أخبار عاجلة

تقنيات السرد النسوي المعاصر فـي الإمارات

تتنوع تقنيات السرد النسوي ( اللغة، الموضوعات، الشخصيات، الفضاء الزمكاني، سمات الساردة، رؤية الكاتبة …) عند المبدعات المعاصرات في دولة الإمارات تبعا لتنوع أجناس الأعمال الفكرية، التي يمارسن الكتابة فيها ( الرواية، القصة، الشعر، الأسطورة، الحكاية، المقالة، المسرح…) .إنهن يوظفن خصائص جمالية، وفكرية، وتداولية pragmaticsمتفاوتة لإبراز قدراتهن الإبداعية .
مراحل وسمات السرديات النسوية في الإمارات :
راجت تقنيات السرد النسوي، المتنوع الأجناس في الإمارات إبان ثمانينيات القرن المنصرم، حيث تدرجت عبر مراحل متعاقبة على مستوى الموضوعات، والسمات :
1 – تقنيات سرد الصحراء، والماء .
2_ تقنيات سرد المدينة المعاصرة، والحداثة .
3_ تقنيات سرد الذات الفردية، والهوية الإماراتية .
4_تقنيات سرد الموضوعات التاريخية، والتراثية، والاجتماعية، والواقعية .
5 _ تقنيات سرد الصراعات، والتحديات، ومثاقفة الآخر .
لقد سعت هذه التقنيات السردية إلى معالجة قضايا المجتمع المحلي، والظلم، والتسلط، والبحث عن الآخر، وبوح الذات والجسد عند المرأة، ومواجهة الرجل، وهو ما جعلها تشكل خطابا فكريا، نسويا، متميزا استفاد كثيرا من تقنيات السرد الغربي، التي اشتهرت في مرحلة الحداثة، وما بعد الحداثة، مثلما نجد عند لاكان ودريدا، وغيرهما .
تتميز تقنيات السرد النسوي المعاصر في الإمارات بسيطرة السمات التالية :
أ_ اللغة والحوارات السردية، المتنوعة المستويات ( عربي/ نبطي )، والمتعددة الأصواتpolyphony، أو المتسمة بالذاتية، والغنائيةlyricالمسيطرة.
ب _ الشخصيات النسوية، والأحداث المختلفة.
ت _ الفضاء الزمكاني: تاريخه، أقسامه، حدوده الجغرافية، غطاؤه النباتي…
ث _ الدوافع البيولوجية الخاصة، التي تكرس لمواجهة الرجل، وتجسيد الاختلاف عنه إبداعيا …
ح _ (( الثقافة النسوية ))، التي أثرت في نهضة البلاد، وطرحت عدة قضايا تتعلق بها ( التعليم، العمل، الحرية،التخلف، الزواج المبكر، العنف، الطلاق، الخيانة، الاغتصاب، الحب …).
انتشرت عدة أجناس سردية، نسوية، معاصرة على يد مجموعة من المبدعات المتميزات كأسماء الزرعوني، وأمل محمد، وأمينة بوشهاب، وأمينة خميس، وأمينة عبدالله، وأمينات سالم، وباسمة يونس، وبشاير المقبل، وبشرى عبدالله، وجميلة الرويحي، وجويرية الخاجة، وحصة الكعبي، وريا مهنا، وريم الكمالي، وسارة النواف، وشيخة الجابري، وشيخة الناخي، وشيخة المطيري، وسعادالمطيري، وسعاد العريمي، وسلمىمطر،وصالحةخليفة،وصالحة عبيد، وصالحة غابش، وظبية خميس، وعلياءالجوهر،وعلياءسالمين، وفاطمة البريكي، وفاطمة المزروعي، وفاطمة الهديدي، وفاطمة محمد، وفتاة دبي، وفتحية النمر، ومريم بوشهاب، ومريم الشريف، ومريم جمعة فرج، ومريم خلفان، ومطلع الشمس، وعائشة البوسميط، وعائشة الحداد، وعائشة الخميري، وعائشة الزعابي، وعائشة العاجل، وعائشة الكعبي، وعائشة محمد، ومنى المدني، وميرة القاسم، وميسون القاسمي، وكلثم عبد الله سالم، وكلثم عمر، ومطلع الشمس، ونجلاء العبدولي، ونجوم الغانم، والهنوف محمد، ووصال معتوق، وغيرهن …
تقنيات السرد النسوي في الرواية:
لقد عالجت الأعمال الروائية، النسوية، الرائدة واقع الحياة الثقافية، والاجتماعية، والاقتصادية، والسياسية في الإمارات، وانتقلت من القديم إلى الحديث، ومن الاحتجاج إلى التمرد على بعض العادات العقيمة، كما أنها طرحت مشكلات الطبقة البورجوازية المعاصرة، والتغيير الحاصل عند اكتشاف النفط، ووازنت بين قيم القرية والمدينة، مستغلةفي ذلك تقنيات متنوعة لتحديدالفضاءاتالمختلفة ( التراثية،الفكرية،التقنية،الحداثية …)، وهو ما جعلها تتجاوز بعض أطاريح الشعر الفصيح، والنبطي، التي لم توفق في تقديم (( مشروع )) حضاري، إصلاحي، واستشرافي لمباهاة الأمم الأخرى في هذا المجال.
