتلقي، تسبق تعرف القارئ على شخصية «رضا الشاوش» كما تقدمها سيرته بمنظوره الخاص، ويتخيلها.
تحتل هذه التعليقات موقعا مهما على صعيد التلقي، وليس ذلك باعتبار الحيز المخصص لها في التقديم، بل باعتبار النسق النظري الاستيطيقي الذي تكشف عنه، والذي يمثل الدور الآخر للمؤلف في النص، دور «السارد السيميائي» بتعبير «كريزنسكي» بهذا المعنى المؤلف هو «المنظم العضوي والمركزي لكل موجهات السرد وصيغه، وهو من يضع السارد في موقعه من الخطاب2».ففي الوقت الذي يحاول الروائي/ الكاتب إيهامنا بتنازله عن ملكية النص، وبالنتيجة عن سلطته، نلاحظ أنه ينعم بامتيازات الكلمة الأولى فوق المسرح، وبفضله وصل هذا المخطوط إلى القارئ في شكله النهائي، وبالتالي لولا وجوده، لكان مصير المخطوط النسيان والغياب. كما لو أن الأمر يتعلق بالتحكم في بعد آخر للخطاب، بعد القراءة، وهي تتعلق بدون شك بذلك الجزء من الخطاب الذي يتعلق بالسلطة والرغبة، سلطة الكاتب على الشخصيات وفي نفس الوقت رغبته في التحرر من هذه السلطة بنسبة الكتاب لشخصية متخيلة. إنه مثل ذئب الروائي المغربي محمد زفزاف في روايته «الذئب الذي يظهر ويختفي»، يمارس لعبة التمويه، الظهور والاختفاء، الحضور والغياب. 
وبهذه الإستراتيجية المزدوجة يتخلص النص من الصورة التقليدية للمؤلف، «المؤلف كمبدأ تجميع للخطاب، كوحدة وأصل لدلالات الخطابات، وكبؤرة لتناسقها».(3) 
 
