توفيق صايغ.. الكركدن الذهبي الشاعر الذي ظلمته الايديولوجيا وجُــــرافُ الاتهامــات

I
كما هو كذا شِعره . منفيٌ بطبعه فقصيدته بالتالي غربة . عاش في المنفى ودفن في المنفى . ولعلّه الشاعر الأكثر استغراقاً ، حياةً وشعراً ، في مفازة المنفى ؛ سطر حياته وأرّخها بالنار والجوهر الصلب . تشهد دواوينه الثلاثة بدءاً من 1954 وحتى 1963 ، وعلى مدى قرن ، تنامياً في العذاب وتصاعداً في الحصار . جمع الغربة من شتيت اطرافها . ولد في سورية وترعرع في فلسطين ودرس في لبنان ثم أكمل علومه في أمريكا وإنجلترا . كان استاذاً في بيروت والقدس ومحاضراً في بيركلي وكامبريدج ولندن .
هو شاعر فحل وناقد مطلع ومترجم فذّ ومحرّر ماهر . وهو في آن متبحّر في التراث العربي ، قديمه وحديثه ، وأستاذ جامعي فهّامة في الأدب المقارن .
أفنى سبعة وأربعين عاما هي كلّ حياته على هذه البسيطة في كتابة قصيدة واحدة ونذر حياته لها هي قصيدة العشق النازف بتأثير فقدان أمه ووطنه وعشيقته، وهو الأقرب إلى ايوب في صبره وإرميا في مراثيه ودانيال في تيهه.