تبرز لنا تقنيات السرد، النسوي، الروائي حضور بعض القيم،والتأثيرات العالمية، والتوجهات الخاصة، التي تعانق:
1 _ المسكوت عنه.
2 _ تيار الوعي .
3 _ الارتداد .
4 _ الاستباق .
5 _ كسر وتيرة الزمن …
لذلك فإن الأعمال الروائية النسوية قد سعت إلى تجديد ((الذاكرة العربية))، ومسايرة المدنية المعاصرة، وضمان استمرار مشاريعها، وتنويع المشهد الثقافي الإقليمي، والتنوير، والنهضة، والاستشراف( 1 )…
ساعدت أصالة، ووضوح تقنيات السرد النسوي على ترويج الإنتاجات الأدبية، والفنية بكل سماتها الروحية، والمادية، والفكرية، والعاطفية، ونقلت صورا صادقة عن المجتمع المحلي، وتراثه الثقافي المتنوع بالاعتماد على عدة حكايات، وأحداث، وتفاعلات مختلفة …
ترتبط الأشكال السردية، الروائية، النسوية بطرائق استعمال المبدعات للضمائر، فبعضهن يوظف ضمير الغائب، وهو الشكل السردي العربي القديم، وبعضهن الآخر يؤثر استعمال ضمير المتكلم، خاصة ما يتعلق بالسيرة الذاتية، والحميمية،والبساطة، وتعرية الذات من داخلها عبر خارجها، (2 ) . قد يتم أحيانا توظيف ضمير المخاطب لإبراز الدفق السردي داخل العمل . يجسد استعمال المبدعات لضمير الغائب موضوعية اللغة الحقيقية، وغنائيتها غير المباشرة، أما استعمالهن لضمير المتكلم، فيجنح بأعمالهن السردية نحو الغنائية المباشرة . يرتبط توظيف هذين الضميرين بوصف سمات الشخصيات، والساردة، والأحداث المؤثرة، إذ يملك كل واحد منهما خصائصه الفنية، والشعرية، والتقنية .
يساعد استعمال هذه الضمائر المتلقي العربي القدير (3) على فهم، وتأويل البنية التراجيدية للعمل، كما أنه يساهم في توضيح العلاقات الموجودة بين الشخصيات، والأحداث، والفضاءات، والرؤى المختلفة …
قد تجنح بعض الروايات النسوية نحو التصعيد الدرامي، وتنويع الخطاب الأيديولوجي، وخلق المواجهات من خلال العلاقات المختلفة بالرجال .
يتنوع النسيج الأسلوبي عند المبدعات، وهو ما يبهر المتلقي العربي القدير، ويسحره . إنهن يراعين قدره، وثقافته، ونوع المعاني، والمقاصد، والطبقات، والمقامات، والسياقات (4) .
