أخبار عاجلة

تقصيات جديدة في مباحث العقل والدماغ

لم تعد آفاق البحث العلمي فى طب المستقبل تكتفي باغراءات علم الجينات المثير، بل وجدت فى حقل العقل والدماغ ميدانا اكثر اثارة ودفعا نحو البنية الاكثر تعقيدا فى الكون . لقد قطع الرواد الا وائل فى مباحث الاعصاب شوطا جرينا فى فك رموز العقل وكشف بعض اسراره التي لاتنتهى لقد توصلوا الى معرفة خصائص بعض المناطق الدماغية وكيف يعمل الدماغ ثم سلطوا اضواء معتبرة للكشف عن المواد الجوهرية التي تتحكم فى النوم والسهو وتوجه العواطف والانفعالات والالام والمسرات وغير ذلك من الاسرار والرهون التي ماتزال الغازا غير قابلة للتمحيص والحسم .
إن اعظم ما فى العقل أنه يتعقل ذاته ولكنه لايحيط بذاته ، إن العقل لايستطيع الاحاطة الكاملة بنفسه !! هذه مسألة علمية وفلسفية معقدة ، فباعتباره آلة كيميائية وكهربائية وجهازا مركزيا خارقا ومدهشا يمكن تفحص اعماله وكيف يفكر ولكن اذا نظرنا اليه باعتباره عقلا وروحا خلاقة تتجاوز حدود المكان والزمان عبر عمليات معقدة من التذكر والخيال والارادة والحدس فهذا ما لايمكن استيعابه او تبسيطه ، فالعلم ما يزال بعيدا عن مرحلة الفرص الكاملة فى رحاب العقل واسراره .
يقول العالم الكندي "يانيش فيلديو" ان الدماغ البشري مدهش ومحير الى ابعد الحدود وبسبب التعقيد الخيالي الذي يتصف به لن يستطيع ان يعقل ذاته ولكن الامل الوحيد هو قدرته على تجاوز الاخطاء واصلاح نفسه .
اضاءات أولية :
توصل العالمان "فوبل " الامريكي و"تورستون " السويدي من خلال ابحاثهما عن الدماغ ومراكز الابصار فيه الى تقديم اضاءات اولية عن عمل الدماغ ومكوناته الفاعلة ، فقد توغلا داخل القشرة الدماغية التي تشكل غابة هائلة مكونة من عشرة آلاف مليون خلية عصبية ومن خلال البحث فى مراكز الاحساس والحركة والتفكير دقق العالمان فى عمل كل خلية عصبية على حدة ثم فى عمل مجموعات الخلايا فى مراكز البصر وكيف تتمكن فى وقت سريع جدا من تحويل الاشعاع الضوئي الواصل الى العين من المرئيات الى سيالانات عصبية تنقلها المحاور العصبية التي تشكل العصب البصري الى المراكز البصرية فى الفص القفوي من الدماغ حيث تتحول هذه المرئيات الى صور واشكال مفهومة ومحسوسة ، واستطاع هذان العالمان كشف النظام الذي تقوم عليه المراكز البصرية وخلاياها وقدرتها الخارقة على التعبير عن المرئيات والمشاهدات وتحويلها الى موضوعات منطقية يدركها العقل ويربط بينها من خلال منطقة صغيرة جدا من الحقل البصري.
ثم جاء العالم الامريكي "روجر سبيري" واثبت بالبحث أن كل نصف من الدماغ متخصص فى أعمال معينة وانه لاصحة للتصور القديم القائل بتفوق النصف الايمن من الدماغ وهيمنته عليه، بل كل منهما يقوم بدوره المخصص رغم اداء النصفين لاعمال مختلفة كليا فى ضرب من التعاون والتكامل من اجل السيطرة على جميع الانشطة الفكرية والجسدية والنفسية .
أوضحت اعمال "سبيرى" ان النصف الايسر من الدماغ متخصص بعمليات الادراك والتحليل والاتصال وخاصة عملية الكلام التي تعتبر اهم وظيفة انسانية ، اما النصف الايمن فيقوم بدور العمليات الحساسة والدقيقة مثل التمييز بين الاشكال وتذوق الفنون الابداعية والاحساس بالجمال وغير ذلك من الوظائف الحساسة الرائقة .
