أخبار عاجلة

تطور الصحافة الفكاهية

لا يستطيع مثقف اليوم احصاء ما تقذفه المطابع من اصدارات دورية من صحف ومجلات يومية وأسبوعية وشهرية وفصلية وحولية ، ولكنه يلحظ وبسهولة اختفاء لون متميز من ألوان الصحافة هو ذلك اللون الفكاهي الذي عرفته الثقافة العربية خلال النصف الأول من القرن العشرين خير المعرفة، والذي ظل موجودا بنسبة أقل خلال الربع الثالث من هذا القرن ، أما في الربع الأخير من هذا القرن فقد لازم تعاظم اصدار الصحف والمجلات خلو تلك الاصدارات حتى من مجرد باب فكاهي، ناهيك عن تخصص مجلة بعينها أو صحيفة بعينها في «الشؤون الفكاهية » إن جاز أن يكون للفكاهة شؤون !!

وعلى الرغم من أن الكوارث الطبيعية كالزلازل والفيضانات والسيول والكوارث البشرية كتقدم صناعة الأسلحة الفتاكة أو ما يسمى بأسلحة الدمار الشامل من نووية وبيولوجية وكيميائية وعلى الرغم من تزايد المؤسسات والمنظمات التي تسعي لحماية البشر من حماقاتهم وعبثهم بالبيئة . بالرغم من تزايد تلك الهموم جميعا مما يؤدي بالتبعية الى تزايد الحاجة الى الضحكة والابتسامة ، فإن صحفنا تزيد يوما بعد يوم من صفحات الدراسات السياسية والمقالات العلمية شديدة التعقيد والتي ترفع ضغط الدم عند القاريء دون أي مضادات تخفض ضغط الدم اذا ارتفع .

تاريخ الصحافة الفكاهية يرجع تاريخ الصحافة الفكاهية الى عصر الخديوي اسماعيل في القرن التاسع عشر حيث لمع اثنان يرجع اليهما الفضل في إنشاء الصحافة الفكاهية ومما يعقوب منوع ، وعبدالله النديم . فقد أصدر يعقوب منوع أول صحيفة فكاهية هي أبو نضارة يقول الاستاذ محمد الساكت ( 1):

صدر العدد الأول من مجلة (أبو نضارة ) في 21 ربيع أول سنة 1295_ اي في سنة 1876 بمدينة القاهرة . وكان اسمها (أبو نضارة زرقاء) وقد كتب تحت العنوان هذه العبارة "جريدة مسليات ومضحكات ". وقد كانت هذه المجلة فتحا شعبيا خطيرا، ويقول الرواة إن توزيعها كان يربو على العشرة آلاف نسخة في تلك الأيام والمتصفح لهذه المجلة يجد أن يعقوب منوع كان يستعين فيها باللغة الدارجة والصور الكاريكاتورية التي برع في تصويرها. وقد صب شواظا من انتقاداته على الخديوي اسماعيل وسياسته الخرقاء واستغلاله للفلاح المصري، ليعيش هو عيشة القرف والبذخ والسفه.وكان منوع يطلق عل الخديوي اسماعيل «شيخ البلد» أو «شيخ الحارة » ، وفي رسم من الرسوم البارعة الساخرة يبدو الخديوي اسماعيل وهو يبيع الأهرام في سبيل ملاذه وحبه للظهور.

ثم أصدر عبدالله النديم في 6يونيو سنة 1891 صحيفة "التنكيت والتبكيت " وهي صحيفة أدبية تهذيبية تناولت النقد بطريقة ساخرة وتضمنت مقالاته بها الدفاع عن الفصحى وبيان أهميتها والدعوة الى المحافظة عليها وكان يسر تحت عنوان "أيها الناطق بالضاد" ولقد استمال أسلوب الجريدة القراء وشد انتباههم وزاد الصحيفة شهرة مخاطبتها للعامة والنزول الى مستواهم الفكري.

وقد تميزت هذه الصحيفة بطابع جديد عل الصحافة المصرية وقتذاك وكان اسمها واضح الدلالة على مضمونها وغرضها وأسلوبها جميعا، كانت صحيفة للخاصة والعامة معا، تكتب لكل فئة بأسلوبها ومستوى تفكيرها، وكان أسلوب السخرية هو الغالب على تحريرها ولكنها سخرية النديم التي صارت بصمة من بصمات أدبه المميزة له في الأدب النثري والأزجال ، وليست السخرية عنده لفظا كما في السخرية القديمة التي تقوم على التورية أو التجنيس اللفظي، لكن سخويته تعتمد على موقف حيث يصور في مسرحياته وقصصه ومحاوراته ومقالاته مواقف انسانية يفيض منها حس السخرية الى حد المبالغة وهي أحيانا أقرب الى الهجاء والتعريض ، ومن ثم فقد دفع النديم ثمنا غاليا بنفيه الى يافا من بلاد فلسطين وعاد من صنفاه في بداية عهد الخديوي عباس حلمي الثاني وبالتحديد في 9مايو سنة 1892.