تمثل اللغة كائنا اجتماعيا، حضاريا يتطور تبعا لتطور شخصية المبدعة، ومستواها الثقافي، ومعارفها، وعلاقتها بالمتلقي العربي، كما أنها تقوم بتطويرعملية الاتصال بين الطرفين من خلال نشاطها، وتفاعلها المتميز، وبناها الفنية، فهي التي تصف الشخصيات، والأحداث، والفضاءات الزمكانية، وكل المكونات، والتقنيات …
توجد عدة رؤى وتصورات للشخصيات الروائية عند المبدعات في الإمارات، حيث يتم تحريكها بشكل حقيقي، ومركب يرتكز على أحداث، وفضاءات وأحياز مختلفة . نصادف بعض الملامح المتنوعة (صفات بدنية، نفسية، ملابس، معتقدات …)، والأسماء المستعارة، والرموز، التي يمكن تصنيفها حسب وظيفتها:
1 _ الشخصيات النسوية، المدورة : تمزج بين الواقع والخيال، وتتميز بعنصر المفاجأة، والإقناع، والتركيب، والتعقيد، والنمو، والتوهج، والتغير، والحركة، والعلاقات المتنوعة، والشجاعة، والمغامرة، والإيجابية …
2 _ الشخصيات النسوية، المسطحة : تتسم بالثبات، والاستقرار، وعدم المفاجأة، والبساطة، والتواني، والانزواء، والتواكل، والسلبية …
ينجز هذان النوعان من الشخصيات النسوية الأحداث، ويصنعان المستويات اللغوية والحوارات، والمناجاة المتنوعة، ويصفان المشاهد . إنهما يمثلان أقوى المكونات السردية، لأنهما قد يتسمان بالتوهج، والصدق، والواقعية، وأحيانا بالاضطراب، والتعصب، أو العدوانية، والخمول، والجهل، والتدني …
تتميز رواية ( السقوط إلى أعلى ) لفتحية النمر بتوظيفها لبعض الحكايات، والأسلوب الفني المشوق، والخيال الواسع، ورصدها للصراعات بين القديم، والحديث، والذات والموضوع، والأزمنة المختلفة ( زمن الأمة والجماعة، زمن الخرافة والحلم …)، والعلاقات بين الشخصيات والأحداث، واللغة والحوارات، والفضاء الزمكاني، وشخصية الساردة القديرة، ورؤية الكاتبة للواقع والعالم، والقيم الأخلاقية والفكرية، وعلاقة الإنسان الإماراتي بمحيطه، من خلال بنية النص الروائي . تطرح هذه المبدعة أيضا بعض قضايا الحداثة، ونهضة الدولة، ومثاقفة الآخر، وتقاليد المجتمع، والمسكوت عنه …
تعبر الشبكة الزمنية عند فتحية النمر عن مظاهر، ورؤى صادقة، ووظيفية، وحاضرة، تتلاحم، وتتزاحم بغية بناء حقائق سردية صافية . تبعث المبدعة الحياة في هذه الشبكة الزمنية بسردها للأحداث، والأفعال، والحكايات، والقصص، وهو ما يبرز القوة الجمالية، والدلالية، والقصد، والالتحام، والبناء التركيبي المسبوك، والسدى الدلالي المحبوك، والكون السردي الخلاق، والعجيب، والقشيب في هذا العمل المتميز .
تعتمد الكاتبة فيسرد الأحداث على ساردة قديرة، تجسد بعض «الوظائف الروائية» بناء على دوافع متنوعة، ومتميزة :
1 _ إطلاع المتلقي العربي على الأخبار، واللقاءات المتنوعة، والعلاقات الفاسدة …
2 _ صراع بين الزوجة والزوج المتزمت بشأن الحبيب الشاب، المتفتح.
3 _ قلق الزوجة بشأن الشاب المناقض تماما لزوجها.
4 _ غوايتها، ومكرها، وفتنتها .
5 _ محاولة نسيانها للماضي، ورغبتها في التجديد بداية بأثاث المنزل، وغرفة النوم، والألوان…
6 _ حب الزوجة للشاب، وثورتها على التقاليد، وتحملها للعواقب .
7 _ توظيف الساردة القديرة للألوان كرمز على الثورة، والتغيير، والحياة الجديدة .
8 _ تفعيلها للصراع بين الزوجين .
9 _ استعمالها لحوارات متنوعة، تعبر عن فؤاد الزوجة المكسور، وأسفها على الزواج، والماضي .
10 _ اعتمادها على أشكال سردية متنوعة لإبراز علاقة الزوجة بحبيبها (( عصام )) .
11 _ فساد القيم الاجتماعية و الدينية، المشكلة لمنظومة الزواج بين الطرفين.
12 _ اشتراك الزوج والحبيب في عدة مكنونات نفسية .
13 _ حيرة الزوجة بين الرجلين، وعدم سلامة حياتها.
تعالج رواية صالحة غابش الموسومة بـ (رائحة الزنجبيل) عدة قضايا، وثنائيات متنوعة، تنبع من دوافع مهمة، تساهم في خلق عدة (( وظائف روائية )) متميزة :
1 _ الصراع بين القديم والحديث .
2 _ اختلاف القيم، والعلاقات بين القرية والمدينة .