توصل العلماء قبل ذلك الى تحديد العلاقة المعقدة بين عملية الابصار وتحويل المشاهد الى افكار، وقد وجدوا أن الشبكية وهى لوح حساس جدا تنطبع عليه الصور ويتكون من ثلاثة ملايين مخروط بصري فى ورقة سمكها كسمك ورق السيجارة مكونة من عشر طبقات تحتوي على ما يقارب ثلاثين مليون عود بصري مهمتها الاساسية تحويل الضوء الى مادة كيميائية تسري فى المخ وتصل الى أخر منطقة فيه تسلمها بدورها الى الجزء الخاص بعملية الابصار الذي يتولى عملية الترجمة والتحويل من مادة كيميائية الى معان وافكار، اما فهم ذلك واستيعابه فيتم فى وقت قصير جدا اذ يتعين على المخ ان يدقق فى الافكار والمشاهد ويقارن بينها ليعرف طبيعة الصور وعلائقها كأن يميز بين صورة صديق وعدو او يتذكر صورة الشخص من خلال الملفات التي يختزن فيها ملايين الاسماء والصور والعناوين كأن يتذكر مثلا ان هذه الصورة رآها منذ مدة معينة وان هذه الرائحة شمها فى المكان الفلاني لما كان معه شخص معين يذكره بالتاريخ والوقائع ..
ان قضية الفهم والاستيعاب رغم سرعتها وتعقيدها ترتبط ايضا بأنشطة اعصاب الدماغ وقدرتها على تزويدنا بالانفعالات المختلفة كالسرور والحزن والالم والندم .
لقد كشفت الدراسات ان هذه الانشطة محكومة بعمل الذرات الكهربائية التي ترسل مواد قادمة عن طريق الخلايا التي تحول الطاقة الكيميائية الى طاقة كهربائية تشحن بها نفسها واذا اثيرت بأي مؤثر تفرغ شحنتها وتنطلق منها نبضات كهربائية خفيفة ترسلها الى جاراتها او ترد بها على رسالة قادمة من جزء ما من الجسم فى وقت سريع جدا، ثم تعيد شحن نفسها لاستعمال هذا المخزون وقت الطلب والحاجة ، وهذا الميكانيزم المذهل يشير الى اسرار عظيمة فى كيفية احتفاظ الخلايا بالمعلومات عن طريق التعلم التجريبي واسترجاعها فى وقت الحاجة ايضا.
ان الدماغ البشرى الذي لا يتجاوز وزنه ثلاثة ارطال عند البالغين يحتوى على حوالي مائة بليون خلية عصبية كل واحدة منها ترسل حوالي الف شعيرة دقيقة جدا الى الخلايا الاخرى تتلامس وتتصل ببعضها وهذه الخلايا متشابهة جدا من حيث الشكل ولكنها مختلفة من حيث المضمون والاختصاص ، فهنأك تخصص رهيب فى مناطق المخ المختلفة وتجدد مستمر فى الاعمال والوظائف والموت والحياة ايضا وقد كان يظن سابقا-حسب ما قررته كتب الجراحة القديمة – ان الطفل يولد مكتمل المخ ، وان بالمخ عددا ثابتا ومحددا من الخلايا تبدأ فى الموت بالتدريج مع بلوغ سن الخمسين ، وكان هذا يعنى ان خلايا المخ نمير قادرة عل صيانة نفسها وتجديد خلاياها ولكن بعض النتائج اثبتت ان خلايا المخ تتجدد شأنها شأن كل خلايا الجسم ، وقد لاحظ العالم الامريكي " نوتن" بجامعة روكفلر ان خلايا لحاء القشرة الخارجية لمخ الطيور تنمو وتتبدل كل سنة وبذلك تتعلم ان ما جديدة تشدو بها فوق الاغصان .
انعاش مباحث الفلسفة :
لقد اسهمت الحركة العلمية الخاصة بالبحث فى اسرار الدماغ والعقل فى انعاش مباحث الفكر الفلسفي وتوجيه قضاياه فقد اخذت حدة الجدل تتصاعد حول ما اذا كان العقل يعنى شيئا آخر غير المخ ، وقد كان العالم الامريكي "بنفيلد" اول من بشر بهذا الافق من التمييز من خلال العمليات الجراحية التي قام بها على ادمغة ما يربو على الف مريض فى حالة الوعى والتي نشر آثارها الكاملة فى كتابه المثير " غرائب العقل ".
