أخبار عاجلة

تفاحة وصولجان من الأدب الألماني المعاصر(1)

(شعراء من مقاطعة ساكسونيا أنهالت
 الألمانية/مدينة هالِّه على نهر زالِه) (3)
يعيش في هالِّه، وهي أكبر مدينة في مقاطعة ساكسونيا أنهالت، حوالي ستين كاتبا معروفا، إلى جانب مجموعة من الكتاب الشباب الذين يقدر عددهم بين العشرة والعشرين. ينتج هؤلاء الكتاب كل أنواع الأدب المعروفة مثل الرواية والقصة والشعر والمقالة وكتب الأطفال. أما شعراء هالِّه فأغلبهم معروفون خارج حدود المقاطعة.
تبدو مدينة هالِّه وكأنها تملك أرضية خصبة للكتابة الأدبية. إنها بوجودها البينيّ وضياعها بين النهوض والسقوط تلهم  الشعراء قبل غيرهم للابداع. ويلاحظ المرء هنا ومنذ عام 1990 حركة أدبية مؤلفة من كتابٍ شبابٍ تشكلت إلى جانب الأسماء الأدبية المعروفة في كل ألمانيا (من أمثال فيلهيلم بارتش Wilhelm Bartsch وديتِر موكِه Dieter Mucke). يأتي معظم هؤلاء الكتاب الشباب من مدينة هالّه نفسها والباقي من محيطها القريب.
يوجد العديد من التجمعات والورش الأدبية في مدينة هالِّه، والتي لها علاقات مع تجمعات أدبية أخرى في ألمانيا وخارجها مثل ماجديبورغ ولايبزغ وساراييفو وتونس. لقد ساعدت تحولات1989 السياسية في ألمانيا مدينة هالِّه لتصبح بقعة بيضاء على الخارطة الأدبية الألمانية، وهذا ماشجع بالتالي على خلق حياة أدبية غنية ومتنوعة الأشكال. 
ومن المهم هنا ذكر الدعم الكبير الذي قدمته دار نشر «وسط ألمانيا»، والتي تعتبر من أهم دور النشر في شرق ألمانيا، حيث اتخذت من هالِّه موطناً لها، مما دعم بالتالي المدينة كمنطقةٍ تعليمية وثقافية من الطراز الأول.
هناك اتحاد حرٌ للشعراء تأسس منذ خمسة عشر عاماً، من هذا التجمع خرج معظم الكتاب المترجمين في هذه العجالة، وعبره أصبحوا مع الوقت كتاباً معروفين. من لوينا(3) القريبة من هالِّه يتحدر يورغِن يانكوفسكي والذي يعتبر من أهم مديري المشهد الأدبي ومنظميه في مقاطعة ساكسونيا أنهالت. أما شيفرات سيمونِه تريدِر فإنها تقودنا إلى تجربةٍ شعرية جميلة، إذ يبحث الشعور عن صحوته في السوبرماركت، حيث يركد الزمن.
ولابد هنا من ذكر أهم الأسماء الأدبية في مدينة هالِّه من مثل أندريه شينكِل ودانييلا دانتس وكريستينا هوبا والكلاسيكي الجديد رالف مايِر. أما أصغر أعضاء الاتحاد فهو كريستيان كرايز، الذي حصل عن باكورة أعماله على جائزة الأدباء الشباب لهذا العام، هذه الجائزة المرموقة التي تمنحها المقاطعة. إنها أرضية تمنح الأمل بالمستقبل، فليعش إذن الشعر في هالِّه!

1. أندريه شينكِل Andrè Schinkel
ولد الشاعر شينكِل في آيلِن بورغ(4) عام 1972 ويعيش في هالِّه على نهر زالِه. بعد تخرجه من مدرسة الزراعة درس هندسة البيئة وعلم الآثار ثم تابع فيما بعد دراسة تاريخ الفنّ واللغة الألمانية في فيرنِه جيرودِه(5) و هالِّه. أصدر حتى الآن أربعة عشر كتاباً، آخرها كانت مجموعته الشعرية «سرج الأسد»، الصادرة في هالِّه عام 2007. يعمل كمحرر رئيسي للمجلة الأدبية «موطنُ الأعين». حصل الكاتب على جائزة جورج قيصر(6) التشجيعية عام 1998، كما حصل في العام 2006 على جائزة يواخيم رينجِل ناتس(7) للشعراء الشباب.
التفاحة والصولجان
في حلمٍ في رانيس(8) رأيتُ:
تفاحاتِ صدركِ البرية
وهي تكرج عبر حقل النظرة،
وكيف سرى جسدك البضّ،
ذو اللون الرمادي المصفرّ-
هذا النبع الأبديّ الطراوة، الفاغم بالعطر،
لجمالٍ أرهقته الحياة بأخطائها،
والذي اقترب مني
في ضياء النهار الهارب.