3 _ تنوع مشكلات المرأة الإماراتية المعاصرة .
4 _ تعدد مؤثرات المدنية، والحداثة .
5 _ تسيير بطلة الرواية ؛ الأكاديمية (( علياء )) لإحدى الشركات بمدينة الشارقة .
6 _ تجولها في شوارع المدينة، وتبللها بالمطر رغبة في الخلاص، وغسل الذات من أدرانها .
7 _ بحثه عن الوجدان الصافي، والأنوثة الحقيقية، ومحاولة رأب جوانب الذات المنكسرة، واللحاق بقطار العمر الجامح .
8 _ امتزاج البهجة بالخوف، والسلوك الطفولي بالخجل داخل نفسية بطلة الرواية .
9 _ لقاءاتها الدورية مساء يوم كل خميس بسيدات الأعمال، وربات البيوت، ومديرات الشركات .
10 _ تميز شخصية ((عُذيبة)) القروية بالصفاء، والمحبة، والإخاء، والوفاء، والعطاء، والشفافية في علاقتها بالأستاذة ((علياء))، واختلافها عن شخصيات نساء المدينة، التي تتسم بالمجاملات، والمصالح الشخصية، والكذب، والنفاق، والعلاقات الملوثة …
11 _ تميز شخصية ((مريم)) بإيثارها للمصلحة الشخصية على صداقتها بـ(( علياء ))، وتجسيدها لعلاقات نساء المدينة، ومقارنتها بشخصية (( عذيبة )) النقية …
12 _ اطلاع الساردة للمتلقي العربي على قلق، وحزن بطلة الرواية، وسعيها الحثيث لتجاوز نسق حياتها الماضية .
13 _ تغير حياة ((حصة)) عند قدومها من منطقة الفرفارة إلى مدينة دبي، الآهلة بالعمال، والمصحات، ومؤسسات التعليم، والشركات،، والكهرباء، والتلفزيون، والثقافات الوافدة، والتقنيات المتنوعة، والمأكولات …
تربط صالحة غابش بين الأزمنة المختلفة، وقضايا المرأة الإماراتية، والمدنية المعاصرة، وسجن (( حصة )) بالصحراء من طرف بعلها المسن، الذي يملك زوجتين، كما تجسد هذه الأزمنة الصراعات العائلية المتعاقبة، والذكريات، والتقاليد المتنوعة، المسرودة…
يقتفي الزمن في الرواية النسوية الإماراتية المعاصرة آثار المبدعات، ويحدد تقنيات السرد لديهن، كما أنه يعانق شخصية المتلقي العربي القدير، فهو الذي يشكل وجود الجميع عبر لحظات العمر المتنوعة . إن الإحساس به، ومعايشته يتجسدان في كيان الإنسان، ودواخله.، فهو عبارة عن خيط وهمي، ذو مظهر نفسي غير مادي، ومجرد، ومتسلط …
قد تتداخل الأزمنة في بعض الروايات النسوية، حيث نجد :
أ _ الزمن المسترسل: توظفه عدة مبدعات بشكل متصل، غير منقطع، ولو في تصوراتهن الخاصة . إنه زمن كوني، سرمدي، يخلق العالم، حيث يمتد عمره، وينتهي بالفناء، والزوال .
ب _ الزمن الدائري : يظهر عند بعض الكاتبات الإماراتيات مغلقا، لأنه يدور حول نفسه، وتتعاقب فتراته من خلال حركاتها المتكررة مع بعضها، ونسخها لها . تجسد ذلك عدة إبداعات نسوية، تعالج موضوع الفصول الأربعة، المتعاقبة عبر السنة، وكذلك تغير العالم الخارجي، ووجه الدهر …
ت _ الزمن المتفتت : تربطه عدة كاتبات بحياة المخلوقات، حيث يصل غايته فينقطع، ويتوقف : أعمار الشخصيات، الدول الحاكمة، القلاقل، والصراعات . إنه زمن طولي قد ينقطع، ولا يتعاقب.
ث _ الزمن الراحل : تجسده بعض المبدعات الإماراتيات عند حديثهن عن النوم، والجنين، والرضيع، والصبي، وغيبوبة بعض الشخصيات .