اكتشف "بنفيلد" بمحض الصدفة ان تنبيه مناطق معينة فى الدماغ بالكهرباء يحدث استرجاعا فجائيا للذاكرة عند المريض الواعى فأخذته الدهشة وكرر التجارب عدة مرات ، وعندما لامس الالكترود "آلة الكهرباء" قشرة مخ شاب تذكر بسرعة انه عندما كان صغيرا شاهد لعبة البيسبول فى مدينة صغيرة وانه راقب ولدا صفيرا يزحف تحت السياج ليلحق بجمهور المتفرجين .
استنتج "بنفيلد" من خلال عشرات التجارب أن آلية الكلام ليست متماثلة مع العقل وان كانت موجهة منه ، فالكلمات هي ادوات تعبير عن الافكار ولكنها ليست الأفكار ذاتها، وان عمل العقل ليس آليا، يقول فى كتابه غرائب العقل أدان عقل المريض الذي يراقب الموقف بمثل هذه العزلة والطريقة النقدية لابد من ان يكون شيئا أخر يختلف كليا عن فعل الاعصاب اللاإرادي ومع ان مضمون الوعى يتوقف الى حد كبير على النشاط العصبي فالادراك نفسه لا يتوقف على ذلك ".
وباستخدام اساليب المراقبة استطاع " بنفيلد " ان يرسم خريطة كاملة تبين مناطق الدماغ المسؤولة عن النطق والحركة وجميع الحواس غير انه لم يكن فى المستطاع تحديد موقع العقل او الارادة في اي جزء من الدماغ ، فالدماغ هو مقر الاحساس والذاكرة والعواطف والقدرة على الحركة ولكنه ليس مقر العقل أو الارادة فواضح اذن ان العقل البشرى والارادة البشرية ليس لهما اعضاء جسدية .
ومن العجيب ان "بنفيلد" ادخل مفهوم الروح الى العلم عندما قرر انه "اقرب الى المنطق ان نقول ان العقل ربما كان جوهرا متميزا ومختلفا عن الجسم ".
ومن دواعي السخرية ان "بنفيلد" بدأ تجاربه بهدف اثبات العكس تماما فقد ذكر انه طوال حياته العلمية سعى جاهدا كغيره من العلماء الى اثبات ان الدماغ يفسر العقل غير ان الادلة حملته على الاقرار بأن العقل البشرى والارادة البشرية حقيقتان غير ماديتين ويقول فى النهاية … "ياله من امر مثير ان نكتشف ان العالم يستطيع بدوره ان يؤمن عن حق بوجود الروح ".
وقد اثرت هذه الابحاث فى حركة علم النفس الحديث وغيرت من انشطته المختلفة فقد اصبحت مباحث الاحاسيس والمشاعر والافكار ينظر اليها بوصفها عوامل ذات اهمية كبيرة فى وظيفة الدماغ وعمل السلوك ولم تعد تعامل بوصفها جوانب ثانوية او غير موجودة .
وحتى فى ميدان الفيزياء احتل مدلول الروح مكانا معتبرا فى مباحثها الى درجة الحديث عن مساهمة مباشرة لها فى الظواهر الملاحظة .
يحدد العالم الفرنسي " شارون " فى بحثه عن "الالكترون الروحي" ثلاث خصائص فى تحديد معنى الروح ، فهي اولا واعية بذاتها فمادام الانسان يفكر فهو قادر على ان يتصور ذاته كموضوع يفكر وهذا هو ما يميز بجلاء بنية مزودة بروح عن كائن الى كالحاسب الالكتروني ولكي يمتلك الانسان وعيا بأنه موجود فانه يتعين الا يكون فقط موضوعا ضمن موضوعات العالم بل ان يستطيع ان يكون فى نفس الوقت ذاتا متميزة عن عالم المادة .
ومن ناحية ثانية فإن الروح سيال متصل وتلقائي من الفكر يستحيل ايقافه ومن ثام فان الفكر يشبه كثيرا الزمن فى جريانه .