طرشاء كانت
البقية الباقية من ذلك المساء.
ها أنتِ تتمطين
بطنك يرتفع وينخفض بهدوء
فيما تتأرجح سفن فخذيك
في ظلّها
أما تنفسكُ فقد كان
 تارة صعباً وأخرى سهلاً
في بريق بلورات عينيك الرطبة
ورعدها.
من الخارج كان العقيق
يتفرج عليك.
في اللاشيء
تسقط الشمس على أطراف القلعة
وكان الماء منتشياً في خزاناته النهرية
أما أنا فقد كنت مضطجعاً
أنظر كيف تشربين وتضحكين
بينما رائحة شواء اللحم تملأ المكان.
انحنيت فوقي،
في الحلم كنتِ قريبة
لدرجة لم أستطع فيها استيضاح معالمك،
وأولجتِ الصولجان بخفة ورشاقة
عبر حقل الشهوة العارمة.
على بحيرة روتا(9)
حيث أنتِ
يرفرف بشحٍّ قمر النهار
ويوشّي المويجات بقناعٍ باهت اللون
ويشطر قلبينا حتى القاع
مستحيةً تنظرين حولك وتقولين:
هذا الضوء الذي يصغي
وشجيرات العليق التي تبصبص
لم أكن أحسب حسابها
وأنا أقبلكِ في سطوع الضوء
وفي مرآة عينيك الزمردتين.
وأسألكِ بينما أنا أقبلك:
ماذا تسمعين
وأنتِ تعرفين مني
أن الريح تحمل لنا معها
لقلقة لقالق بولِن
وتعزف لكِ بقنوط
على خوخة رقبتك
حيث النمش الصيفي
يدوي مذرياً
تلك التقسيمات الرقيقة للنور
الذي وقعتُ في حبهِ منذ تلك اللحظة.  
المصنع، في الجهة المقابلة، لا ينتجُ سوى البخار:
وأنا أسألُ
هل هذا هو حبنا
أما أنت فلا تجيبين.
نحن جعلان ورديةٌ في مهب الهلاك
وأقول أنا،
وأنت لا تجيبين، فقط تقبلينني
والعطر يسقي جسدك
نازلاً إلى صلبك
خارجاً من جناحي الصدر
ساقطاً بعذوبة من مفاصل البطن .
تمرّ الريح على ماء البحيرة
وتجعد سطحه مويجات مويجات
مثل جبينك
عندما يهب عليه نسيم
 أيامنا الماضية
نحن جعلان وردية في
مهب الهلاك
ولكنك لا تسمعين كلامي
بينما أنت تقبلينني
وأنا واقعٌ فيك
في صمتك الساكسوني
في حيائك وفي نظراتك وجسدك.
تهب علينا الريح
والعليق يراقبنا
والمصنع المقابل لا ينتج
سوى البخار:
هذا هو حبنا،
أقول أنا وكأنني لا أريد
 أن أصدق نفسي،
وأنت تصمتين،
تقبلينني دون أن تنظري إليّ،
لأنك في وداعٍ مني،
في وداع من شيء تجهلينه،
شيء ينكسر في
ما سيأتي: النوم والحب.
لا قيمة للأحلام…
وأنا أقبلكِ
والمصنع الذي قبالتنا
لا ينتج غير البخار:
نحن الجعلان الوردية
في مهب الهلاك.

2. كريستينِه هوبا Christine Hoba
ولدت كريستينه هوبا في ماجديبورغ(10) عام 1961وتعيش منذ 1979 في هالّه. درست الكيمياء ثم المكتبات. أمٌّ لطفلة وتعمل الآن في إحدى المكتبات العلمية. تحمل جائزة الأدب الممنوحة من تلفزيون وسط ألمانيا MDR لعام 2002. حازت على منحة جمعية الفنون في إقليم ساكسونيا أنهالت لعام 2006 من إجل إتمام كتابة روايتها «طرف الغابة» والتي انتهت منها في تشرين الثاني 2007. للكاتبة مجموعة كبيرة من الإصدارات الأدبية منها المسرح وكتب الأطفال والمقطوعات النثرية القصيرة والشعر والرواية أيضاً.
نطاف
أصغر من الأزرار،
رؤوس عيدان كبريت،
مظلات قفز هوائية صغيرة جداً
قراضات معدنٍ باهتة اللون في أعشاش
زوارق أموات طرية وكثيرة العدد
تسافر إلى الماء، إلى الأرض،
ريح تصفر
تنقّي الحنطة من رديئها،
تسافر في ريح الخريف،
في المساءات
تسافر في برودة طويلة القامة،
لتجد الزروع
لتنبت إلى زروع،
ونقول عنها
نطافٌ طالعة،
كثير وكثير منها سافر
ومات في الطريق.