ولقد أقام النديم في الإسكندرية وعاد الى الصحافة فأنشأ "الأستاذ" في 23أغسطس سنة 1892 لتكون منبرا لأدبه وفكره ، فكانت كما أراد وتسابق اليه القراء اذ أنها اتفقت وأذواق العامة والخاصة بموضوعاتها الأدبية والاجتماعية وتمثل أيضا الى طريقة الفكاهة والسخرية ومن أشهر مقالاته "لو كنتم مكنا لفعلتم فعلنا" ، ولقد انتشرت الأستاذ انتشارا فاق ما كان يتوقع ولقد تغيرت رؤية النديم لبعض القضايا السياسية واتجه الى الاصلاح مفضلا الوسائل السلمية .

ولما انتشرت "الأستاذ" وغطت على أي صحيفة تابعة للاستعمار عاد النديم الى طبيعته معليا صوته ضد الانجليز فلقد تتابعت محاور الضيق والقلق على كرومر ممثل الانجليز في مصر فنسج حول النديم التهم والشائعات حتى نفي الى الخارج فاختار يافا للمرة الثانية واستقبله الناس بحرارة شديدة حيث محرفوه من المرة الأول واسع الخبرة قوي الحجة .

ومع مطلع القرن العشرين صدرت مجلات وصحف فكاهية أخذت تتكاثر شيئا فشيئا واستقطبت أقلام مشاهير الأدباء وفي مقدمتهم بيرم التونسي وحسين شفق المصري وغيرهما ممن اتخذوا الطابع الفكاهي علامة مميزة لأسلوبهم في مخاطبة القاريء.

ويمكن أن نوجز تلك التطورات التي لحقت الصحافة الفكاهية من خلال استعراض تلك الصحف على نحو ما عرضه مؤرخها.

يقول الأستاذ محمد الساكت : ومنذ أواخر القرن الماضي وأوائل هذا القرن تصدر مجلات فكاهية كثيرة مثل (حمارة منيتي) لصاحبها محمد توفيق سنة 0 190م وكانت مجلة سياسية فكاهية .

وفي سنة 1907 أصدر أحمد حافظ عوض مجلة "خيال الظل " وأدخل فيها الصور الكاريكاتورية ناقدة للحكومة والحكام ، وتتعاقب المجلات الفكاهية فتصدر مجلة (السيف ) ثم "السيف والمسامير" لتبرع فيما يطلقون عليه "القفشات " حول السياسة والحكم والمجتمع وبعض الشخصيات البارزة وقتذاك وقد أصدرها حسين علي وأحمد عباس .

وفي هذا المجال تصدر أشهر المجلات الفكاهية وهي مجلات (الكشكول ) التي ظهرت سنة 1921 لصاحبها سليمان فوزي، وقد اهتمت بالفكاهة السياسية .. وقد وقفت لحزب الوفد بالمرصاد تهاجم الزعيم سعد زغلول وتنقد سياسة الوفد بالصور الكاريكاتورية والمقالات والمقامات .

ويقول الأستاذ عبدالله أحمد عبدالله المؤرخ الفني المعروف _ "ميكي ماوس" متحدثا عن مجلات (البغبغان _ السيف _الناس _ المسامير) : "أنها كلها كان يحررها الأستاذ حسين شفيق المصري وتسعفه طاقته النادرة في الاضحاك بالقلم على تحرير 16 صفحة واسعة الجنبات أسبوعيا وأذكر أن موادها كانت تدور حول (حديث أم اسماعيل ) _ (حديث الحاج سيد) _ (القهوة البلدي) _ (المشعلقات ) وكلها أبواب كانت ناجحة في وقتها وانتقلت معه الى المطرقة حين تولى تحريرها بعد هذه الصحف الأربع بعام أو أكثر ولقد توارثنا نحن الجيل التالي له بعض هذه الأبواب حين عملنا في الصحافة الفكاهية وان كنا طورناها أسلوبا ومضمونا بما يلائم ايقاع العصر".

وفي عام 1928 أصدر الأستاذ بديع خيري مجلة فكاهية باسم ( 0 0 10 صنف ) أسبوعية من القطع المتوسط في 4) صفحة . تميزت بأبيات زجلية ثابتة ، على غلاف كل عدد، وفي عهد صدقي باشا عندما كان رئيسا للوزراء عام 1930 صدرت مجلة "المطرقة " مجلة فكاهية أسبوعية من القطع الطويل في 8أو 10أو 12 صفحة أحيانا بخمسة مليمات لسانا شعبيا لحزب الوفد المعارض ، تنشر الفكاهات والأزجال والمواد الأخرى تسخر بها من صدقي باشا وحكومته وتهلل للوفد وللنحاس باشا وكان الرأي العام يتجاوب مع هذه السياسة ويرى في المطرقة لسانه الساخر الظريف الذي يشبع رغبته في الانتقام من عهد صدقي باشا.

