أخبار عاجلة

تعذيب اللغة حتى تصرخ وفاة إرنست ياندل

هو أكثر المجددين في الشعر الألماني جرأة، وأغزرهم انتاجا وتنوعا، والشاعر الذي استطاع أن يحصد عشرات الجوائز الادبية المهمة في النمسا وألمانيا، وان يصل في الوقت ذاته الى جمهور عريض يحسده عليه اي شاعر طليعي، جذب شعره الناس لما يتميز به من فكاهة، ورغبة اباحية في التلاعب باللغة وكسر قواعدها الجامدة. لا عجب أن كان شعر ارنست ياندل Ernst Jandl على لسان الطلبة المتمردين على السلطة وعلى التقاليد في ألمانيا نهاية الستينات، وأن يروا في قصائده خير معبر عن رغبتهم في التجديد.

الا ان ياندل كان دائما ساخطا وغير راض، يصرخ في وجه جمهوره: "لا أريد أن أكون كما يحلو لكم": هذا هو سر الطليعي ياندل، وأيضا السبب في معاناته المرة مع مرض الاكتئاب.

لم تكن الشهرة منذ البداية حليفة ارنست ياندل الذي ولد في فيينا في الأول من أغسطس (آب) عام 1925،  فعندما كتب أولى قصائده لم يعره أحد اهتماما، حتى عندما تمكن من نشر بعض أشعاره أوائل الخمسينات في المجلة الفييناوية "طرق جديدة". ظل نكرة في عالم الشعر، وعندما تجرأ وحاول نشر ديوان له في دار نشر "زوركامب" أحدى أهم دور النشر الأدبية في ألمانيا- فقد ووجه ليس فقط بالرفض القاطع، وانما وصم بأنه شاعر بلا لغة، لأنه تعمد ان يكتب أشعاره بمفردات تقترب من لغة النثر والحياة اليومية.

مثل معظم شعراء جيله جند ياندل في جيش هتلر، خاض غمار الحرب العالمية الثانية وهو في الثامنة عشرة من عمره، فانتزع من وسط بيئته وأحلامه ليقذف به الى ساحات القتال حيث كانت الدعاية النازية تتحدث عن حب الوطن وشرف الاستشهاد، فكتب ياندل عن الاتجار بالشعارات: "يقول الأب: خذ بيدي/ تقول الام: لله والوطن"، في قصيدة أخرى عن الحرب يحاكي ياندل لغة طفل (يتحدث بالعامية) يطلب من والده أن يحدثه عما عايشه أثناء الحرب، في كلمات- مكررة يلخص ياندل حياة جندي- من التجنيد حتى الموت:

أبي تعال واحك عن المخرب

أبي تعال واحك كيف جندوك

أبي تعال واحك كيف ضربت النار

أبي تعال واحك كيف قتلوك

أبي تعال واحك عن الحرب

بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية عاد ياندل الى فيينا ليبدأ دراسته الجامعية، درس الأدب الألماني والانجليزي، وحصل عام 1950 على الدكتوراه في الأدب، ثم عمل حتى أواخر السبعينات في حقل التدريس.

نشر ياندل أول دواوينه عام 1956 تحت عنوان "عيون أخرى". في هذا الديوان بدا تأثر ياندل واضحا – شكلا ومضمونا- بالكاتب المسرحي والشاعر المشهور برتولد بريشت، رائد المسرح الملحمي، اتسمت قصائده بالبعد عن بلاغة المحسنات البديعية التشبيهات، وبالاستخدام البخيل للغة، ومحاولة تخليص لغة الشعر من الترهل والرطانة، وايضا تعمد الاخلال بالترتيب المألوف للجملة، وخرق قواعد النحو والصرف، وهو في كثير من هذا كان يسير على خطي رواد سبقوه، مثل الشاعر التعبيري أوجست شترام August stramm  الذي سقط صريعا على جبهة قتال الحرب العالمية الأولى، ويقول عنه ياندل:

هو أوجست شترام

جدا اختصر

القصيدة الألمانية

هو أوجست شترام

اختصرت حياته

الحرب العالمية الاولي

أما نحن

فلدينا وقت أطول

لنثرثر

لم يثرثر ياندل في قصائده، وانما اعتمد الاختزال أسلوبا له، وكما يتضح في قصيدة "ايكاروس" من ديوانه الاول، وايكاروس هو بطل تلك الاسطورة اليونانية الذي حاول الطيران مستخدما أجنحة ثبتها بالشمع على جسده، فلما علا فقد أجنحته وسقط في البحر، هذا الموتيف استخدمه الأدباء كثيرا للتعبير عن اقتران الهزيمة بالنصر، والنصر بالهزيمة في كثير من الأحيان، ياندل يختصر القصة في بضع كلمات لا غير:

"ايكاروس طار/ ايكاروس سقط / ايكاروس سقط / عاليا فوق الآخرين".