 خطواتها
سنونوات تعبر قنطرة الباب
من تحتها داخلةً وخارجة
وفي الصباحات
رائحة حلوة تأتي من المخبز
تأخذ جدتي درجات البيت صاعدة إلى عمتي
وخصلات شعرها البيضاء تطنطن بهدوء
وأنا أقفز الدرجات خلفها
بقدمي طفل صغيرتين كقدميها
أو أن قدميها تشبهان ما للملائكة
الذين ذهبت إليهم
حين ماتت – وحدها.
كان ذلك في شباط
حيث واروها الثرى
وماكان في السماء سوى طيور الغراب
ومن يومها لم أسمع هدوء خطواتها
الصاعدة درج بيتنا.
حتى جاء ذلك الليل
حين سمعت صوت ضحكتها
عرسٌ في البيت ذي الدرج
كان الضيوف يأخذون الدرج كالسنونوات
صاعدين ونازلين
ورائحة الحلو تغسلهم
بينما فرنيش الدهليز مفروش بالطحين
غبرة طحين تملأ الضوء المتوهج الخارج من النوافذ
حيث يرقص الناس بتتابع
وهي تصعد وتنزل الدرج وتلوح لي محيية
وقافزة في رقصتها الشعبية البولونية.
رحلة مسائية
هذا الوجه المدوّر جداً
هذا الذي يفترس ظلّه
ثم يتقيأ
كورونات من الرغاء
تخرج من رؤوس لا أفواه لها.
نظرة
لا من عين
مركزة علينا
كوعاء موتى مضيء
يوزع ضوءاً من الرماد
نذهب بلا أرجل
ومعنا من يرافقنا
في معاطف مكشكشة.

3. رالف مايِر Ralf Meyer
ولد رالف ماير عام 1970 في آيس ليبين(11). درس الأدب الألماني والفلسفة وعلم الاجتماع والإعلام. من بين ما أصدر حتى الآن مجموعته الشعرية «الحيطان الداخلية للبوق». وصدر له عام 2008 مجموعة «أناشيد حزن من فيدِر شتيت(12)» عن دار نشر وسط ألمانيا في هالّه. يعيش الشاعر في هالّه ويعمل في الكتابة المسرحية وأستاذاً في علوم النطق.
نواح رقم 13 من فيدِر شتيت
في الليل، قبل الثالثة بقليل
نصعد في بناطيلنا
الواقفة منذ البارحة
بانتظارنا
حين تدخلين رأسك في الثوب
تبدين في لحظة لاتتكرر
كالحيوان
وحيث أننا سنحصل على كحولٍ
في البيسترو
تشتعل أحشاؤنا في دواخلنا
ونصرخ من شدة الحماس
في تلك الساعة من الليل
كان من الأفضل أن نروي ظمأ الصرخة بالهدوء
قبل أن تبدأ الطيور بالجنون
من أن نضطجع تحت ضوء القمر مستيقظين
ومليئين بالضجيج
هذا القمر الذي يتحسس غرفتنا
بنظراته الفضية
أيتها القطة
ابقي راقدةً في مكانك
نحن سنعود حاملين لك اسماً
لم تُضع أنثى حياتها في غرفتي
أطول مما فعلتِ أنتِ
ولكنهن أهدين أنفسهن أسماءً
كما أهدوني.
المنزل
مازال يحدث معي مثل هذا،
تتحرك قطع الأثاث تاركةً الظلّ
باتجاه الزرقة المنبعثة من ورق الجدران.
تنضغط أرجل الكراسي في السجادة
وكأن شيئاً يريد تثبيت شيء آخر
ولكنه غير حازم في ذلك
فقط الضوء الشاحب لفوانيس كهرباء الشارع
يسقط عبر النوافذ
لقد امحت لمبات البيت
مثلما نتأت بذرات حبات التفاح خارجة من قشرتها
كنت أريد الخروج
فأنا لم أكن في غرفٍ اعتدتها
وأنا أقف على أرجل وأيدي
لاتتحسس إلاكِ في الذكرى
فكل شيءٍ هنا لك
أفتش عن نفسي
حتى مطلع الفجر في الغرفة
ولا أجد أحداً
فأنا مفقود هنا
مفقود تماماً.