ومن ناحية ثالثة فإن الروح حرة وقادرة على المبادرة والاختيار.
على ان مفهوم الروح ذاته يحتاج الى توضيح فهو يشير الى عدة معان تنتمي الى عائلة دلالية واحدة فهي تعني الفكر والعقل والروح والنفس ولكنها تلتقي كلها فى الاشارة الى ما يجاوز المادة ، واقحامها في مجالات البحث العلمي يكشف عن المساهمة الكبرى التي فتحتها مباحث العقل والدماغ فى اثراء الجدل الفلسفي المثير الذي ما انفك على الايام يقتحم مجالات عميقة من التأمل والغوص فى اعماق الفكر الانساني.
الذكاء والذاكرة :
عندما نشاهد شخصا يمارس لعبة فكرية نعتقد ان مخه يبذل قدرا كبيرا من الجهد ولكن الحقيقة ان المخ لا يبذل هذا الجهد مقارنة بما كان يبذله عند الممارسة الأولى وكلما قل المقدار المبذول دل على ارتفاع مستوى الذكاء!!
ان هذا القول ملىء بالنتائج فهو يؤكد ان الذكاء مرتبط بالكفاءة اي الكفاءة العصبية .فالمخ الذكى يمكن ان يؤدى نفس العمل بجهد اقل لانه يستخدم عددا اقل من الخلايا والدوائر الكهربائية وعلى العكس فإن المخ الاقل ذكاء يستعمل عددا اكبر، وهذا يعنى فى النهاية ان الذكاء ليس مرتبطا بالمجهود بل بالكفاءة وانه يعنى ان يتعلم المخ ما الذي عليه الا يستخدم من المناطق العصبية ، وكما أننا نخطى، عندما نربط بين حجم الدماغ والذكاء ونخطىء ايضا عندما نقرر ان الانسان الذكى قوى الذاكرة فان الحقيقة ان هذا الثلاثي ليس مرتبطا ببعضه بعضا، وان ما كان يزعمه علم النفس من انه يلزم للكلمات ان ينطقها العقل حتى يمنحها المخ معنى تراءت اليوم بعيدة الصدق فالاكتشافات الجديدة نفت الاسس التي يبنى عليها علماء النفس تأكيدهم بأن المخ يتعامل مع اللغة على طريقة مباراة كرة القدم ، فالعلماء المدرسيون تصوروا اننا لكي ننطق بصوت مسموع كلمة مكتوبة يلزم لها ان تمر من المنطقة المخية البصرية التي رأتها الى المنطقة التي تحت شفرتها ثم تذهب بعد ذلك الى الفص الامامي الذي يحولها الى كلمة منطوقة والمفاجأة فى المباحث الجديدة اننا حين نرى كلمة وننطق بها لاتعر اطلاقا بالمنطقة السمعية بالمخ كما يقول العالم الامريكي " ريشل " والواقع ان المنطقة السمعية بالمخ لاتنشط عندما نتكلم وكما يقول هذا العالم : " فأنت لاتنصت لما تقول بنفس الطريقة التي تسمع بها ما يقوله الآخرون ".
اكتشف العلماء ان جزئيات المعرفة متناثرة داخل المخ وان مناطق مختلفة من الدماغ يختلف موقعها من شخص لأخر هي المسؤولة عن تجمع تلك المعرفة المتناثرة ويبدو ان عملية التذكر مرتبطة بالقدرة على التجميع والتحكم فى المعلومات فجزئيات المعرفة تظل موجودة ولكن قوة الذاكرة مرتبطة لدى الانسان بقدرة المخ على التجميع والربط بين تلك الموجودات الجزئية .
وقد يكون التدريب على الحفظ -حفظ النصوص منذ الصغر – يشكل قوة فى الكفاءة تجعل المخ يسلم الزمام لاجزاء محدودة لكي تقوم بهذه العملية فتصبح مع مرور الايام عملا ميسورا وبذلك يتعود الانسان ، على الحفظ السريع اكثر من غيره .