النموذج البنيوي/ التشعب بدل الانغلاق
 تأخذ حكاية البطل «رضا الشاوش» شكل محكي تربية وتكوين، يشخص التمفصلات الأساسية في نمو شخصيته وتكوين وعيه، ابتداء من الأسرة والمدرسة وصولا إلى مرحلة النضج والعمل. نتيجة لذلك، يقع النص في الفضاء البيني للسيرة الروائية التي تقدم المراحل الأساسية من حياة شخصية متخيلة. وإذا كانت رواية التربية بحسب «لوكاش»(4) تتجاوز إشكال الانفصال اللامحدود (القطيعة بين الذات والعالم) عن طريق فرض تسوية بين المثل العليا والعالم، عبر تحويل القيم إلى تجربة معيشة، فإنها تقع على مستوى البناء الشكلي بين نموذج الرواية المثالية المجردة ونموذج رواية خيبة الأمل، بواسطة عملية تركيب بينهما، وهو ما يترتب عنه، تشكل بنية شكلية جديدة تخص رواية التربية، تقوم على التركيب بين الفعل(المبدأ الجمالي المؤسس لرواية المثالية المجردة) والتأمل(المبدأ الجمالي المكون لرواية خيبة الأمل).
 الملاحظ أن محكي «رضا الشاوش» وإن كان يستلهم نموذج التربية، فإنه لا يتقيد بمعادلته السردية الصارمة، حيث يخلخل توازن طرفي المعادلة بتغليب عنصر التأمل على عنصر الفعل، وهو ما يساهم في تحرير المحكي من الطابع الأطروحي المباشر، لصالح تذويت الكتابة، عبر استدعاء شعرية التأمل، واستبدال مبدأ التسوية (تكيف الذات مع العالم) الضامن لوحدة النسق، بمبدأ النفي السلبي (انفصال الذات عن محيطها) الذي يفجر الكلية إلى ذرات متشظية، وأجزاء منفصلة.
ثمة انتهاك آخر يدشنه محكي «رضا الشاوش» في هندسة رواية التربية، التي تقدم ترسيمة منطقية لقانون التحول، حيث يحدث التحول على صعيد وعي البطل من الجهل إلى المعرفة، معرفة الذات في علاقتها بالآخر، وعلى صعيد الكينونة، من الانفصال إلى التكيف، يواكبه تحول من السلب إلى الإيجاب، بحيث نكون بصدد بنية سردية تطورية، تعكس من وجهة نظر العقل التاريخي تقدما على مستوى القيمة، يتجه في خط تصاعدي، نحو الأمام.. بالمقابل يقدم محكي «رضا الشاوش» نموذجا نقيضا، تحول في حالة إرجاء، غير مكتمل، معرفة سلبية في حالة نفي لموضوعها، يواكبها تحول من الإيجاب إلى السلب، من المثالية إلى الشيطنة، من الرومانس إلى الهجاء، بحيث يكون مسار الذات رهين سردية ارتدادية، لاخطية، يعكس نكوصا على مستوى الصيرورة.
 غير أن محكي «الشاوش» وإن كان يتبنى النموذج البنيوي الفردي (سيرة فرد)، فإنه يقوم على بنية منفتحة. ما يؤسس هذا لانفتاح هو مبدأ التشعب الحكائي. ذلك أن السرد يعمل على توليد محكيات من داخل النموذج المهيمن. ليست بالضرورة نسخة مطابقة له، لأنها في صيرورتها المتشعبة، تخضع لقانون الانتظام الذاتي. إن التشعب ليس سوى الانتقال من حكاية إلى حكاية أخرى في بنية النسق، بحيث ينفتح النموذج في صيرورة الانتقالات على احتمالات جديدة، وهو ما يستلزم توالدا في المنظورات والأصوات. بهذا التشعب تنهض الإستراتيجية السردية باعتبارها تنضيدا للجدليات بين النموذج والصيرورة، بين الاستمرارية والتقطع، بين النسق والطارئ. هذا التشعب يضمر – كما سنرى – بنيات جدلية دينامية مدارها شبكة العلاقات والتشاكلات التي تربط النموذج بتشعباته:
محكي العربي بن داود (الجميع يناديه بعمى العربي، كان قد فتح بيته لجميع المشاغبين، أو من يراهم كذلك في السياسة والفن والأدب، وكان يسهر على راحة كل من يزوره فيهديه كتبا، أو قنينة نبيذ يحضرها له ضيوفه… كان مجاهدا أيام الثورة، وعارضا بعد الاستقلال، ودخل السجن، وشرد، وعذب، وغير ذلك، وأنه بقي وفيا لمبادئه، ومعارضا لخصومه، ومنتقدا للنظام)(ص7)
 رمز لكل قيم الخير والعطاء، يمثل نموذجا نقيضا لنموذج «رضا الشاوش». يناقض أيضا الصورة التقليدية للأب المتسلط الذي يفرض صوته القهري داخل الأسرة. على عكس والد «رضا الشاوش»الذي كان جزءا من النظام الأمني يعمل في خدمته، كان العربي معارضا للنظام، ودفع ثمن هذا القرار(وأن كل ذلك كلفه غاليا فترك مهنة الصيدلة التي كان يعمل بها إلى تصليح الأحذية ثم عاد لمهنته بعد نهاية السبعينات ورحيل الرئيس هواري الذي كان يمقته أشد المقت، ونادرا ما يمدحه، … وكنت أذكر دائما أن والدي كان يقول أشياء حميدة عن هذا الرئيس) (ص8). لذلك ظل الابن «رضا الشاوش» يعتبر «عمي العربي» أبا تربويا بديلا عن الأب البيولوجي، أكثر من ذلك ظل يمثل له نموذج الأب الروحي، (كان معلمي العربي هو معلمي السياسي، وأبي الروحي، وفي تلك البدايات كنت أصغي إليه كمرشد حقيقي، كان نقيض أبي في كل شيء، وكان عكسه يتكلم عن الزعيم بطريقة فيها النقد اللاذع، والسخرية الحقودة) (ص37)
محكي الأب، نموذج الأب المتسلط، ركن أساس في بنية النظام، يمثل جانبه الأمني البشع. بفضل ولائه لهذا النظام ترقى إلى مدير سجن(لم يكن أبي أبلها بالتأكيد، كان رجلا يؤمن بذلك الزعيم، ويصدقه، ويدافع عنه، ويعتبر نفسه جنديا في خدمة تعاليمه، مناضلا في جهاز سلطته، ورقما له دور في هذا العالم الذي يحكمه بيد من حديد). (ص32)
محكي الجماعة اليسارية :التي كانت تنشط ضد النظام في الخفاء. تضم مجموعة من الشباب الذين يدرسون في الجامعة، طلاب حقوق، وفلسفة، ولغة فرنسية، يجتمعون سرا في أحد البيوت، ويحلمون 
بالتغيير، قررت المواجهة مع النظام بدل الصمت، تتعرض للتفكيك على يد النظام. سيكون لهذه الجماعة أثر عميق في تشكيل وعي «رضا الشاوش».
 تقدم هذه الجماعة نموذجا نقيضا لقوى الاستسلام والقبول بالواقع (إن الفشل الحقيقي هو أن يموت الإنسان دون أن يحاول، أن تفشل في تحقيق ما تريد شيء، ولا تعمل من أجل تحقيقه شيء آخر)(ص39). سيتم القضاء عليها بعد حملة اعتقالات لأعضائها، وسيكشف الشباب المتحمس بعد تفكيكها أخطاء قادتها، يقول رفيق(لقد كنت شابا مندفعا والعيب في القادة، هم كانوا يحللون ويسيروننا بالطريقة التي يريدوننا أن نسير بها.. سرنا خلفهم وعندما بدأت الاعتقالات لم يعتقلوهم بل نحن، تصور هم تمكنوا من الفرار والبعض قام بصفقات مشبوهة مع النظام، لقد صاروا اليوم من الوجوه البارزة فيه..) (ص68)
 