ج _ الزمن النفسي : يرتبط عند عدة روائيات بالذات كصوم شهر رمضان في كينونته، وحقيقته المتميزة، التي تتضاد مع الزمن الموضوعي …
تعبر الشبكة الزمنية في رواية ( السقوط إلى أعلى ) لفتحية النمر، ورواية ( رائحة الزنجبيل ) لصالحة غابش عن مظاهر، ورؤى صادقة، ووظيفية، وحاضرة، تتلاحم، وتتزاحم بغية بناء حقائق سردية صافية . تبعث المبدعتان الحياة في هذه الشبكة الزمنيةبسرد الأحداث، والأفعال، والحكايات، والقصص، وهو ما يبرز القوة الجمالية، والدلالية، والقصد، والالتحام، والبناء، والسدى المحبوك، والكون السردي الخلاق، والعجيب، القشيب في عمليهما المتميزين .
ترتبط ضروب الزمن في الروايتين المدروستين بالشخصيات، والأحداث السردية، إذ نجد :
1_ زمن الموضوع المسرود، أو المحكي في العملين .
2 _ زمن كتابة الروايتين ( بداية فعل الكتابة، إنتاج النص الروائي، كتابة أو إلقاء الخطابات والحوارات، صيرورة التلفظ داخل النصين الروائيين …).
3 _ زمن المتلقي العربي القدير: بداية قراءة العملين الروائيين، وتأويلهما .
ترتبط الأحداث، والموضوعات المتنوعة، المشكلة للروايتين ببعض أشكال الزمن التاريخي، وتتداخل معها، كما أنها ترتبط أيضا بزمن المخاض الإبداعي عند الكاتبتين، وتنتقل بشكل طبيعي من الماضي إلى المضارع، فالمستقبل، وقد يتم التداخل، والتبادل بين مواقع الزمن أثناء المسار السردي، فيحدث عدم التسلسل الزمني، والتقديم والتأخير، والتداخل، والإحالات، والتوتر في الأسلوب، والانزياح اللغوي …
ترتكز الشبكة الزمنية داخل بعض الروايات النسوية المعاصرة في الإمارات على لغة واصفة meta language متميزة المكونات، والمستويات، والتصورات الخيالية، والأيديولوجيا، ورؤية العالم المختلفة، والأحداث، والشخصيات الماضية، والحالية، ونفسية الكاتبة، والساردة …
أما الحيز المكاني فيتنوع كثيرا في الروايات النسوية الإماراتية، حيث يتم وصفه، وتقسيمه، وتشخيصه، وأنسنته، ومنحه بعدا جماليا، وتقنيا . تفرغهبعض المبدعات في حلة قشيبة، ويمنحنه مكانة عالية . قد تكون هذه الأحياز عامة واضحة، أو ثانوية، وجزئية تلائم اضطراب الشخصيات، وتنقلاتها عبر المواقع، المتميزة .
لا تستطيع المبدعة بناء تقنيات سرد متكامل دون الاعتماد على الحيز المكاني، إذ لا يمكنها وصف عناصر الإبداع، وإقامة العلاقات الطبيعية، والخيالية، والحالات الشعرية المدهشةبعيدا عن الغاية الواضحة لهذا المكون السردي، المهم .
قد يصبح الخيال أحيانا قويا، ومتميزا عند وصف الحيز المكاني في بعض الأعمال النسوية، إذ يتجاوز التمثل الذهني ليبلغ أرقى آيات السيطرة، والتصوير الحسي، البصري . تسكن المبدعة داخل الحيز المكاني، وتنجز أعمالها من خلاله، فهو الذي يصنع حياتها، وخيالها، وآمالها، وأحلامها، ولا تستطيع الخروج عن ذلك .
تحدد عدة مبدعات من خلال تقنيات السرد المتنوع، المساحات، والمسافات، والشوارع، والأحياء، والقرى، والمدن، والهضاب، والجبال، والبحار، والشواطئ، والمضايق، والصحارى، والكهوف …إذ يُعَرفن المتلقي العربي على هذه الأحياز عن طريق النص الإبداعي، وهو ما يحرك فكره بقوة، ويطلق العنان لخياله الخصب .
تتنوع مظاهر الحيز المكاني عند الروائيات الإمارتيات، المعاصرات، إذ أنها تتسم بالجمالية، والإيحاء، والتفاوت في البناء، والوسم، وتحديد المعالم . إنهن يجعلن منه كائنا واعيا، وعاقلا، ونافعا، أو مضرا، وكئيبا …
تخلق المبدعة الروائية شخصيات، وأحداثا، ولغة، وفضاءات العمل، والساردة التي تحرك ذلك، وتظل حاضرة داخل العمل الإبداعي، من خلال تقنياتها، السردية، وأقنعتها المتنوعة ( 5 ).