II
توفيق صايغ والشعر العربيّ المعاصر توأمان ، وكلاهما صنو المرحلة في بحثها أواخر الأربعينات ومطلع الخمسينات عن شكل ملائم يستوعب روحها ويستنفد مكنوناتها .
في نهاية 1953 صدرت الآداب وفي شتاء 1957 صدرت “شعر” ، لكن في أيلول 1954 أصدر توفيق صايغ ديوانه الأوّل (ثلاثون قصيدة) ، متخطّياً المدرسة العراقيّة ومبشّراً بولادة شكل شعريّ جديد رسّخته “شعر” . هذا هو الإطار التاريخيّ لظهور توفيق صايغ .
ثلاثون قصيدة من المحاولات العربيّة الأولى في كتابة قصيدة النثر المستفيدة من تقنيّات نظيرتها في الغرب ، فصاحب الديوان دَرس الشعراء الغربيين واختلف إلى محاضراتهم عن الشعر ونقده في هارفرد وانديانه وأكسفورد، وصادقهم وهو استاذ في كيمبردج ولندن وكاليفورنيا . «في ثلاثون قصيدة» تجربة كتابة جديدة ترتكز على تلقيح الثقافة الشرقيّة بمبتكرات الغرب الشعريّة ، وتستفيد من موهبة تضرب جذورها في التراث والدين . يستمدُ توفيق صايغ رموزه من الأناجيل ، فحين يصوغ مسألة نفيه يوجزها بإيحاء ، وتتعمّق مأساته إذ يرهنها باغتراب ثابت .
الصورة الشعريّة
الصورة الشعريّة خلاصة معاناته في وحدته في أميركا وإنجلترا ، سفر وترحال ، بحثاً عن وطن ضاع وحبيبة هجرت وإله اعتزل . عام صدور ثلاثون قصيدة شهد انتقال صايغ من اكسفورد طالباً إلى كيمبردج أستاذاً للأدب العربيّ حتى عام 1959 . في منتصف تلك الفترة تعرّف توفيق على فتاة خلّدها في ديوانه القصيدة ك، هي كاي شو ، التي عرفها أصدقاؤه المقربون آنذاك ، جبرا ابراهيم جبرا ورياض نجيب الرّيس وليلى بعلبكي . القصيدة ك تقطير لتجربة صايغ مع “كاي” وهي تجربة أضنته ، فجاء الديوان في آن تخليداً لها وهجراً . صدر الديوان هذا في 1960 وتوفيق آنذاك محاضرٌ في كلية الدراسات الشرقيّة والأفريقيّة في جامعة لندن، وهو منصب شغله حتى عام 1962 .
في عام 1962 استقال توفيق من جامعة لندن وعاد إلى بيروت ليصدر مجلّة حوار التي أحدثت زوبعة فكريّة لم تحدثها مجلّة عربيّة من قبل أو من بعد. صدرت المجلّة بتمويل من المنظّمة العالميّة لحريّة الثقافة التي كانت تتّخذ من باريس مقرّاً لها. شارك فيها نخبة من المفكّرين العرب وأفسحت المجال أمام كتّاب القاهرة وبيروت ودمشق وبغداد إلّا أنّها حوربت منذ صدورها لارتباطها بالمنظّمة العالميّة ، في بيروت ثمّ في القاهرة وانتقلت العدوى إلى العواصم العربيّة الأخرى ، ورأى بعض المحلّلين آنذاك أنّ هذا الهجوم وليد تسلّم اليسار مقاليدَ الصحافة في القاهرة . وشاع أنّ المنظمة تموّلها وكالة المخابرات المركزيّة الأميركيّة ، ولمّا تأكّد توفيق من ذلك أصدر بيانه الشهير في أيّار 1967 معلناً احتجاب المجلّة إلى أن يتوفّر لها تمويل عربيّ . على أنّ المجلة بلغت رقيّاً ، من حيث المادّة والإخراج والتوزيع ، لم تبلغه مجلّة عربيّة خلال العقود الأربعة الأخيرة ، إلّا أنّ تعثّرها الأساسي يعود إلى اعتبارها يمينيّة في القاهرة وماركسيّة في الدول العربيّة المحافظة. في نهاية 1967 غادر توفيق بيروت إلى أمريكا ليحاضر في جامعة كاليفورنيا في بيركلي وبقي في منصبه الجامعيّ حتى وفاته بالسكتة في 3/1/1971 فدفنه في مقبرة الغروب هناك أخوه فايز وصديقه مُنح خوري. لكن توفيق كان يزور بيروت صيفاً ليلتقي بأصدقائه وأفراد عائلته ، وليشتري الكتب. في آخر زيارة له إلى بيروت أشرف بنفسه على طباعة ترجمته لرائعة ت . س . إليوت رباعيات أربع فبقي توزيع الكتاب محدوداً. صدرت له مراجعة في “النهار” وقت الفراغ من طبعه ، ولم تصدر له مراجعة أخرى ذات قيمة إلّا بعد مرور سبعة عشر عاماً على وفاة صاحبه ، حين بعث قيصر عفيف بمراجعته الفكريّة من المكسيك وظهرت في النهار في مطلع تموز 1987 . كان توفيق قد أصدر ترجمته لرباعيات إليوت في مجلّة أصوات في مطلع الستينات في لندن وهي التي كان يُعنى بإصدارها شيخ المترجمين في العصر الحديث دنيس جونسون ديفز .
جديّته في البحث العميق
أشفع توفيق ترجمته لرباعيات إليوت بمقدّمة هامّة تظهر جدّيته في البحث رغم تواضعه الجمّ في مقدّمته لكتابه “أضواء جديدة على جبران” إذ نفى توفيق عن نفسه طبيعة البحث ، ولكن قارئ هذه الأضواء الجديدة على جبران يُفاجأ برصانة الباحث الذي نقّب في سبعة آلاف صفحة أودعتها ماري هاسكل في جامعة نورث كارولينا ، فخرج بصورة جديدة لجبران تضيف إلى إنجازات نعيمة وحاوي وأمين خالد وتفرقُ عنها في أنّ صايغ وقع على كنز لم يتوفّر من قبل .
لكن تجربة توفيق في الترجمة والبحث لازمته طوال حياته ، فإطّلاعه على الإنجليزيّة واسع ، شعراً ونثراً ، وتمكّنه من العربيّة أهّله لتدريس هذه المادّة في الجامعة الأمريكيّة في بيروت أواخر الأربعينات وفي جامعات انجلترا وأميركا في الخمسينات والستينات. في حكومة فلسطين كان مترجماً رفيع المستوى ، وفي 1959 ترجم تطوّر الأدب الأمريكيّ وهذا أثر نقديّ للأستاذ سبيلر تناول امرسون وثورو وبو وملفيل وويتمان وجيمس وديكنسون وفروست وإليوت وهمنجواي وفتزجيرالد وفوكنر . وفي 1963 أصدر توفيق خمسين قصيدة من الشعر الأمريكيّ المعاصر ، منتقياً خمسين قصيدة لشعراء أميركيين ظهرت بعد 1940 ، ممثّلاً شعراء أميركا على اختلاف منازعهم ، فعرّفَ بهم وأساليبهم ، بدءاً بفروست وستيفنز وانتهاء بكورسو وريتش ومروراً برويتكة وشابيرو .
يعود الفضل إلى توفيق صايغ في التعريف بأسطورة الكركدن ومنحها مكاناً فريداً لائقاً بها في الشعر العربيّ المعاصر في ديوانه الثالث والأخير معلّقة توفيق صايغ الذي أصدره في عام 1963 . ويعود الفضل إلى توفيق في نشر رواية الطيّب صالح موسم الهجرة إلى الشمال في مجلّته حوار (أيلول، كانون أول 1966) ورواية عرس الزين في كتاب مستقلّ عن مجلّته ، ومسرحية العصفور الأحدب للشاعر السوريّ محمد الماغوط الذي شارك في حوار مع أترابه فؤاد رفقة وليلى بعلبكي ورياض نجيب الريّس وبدر شاكر السيّاب وغادة السمّان وجبرا ابراهيم جبرا وصلاح عبد الصبور ونور سلمان وعلي الجندي وأنيس صايغ ووضّاح فارس وجوليانا ساروفيم وأُنسي الحاج وياسين رفاعية وسلمى الخضراء الجيوسي وفايز صايغ وصادق جلال العظم وغالي شكري ورواد طربية وغيرهم . تجربة توفيق في عالم المجّلات قديمة . كتب لمجلّة الآداب في أعدادها الأولى عن الشعر الإنجليزيّ المعاصر وعن شعر عمر أبو ريشة ، وفي شعر ظهرت معلّقته بعنوان “القصيدة الأخيرة” (خريف 1961) .
ولد توفيق صايغ في “خربا” من أعمال حوران في سورية في عام 1923 وانتقل به والداه مع اخوته يوسف وفؤاد وفايز إلى “البصة” ، شمالي فلسطين ، في عام 1925 ، ثمّ إلى طبرية في 1930 ، وولد لهما هناك منير وماري وأنيس، وفي 1948 نزحت العائلة إلى بيروت .
درس توفيق في القدس وبيروت وهافرد وانديانا واكسفورد، وعاش حياته محاضراً وناقداً وشاعراً ومترجماً وصديقاً وفيّاً لمن عرفه ، وبقي بصحبة الكتب إلى أن وافته المنيّة في 3/1/1971 إثر سكتة قلبيّة داهمته في مصعد البناية التي يسكن فيها على مقربة من الجامعة التي كان يحاضر فيها في الأدب المقارن والأدب العربيّ ، قديمه وحديثه .