في عام 1954 التقى ياندل بشخصية كان لها أثر كبير في حياته شاعرا وانسانا، اذ تعرف على الشاعرة الشابة فريدريكا ماي روكر Friederika Mayroecker ، فيجد فيها توأم روحه، وتبدأ صداقة عميقة، دفعت كليهما الى الانفصال عن زوجه حتى يكملا رحلة الحياة سويا. عن طريق الشاعرة ماي روكر تعرف ياندل على "جماعة فيينا الأدبية"، وهو ما طبع قصائده بعد ذلك بسمات مذهب الدادا الرافض للثقافة البورجوازية والمدنية الحديثة عموما (كلمة "دادا" مشتقة من لغة الاطفال البريئة). مع رفيقته بدأ ياندل في التجريب اللغوي. كان السؤال الذي يعذبهما: "هل سننشر في يوم ما" وبالفعل احتاج ياندل نحو عشر سنوات الى أن طلع على الناس عام 1966 بديوان "عال وعالية"، الذي حقق له شهرة واسعة، والذي يضم كل السمات المميزة لشعر ياندل التجريبي المتأثر بحركة "الشعر المحسوس" konkrate Poesie هذا الديوان يتخذ ياندل من اللغة ذاتها موضوعا له:

بمهارة يتلاعب باللغة ويتساءل عن المعنى الحقيقي للكلمة ويكشف زيف الكلمات عن طريق تبديل بعض حروفها، ويخل بترتيب قول شائع ليبين مدى فراغه. الفارق الأساسي بين ياندل وكثير من رواد الشعر المحسوس هو الصياغة اللغوية الرشيقة الفكهة التي طبعت أعماله وأوصلتها الى الجمهور العريض الذي ظل لا يعرف شيئا عن زملائه المجربين الجادين، كمثال على ذلك نذكر قصيدة أصبحت من أشهر قصائد ياندل، وهي قصيدة تستعصي على الترجمة، إذ أنها تقوم على تبديل حرفي الـ R و الـ L داخل الكلمات، مما ينتج أصواتا تثير الابتسام – والتأمل. ياندل يقول ان هناك من يرى انه لا يمكن الخلط بين اليسار واليمين، ولكن ذلك غلط:

"هناك من يلي/ ان اليمير واليسال / لا يمكن الخرط بينهما/ يا له من غرط".

بذلك تتمهل الجملة التقريرية الى نص سياسي يدعو لاعادة النظر في تلك التصنيفات الجوفاء: يسار ويمين. الصياغة التغريبية تشد انتباه القارئ الى أكثر الأشياء عادية، ليكتشف انها غير عادية. عدد كبير من قصائد ياندل لم يكتب للعين، وانما للفم والأذن، ومن هنا أطلقوا عليها "قصائد منطوقة" أو "قصائد سمعية". مثل هذه القصائد تستحيل ترجمتها لاعتمادها أساسا على التلاعب والتداعي اللفظيين، من أشهر قصائد ياندل السمعية قصيدة بعنوان "خندق القناصة"، والكلمة بالألمانية: Schuetzengraben. هذه القصيدة المناهضة للحرب يتناول الشاعر الكلمة، وينزع عنها كل الحروف المتحركة (u,e,a) ثم يعيد ترتيب الحروف الساكنة، وينتقي حروفا ويترك أخرى على النحو التالي: t-t-t-t//nochtzngrmm tssssssssss/ sch/ grrmmmmm الخ. عند نطق هذه الحروف يستدعي ياندل صوت طلقات النار والانفجارات، وأيضا صمت القبور، هذه القصائد لاقت نجاحا فائقا عندما كان ياندل يلقيها بنفسه، أو بالاحرى عندما يملأ فمه بالكلمات ويلفظها في وجه الجمهور، ياندل أصبح ابتداء من الثمانينات نجم إلقاء يتهافت الناس على عروضه الشعرية التي تصاحبها دوما موسيقى الجاز، ويتهافتون ايضا على الاسطوانات التي سجل عليها بعض أشعاره. والقصائد السمعية قريبة بالمطبع من الفن الاذاعي، وهو ما دفع ياندل الى تأليف عدد كبير من المقطوعات الاذاعية الناجحة، أشهرها "خمسة رجال بشر" (بالاشتراك مع رفيقة ماي روكر= بثت لأول مرة عام 1968 و "حشرجة الموناليزا" (كمقابل لابتسامتها بثت عام 1970).

من ناحية أخرى كتب ياندل "قصائد بصرية" تشكيلية، مثل قصيدته المشهورة "علامة تحول"، وفيها يقسم القصيدة الى عمودين؛ في العمود الأول يكرر تحت (عام) 1944 كلمت "حرب" اثنتي عشرة مرة، وفي العمود الثاني، وتحت رقم 1945، يكرر الكلمة نفسها اربع مرات – ثم  يختتم العمود بكلمة "مايو" (ايار)، وهو الشهر الذي انتهت فيه الحرب العالمية الثانية. كلمة "مايو" في العمود الثاني تحرر القارئ من وطأة الحرب التي أضاعت ملامح الشهور والمسنين، اضافة الى هذا فان "مايو" رمز مألوف لدى الطبيعيين للربيع وتجدد الحياة.

