أخبار عاجلة

توفيق فروخ بين المحكي والمخفي والمعاد

مثل رحّالة أو حكواتي يسير العازف والمؤلف الموسيقي اللبناني الفرنسي توفيق فروخ، متنقلاً بنا في أسطوانته الجديدة «المدن غير المرئية» بين تشظيات المدن وذكرياته فيها، ورائحة الموت هنا وهناك، والفوضى المتّشحة بالضباب، والرغبة الجامحة في التغيير، والأفق المسدود، والأمل المنشود، والحب الضائع. كأنه يوّثق عبر المقطوعات الثلاث عشرة المعنونة بعناوين شعرية مثل «طيور صفراء» «أحلام القنطاري» و«سيدة القمر» و«كرز الخريف» و«ريو دي كايرو»، تجربته مع المدن بلغة موسيقية شاعرية سَلِسة تطرق باب القلب والعقل في تناقضاتها وواقعيتها وخيالها.
أسطوانة تحمل أفكاراً فلسفية واجتماعية ونفسية، لكنها تحمل أيضاً كثيراً من الرومانسية الواقعية الحيوية، والأسطر الإيقاعية القوية التي تحافظ على تدفق سَلِس طوال العمل وتشكل ملامح غنية وناضجة لهذا العمل.
فروخ الذي شارك ممثلاً وعازفاً على الساكسوفون في أعمال زياد الرحباني في ثمانينات وتسعينات القرن العشرين، يحاكي في ألبومه السادس ومن خبرة اثنين وعشرين عاماً من التأليف والأداء الموسيقي، رواية الإيطالي إيتالو كالفينو
»Le città invisibili«، التي تحمل بين فصولها قضايا فلسفية وجودية وإن كانت تمزج بين العبثي والخيالي والحقيقي، وتطرح أسئلة حول الانتماء والحميمية وعلاقة الإنسان بالمكان. وهي قضايا لا تزال ملحّة حتى اليوم. فالمدن التي تُمحى بفعل الحروب الضروس أو تتغيّر ملامحها، وتلك المنسية والأخرى المحاصرة والمقبوض عليها أو المحتلة ثقافياً وسياسياً… كل هذه المدن حفّزت توفيق فروخ العازف في مع فرق أوركسترالية عالمية وتحديداً في ألمانيا وفرنسا والذي شارك في مهرجانات جاز عالمية، أن يكتب مقطوعات تتعلق بالذاكرة الجماعية ومدننا الهاربة خارج الزمن، خصوصاً بعد تدمير غزة في عام 2013. وحينها قرأ رواية إيطالو كالفينو كما قال لمجلة «نزوى»، واكتشف أن «توثيق الذاكرة الجماعية عمل ملحّ لأن هناك أحياناً تزويرا للتاريخ وعدم اكتمال لحقيقة معينة».
فرّوخ الذي استعار من الرواية اسمها، استطاع أن يخيط حكاياه وقصصه التي تجسّد حياة الإنسان المعاصر الذي يتخبّط بين تاريخه وحاضره وبين هويته الفعلية وانتمائه إلى مدن عاش أو ترعرع أو عمل فيها. فالهوية المزدوجة التي تناولها إيتالو كالفينو متحدثاً عن لحظة الفعل وخياله، تتراءى لنا بين نوتات توفيق فروخ الحالمة والمجبولة بالحب والحنين الى المدينة التي نولد فيها، وتلك التي نحلم بالعيش فيها، وتلك التي نجبَر على تركها والعيش في مدينة أخرى، نازحين أو هاربين من الضغوط الاقتصادية والسياسية والحرب والموت، طالبين العيش بكرامة وحرية. وكل تلك القضايا تجسّد بجمل موسيقية مبنية على تجانس متين بسيط وعفوي وأصيل، في الوقت نفسه. فموسيقى فرّوخ مسكونة عادة بالنزعة السينمائية والمشهدية، وتنزل على مسامعنا كأنها حكايات وروايات لأحداث وتفاصيل صغيرة غير مألوفة ولها خيوط تتراقص بين الماضي والحاضر، وبين المحكي والمخفي والمعاد، بين السرّ والعلانية. كلّ أسطوانة جديدة تجسّد مجموعة قصص متصلة منفصلة أو فيلماً