يقول الأستاذ عبدالله أحمد عبدالله : "وفي المطرقة تألقت أقلام الأساتذة حسين شفيق المصري ومحمد مصطفى حمام وعبدالسلام شهاب وأبوعبدة وابن الليل ، نثرا ورجلا وشعرا فكاهيا وحوارا ساخرا وبمقياس عصرها، أدت المطرقة رسالتها وفق امكانيات العصر طباعة واخراجا".

ثم أصدر محمود عزت المفتي مجلة "الراديو" عام 1934 في أربع وعشرين صفحة التي تحولت فيما بعد الى "البعكوكة " والتي كانت تطبع باسم الراديو 0 20 نسخة من كل عدد فأصبحت توزع بعد أن ذاع ميتها باسم البعكوكة 160 الف نسخة أسبوعيا وهو رقم قلما وصلت اليه صحيفة أو مجلة أسبوعية في ذلك الوقت .

ثم أصدر بيرم التونسي من صنفاه عام 1937 مجلة فكاهية باسم "الامام" ولما عاد سنة 1938 وشعر بشيء من الاستقرار بدأ يعود الى المشاركة في معظم المجلات والصحف الفكاهية ، ثم صدرت بعد ذلك مجلات أقل شهرة من البعكوكة مثل "الصرخة" و"المصيدة" و"الأيام "، ثم

"اضحك ".

غير أن المجلات الفكاهية كانت تصدر حينا وتتوقف أحيانا كثيرة ولم يعش منها – مثل البعكوكة – الا مجلة الفكاهة التي صدرت عن دار الهلال أول ديسمبر 1926 برئاسة تحرير حسين شفيق المصري.

يقول الاستاذ محمد الساكت : "وقد اشترك في تحرير هذه المجلة نخبة ممتازة من الأدباء والرسامين وحفلت صفحاتها بأبواب جديدة ناجحة على سبيل المثال باب (محكمتنا العرفية ) وتنشر فيه محاكمات مضحكة ثم باب آخر بعنوان (ما قولكم ؟) وفيه ردود طريفة على أسئلة القراء بتوقيع "المفتي" والى جانب ذلك هناك باب بعنوان (نظرات معقدة ) للنقد الاجتماعي وباب آخر بعنوان (الشعر المنثور) للنقد الأدبي.

وقد ابتدع الأستاذ حسين شفيق المصري عدة شخصيات فكاهية مرحة منها شخصية الشاويش (شعلان عبد الموجود) يكتب على لسانه محاضر تحقيق على غرار ما كان يجري في أقسام البوليس ولكن بأسلوب مرح لطيف ، وباب آخر للتعليق على الحوادث التي تنشر في الجرائد اليومية .

وظلت مجلة "الفكاهة " تصدر بانتظام حوالي ثماني سنوات الى أن ضمتها دار الهلال الى مجلة (الاثنين ) التي جمعت بين الجد والفكاهة ، والتي عاشت فترة رواج واقبال من أنجح ما عرفت الصحافة المصرية الأسبوعية.

ما أحوجنا في هذه الأيام الى صحيفة فكاهية أو مجلة – ولو شهرية – تكون متخصصة في ادخال البسمة الى وجوه الناس ، فقد أصبحت "التكشيرة " التي كنا لا نواها على وجه موظفي دواوين الحكومة نتيجة احساسهم بالعظمة والأبهة أصبحت تلك "آلتكشيرة" هي السمة الغالبة على وجوه الناس في شوارعنا، بل لا نبالغ اذا قلنا ان عددا ليس بالقليل من الناس يقابلنا أحيانا وهو ساهم الوجه "يدندن " بشفتيه ببعض الكلمات فاذا اقتربت منه وأنت تحسبه يدندن "بالاطلال " أو "هذه ليلتي" أو غيرها من أغنيات أم كلثوم الخالدة ، فوجئت به يكلم نفسه قائلا "لا _ مش ها أروح له " "لا الحساب مش كده" "أنا ها أروح فيكم اللومان "… وما شابه ذلك . وبدلا من أن يقول لك في الصباح صباح الخير ، تفاجأ به يقول لك : "صباح العلاوة الدورية " أو "يا مساء الشرعية الدولية " من كثرة ما يقرأ من دواعي الكآبة في أيامنا الحالية .

مواجع المقال .

1- محمد الساكت ، الصحافة الفكاهية في ممر ، مقال منشور بمجلة الهلال ، عدد اغسطس ، 1974.

2- عبدالله أحمد عبدالله ، الصحافة الفكاهية ، القاهرة : الهيئة المصرية العامة للكتاب 1983م .

3 – صالح جودت ، الفكاهة في الشعر المعاصر، مقال منشور بمجلة الهلال ، عدد أغسطس 1966م.
 
مصطفى رجب (أستاذ جامعي من مصر)  

شاهد أيضاً

كشبح يتحدث عن ضرورة الريجيم

كعجوزٍ يعرف أن أسنانه لا تصلح أن تكون كسَّارة جوز،  كأسدٍ فقد مخالبه فاضطر إلى …