أخبار عاجلة

ثـريـا ماجدولين.. المسـرى الفاتـن، والمجـرى العـذب

تشكل تجربة ثريا ماجدولين الشعرية، نقطة ضوء متوهجة في مدونة الشعر المغربي الحديث والمعاصر، إذ من الممكن التحدث –أكثر من هذا-عما يمكن تسميته بالعلامة الفارقة بالنظر إلى جيلها، وبالنظر إلى السياق الزمني والشعري الذي ظهرت فيه، وتَخَلقَتْ رويدا، رويدا حتى استوت وسمت، واكتسبت تلك الجدارة الخصوصية التي لا محيد عنها للشعر إذا أراد أن يكون شعرا، ما يعني نوعيتها اللغوية وقيمتها الفنية، وصوتها الإضافي الحارق الذي لم يُضَحِّ، قيد أنملة، ببهجة التصوير، وفتنة البوح، وتوقيع المعنى، التوقيع الذي يسري بطيئا عميقا في شريان النص، ونسيج الكتابة.
لم تعمل ثريا ماجدولين على «تفجير اللغة» ولا على قلب البناء، ولا على إيراد الغرائبي والعجائبي، والكابوسي، والهذياني كما هو شأن بعض التجارب الشعرية المغربية، بل عملت على تنقيح تجربتها، وتجديد دمها ومائها. ومن ثم، تتبدى لغة مجاميعها الشعرية بدءا من «أوراق الرماد»، وانتهاء بـ («أي ذاكرة تكفيك؟»)، لغة بسيطة فيها رهافة، وعمق ورشاقة ورصانة. إنها لغة جملية مع جلال، وهو ما يحدد شعريتها، ويَسِمُها بالتفرد.
كما أن هذه التجربة الشعرية لا تقوم على آلية التماثل والتشابه، محاشاة للنمطية. تجربة تستدرج الذات المقهورة إلى البوح بدفائنها، ومكامن عذاباتها من خلال أسلبة شفيفة، جارحة، وسائلة تقول حالها وعنفوانها، محاولة مُفَارَقَة، وتجاوز وضعها الاستلابي، استشرافا للتحرر والحرية والانطلاق، وهو ما وسم تمثيلا -نصوص «المتعبون» الذي يعقد حبل السرة- في إطار بناء مشروع شعري، وتصور متكامل-مع العملين الشعريين التاليين: «سماء تشبهني قليلا» و»أي ذاكرة تكفيك؟».
مشروع يسعى حثيثا بكل التؤدة والجنون معا، إلى تحقيق الذات خارج السلطة الدوكسولوجية للرجل:
يدي/ لسان ينطق/ كلامه بالأصابع
يدي/ ليست يدي/
كلمات تلخص وجودي
في صفعة خَذٍّ
«الذات الشاعرة ذات عرضية متموضعة في حالة شعورية ما، أو في زمن ما، منحولة ومتحولة، متجاوزة للفروقات، لأن هذه الأخيرة حقيقة ذات مرجعية واقعية، وذات وضع معين قبل أن تكون حالة من الكتابة الشعرية نفسها.
وعلامة التجربة الشعرية المميزة تتمظهر جليا، في تملكها رحابة المتخيل، والإحساس الحاد باللغة كقيمة تعبيرية وقيمة ووجودية، وكنعمة من أروع النعم على حد تعبير هولدرلين. ومع أن لغة المجاميع الشعرية تنفتح على أبعاد وصور جسدانية، وتحتفي-عاليا- بالجسد في جوعه الغريزي، وعويله، ونداءاته المغيبة، وخرقه للطابو، فإن الأمر لا علاقة له بالإيروتيكا والشهوانية، وهذا أول وأهم ملحظ ينبغي أن نقف عليه ونعيه بالأحرى.
فالنص جسد أيضا، جسد لذيذ يرعش ويرتعش، ويتحول، ويتجلى، ويتبدد ويذوب في العين، وفي اليدين، وفي الفم كلدائن الأطفال. والذات في هذه التجربة الشعرية العذبة، تشكل موضوعا وقناعا في آن، حيث تنصهر بالموضوع، وتتماهى الأنا بالأنا، فكأنما الأنا مرآتان متقابلتان/متنابذتان، أو مرآة (لنذكر أن ثريا تركز كثيرا على المرايا)، متشظية، ومنشطرة إلى ذاتين: برانية وجوانية لا تنيان تتصارعان لتمحو الجوانية البرانية المتلعثمة، فاقدة القدرة على الكلام، والمرتبكة، ولتحقيق ما به تحيا وتكون.