طويلاً يسرد فيه إيقاعاته الموسيقية الخاصة كأنها مواجهة بين المتخيّل والمعاش. فهو يحاور أنواع موسيقية عدة تنهل من ثقافات متنوعة منها التراث الروماني والغجري والفرنسي واللبناني والمصري والسوري… وجمله تتنوّع في اللحن الواحد للأغنية أو المقطوعة. من هنا يصعب أحياناً تصنيف موسيقاه ضمن خانة الجاز فقط، خصوصاً في ألبومه الأخير «المدن غير المرئية» المتحرّرة تماماً من قيود التصنيفات الموسيقية وإن مالت الى الجاز والفيوجن. في مقطوعة «ريو دي كايرو» مثلاً، يعود فروخ الى أسلوب التلميح أو الاستعارة من أغنيات قديمة، الذي استخدمه في «توتيا». وهنا يستعير من «أنا والعذاب وهواك» لمحمد عبدالوهاب. كما يستعير من الفولكلور الروماني في مقطوعة «أنجلا» (Angela) ويستوحي من ليريو بانيكالي في «لايدي مون» (Lady moon)، ومن جوزيه دي ماريا دي أبرو في مقطوعة «فريز أوت» (Freez out). يبدو أن التلميح الموسيقي أصبح أسلوباً متّبعاً لدى صاحب »أسرار صغيرة«. على كل حال في هذا الأسلوب غنى لأعماله، ففيه بناء على ما جاء من قبل وحمل هذه الأفكار إلى مستويات جديدة من التعبير. إنها الطريق لهذه الموسيقى لتتطور ولتصبح حقاً امتداداً لما كانت عليه.
فرّوخ الذي تعلّم العزف على الساكسوفون مع شقيقه من دون تلقي أي دراسة أكاديمية في البداية، حثّه تأثره بموسيقى دكستر غوردن في الولايات المتحدة على التعمّق في النغمة ومكنوناتها فدرس الموسيقى لاحقاً في دار المعلّمين في باريس. وتتجاور في تجربته الخاصة والفريدة، الأساليب والمناهل الفنية ومصادر الوحي، إذ يتجاور الفولكلوري والمعاصر والالكتروني، من دون تقديم تنازلات تسويقية وإنتاجية أو الانزلاق الى المحلية الفولكلورية الساذجة والمتكرّرة. وتكمن قوّة هذا الموسيقي الراقي والهادئ في شخصيته كما في موسيقاه، في تجاور الآلات الغربية والوترية والايقاعات مثل الناي والعود مع الفيولا والأكورديون والترومبون والساكسوفون (ملك مقطوعاته) والرقّ والغيتار الكهربائي والايقاعات الالكترونية (خصوصاً في أسطوانة «درابزين»). لكن فروخ استخدم في «المدن غير المرئية» آلات شرقية أقل من أعمال أخرى. فركّز على العود والرقّ والدربوكة. لكنه وزّع البيانو والأكورديون والغيتار والبايس والدرامز والساكسوفون والعد والآلات الايقاعية المختلفة، بطريقة ذكية ليخرج العمل بهذه السلاسة والتسلسل كأنه رواية موسيقية تتضمن قصصاً قصيرة منفصلة متصلة. فاختيار الموسيقيين لتنفيذ المشروع، بالنسبة الى فرّوخ هو توازن دقيق ومسؤول، ولكن «فعل الاختيار بحد ذاته هو امتياز للمؤلف الموسيقي». عندما نستمع إلى عمل موسيقي ما، طبيعة الآلات تحيلنا إلى قسم من مرجعيات المؤلف وتشير إلى مزاجة الفني. وفروخ هنا يسعى إلى تلاقي الموسيقيين في إطار سيناريو محدد، حيث كل واحد منهم يحافظ على طبيعته بقدر المستطاع.
مقطوعات تحاكي المكان