محكي سعيد عزوز: محقق في الشرطة، زميل «رضا الشاوش» في الطفولة والمدرسة. من أسرة فقيرة، علاقته بالبطل متوترة منذ أيام المدرسة. عنصر أساس في بنية النظام الأمني. لا يؤمن بأية معايير أخلاقية أو فكرية، مستعد لفعل أي شيء من أجل طموحه (وإن طموح هذا الشخص ليس أن يحقق ذاته، ولكن أن يسحق ذوات الآخرين، وتذكرت والدي الذي كان قد مات منذ سنين وشعرت بنقمة وأنا أقول لنفسي: كم ستلد الجزائر من هذا النوع الذي لا يتحقق إلا بتدمير الآخرين.) (ص50)
 
محكي عدنان: الصديق الوحيد «لرضا الشاوش». صار أستاذا في الجامعة (كان عدنان ماركسيا كما يقول عن نفسه، ماركسي فرداني، يؤمن بفرديته كثيرا، وإن كان يميل لأفكار الصراع الطبقي ويؤمن بأننا مجتمعات بحاجة لفكر مادي جدلي يحررنا من الغيبيات..) (ص46).على خلاف الجماعة اليسارية السرية، يعتقد البطل بأن عدنان (كان أهون من أن ينخرط في أي تنظيم من أي نوع، وكان كلامه مجرد كلام يوتوبي لا علاقة له بالواقع).بفعل انسداد آفاق التغيير، هاجر إلى فيينا، واستقر بها. سيكون لعدنان أثر عميق على شخصية البطل، (هو الوحيد الذي أستطيع التكلم معه في أموري الخاصة…بفضله هو دائما درست في معهد التكوين.. وبعدها أمن لي هذا العمل)(ص55).
 يمثل عدنان نموذجا نقيضا للشرطي سعيد عزوز. فإذا كان ما يربط سعيد عزور بالبطل هو علاقة التوتر (الغيرة، الخصومة)، فإن ما يربط البطل بعدنان هو علاقة المسارة والمساعدة. وبالتالي يمثل سعيد عزوز على مستوى القوى الفاعلة، عاملا معيقا لحلم البطل، بالمقابل يمثل عدنان عاملا مساعدا. وفي الوقت الذي يمثل «عدنان» نقاء اليوتوبيا، يمثل سعيد عزوز بشاعة السلطة.
محكي رانية مسعودي: فتاة جميلة، فاتنة ومفتوحة، أحبها البطل منذ صغره، لكنها كانت على علاقة بشاب آخر، لذلك ستظل علاقته بها ملتبسة. ستتأزم العلاقة أكثر بزواج رانية من شخص آخر، حينها سيقدم البطل على اغتصابها. يطلقها زوجها، وتنتهي بها المصائر عاملة في كباريه ليلي. تمثل نموذجا انتهاكيا، حيث أنها تقرر التمرد على نسق الثقافة الذكورية، وتتزوج من الشخص الذي أحبته، على الرغم من رفض أسرتها، وتدفع ثمن رفضها، بالانفصال عن الأسرة.
محكي معلمة العربية: نموذج للمعرفة والتنوير، يناقض نسق التسلط (كانت معلمة العربية امرأة ودودة للغاية، وتتكلم كما لو أنها أرسلت لإخراجنا من الظلمات إلى النور على عكس المعلمين الآخرين لم تكن تستعمل العنف قط، كانت طريقتها أن تجعلنا نحب ما نقرأ، ونعجب بكل ما نفعله، وكانت.. تهدينا كتبا للقراءة.)(ص29). تمثل على محور قوى النص نموذجا انتهاكيا لنسق التربية السلطوية (على عكس المعلمين الآخرين، لم تكن تستعمل العنف قط، كانت طريقتها أن تجعلنا نحب ما نقرأ، ونعجب بكل ما نفعله، كانت تبدو متحررة من الخارج، أنيقة وهادئة الجمال.) (ص29) لم تستسلم لتحرشات المدير بها وتمردت على سلطته حينما حاول التطاول عليها. (لم أر معلمتي تشتم قط، لقد كانت طيبة، وبالتأكيد كانت العملية مدبرة من طرف البعض لأنها لم تكن تشبه الجميع، مختلفة، كانوا يشبهون بعضهم البعض. لقد حاول المدير التحرش بها عدة مرات، وعندما هددته بتبليغ الشرطة، استغل علاقته بالحزب ليكتب تقارير مسيئة لشخصيتها، …ثم دبر لها مقلبا تافها، اتهموها بتعليم التلاميذ أشياء محرمة، والتمادي في الدعوة للتحرر من سلطة العائلة.) (ص31) على خلاف» رضا الشاوش»، لم تتنازل المعلمة عن مثلها، ولم تخضع لمنطق السلطة، و(دفعت ثمن هذا غاليا، بالرغم من أنها تركت المدرسة منتشية وهي تقول: لا يمكنني العيش مع هؤلاء الكلاب..) (ص31)