ويبدو ان الدماغ عندما يستنفد معظم طاقاته فى الاشراف على اعمال مختلفة يبدد الكثير من قدراته عل الادراك والتفكير فينخفض مستوى الذكاء وهذا وأضح في أصحاب الأجسام الكبيرة وخاصة في الحيوان ، هناك نظرية الآن يطلق عليها اسم التقوية الطويلة الأمد يعتبرها العلماء اساس العمل الفيزيائي للذاكرة وترى هذه النظرية أن التغيرات في الفجوات التي تتصل من خلالها الخلايا العصبية هي التي تؤثر في تركيب الذاكرة والمخ حسب هذه النظرية يكيف نفسه لعملية الحفظ او التذكر.
ويبدو ان الذاكرة نفسها تهمل الاحداث اذا لم تكن هناك رغبة ملحة فى حفظها ولكن هذا الاهمال لايعنى الضياع وانما تبقى المعلومات محزونة فى تلافيف المخ ويصعب استرجاعها.
لماذا ينسى الانسان المعلومات ؟ هناك نظريتان حول هذه المسألة تقول الأولى : إن مكونات الذاكرة تضمحل وتختفي بالتدريج مع الايام تماما كما يختفى الحبر بعد تعريضه المتواصل لضوء الشمس ، وتقول الثانية : ان التعلم والحفظ الجديد يؤدى الى التداخل مع الذاكرة القديمة واختفاء القديمة تدريجيا اي هناك تدافع بينهما يؤدى الى الازاحة المطردة تماما كما يحدث فى انزياح البيانات من شاشة الكمبيوتر.
ومن المؤكد ان التدرب على القيام بعمل ما مثل الطباعة او السياقة يتعلق بالجانب العمل فى المخ بحيث تخرج من دائرة البيانات والمعلومات المحزونة لتحتل حيزا مهما فى الذاكرة تجعل منها وظيفة ثانية مثل التمييز بين الروائح والالوان فكأن المهارات التي يتعلمها المخ مع التدرج الن منى تظل ثابتة على الدوام فى منطقة معينة لايمكن ان تؤثر فيها الاعوام والاحداث وربما يرجع ذلك الى صلتها بحفظ الحياة ذاتها، وقد قسم العلماء الذاكرة الى ثلاثة اقسام هي:
الذاكرة الحسية التي تحفظ ما يصل الى المخ هن صور وروائح واصوات ومناظر بصورة تراكمية بحيث لا تزيح ما بعدها ولاتنمحى عند وصول غيرها، ثم الذاكرة قصيرة المدى التي تكتفي بتسجيل الوقائع اليومية واستيعابها ثم تستبدلها فورا بما يأتي بعدها فهي تقوم بعمل تصنيفي وتجديدي معا حيث تحفظ المعلومات لفترة دقائق ثم تستبدلها بما يأتي بعدها ومثال ذلك قراءة فقرة من نص فهي تظل محزونة لاستعمالها فى الربط والتحليل لفهم البداية والنهاية فاذا انتقلنا ال فقرة ثانية حذفت الأولى وحفظت الثانية للقيام بنفس العملية ، ثم الذاكرة البعيدة الامد التي تخزن معظم الاحداث والمراحل المهمة التي واكبت حياة الفرد من افراح واتراح ومناسبات واسماء وعناوين مثل التذكر الدائم للاسم والعنوان والمكان وتعلم الكلام وغيرها من الوظائف الحياتية والانسانية ، وهذا يعنى بالتأكيد ان الذاكرة تنمو بالتكرار والدوام ، على ان التعقيد الاكبر يكمن فى الترابط المستمر بين الذاكرة قصيرة المدى والطويلة فالثانية تأخذ من الأولى ما تراه ضروريا للتواصل وتحذف ما تراه غير ذى قيمة فى حياة الشخص العادية ، وفى بعض الحالات وهى من غرائب العقل انه يسلم زمام الامر كله فى لحظات معينة الى قوة غير معلومة تظل مسيطرة على عمل الفكر والتوجيه بينما يخلد هو للراحة ويظهر ذلك على سبيل المثال فى حالات السهو او الغياب التي تحدث للمرء وهو يسوق سيارة او يقرأ كتابا وقد وجد ان تلك اللحظات التي يرتخى فيها العقل يكون التوجيه فيها سديدا الى ابعد الحدود ويحار المرء في فهم نفسه كيف انه قاد السيارة فى الشارع المزدحم ولم يكن منتبها لما يجرى حوله!! فماذا حدث ؟ الذي حدث ان الحل اراد ان يسترخى فأسلم زمام المبادرة الى قوة باطنية فيه هي ادق اداء واحكم تصرفا!!