لطالما كانت موسيقى توفيق فروخ تحاكي المكان في المقام الأول، ثم الذكريات والحنين الى الوطن المفقود أو الوطن الحلم، خصوصاً في أسطوانات «علي في برودواي»(العام 1994) و«أسرار صغيرة» (1998) و«درابزين» (2002) وفي «أغنية حنينة» تحديداً في ألبوم «توتيا» (2006). وعادة التعلق بالأمكنة هي سمة نراها في الروايات والسرد، وفي السينما. ولكن، في أسطوانة «المدن غير المرئية»، كبُر المكان عند فروخ ليتّسع ربما الكون المتخيّل ومدن زارها الفنان اللبناني، ولها في قلبه ذكريات مثل القاهرة أو قرى مثل «Villes sur Auzon» في ريف الجنوب الفرنسي، أو أحياء قديمة مثل القنطاري في بيروت. لماذا يربط فروخ غالبية أعماله بالمكان؟ يقول هذا الرجل المسكون بوطنه في حديث مع مجلة «نِزوى»: «إذا كانت الموسيقى تعرّف بمجتمع ما، فهي وسيلة لتأكيد الانتماء إلى مجموعة فنية أو ثقافية ما. و»المدن غير المرئية» يطمح إلى تجسيد هذه الأفكار والتساؤلات عبر الموسيقى، من دون امتياز أو تنازل حيث القلق والطموح يلتقيان». وهل ذلك يعتبر خطّاً مسارياً لأسلوب فروخ أم أنه يعكس شخصيته وكيف يرى الأمور؟ يفيد بأن «الأسلوب عندي ليس هو الأساس. الأهم هو حرية الإبداع والفكر. فالتأليف هو الرغبة أو الحاجة الى إيصال المشاعر أو المفاهيم المجردة أو أن يقتصر الأمر على طموحات جمالية بحتة. نعتمد في التأليف على أنماط لها علاقة بثقافتنا وتاريخنا والذاكرة… ذاكرتنا السمعية. لكن التأليف يرتقي الى مجال الفن (Domaine Artistique) خصوصاً عندما يتجاوز الاستيعاب، عندما يبحث عن غير المألوف أو الجديد عبر استخدام تقنيات ونظريات مألوفة أو العكس من خلال المعارضة لهذه الأدوات».
يعتبر البعض أن فروخ في هذا المنحى يأسر موسيقاه بثيمة الحنين الى الوطن وأسئلة الانتماء، وبالتالي نشعر في مكان ما بأننا سمعنا هذه المقطوعة (على رغم جماليتها وقوتها) من قبل، وأن هناك تكراراً في الجمل الموسيقية. فما ردّ الموسيقي الذي ألف مقطوعات لكثير من الأفلام منها »أرض مجهولة لغسان سلهب و »فلافل« لميشال كمون و »السلّم إلى دمشق« لمحمد ملص؟ يردّ: «نحن خليط معقّد لعوامل عدّة غير مستقرة أو ثابتة، مما يشكل هويتنا الثقافية. المفارقة للثقافة ليست فقط حقيقة تاريخية، هي كاللغة مثلاً دائماً إلى تغيير. الجذور، الثقافة، التاريخ الشخصي والجماعي، كل ذلك يسري داخل أنفسنا. فمن خلال التعبير عن الحميم والاجتماعي، الشخصي والثقافي، في عالم يتحول بفعل العولمة والشبكات الاجتماعية، أتساءل عن مفهوم الانتماء؟ يجب علينا ان نفتش عميقاً للعثور… هذه الرغبة في السير على حبل مشدود، التجريب ومحاولات الذهاب في الممرات الصعبة وربما التعثر أحياناً وعدم الخوف من هذا التعثر! سمعنا مراراً أن «السعي نحو الكمال هو حق نبيل لأي فنان» هذا صحيح، ولكن ليس هو الهدف».
بين المتخيّل، الخرافة، الأسطورة، والواقع بما يحمله من تخبّط وحزن وحنين وقسوة ومفاجآت وطموحات ونجاحات وانكسارات، ينسج توفيق فروخ جُمله الموسيقية السردية وصوره الشعرية في «المدن غير المرئية». إنها أسطوانة تستحق الاستماع لأنها تحاكي أرواحنا. وكلّما سمعتها اكتشفت فيها مزايا جديدة أو قصصاً مخبّأة تعبق برائحة العتق والأبيض والأسود.


رنا نجار

شاهد أيضاً

قراءة فـي «ثلاثية» مي التلمساني الروائية

لماذا يذهب الكاتب إلى الماضي ولماذا هذا الحنين إلى طاعة مستعصية، لم تعد تمتلك شهوتها …