 تركت أثرا عميقا في تربية وتكوين «رضا الشاوس»، عندما أهدته في العاشرة من عمره رواية (المسخ) لكافكا، من يومها كما يقول (لا أدري ما حدث في رأسي، سكنتني ذبابة الأدب، كما جنون القصص والخيالات…) (ص29) 
محكي الجهاز: يتعلق الأمر بجهاز أمني يتحكم في مصادر السلطة، و يعمل في الخفاء. تقوم بنيته التنظيمية على هندسة هرمية صارمة، المنتمي إليه يتحول إلى (عبد مأمور) (لقد بدأت الأمور هكذا بعد الاستقلال، التقينا، وتحدثنا، وكانت الفكرة تأسيس جماعة في الظل تحمي البلاد وتسيرها من خلف ستار)(ص127) 
كانت تقوم بتصفية المعارضين للنظام، وأخذ عمولات من رجال الأعمال بالقوة، تتحكم في مصادر القوة، السلطة ووالمال وجهاز الأمن.
تحيل هذه المحكيات على نماذج دلالية وثقافية متعددة، تتحدد اتجاهاتها ومواقفها وعلاقاتها بالنسق المهيمن، نسق السلطة، بحسب قيمة موضوع الرغبة. هناك من ارتضى الخضوع للنسق، وتحول إلى مجرد م دمية في نظام السلطة، وهناك من قرر انتهاك النسق، بمعارضة السلطة وفضح بنيتها القمعية، ودفع ثمن معارضته. وهناك من اختار المنفى خارج الوطن، بدل الخضوع لسلطة القمع، بحثا عن إمكانيات جديدة للفعل. 
ومثلما تتعارض هذه النماذج في اتجاهاتها ودوافعها، تتعارض أيضا في مواقفها ورؤاها. يمثل عزوز نموذج الوصولي والانتهازية. بينما يمثل البطل نموذج الارتداد عن المثل العليا ولانشطار الهوية وخيبة الأمل.بالمقابل يمثل سي العربي نموذجا لتحدي نظام القمع، بالوفاء للمثل والمبادئ. ويمثل الصوت الأنثوي في هذا النسق السلطوي الذكوري نموذجا ديناميا، يعمل النص على إبراز صوته الانتهاكي.
 بدل أن تشكل الحكاية نسقا متجانسا، تمثل صيرورة منفتحة على التشعب والتغاير في مساراتها السردية والدلالية. فهي وإن كانت تتبنى ترسيمة النموذج البنيوي الفردي، من حيث أنها حكاية فرد لحياته، وللتجارب التي تنجزها الذات، فإنها تؤشر في نفس الوقت على انتهاك قوانين هذه الترسيمة، باعتماد مبدأ التشعب، حيث يشكل كل انبثاق سردي، مسارا جديدا يمكن انطلاقا منه أن يعاد تأويل كل شيء من بدايته. ومن جهة أخرى، من أجل الإمساك بقواعد الاشتغال الداخلي للنص، ينبغي تحديد قواعد تداول التشاكلات التي تتبدى من خلالها التحويلات في مجرى النموذج الأصلي. في مقابل النموذج الشيطاني (البطل، الجهاز، الأب، عزوز) ينهض نموذج بديل، هو النموذج التنويري (سي العربي، الجماعة اليسارية، عدنان، ). 
هذه النماذج المنبثقة لا تتميز عن الحكاية الأصل، بالتلوين الأخلاقي المختلف إيجابا أو سلبا، أي الخير في مقابل الشر، وخدمة السلطة في مقابل معارضتها، بل تتميز عنها في الإستراتيجية والخطاب. المسار الشيطاني يتحكم في الوضع القائم، ويكسب شرعيته من الماضي (الثورة) بالاعتماد على قوة القمع، بالمقابل ينبثق المسار التنويري من الداخل، منتهكا قوانين السلطة، ومنفلتا من إستراتيجيتها في الضبط والتحكم، يؤسس شرعيته بقوة الخطاب الانتهاكي، خطاب الحرية والتحرر، ويستمد قوته من أفق المستقبل. من وجهة نظر القوة يسيطر المسار الأول، إلا أنه وبفعل انبثاق هذه البنيات الجديدة، وما أفرزته من قوى انتهاكية بديلة، قوى الاختلاف والمعارضة، حتى وإن كانت توجد في وضع الهامش، بتبنيها استراتيجية مضادة، تعرض قوى السلطة لارتجاجات عنيفة على مشارف نهاية النص، تهدد تماسكها، بزرع بذور التفكك والشك في منطق إيديولوجيتها.(لماذا سارت الأشياء بعدها عكس ذلك، لقد حاربنا في البداية المعارضين العملاء للإمبريالية، ولكننا أصبحنا العملاء، نحن من يخدم مصالحهم، ونسيرها لهم، ونأخذ بعض الفتات)(ص127).
 