شجرة العليق
ماذا بكيتِ
لا أحد يجدك
والآن، وحين أرفع الوريقات
يسقط علي ثلج ثرياك
وأبقى معلقاً بفمي على حلماتك
أشرب حتى الارتواء
نشيد الزوجية استغرابٌ يرضع الشفاه
ويرتاح هناك طويلاً
نحن نطرد مزاج إله الحب
وأحملك بين ذراعي
إلى بيتنا الريفي
حين تصبح الأيام غير ممتعة
لنستطيع ملء الوقت بالحديث عنها
كما نفعل دائماً
نطرد الآلهة
ونرقد إلى بعضنا
خارجين من مشاتل الورد
نستمع إلى قرع تويجاتها كالأجراس
حيث يشد آمور(13) قوسه
من دون أن يدعوه أحد لذلك.

4. سيمونِه تريدِر Simone Trieder
ولدت الكاتبة عام 1959 في كفيدلِن بورغ(14) ، تعيش الآن في مدينة هالّه وتكتب المسرحية والقصة للأطفال والشباب. أصدرت آخر مجموعاتها القصصية بعنوان «مبدئياً حبّاب» في هالّه عام 2007. كما تكتب سيمونه تريدر القصص الخاصة بالمنطقة التي تعيش فيها، حيث عملت كَ «كاتبة مدينة» في هالّه عام 2003 وكتبت كتابها «جزيرة هيدّن زيه(15) – بعيد بمقدار قربه».
أما بالنسبة للقصائد القصيرة المترجمة هنا، فإنها تحاول رسم مايدور في خاطر شخصٍ حين يقف في السوبر ماركت أمام سلعة يريد شراءها، إذ يبدو كود أو شيفرة السعر BarCodes المخطط على البضاعة عسير القراءة، رغم إمكانية فكّ هذا اللغز آلياً، بعكس خطوط وتلافيف قصص حياتنا. لقد تمت كتابة اسم المشتري أمام النصّ وكذلك اسم السلعة التي تكرّ خيط ذاكرته.
بار كودس BarCodes
إليزابِت فيركنِر
(نيفيا)
أخلع جلدي كلّ يوم
وأرميه كما أفعل بجريدة
 أنهيت قراءتها،
ولكن ليس قبل أن أقص منها
أجمل مقالاتها.
هكذا أجمع الأجمل في مقالات جلدي،
أعني ماتركه آخرون عليه.
كلمسة كفٍّ على الذراع،
أو قبلة على العنق مأخوذة بعطر طابعها
أو خصلة شعرٍ على ملعقة القهوة.
مع الوقت يقسى هذا الجلد
يتجعد ويمتلئ بالجروح،
مع الوقت تزداد صعوبة
إيجاد أجزاء جميلةٍ فيه
من أجل تدوين تاريخه.
ريتا لاوب
(مناديل ورقية قابلة لإعادة التصنيع «شكراً»)
منذ زمن وأنا أريد
رمي هذه الساكو العتيقة.
فقد تجاهلني الرجال
لأكثر من خمسة وأربعين عاماً مضت،
لذلك قلت: لقد فاتني القطار
ولا جديد في الأفق.
واليوم وفي الأمسية
كلمني أحدهم قائلاً:
ما أجملها الساكو التي ترتدين.
كريستِل شفير
(صابون حمام «كليوباترا»)
بعد أن رحل جيراني
عرفت معنى أن يكون لك جيران،
رغم أننا لم نكن نحكي مع بعضنا كثيراً
ربما: ما أشد هذا الحرّ، ومثلها من كليشيهات
ليس اكثر
كم ملأني الحسد في شهر نوفمبر الماضي
حين رأيتهم يملأون السيارة بحقائبهم
في رحلة إلى مصر
كم كان فرحي عظيماً
حين رأيتهم يعودون من مصر
ويرتعشون من البرد.
عندما كنت أسمع صراخهم يتشاجرون
أفكّر قائلة: ألا ترين؟
والآن
لا رائحة تأتي من شواء يوم الأحد
والبرادي
صباحها مثل مسائها
أخرس.
كيفِن شولتسه
(زبدة)
ماذا أشتري،
ماذا علي أن لا أشتري،
هل أبقى واقفةً،
أم أذهب؟
أين أذهب،
هل آخذ شيئاً،
هل علي الانتظار،
ولكن إلى متى،
من وماذا أنتظر؟

هل عليّ فعل شيء،
لا أعرف عنه شيئاً،
وماذا يجلب معه هذا الشيء؟
أآخذ قطعة الزبدة هذه،
آكلها يوماً ما،
ولكن مع ماذا،
أم علي أن أنظر كيف تتعفن مع الوقت؟
هل على المرء حقاً
 فعل شيء ما،
هل عليه أن لايفعل شيئا،
أن لايفكر،
أن لا يرى،
فقط أن يكون،
ولكن من أجل ماذا؟

5. كريستيان كرايز Christian Kreis
ولد كريستيان كرايز عام 1977 في بيرن بورغ(16) ويعيش اليوم في هالّه. درس السياسة وعلم الاجتماع. يدرس منذ خريف العام 2006 في معهد آداب لايبزغ. أصدر في هالّه عام 2008 ديوان شعر بعنوان «قمامة لا تتعفن». حصل على بعثة «فالتر-باور»(17) للعام 2206، كما حصل على جائزة جورج كايزر التشجيعية للعام 2008.