تبرز شخصية المبدعة الروائية الإماراتية المعاصرة قوية، لكنها تلتبس بشخصية الساردة، التي تندس داخل العمل، فيصعب التمييز بينهما، ولا يمكن اغتيال احداهما، أو الحكم عليهما بالموت، كما لا يستولي أحدهما على منزلة الآخر في العمل السردي . إنهما كائنان مختلفان، لأن أحدهما إنساني، والآخر ورقي. الأول يكتب، والثاني يسرد .
تنجز المبدعة العمل الروائي، وتحرك الشخصيات الورقية، وتمنح النص وجودا فضائيا، وتصطنع الضمائر الملائمة، وتمنح المتلقي العربي صورة شعرية، منفصلة، ومتميزة .
تقنيات السرد النسوي في القصة :
ساهمت الأعمال القصصية النسوية الأولى في تطور الرؤى، والتصورات عن المجتمع المحلي، والمجال الثقافي، والاجتماعي، والاقتصادي، والسياسي، والمدنية المعاصرة، والماضي والحاضر، وتقنيات السرد من خلال ظهور عدة مجموعات قصصية مثل ( الرحلة ) لريا منها سلطان، و ( والإبحار الأخير )، و( وأيقونة الحلم ) لسارة الجروان، و ( مواء امرأة ) لفاطمة الكعبي، و ( ليلة العيد ) لفاطمة المزروعي و ( ما بعد الطوفان ) لعائشة محمد …
لقد راجت هذه الأعمال بفضل انتشار التعليم، والصحافة، والحرية، مما جعل المرأة القاصة تشارك في تحول المجتمع الإماراتي، ونهضته . تتنوع الموضوعات والقضايا القصصية المطروحة من خلال الأعمال السالفة، فهي تعالج :
1 _ ثقافة المرأة، ووظيفتها في المجتمع الإماراتي، وتنوع أعمالها، ومسؤولياتها .
2 _ قضايا الذات/ الموضوع .
3 _ الحرية، ومقاومة التهميش، والتمرد على بعض الحواجز البالية .
4 _ الصراع مع الذكور .
5 _ رؤية القاصة للمجتمع، والعالم .
6_ عرض بعض المكنونات الداخلية، والأحداث المختلفة، التي تصادفها الشخصيات النسوية ( الموت، الغياب، الخسارة، مناجاة النفس، انكساراتها، إحباطات الحياة، الطموحات …. ) .
7 _ سيطرة عدة ثنائيات : الماضي/ الحاضر، الحقيقة/ الخيال، الواقعي/ المثالي …
8 _ الربط بين الوجود المعرفي والوجود الفلسفي .
9 _ توظيف جوانب من التحليل النفسي …
10_ بساطة اللغة والحوارات، ووضوحهما .
تقنيات السرد النسوي في الشعر
تتنوع الأغراض، وتقنيات السرد الشعري، النسوي، حيث توظف بعض المبدعات اللسان العربي، أو النبطي، كما عند فتاة الخليج، والمياسة، وفتاة جلفار، وشيمه زعبيل، وآمنه أم خالد، وفتاة أبوظبي، وزينه، وأنغام الخلود، وهيفاء عجمان، ودانة الخليج، والحصباه، وفتاة دبي، وأم حسين، وبنت الإمارات، وفتاة الشارقة، وأميرة دبي، وأريج زعبيل، وشوق، وفتاة الوصل، وريم الرياض، والغندور، وفتاة البوادي، وبنت عجمان، وكلثم عبدالله سالم، وابتسام الشارقة، ونور العيون، وليالي أبوظبي، ومي، وزهرة البوادي، وميره دبي، وعلّايه، ونوديّه، وفتاة الصحارى، وشما بنت أحمد، وفتاة الحي(6 ).
صنف أبو شهاب في عمله المتميز ( شاعرات من الإمارات) ما يقارب مائتي قصيدة، نظمتها ثلاثون شاعرة، كان بعضها قد نشر في عدة منابر أدبية، وبرامج إعلامية، كصحيفة ( البيان )، و برنامجي (شاعر المليون )، و(البيت)، وغيرها .
تتميز هذه الأعمال الشعرية بعدة سمات :
أ _ البلاغة المتنوعة، والرصانة، والرقة، والصيت الذائع .