بعدَ عشرةِ أيّامٍ لقيتُكَ
وصرختُ: “أنظرْ ، زالَ مني الهزال” .
وقلتَ: “أمامكَ بعد
جُبُ الأُسود” .

والجُبُ هنا هو الذي ألقى فيه الملكُ الجائرُ النبيّ دانيال ، ودانيال منفىّ آخر . النفي نغمة الديوان الأساسية:

أنتَ الذي حكمتَ عليّ بالنفيِ
وعيّنتَ في المنفى منازلي ؛

نفي تولّد عن غزل مرّ فالعناق حمّى والسكون هياج ، والبقاء شقاء ، فالدنيا مأساة وفزع :

مَصِيفي الفراغُ
مَشْتايَ الفزع ؛
وعَيشِي قطارٌ بينهُما
صفيرُهُ
ثمّ ماذا؟

صفيرُ القطار بما فيه من رهبة جسر صايغ الموصل بين ضفتي حياته الناهضة على الانتظار ، لكن ماذا؟ الصورة الشعرية خلاصة معاناته في وحدته في أميركا وإنجلترا ، سفر وترحال ، بحثاً عن وطن ضاع وحبيبة هجرت وإله اعتزل . عام صدور “ثلاثون قصيدة” شهد انتقال صايغ من اكسفورد طالباً إلى كيمبردج أستاذاً للأدب العربي حتى 1959 . في منتصف تلك الفترة تعرّف توفيق على فتاة خلّدها في ديوانه “القصيدة ك” هي كاي شو ، التي عرفها أصدقاؤه المقربون إليه آنذاك ، جبرا ابراهيم جبرا ورياض نجيب الريّس وليلى بعلبكي . “القصيدة ك” تقطير لتجربة صايغ مع “كاي” ، تجربة أضنته ، فجاء الديوان في آن تخليداً لها وهجراً . صدر الديوان هذا في 1960 وتوفيق آنذاك محاضرٌ ي كلية الدراسات الشرقية والأفريقية في جامعة لندن ، وهو منصب شغله حتى العام 1962 . “القصيدة ك” تجربة حبّ عميقة تقطّر معاناة صاحبها . مفرداتها مشحونة بالنزف والفزع والضياع :
آ ، لا تسحبْ يدكَ
لا ترفضْ يدي كأنّها برصاء .
الأرض (تُصرّ) أرضكَ والليالي ،
والأجير من ممتلكاتك ،
وتريد أبعد شبر وآخر ساعة وأصغر أجير؛
وتريد إنْ عينيَ أعثرتني أن أقلعها
فخيرٌ أن أخسرها من أن أخسرك ،
وإن ذراعي أعثرتني أن أقطعها
فخيرٌ أن أخسرها من أن أخسرك.
وماذا إنْ تكرّرت العثراتُ
وانقلب كلُ عضوٍ فيّ مُعثراً ؟
وماذا إن انتابتنيَ حمّى
القلعِ والقطع والبتر والاجتثاث
ورحتُ أنثر الأعضاءَ
كقرويّةٍ تنثر الحبّ للدجاج ،
ولم تبقَ لي حتّى يدٌ تُقصي عنّي المعثرات ،
ما الذي أسمّيه إذ ذاك (أنا) ،
(ومولايَ مولايَ)
ما الذي تسميه أجيرك ؟
وهو الذي كان يقول في رسائله إلى جبرا ابراهيم جبرا “النفي الداخلي اشدّ من النفي عن الوطن” ، فأمضى حياته القصيرة متنقّلاً ومعذّباً ، فمات غريباً كما عاش:

كلّ ليلة من جديد
أُطارد أُحاكم
أُعذّب أُقاد للمقصلة ،
كل صبح من جديد
أُطارد ولا هارب
أسعى ولا كأس
أتعكّز ولا محجّة
أدوّم في فراغ
لا أهدأ ولا أشلّ .
مقعد ، ولا
أهل ولا
بيت حسدا ،
كسيح ولا مسيح.
طالت غربته
تعب في سفره لكن صمد . طالت غربته لكن لم يسأم . غربته دائمة ومنفاه قائم فيه . مُطارَد ومُضطهَد مثل النبي إرْميا ، لكنه يمضي مسرعاً مثل الكركدن شبيهه في البحث عن خلاص من مطاردة الصيّادين له ، وكان توفيق قد أدخل اسطورة الكركدن إلى صلب الشعر العربي الحديث في قصيدته “بضعة أسئلة لأطرحها على الكركدن” التي ظهرت في ديوانه معلقة توفيق صايغ (1963) ، وحين تحدّث إلى جميل جبر في صحيفة الجريدة البيروتية (26. 5. 1963) عن تلك الأُسطورة ، قال: اسطورة الكركدن فيما أعرف لا تعود إلى عهد الأساطير عند الأقوام القديمة الأولى ، بل هي وليد العصور الوسطى . الكركدن حيوان خيالي ، صغير الحجم ، وسيم قوي شرس ، له قرن واحد في وسط رأسه ، يحاول الصاده اقتناصه ، طمعاً في بيعه للملوك بغالي الثمن، لكنهم يعجزون دوماً عن اللحاق به ، فيعمدون إلى الحيلة ، ويضعون في طريقه عذراء . ما أن يراها ويشمّها حتى يستلقي في حضنها ، وتداعبه قليلاً إلى أن تتمكّن منه ، ويفتك الصادة به.
في آخر قصيدة كتبها توفيق في خريف 1970 في كاليفورنيا وبعد قضائه صيفه الأخير في بيروت شهادة على صدق نبوءته بقرب رحيله ، وإيحاء مكثّف يوجز سيرته ، إذ عاد فيها إلى نغمة المنفى والضياع ومفردات الأناجيل وتقنيات الرمز والأسطورة ، ولم تغب عنه صورة الوطن الضائع ، فجاءت مثالاً ساطعاً على بحثه الأبدي عن فردوس مفقود ، دون أن يكلّ ، ففي اليوم الأخير من حياته استقبل الموت ضاحكاً قبل ان يصل إلى شقّته . كان الدم يسري في عروقه وهو صاعد اليها:
يكلّ [ولا أكلّ] المركب ؛
ويسري الدم في عروقي
وأسري في عروق البحار
المرافئ ألغام يبثّها الأعادي
تجارب [لكل تجربة بجوف الصحارى
على ملتقى البحر والبر اثنان] شيطان خلفهما
وشيطان
كلّهم يريد روحي يريد المركبَ
طعنة مجاذيفي
تفلّ الحوافر المشقّقة والترابَ
قولَبتْه لوّنتْهُ ، الحوافر.


محمود شريح

شاهد أيضاً

الشخصيات ومرجعيات الخطاب السردي فـي رواية (سأم الانتظار)

الشخصيات والميثاق التخيلي : يرى تيري ايغلتون في كتابه (كيف نقرأ الأدب) أن «النص نموذج …