لم يتوقف ياندل عن التجريب والتجديد، في منتصف السبعينات طلع على جمهوره بتجربة جديدة، إذ أخذ يكتب قصائده بلغة "منحطة" كتعبير عن الزمن المنحط، كما يتجلى بصورة خاصة في ديوانه "الكلب الأصفر" (1980)، أما التجربة الأخرى فهي اتجاهه في الثمانينات الى الكتابة باللهجة الفييناوية، ورغم ان ياندل قد اشتهر بالقصائد المرحة الفكهة الا أنه كان شخصا جادا جدية بالغة وكأنه اسم على مسمى (ارنست تعني بالالمانية "جاد"). في أشعاره الأخيرة تغلب النبرة اليائسة المتشائمة، وتشي بالاكتئاب العميق الذي كان يعاني منه ناظمها، النظر الى الماضي وحساب الذات بل ولومها من الموضوعات المتكررة: "بالأمس شاب أنا وغبي/ اليوم عجوز أنا وغبي/ أتعرى أمام جمهوري / وفجأة يغرقون في الصمت" أو: "اختنق مني/ رقبتي تشنق رقبتي/ عيني تطفئ عيني / قلبي يطعنني في قلبي". ربما كان يرى هذا المكتئب خلاصه في الحب الذي مجده في قصائد تبدو غاية في الكلاسيكية والرقة:

أرقد لديك، ذراعاك

تسندانني، ذراعاك

تسندان ما هو أكثر من كينونتي

ذراعاك تسندان كينونتي

عندما أرقد لديك

وتسندني ذراعاك

مساء يوم الجمعة، التاسع من يونيو (حزيران)، توفي ياندل في مسقط رأسه فيينا، عن عمر ناهز الخامسة والسبعين، مخلفا تراثا طليعيا اصبح كلاسيكيا فبي الشعر الألماني.

مختارات من شعر ياندل
أغاني رجل دهسته الاقدام

لا أستطيع رفع اليد لأداء التحية – انظر:

لا أستطيع رفع اليد لأداء التحية

مع انني أعرف العاقبة الوخيمة.

أمامي يقف الرجل بالزي الكاكي ويضرب –انظر:

أمامي يقف الرجل بالزي الكاكي ويضرب

في هذه المرة أرفع يدي – ولكن بعد فوات الأوان.

أزحف بوجه متورم أزرق – انظر بعيدا:

أزحف بوجه متورم أزرق

أمام ذابحي – إلا أنني لا أتسول.

حذاء عسكري عملاق يرقص على بطني – ساعدني:

حذاء عسكري عملاق يرقص على بطني.

التهم النيران، وأتسول أيضا.

قريبا سيسقط جوال العظام داخل المقبرة الجماعية

هيلا هوب.

قريبا سيسقط جوال العظام داخل المقبرة الجماعية.

عندئذ سأكون حيث يكون أصدقائي.
ايكاروس

طار عاليا

فوق الآخرين

هم ظلوا في الرمال
سرطانات وحبار    

طار أعلى

من أبيه الفنان

ديدالوس

الريش نتفته الشمس من أجنحته

دموع من الشمع ذرفتها أجنحته

ايكاروس طار

ايكاروس سقط

ايكاروس سقط

عاليا فوق الآخرين
الخامس

ينفتح الباب        ينفتح الباب

واحد يخرج        واحد يخرج

واحد يدخل        واحد يدخل

الرابع أنا        الثالث أنا

ينفتح الباب        ينفتح الباب

واحد يخرج        واحد يخرج

الثاني انا        التالي أنا

        ينفتح الباب

        واحد يخرج

        أنا أدخل

        صباح الخير يادكتور
   
مكتبة

الحروف كثيرة

التي لا تستطيع الفكاك من كلماتها

الكلمات كثيرة

التي لا تستطيع الفكاك من جملها

الجمل كثيرة

وعليها التراب الكثير

عاملة النظافة الطيبة

ومعها منفضة الغبار
كتابة على ظهر المقعد

لدى مقعد

على الظهر مكتوب بخط كبير ياندل

عندما لا أعرف

إن كنت، أم لم أكن

فما علي سوى أن أجلس

وانتظر حتى يأتي من خلفي

واحد يهمس لي.
 
سمير حنا جريس (صحفي ومترجم من مصر يقيم في ألمانيا)

شاهد أيضاً

في مديح حمامة القُرى

أيتها اليمامة التي على السطح لماذا أنت طير؟ *** وحين عاد السلام  قالت الحمامة: فلتغربوا …