ب _ الشكل الجمالي، والأفكار، والدلالات الواسعة .
تقدم لنا بشاير المقبل أعمالا شعرية تدل على تجربة متميزة، وجمالية، وتطور إبداعي كبير، ولغة سهلة، وتفاعل مع المتلقي العربي . إنها تستعمل «معجم قريض» مكثف، وتقنيات فنية كبيرة، مما يولد أفكارا جديدة، وخيالات واسعة . تعتمد (( بلاغتها الشعرية )) علىتنوع المحسنات البديعية، والثنائيات، والمقابلات : الحضور/ الغياب، الرجل/ المرأة، الفرح/ الحزن، الغزل قضايا الوطن، والمجتمع المحلي … ) .
تخلق قصائدها تأثير متنوعا على المتلقي العربي القدير نظر التنوع أغراضها وتقنيات كتابتها…
تتميز الشاعرة مطلع الشمس بقوة مضامين قصائدها، وعذوبة، وسلاسة أسلوبها، وتمكنها من تقنيات، وخصائص الشعر النبطي . إنها تمثل نموذجا للمرأة الإماراتية الناجحة، والذكية والمثقفة، التي تستغل مختلف الرؤى والتصورات، وأنواع الجمال والخيال في قريضها . تعبر أعمالها عن قضايا الحياة في الأمارات، ومكنونات الذات، ومعاناة الآخرين، ودواخلهم …
تتميز أعمال الشاعرة كلثم عبد الله سالم بالأسلوب القوي، والواضح، والمتماسك، والطموح، والمعطاء، والخيال، والجمال، والخبرة، والحكمة، التي تؤثر في المتلقي العربي. يضم ديوان ( شذا الريح )، الذي ظهر عام 1999 م قصائد نفسية، وجدانية، اجتماعية ،تراثية، وأخرى عن الحزن، والشجن، والغربة، والفراق، والهوية العربية، والوطن، والإخلاص، والوفاء، والجدية . أما ديوان ( نقش في زوايا الذاكرة )، فيعبر عن تجربة خليجية متميزة، وخصبة .
(البقية بموقع المجلة على الانترنت)
نجد في ديوانها الرابع ( ملامح الماء ) قصيدة جميلة ترصد موضوع الفراق، والبعاد، حيث تقول :
يا أيها المسكون بالشجن المبرح
في قلوب الأوفياء
كالبرق أرعد
جاء يجتاح المدينة عنوة
عبثا أحاول

أزرع الأحلام في طرق الشتات
كالماء تفتك بالدموع ملوحة
تقرئ مدائنك السلام
ياساحر الأحلام أن لك الهوى
أن ترتوي بلهاث ساحرة الغرام
ترفع الشاعرة هنا عقيرتها بالنداء لإثارة انتباه المخاطب ( = المسكون بالشجن المبرح + ساحر الأحلام المرتوي بلهاث ساحرة …) . يجسد هذان النداءان بنية لسانية صوتية مسبوكة cohesion تركيبيا، ومحبوكة coherence دلاليا،ومستنفرة تداوليا، كما تتزامن داخل القطعة شبه الجمل، والإضافات ( في قلوب الأوفياء )، وبعض الصيغ المرصوصة، والأسلوب البياني، الذي تؤسسه تشبيهات جميلة ( كالبرق + كالماء ) . تتلاحم أفعال الماضي ( أرعدَ، جاء َ )، وأفعال المضارع ( يجتاح ُ، أحاول ُ، أزرعُ، تفتك ُ، تقرئُ، ترتوي ) من أجل بناء حدث سردي، شعري بامتياز . يخلق استعمال ضمير الغائب مع الفعل الماضي ( جاءَ ) بنية سردية، شعرية، موضوعية، في حين يقوم ضمير المتكلم بمعية الفعلين المضارعين ( أحاولُ، أزرع ُ ) بنسج غنائية الناظمة، وترسيخ وعيها الذاتي، ومكنوناتها النفسية، وعلاقتها باللغة الشعرية المعاصرة، وتقنيات العمل .
تحمل هذه الأبيات أيضا استعارات جميلة ( أزرعُ الأحلام، تُقرئُ مدائنك السلام، ساحر الأحلام، ترتوي بلهاث …)، وهو ما يشكل (( معجم قريض )) عصري، ورائق .