ان هذه الاستراحة العقلية تفسر لنا ان ميكانيزمات التوجيه والعمل فى المخ البشرى تحتاج الى الراحة والنوم ، ولكن النوم كلمة غامضة جدا لان العقل لايناع !! ولذلك لابد من القول بأن نوم العقل او راحته من العودة الى ذاته اي انه يحتاج ال فترة زمنية تنفلق عنه الصور والمشاهد المفروضة عليا فرضا عن طريق الحواس فينسحب هو الى عالمه الخاص يرتبا كيفما اراد، ولذلك فان حرمان العقل من النوم يفقده مقدارا معتبرا من الكفاءة ويعرضه الى ايقاعات نفسية متداخلة مثل الهوس والغضب وعدم التناسق فى جميع وظائف الجسم .
الفراشات الخفية وسر الحياة العقلية :
اعتقد الفيلسوف الفرنسي "رينيا ديكارت " ان العقل كيان مستقل عن الجسد يعبر عن وجوده من خلال الغدة الصنوبرية ورغم خطأ هذا الاعتقاد بخصوص الغدة الصنوبرية إلا ان الطرح الذي اثاره حول علاقة العقل بالدماغ مايزال يحرك دوائر الجدل والحوار بين العلماء والفلاسفة على حد سواء فاذا كان العقل غير عادى فكيف يؤثر فى الدماغ المادي؟ واذا كان ذد بنية مادية فكيف ينتج فكرا وارادة غير ماديتين ؟
الحقيقة ان ديكارت وغيره من الفلاسفة او العلماء لم يكونوا يعلمون الى وقت قريب ان الجينات والخبرة تقوم جنبا الى جنب بصيانة اعمال المقل وبناء وظائفه المختلفة .
على ان التقصى الفلسفي لايفيد فى مثل هذه المباحث اذا لم ينشأ عن تجريب علمي مكتمل، فالعقل نفسه يحتاج الى تعريف دقيق غير المتعارف عليه، فهو اولا مجموعة من العمليات الفكرية المعقدة وهو ثانيا ميكانيزمات عصبية فائقة، وقد اكتشف ان الفعاليات العقلية تتعلق اساسا بأنماط متعددة من الدفعات العصبية فى الدماغ، ولفهم ذلك لابد من دراسة كيفية عمل الخلايا العصبية وعلائقها فى التواصل والتخاطب وكيفية التأثر ايضا بالخبرة والتعلم .
ان الفهم الشامل لمثل هذه المباحث لامر بعيد المنال على غير المتخصص ولكن مقتضيات تبسيط العلوم والتجارب العلمية تدعو الى متابعة مثيرة لما يتعلق بأشرف اعضاء الانسان الا وهو العقل فضلا عن التقصى الفلسفي الذي تتطلع اليه العقول لتبني على ضوء النتائج العلمية نظريات واطروحات جلية ورشيدة .
ان اول المسائل التي تستحق الالتفات هي التحديد الواضح للظواهر العقلية التي تحتاج الى تفسير، وقد بدأت تتكشف في هذه السنوات بعض الروابط المهمة بين الخصائص العقلية وانماط الدفعات العصبية التي تسطع وتخبو فى مناطق مختلفة داخل الدماغ .
ان ابرز معالم الدماغ البشرى يتجلى فى نصفى الكرة المخية الكبيرين والمتناظرين ظاهريا واللذ ين يتربعان فوق اللب المركزي المتمادى باتجاه الاسفل نحو النخاع الشوكي وتكسو نصفى الكرة المخية المجعدين قشرة صفائحية غنية جدا بالخلايا سمكها ملليمتران ، ويفترض بعض العلماء ان معظم الفعاليات العقلية ترتكز فى مناطق وساحات محددة من تلك القشرة ولكن هذا التبسيط الاحتمال غير مقنع لان العقل يتجاوز تلك الفعا ليات ليشمل ما هو اكبر مثل الوعى والشعور بالذات والادراك والرغبات والتعلم .