وهكذا، تواجه الأنا الجديدة المنبثقة من هذا الصراع النفسي والوجودي، الآخر الغائب الذي هو الواقع.. هو القيود والمواضعات الاجتماعية، والذي هو، أيضا، النظر التحقيري للمرأة.
(فالحافز للكتابة، والواقع المحرك لرغبتها، هو، بلا شك، البحث الدؤوب الذي لا يهمش الذات باعتبارها بؤرة التجربة، ولكونها الجسد-الوعاء الذي تتجمع فيه الغرائز فتنفجر أشكالا تعبيرية تخترق «جدار اللغة» كي تقول :المستحيل» و»المكبوت» و «اللاوعي»، وتعبر عن الرغبة. والكتابة، بهذا المعنى، تعيد الاعتبار للجسد)
«الأنا»-في تجربة ثريا ماجدولين الشعرية، أصبحت مناط هذه التجربة الشعرية، وعنوانها، من دون أن يعني ذلك أن «الأنا» هي عودة فجة بالذات إلى رومانسية حالمة رخوة، أو غنائية تروم التطريب. فالأمر –هنا-يتصل بأنا هي ذاتها تتوالد وتتناسخ» (ثيمة المرايا تثبت ذلك)، في حالة توتر وقلق دائمين. «أنا» قررت البوح والعري، وعولت على لقاء أناها الأخرى: «الأنا» المفتقدة، «الأنا» المصادرة، من أجل بعث شرطها الإنساني والوجودي الذي حاول «الآخر» طمره، وقتله.
فهناك –إذاً-نوع من «التحويل الباطني» للأشياء؛ ومحك هذا التحويل هو «أنا» الشاعرة. وهناك إبدال تحقق على مستوى الكتابة، ولعل «الأنا» هي سيدة هذه الإبدالات.
منذ عملها الشعري الأول، داورت ثريا ماجدولين ثيمات ارتكز عليها النسج والبناء والأفق والمعمار، عَنَيْنا الظل والنار والرياح. ففي أتون العذاب والتلظي والحرائق المشتعلة في الذات والجسد، تنزع «الأنا» نحو الظل، الظل القائم، والظل الهارب بالمعاني التي تنداح من لفظة الظل، والتي تتحدد في كون الظل بردا، وسلاما وانتعاشا وَفَيْئًا وتتحدد في، مرات كثيرة، بحسب الحالات، واللحظات والسياقات، بكونه نقيض النور، ورمز الخيال بالمعنى الذي يفي باللامعقولية، والتبدل، والتلاشي. كما أن ظلا آخر لمعنى الظل، يرين على أطواء مجاميعها الأربعة، وهو المتصل بالموت، بمملكة الأموات، بالخفاء والقبر، حتى إن الرائج من معنى: «حياة في الظل»، لا يخرج عن مفهوم: «حياة ناقصة، حياة مكبوتة ومحبطة. أما النار، فهي أساس الكينونة الأنطولوجية، إنها جوهر الكون. وفي البوذية: النار تطهير ونقاء وكشف. وفي القرآن تتحول النار إلى برد. فالذات بإدراك بعدها الناري، تمضي بعيدا في الالتحام بالنار المغذية والمخصبة لحيوية العالم، والمقررة لمصيره. إنها ما يحقق اللذة المبتغاة، وتشعل الجسد، وبالتالي، الروح الكامنة فيه».
والمطابقة في «كتاب الرموز» ثابتة بين النار والقلب. ويرى «باشلار» أن الحب هو الفرضية العلمية الأولى لتوليد النار الإنسانية قبل النار المتولدة من الحطب. فيما تدل الرياح، بالجمع، على الاضطراب والعواصف، والعنف الأعمى، وبالإفراد على النَّفَسِ والروح.