وخلاصة القول أن تنوع تقنيات السرد النسوي، المعاصر في الإمارات يبرز لنا مدى رحابة المستوى الثقافي، والرؤية، والمستوى اللغوي المساير للشخصيات، والأحداث الثقافية، والاجتماعية، والفكرية، والفضاء الزمكاني، وهو ما لا يفهمه كل المتلقين العرب .
إن المأمول من بعض المبدعات هو استعمال لغة وسطى، والابتعاد عن السطحية، والابتذال، والعدوانية، والتعصب لبعض المعتقدات، والأفكار، والآراء . يجب تطويع اللسانالسردي للتعبير عن الحياة العامة، واليومية بكل تحفظ، ودن فساد، والإعراض عن تقديم واقعية مزعومة، تفتقر إلى الفنية، التي تستعمل أخلاطا لغوية ضعيفة، تعتمد على حوارات عامية، ساقطة، دون أية لحمة خيالية، وشخصيات ورقية روائية تاريخية، سطحية، عديمة الانتماء (غير تاريخية، غير فصيحة، بعيدة عن الأدب الشعبي، بعيدة عن الأدب العامي).
نأمل أن تمنح (( اللغة الروائية )) في بعض الأعمال النسوية الإماراتية الحرية المطلقة للجانبالإبداعيcreative، وألا يتم التجديف بالواقع، والتاريخ، والمجتمع، حتى تتمكن كل مبدعة من بناء لغتها الوظيفية الخاصة، التي تتجاوز المستوى المعجمي، والدلالي الجامد، فتعانق المستوى الانزياحي، المولد للمعاني الجديدة، والدلالات الموسعة …
نأمل أيضا أن تراعي لغة السرد النسوي مستوى المتلقي العربي، مما يجعلها تنهض بوظيفتها التنويرية داخل المجتمع، بعيدة عن اللحن، والسوقية الهزيلة، والتدني، والرتابة . يجب أن تكون هذه اللغة شعرية، مكثفة، موحية قصيرة الجمل، مفهومة، غير مقعرة، وملائمة للمستوى المعرفي للمتلقي العربي .
فلا بد أن تشتمل لغة السرد النسوي، المعاصر في الإمارات على :
أ _ الوسيلة والغاية الواضحتين .
ب _ النسيج السردي الشعري .
ج _ الحوارات المقتضبة والمكثفة، والمناجاة النفسية الرائقة .
يتطلب هذا الأمر من المبدعاتأيضا التعامل مع الحيز المكاني بأصالة، ومهارة، ووعي، واتخاذه إطارا ماديا، وعرض القضايا السردية من خلاله، ولا يجب أن تفلت الشخصيات، والأحداث، والنص المكتوب من قبضتهن . فلا بد من تحديد المكان، وتفعيله، و(( تخصيبه ))، ومنحه عبقريته الأدبية الخاصة …
نأمل أن يتم تشجيع الأعمال السردية النسوية باستمرار، والاحتفاء بها في كل المحافل، ونشرها، والمحافظة على خصوصياتها، ومعالجة (( تسلط الرجل ))، والزمن بحكمة، وعقلانية، وعزم، وإصرار، وإنتاج شعر وجداني رفيع المستوى، بعيد عن الإباحية، والمغالاة، والترف، و(( إخصاء المعاني )) …

الهوامش
1 _ ظهرت أقوى الأعمال في هذه المجال مع المدرسة البنيوية بزعامة فردينان دوسوسير، والمدرسة التوليدية مع نحوم تشومسكي، والمدرسة التداولية على يد أوستين وسورل، وغيرهم …
2 _ عبد المالك مرتاض، في نظرية الرواية، بحث في تقنيات السرد، سلسلة عالم المعرفة، العدد 240، الكويت 1998، ص 93 .
3 _ يوظف بعض النقاد العرب عدة ترجمات غربية، مثل : عليمة، ضليعة، مثقفة، راسخة … ونحننؤثر عليها استعمال مصطلح (( قديرة )) نظرا لكفايته التفسيرية.
4 _ الجاحظ، البيان والتبيين، تحقيق حسن السندوسي، القاهرة،1947 .
5 _ عبد المالك مرتاض، مرجع سابق، ص233 .
6 _ توظف بعض المبدعات الإماراتيات أسماء مستعارة .

1


عبد الجليل غزالة

شاهد أيضاً

من الخالدين أبومسلم البهلاني (ت 1920م)(1)

محمد بن ناصر المحروقي* ما هو الأثر الذي تركه “أشعر العلماء وأعلم الشعراء”: أبومسلم البهلاني؟ …