ان خلايا الدماغ تتألف من اكثر من الف مليار خلية عصبية يتصل نحو مائة بليون منها بشبكات متنوعة تبعث الذكاء والابداع والعواطف والوعى والذاكرة ، وهذا التنوع العجيب فى عمل الخلايا حير العلماء وخير من عبر عن هذا الاعجاب العالم
الاسباني "كاجال " الذي يعد مؤسس علم البيولوجية العصبية حيث وصف الخلايا بانها الفراشات الخفية للروح التي يمكن لضربات اجنحتها يوما ما ان تجلو سر الحياة العقلية .
ومن المسائل الاخرى المتعلقة بوظائف الخلايا قدرتها الفائقة على الترتيب والتجميع ، وقد تبين ان هذه الوظائف تتحدد منذ الشهور الأولى من تكون الجنين ، كما بينت المعطيات التشريحية والسلوكية عدم تماثل دماغي الذكر والانثى ولكن السؤال المحير يظل متعلقا بمكان تجميع البيانات المختلفة التي يقلقاها المخ ، ويوحد بينها او يوزعها فى حالات أخرى فلاعب كرة المضرب – كما لاحظ العالم العربي سمير زكى – تأخذه الدهشة والحيرة اذا علم ان كلا من حركة الكرة وشكلها ولونها صفات تتم معالجتها فى مراكز ابصارية مختلفة من القشرة المخية!!
يقوم الدماغ اضافة الى التخزين والجمع بين المعلومات المختلفة بتصنيفها واستعمالها على نحو يمكنه من اعادة تنشيط الاحداث والمفاهيم واسترجاعها حسب الظروف والحاجات وعلى سبيل المثال اذا ذكرت كلمة "قهوة " يعيد الدماغ بعث الا حساسات والحركات والتمثيلات البصرية واللمسية لشكل فنجان القوة ولونه وسخونته اضافة الى رائحة القهوة والمسار الذي تسلكه اليد فى تناول الفنجان من الطاولة ورفعه الى الفم ، وهذا التمثل الشامل يتم فى سرعة فائقة ويعاد بثه وتمثيله فى مناطق من الدماغ منفصلة ولكن اعادة التركيب لتلك الاعمال تحدث في آن واحد تقريبا.
ان معظم الدراسات العلمية التي تناولت ابحاث الدماغ والخلايا العصبية تقوم اساسا على الجانب الوصفي من خلال الكشف عن كيفيات عمل الدماغ واسرار تركيبه وص الى الآن لم تنفذ الى القضايا الجوهرية التي تحرك الفكر الفلسفي حول فهم الوعى والارادة والاستبصار، ويبدو ان مثل هذه القضايا ستظل على الدوام بعيدة عن التمحيص التجريبي، ولكن يكفى هذه المباحث ان تسلط الضوء اللامع على مجموع الفعا ليات التي تشكها مناطق الدماغ على امل الوصول الى بعض اسرار اكثر الظواهر العصبية روعة على الاطلاق والذي ينبثق عن تلك الفعاليات الموصوفة الا وهو العقل .
المراجع
1- طب المستقبل : رسالة اليونيسكو، عدد مارس 1993.
2 – الالكترون الروحي: العلم والمستقبل ، عدد فبراير 1993.
3- الانسان العصبي لجان بيأر شانجو، باريس فايار 1986.
4- رسم خريطة ا لمخ : نيوزويك ، ابريل 1992 ترجمة عاطف احمد "مجلة الثقافة العالمية ص 151".
5- التعلم فى الكبر: اياد احمد ددمجلة العالم مايو 1994"
6- مجلة العلوم : عدد خاص "العقل والدماغ " مايو 1994
7- انهم يزرعون خلايا المخ : محمد نبهان سويلم "مجلة العربي فبراير 1998 "
8- مسألة الدماغ "مجلة العلم والحياة : عدد مارس 1994"
9- العلم فى منظوره الجديد: سلسلة عالم المعرفة ، ترجمة كمال خلايلي .
 
محمد حسن بدر الدين : كاتب من تونس يعمل بعمان.

شاهد أيضاً

نصوص

البيوت التي كنا نقصدها خلال طفولتي كانت نوعين: أماكن زيارات مرتبطة بصداقات اختارتها أمي طوعاً، …