البلطة في غابة القصائد
(إلى ميخائيل شبيرا)(18)
كم أنتَ لاتعجبني أيها الصدق الاحتفالي
أيتها النغمة العالية التي سَخرتْ منها، ومنذ زمن بعيد، السخريةُ نفسها.
كم هي مضحكة هذه الرغبة في كتابة جملة شعرية
فقط من أجل إتمام الشكل،
أو هذا الإصرار على إضافةٍ نضعها بين قوسين.
كم هو مضحك أن يشتكي واحد مثل جيرن هاردت
من صعوبة كتابة قصيدة المقاطع الأربعة ذات الأربعة عشر بيتاً
هذا كله يمكن أن يقال فقط من أجل المزاح
إذ أن القصائد التقليدية هي الأصعب على الإطلاق.
لأن آلهة الإغريق انتهوا بالنسبة لنا،
هؤلاء الذين كانوا يوقدون في القصيدة القديمة روحاً.
فنحن لا نستطيع الإيمان بإله واحد الآن، فكيف إذا كانوا كثراً.
من يعتبر الشعر صلاةً هذه الأيام؟
لقد تأخرت محاولات الغناء هذه،
وأنت تستطيع الحفاظ على عصا قياسك القديمة للقصيدة بثبات،
أما ماذا سينفعك ذلك، فإن الآلهة نفسها لاتعرف.
زالِه
هذا الماء المزبد على السدّ،
فقاقيع كتيجان الملوك
تندفع باتجاه كالبِه(19)
وأنا أستمتع برائحة عطور
 الرغوة المنبعثة
وأستنشقها بعمق.
هذا هو تصوري عن الأنهار،
إذ عندما رأيت أن نهراً آخر
يدفع ماءه دون تيجان زبد تكلله،
زاد جمال النهر الأول كثيراً
في عينيّ.
طيارة ورقية
كانت طيارتي الورقية
كالنسر
تتمنى بالتأكيد
الطيران فوق الحقول
ولكنني لم أكن أعرف كيف
أحقق لها هذا الحلم
فأبي بقي في البيت
وبالتالي كان عليّ إبقاء طائري معلقاً
في سقف غرفة الأطفال
حيث يتدلى هناك
مشنوقاً منذ أعوام عدة
أما الآن فقد صار وقت أن أقبر طائري
قبل أن تطحن أمي جثته
بالمكنسة الكهربائية.
قصيدة غير شخصية
(إلى جونار شومان)(20)
بهذا المعنى أريد أن أبقى ذاتياً
وأستغني، ربما، عن ضميري
أنت و أنا
وأتوجه باعتدالٍ على كل حال
متمنياً أن أطرد ذاتي من القصيدة
أريد الآن أن أصل إلى أولئك
الذين نادراً ما يقرأون الشعر
والذين أشاروا عليّ
أن لا أظهر ذاتي و طبيعتي:
على القصائد أن لا تقول شيئاً إطلاقاً
أن لا تحمل شكوى روح الشاعر
على القصيدة أن تعيد علك ذاتها بغرور.
على المرء أن يكتب قصائد غير ذاتية
لا تحكي شيئاً لا عنه
ولا عن آخر غيره
ناهيك عن الكتابة
عن تضخيم الألم.

6. دانييلا دانتس Daniela Danz
ولدت الشاعرة دانييلا دانتس في آيزيناخ(21) عام 1976. تعيش اليوم في هالّه على نهر زاله. درست تاريخ الفن واللغة الألمانية في توبينغِن(22) وبراغ وبرلين وهالّه. وهي تعمل إلى جانب التعليم والكتابة في إحصاء وأرشفة الآثار الفنية.
من إصداراتها رواية «الأبراج» عام 2006، ديوان شعر «سيري مونت»(23) في العام 2004. أما مجموعتها القصصية «أراخنِه»(24) فقد صدرت عام 2002.
حصلت الكاتبة عام 2004 على منحة الصندوق الأدبي الألماني وعام 2005 على الجائزة التشجيعية للأدب في مقاطعة ساكسونيا أنهالت. كما حصلت في العام 2006 على منحة هيرمان لينتس(25).
أوفيد في كونستانتا(26)
بيوت تدوس في البحر
معلقة على مدرجات انكسار الموج
حيطانها الضعيفة
تتفرج على البحر
وتنتظر قدرها في ريب
يوماً أو بعض يوم
لتنهار راكعة على صورتها المائية.