سياسات السرد/ انتهاك المحظور
يصور الهجاء العالم في شكل منحط وساخر من أجل نقده وهدمه.هذا ما تؤكده هيمنة مجازات الخيال الشيطاني (الظلام، البشاعة، الدهاليز، المسخ) على المتخيل.ففي مواجهة استراتيجية السلطة المتمثلة في تقديم رواية رسمية أحادية للتاريخ، تقع استراتيجية التخييل الروائي في صميم النزاع على استعمالات الماضي، حيث يتحدد الرهان الاستراتيجي للتخييل في تقديم سرديات بديلة ومنظورات مغايرة للتاريخ لتلك التي تفرضها السلطة، أو يقدمها رواة نيابة عنها(الأب، الأخ، سعيد عزوز، الجهاز الأمني).
 وكم بينت جينيالوجيا «نيتشه» تشكل عميلة كتابة التاريخ وميراث الذاكرة إحدى مرتكزات السلطة في تأسيس شرعيتها والحفاظ على نفوذها، حيث تقوم بترسيم الخطوط الحمراء لما يقال وما لايقال، ما يكتب وما لا يكتب (للأسف نعم، أنا أنصحك، لا تقترب من الآن فصاعدا من سعيد، لا أدري ما هي نواياه، ولكني حذرته وهو فهم الإشارة جيدا، ليس بإمكان أحد النبش في الماضي السري لبلدنا) (ص73). 
يقوم رهان التخييل إذن على الحفر السردي في الماضي السري للثورة الذي أحكمت السلطة حوله خطوط المنع. ويتم إطلاق قوة الانتهاك بتشخيص الأصوات المقموعة، التي تقدم حكايتها البديلة لحكاية السلطة. وبالتالي كتابة تواريخ جديدة، تفضح المسكوت عنه في رواية السلطة، ومن جهة أخرى خلخلة المقدس (نقد الثورة) الذي ترتكز عليه السلطة في مشروعيتها (لكن رجال الثورة تحولوا بقدرة قادر إلى رجال الثروة لاحقا، وقسموا البلد لقسمين، قسم نافع يعيشون فيه، ويتبخترون في نعيمه، وقسم فاسد، تركوه ينتحر في فوضى أزماته اليومية، وينتحر غرقا في بؤسه الاجتماعي والمادي والأخلاقي على السواء.) (ص98). وهذا ما يبرزه النص في الاستغلال البشع من قبل السلطة لميتافيزيقا الثورة في فرض روايتها للتاريخ وإقصاء الأصوات الأخرى المعارضة (المجاهد سي العربي، والد سعيد عزوز…)، وارتكاب الجرائم ضد المعارضين باسم الثورة، حيث تشتغل الآلة الدعائية للسلطة في نشر الأكاذيب (ما يهلكنا اليوم هو الصمت، النفاق، الكذب، تقرأ جرائدهم فتضحك، تمزق رأسك، وتقول يا للفظاعة ما هذا البلد الذي يسجن نفسه في الأكاذيب، لن يقدر الناس على التحمل…ستنفجر في يوم من الأيام.) (ص88)
 في مواجهة إيديولوجيا المنع والكذب، يبني التخييل الروائي إستراتيجيته بإعادة كتابة قصص الثورة، بالنبش في التاريخ والذاكرة، وإحياء الروايات المنسية والمقموعة (صوت سي العربي)، وإسماع الأصوات البديلة. وهو ما يفضي إلى إعادة تمثيل وضع المهمشين والمقموعين في وجه المهيمنين، بالتوازي مع جعل الأسس الخفية لتلك السلطة مرئية، ثم تفكيك وحدة خطابها، وكشف وظيفتها في مجال إسكات الفرد وقهر المواطن. وهذا ما يشكل تهديدا حقيقيا لخطاب السلطة من المنظور المهمش حول التاريخ، ومن الانتهاكات التي تفرضها أنساق بديلة غير خاضعة للنظام، ومن أشكال التهجين والأسلبة والتذويت.
انبثاق هذه الديناميات البديلة من داخل النظام، رغم الانتشار الميتافيزيقي للسلطة على مفاصل المجتمع، يؤكد أنه ما من حتمية مطلقة قادرة على بسط نفوذها على مجموع الكلية، » فإن ما هو جدير بالتكرار القول إنه، مهما بلغت سيطرة عقائدية ما أو نظام اجتماعي ما من الاكتمال الظاهري، فستكون ثمة دائما أجزاء من التجربة الاجتماعية لا يغطيانها ويسيطران عليها. ومن هذه الأجزاء تنبع حالات كثيرة جدا معارضة واعية للذات وجدلية معا. وليس هذا على القدر من التعقيد الذي يبدو عليه. فمقاومة بنية سائدة تنبع من وعي متصور، بل ربما كان أيضا ناشطا، من قبل أفراد وجماعات خارج تلك البنية وداخلها بأن بعض سياساتها، مثلا خاطئة5».
 
الهوامش
 
1- بشير مفتي: دمية النار، الدار العربية للعلوم، بيروت، منشورات الاختلاف، الجزائر، 2010.1 
2- فالديمير كريزنسكي: من أجل سيميائية تعاقبية للرواية، طرائق تحليل السرد الأدبي، منشورات اتحاد كتاب المغرب، 1992، ص:215.2 
3- ميشيل فوكو: نظام الخطاب، ترجمة محمد سبيلا، دار التنوير بيروت، 1984، ص:19.3 
4- جورج لوكاش: نظرية الرواية، ترجمة الحسين سحبان، منشورات التل، 1988، ص:127.4 
5- إدوارد سعيد: الثقافة والإمبريالية، ترجمة كمال أبو ديب، دار الآداب بيروت، 1997، ص:298.5 
 

 

محمد بوعزة
 
ناقد وباحث من المغرب
 

 

شاهد أيضاً

مارسيل إيميه «عابر الجدران»

عاش في مدينة مونمارتر، في الطابق الثالث من البناية رقم 75 مكرر الكائنة بشارع دورشان …