منفى جَسور هذا المنفى
إذ لا تستطيع الانحناء على الشاطئ
ورمي هداياك في البحر: أيام جميلة من السنة
هي كلّ ماجلبته معك مما تحب
إلى مكان ليس فيه إلا سرير لشخص واحد
تشتريه مع بعض الأدوية.
عبر النوافذ الخلفية
تضغط موجات الضجيج
داخلة كضوء ضعيف
ليقتنصها مخّكَ
اتجاه البحر تغلقه البرادي
تاركة لك شقاً
ترمي من خلاله اسطوانات قصائدك
واحدة تلو أخرى.
أيقونة
وجه دانيلوس المتكدر
عندما يصبح عمل يديه
وللمرة الثالثة لا شيئاً
لا أدري بماذا علي ان أنصحه
أأقول له: اقتنِ لكَ قطةً يا دانيلو
لأنه عندما لا تملك شيئاً
لن تستطيع فقدان شيء
أقول له اشترِ لكَ بعض الفودكا
وارسم بها صليباً على جبهة بقرتك
لتعطي لك في الصباح التالي حليباً
وفي المساء حليباً
ليصبح جلدكَ أبيضَ
ولتستطيع المشي بعدها عريان في حرّ الشمس.
والأفضل أن لاتفعل شيئاً من هذا كلّه
ولتتابع حمل وجهك شرفاً للإنسان
الذي لا يملك إلا واحداً
لقد رأيتك يا دانيلو
على أيقونة في مدخل مدينة كالوش(27)
أنا أعرف أنّ لك أجنحة
وأنك مستعد للمخاطرة
بلعبة شطرنج مع الملائكة
من أجل سعادة أطفالك
عندمان يحاولون إقناعك بارتداء وجه جميل
تنتصب واقفاً وترحل في أيقونة كآبتك.
مسعدة(28)/قَسَم
وعندما تقف في هدوء المكان حيث تشعر بالهدوء أيضاً؛ عندما يتوقف التفكير ويبدأ السمع؛ عندما يتوقف السمع وتبدأ الرؤية؛ عندما يطير طائر وعندما تنزلق أنت كطائر أسود وتصرخ؛ عندما تشرع بالكلام في هذا الهواء النقيّ وتستطيع الكلام عن لاشيء، وكأن في الضوء ضوءه الأول؛ عندما تسكب ظلّك على الجرف الصخري وتقول: ظلي يبقى أما الجرف الصخري فيزول؛ عندما يكون من الأفضل والأصح أن تخاطر الآن، يمكنك أن تسمي هذه الأرض باسمها: الصحراء الباطنية. 

7. يورجِن يانكوفسكي Jürgen Jankofsky
ولد يورجن يانكوفسكي في ميرزِه بورغ(29) عام 1953 ويعيش الآن في لوينا بالقرب من مدينة هالّه. درس الكيماء ثم الموسيقا. منذ العام 2000 يقود يورجن يانكوفسكي تجمع كتاب فريدرش بودكر(30) في ساكسونيا أنهالت. وقد كرّم الشاعر بجائزة فالتر باور والكثير من المنح الأدبية الأخرى منها الكندية أيضاً. يقدم لنا يورجن يانكوفسكي، في نصوصه المترجمة هنا، رحلته إلى بلاد البوسنة والصرب والهرسك بطريقة أدبية جديدة يخلط فيها الذكرى بالتاريخ والشعر.
بلاد مجهولة: البوسنة والصرب والهرسك
يقول إيفو أندريتش عام 1920: إن البوسنة بلاد رائعة وممتعة وبكل حالاتها غير عادية، سواءً تعلق هذا بطبيعتها أو بناسها. إنها أرض الخوف والكراهية.
ساراييفو، 7 أيار (مايو) 2008
إذ تهبط الطائرة
تبرق في عيني صور أخبار الحصار
كأنها خارجة من القلب
رغم أن مايحيط بك
لم يعد يحمل أية كدمات
فكيف بالجروح
ولا ترى أحداً كان قد نفث السمّ
لاشيء أبداً
من ذلك الذي ملأ لياليّ
بالصدمات النفسية.
سراييفو، زاوية التقاء شارعي زيلينه بيريتكه/ أوبالا كولينا بانا
صورة مدينة جميلة:   
شجرات كستناء مزهرة على طرف النهر
عشاق يتغازلون على الجسر القديم
    عازف أكورديون
    شمس الربيع
    أطفال
نقاء جمال رومانسي
ونقش أراه أمامي يقول بالانكليزية: من هذا المكان وبتاريخ 28 حزيران 1914 قتل جافريلو برينسيب وريث العرش الملكي النمساوي الهنغاري فرانس فيرديناند
وفجأة تقفز إلى ذهني وشوشة ظنّي
أنني أعود وأصبح قناصاً أدور على الأسطحة
وخلف الهضاب وبين الأحراش
فأسرق حالي من كلّ هذا الحال
وأتذكر قول كارلوس فونتيس عام 1999: إن أقصر قرنٍ مرَ على الإنسانية هي السنين الفاصلة بين ساراييفو 1914 وساراييفو 1994.
بونا (31)
لا شيء يذكرك بالنبع
حيث كان الدراويش يرقصون
لا شيء يذكرك بصوديوم البوتادين(32)
رغم أن شتيفان يترجم لي كلمة بونا إلى فتنة أو عصيان
وهكذا فهمت أن عليّ بعد عودتي
أن أوضح للكيميائيين في وطني
بعض الأشياء.
قال شتيفان تونتيتس عام 1998: لقد قاموا أولاً بسلب ونهب المدينة، ثم عقدوا العزم بعد ذلك على الدفاع عنها.
ساراييفو 11 أيار (مايو) 2008
لكي تدخل إلى مقام «السبعة أخوة»
عليك أن تدفع الرسم وأن تتمنى شيئاً ما
كم هو رائع هذا
أن تحمل قطعةُ النقود ذات الماركين الألمانيين
حمامة السلام.
غير أن المقام مغلق اليوم
مقفول والباب مسدود
وأمام الباب تتسكع أشكال بشرية نصف مظلمة
قال إيفان لوفرينوفيتش عام 1999: الحقيقة أن خوفاً صنعه الناس يبدأ مع بطء مضيّ الوقت ليصبح طبيعياً، وهذه ليست فقط خبرة ساراييفو المخيفة بل هي سقوط يائس لحضارة هذا العصر.
بانجا لوكا
في الطريق إليها
داهمنا شرير عجوز مهدداً بهراوته
لتتفتح في ذاكرتي الأحكام الجائرة المسبقة
ولكن الكنيسة التي هدمت عام 1941
تلمع أمامي مرتفعة من جديد
على الطريقة الأرثوذكسية
والجامع الشهير الذي هدم عام 1993
سمعت أنه سيبنى بالتأكيد من جديد
وفي امسيتنا، كتاب من جميع أنحاء الدنيا،
في بانسكي دفور
حيث يجتمع البرلمانيون القوميون
لم تحصل الكاتبة ذات الأصل الروسي
على تصفيق أحدّ من التصفيق الذي لقيه العربيّ
أو الألماني.
قال شارلز سيميك عام 2008: طالما أسس المرء هويته القومية تقريباً فقط على كره القوميات الأخرى، سيبقى عدد البؤساء في البلقان وبشكل دائمٍ أكبر من عدد السعداء. 
الهوامش
1) أنظر الحلقة الأولى من هذه السلسلة «هسيس الورق الأصفر، من الشعر الألماني المعاصر»، الآداب العالمية،
العدد 128، دمشق خريف 2006.
2) هالّه على نهر زالِه Halle an der Saale: ثاني كبرى المدن في مقاطعة ساكسونيا أنهالت، تعتبر العاصمة الثقافية للمقاطعة، جامعتها من كبرى جامعات ألمانيا وأقدمها. تقع على نهر زالِه.
3) لوينا Leuna: مدينة صغيرة (عدد سكانها حوالي 8300)، تابعة لمقاطعة ساكسونيا أنهالت، تقع على نهر زالِه ومشهورة بالصناعات الكيميائية.
4) آيلِن بورغ Eilenburg: مدينة صغيرة واقعة في شمال غرب مقاطعة ساكسونيا بين مدينتي هالّه ولايبزغ، عدد سكانها حوالي 17 ألف نسمة.
5) فيرنِه جيرودِه Wernigerode: مدينة تاريخية في جبال الهارتز الجميلة على أقدام جبل بروكِن العالي. تابعة لمقاطعة ساكسونيا أنهالت وتسمى بالمدينة الملونة.
6) جورج كايزر Georg Kaiser : كاتب دراما ألماني عاش في ماجديبورغ حتى منتصف القرن العشرين. تمنح جائزة أدبية باسمه للأدباء الشباب المتميزين.
7) يواخيم رينجِل ناتس Joachim Ringelnatz : كاتب ألماني عاش في برلين بين 1883-1934. وهو ممثل كوميدي ورسام أيضاً.
8) رانيس Ranis: قلعة في مقاطعة تورينغِن  Thüringen الألمانية.
9) روتا Rotha : جزء من مدينة زانغِر هاوزن Sangerhausen  التابعة لمقاطعة ساكسونيا أنهالت.
10) ماجديبورغ Magdeburg: عاصمة مقاطعة ساكسونيا أنهالت، عدد سكانها حوالي حوالي 230 ألف نسمة. 
11) آيس ليبِن Eisleben : مدينة مارتِن لوتر قائد الإصلاح الديني في بدايات القرن السادس عشر. وهي من أهم المدن التاريخية والثقافية في ساكسونيا أنهالت، عدد سكانها حوالي 24 ألف نسمة.
12) فيدِر شتيت Wiederstedt: قرية واقعة على الحدود الشرقية لجبال الهارتز الجميلة. 
13) آمور  Amor: إله الحب عند الرومان القدماء
14) كفيدلِن بورغ Quedlinburg : مدينة تاريخية وثقافية هامة في مقاطعة ساكسونيا أنهالت، واقعة على السفوح الشمالية لجبال الهارتز. عدد سكانها حوالي 25 ألف نسمة. 
15) «جزيرة هيدّن زيه Hiddensee : جزيرة ألمانية في بحر البلطيق. 
16) بيرن بورغ Bernburg : مدينة في ساكسونيا أنهالت واقعة على نهر زالِه، عدد سكانها حوالي 35 ألف نسمة، مشهورة بصناعة الصودا والملح الصخري والبوتاسيومي. 
17) «فالتر-باور» Walter Bauer : كاتب ألماني عاش في ميرزه بورغ وهالّه في بدايات القرن العشرين.
18) ميخائيل شبيرا Michael Spyra: كاتب شاب من مدينة هالّه.
19) كالبِه Calbe : مدينة صغيرة واقعة في محيط العاصمة ماجديبورغ، عدد سكانها لايتجاوز 13 ألف نسمة، فيها صناعات معدنية وصناعة آلات الرفع.
20) جونار شومان Gunnar Schumann : باحث في العلوم الفلسفية وكاتب من جامعة هالّه.
21) آيزيناخ Eisenach: مدينة تقع في غرب بلاد تورينجِن الألمانية.
22) توبينغِن Tübingen : مدينة ألمانية تقع حوالي 40 كم جنوب شتوتغارت وهي مشهورة بجامعتها القديمة.
23) سيري مونت Serimunt : اسم أحد الممالك الاقطاعية من القرن الثاني عشر امتدت بين أنهار زالِه وموندِه وفونِه وإلبِه.
24) آراخنه Arachne : أحد رموز الأسطورة الإغريقية وتمثل النساجة التي تحيك الأثواب للناس، وهي التي علمت الحياكة للإلهة أثينا.
25) هيرمان لينتس Hermann Lenz : كاتب الأماني توفي عام 1998 في ميونيخ. كتب الشعر والقصة.
26) أوفيد في كونستانتا Ovid in Constanta : أوفيد شاعر روماني عاش بين عامي 43 قبل الميلاد و17 بعد الميلاد. أما كونستانتا فهي مدينة تومِس Tomis الرومانية القديمة على البحر الأسود. وقد نفي أوفيد إلى كونستانتا ولم يسمح له العودة إلى روما رغم كل ماكتب من شعر ورسائل اعتذار وحنين.  
27) كالوش Kalusch : مدينة في أوكرانيا
28) مسعدة Masada: قلعة على البحر الميت، بناها الملك هيرودِس الأكبر في نهايات القرن الأول الميلادي، حيث عسكرت فيها الحامية الرومانية. 
29) ميرزِه بورغ Merseburg : مدينة في ساكسونيا أنهالت، تقع على نهر زالِه، عدد سكانها يتجاوز41 ألف نسمة. فيها كاتدرائية رومانية مبنية على العمارة القوطية، فيها معهد عالي للعلوم التقنية ومشهورة بالصناعات الكيميائية. 
30) تجمع كتاب فريدرِش رودكر Friedrich – B deckerkreis : يتكون من اتحادات كتاب المقاطعات، مركزه الاتحادي في هانوفر. أما اسم التجمع فمأخوذ من اسم المربي الألماني فريدرش بودكر. حيث قام هذا المربي بدعوة الكتاب إلى المدارس وعقد ندوات وقراءات أدبية للتلاميذ. 
31) بونا Buna : اسم مادة كاوتشوكية تصنع في مصانع بونا الألمانية. أما في صربيا فهو اسم لمدينة على نهر اسمه أيضاً بونا.
32) صوديوم البوتادين: مادة كيماوية 
وحيـــد نـــــادر
شاعرٌ من سورية يقيم في ألمانيا

شاهد أيضاً

الميتا شعرية: مشاريع الحداثة العربية

الميتاشعرية مصطلح يشير إلى التنظير أو الوصف أو الكلام على الشعر ضمن اطار العمل الشعري …