من جهة أخرى، تعول الذات على الشعر ملجأ ومنقذا وحبيبا حين يعز الحبيب:
قد ينقذ الشعر/ ما تبقى من الأوكسجين في رئة الأرض/ويؤجل موتى المحبين/ بضع دقائق
كما تنهض القصيدة/الشعر، واحة، ونخيلا يرخى سوالفه، وعذوقه، وخيمة عزاء:تعال تغتسل
من حمى المسافات/ نهجر واحة الصمت
نفترش سماء جديدة/ لنخيط قصيدة تشبهنا
قصيدة نمرح فيها/ متى نشاء
نطفئ في نهرها/ عطش الذكريات
وبالعودة إلى بعض المجتزءات الشعرية، تتلع مداليل الظل رأسها في وجوهها المختلفة:
جاءني يحمل زهوا في عينيه/ يحلف أني/ أول ما رأى في الكون/ وآخر ظل يستريح إليه
وفي نص آخر: وفي الظل تنفرط خلاياي
تسقط مني نفسي/ فمن يرتب شظاي
ويعيدني الطفلة الماضية..
وفي نص آخر:
أيها الظل/ توهج قليلا لأراني
تحرك قليلا/ لأعرف ما بي
تمزق قليلا/ ليخرج نبعي
يرمي قشرة الوهم.
وفي مكان آخر:
انتهى زمن الوهم/ إذن/ فكِّي أزرار الظل سريعا
عن وجه السماء
حتى إن الظل يصير- في تعبير شعري بديع- إلى بلَى وإقواء، وبقايا شواخص متهدمة:
ناولت كأسا لظلي/ قلت:
نخبك/ أيها الطلل البالي.
وبالإمكان إيراد نصوص شعرية كثيرة عن تمثلات «الأنا» للظل في دلالته، وكيفياته المختلفة. كما يمكن فعل الشيء نفسه مع ثيمة النار بتقاليب معانيها ضمن الدواوين الأربعة. لكن المقام لا يسمح بذلك، وللمستزيد أن يستزيد وَيَرَدِ حياض النصوص الشعرية.
هكذا، تشف القصيدة لدى «ثريا»، وترق، وتتلألأ بالفتون كَمَاسَّة زرقاء يتواثب لونها في جفن الندى:
أنا منزل/ في الهسيس القريب/ من شفة الورد
دع سماءك حانية علي/ وشمسها تسيل على كتفى/ وتجلس في يدي/ كسلة الضوء/ دع القصيدة/ تكبر على حوافنا/ إغرس على ضفتيها
وردا ونايا وغناء
هي ذي القصيدة التي تحيا بها الذات الشاعرة، والتي تسعى حثيثا إليها، لتستضيء بها في واقع حالك، وزمكان رمادي، وظلم أشد مضاضة شرعنه ذَوُو القربى:
على حافة الليل/ أسير وحدي/ إلى القصيدة/ يتبعني خطوي/ يسبقني صداي
فليس غير الشعر بلسما للروح، وليس غير الشعر ماء يروي صدى الروح، وعطش الجسد، وليس غير الشعر عكازا ضوئيا في ليل العميان. لأن الليل دف بها وَحَفَّ، واستدغل، وضيق الخناف، وسد المنافذ في وجه كل أمل مرتجى:
ها أنا أعبر ليلا من رماد/ إلى ليل من حميم
أرسم غدي المشدود/ بين قوسين/ (أو أدنى)
وكأن اليأس العام، اليأس المُطْبِق، فَتَّ في جسدها المنهوك الذي ثقبته سهام طائشة، وتسرب كأفعوان الموت المتلصص إلى الروح، فتنبري قارئة قصيدتها الأخيرة/ لوحتها المَكْدُومَة والمكدودة والداكنة، مدثرة في إهاب من حكمة سوداء:
أقرأ للسواد الموغل جواري
قصيدتي الأخيرة:
السهو خطيئتك أيها الزمن/ كل آت يغلفه المحال
كل آت غياب/ لا شيء في الأفق/ غير غربة ناعسة/ هنيهات من شجن/ فتات امرأةً.
وفي صراع كينوني مرير وساحق، تنتفض الذات المعذبة، راغبة في الرحيل، والانعتاق من مضاعفها الثاني أو قسيمها الجواني، بصيغة أمر حاد، لا مجال للتردد فيه:
يا امرأة/ تقيم في جسدي/ تَمْلأهُ بالأسرار/تطرز حواشيه/ارحلي من جسدي/ أقيمي خارجي/ لست من هذا الزمان
فكأن المرآة، وهي تجلو المظهر البراني للذات، للوجه والقسمات، والجسد في كليته، إنما تنفذ عميقا إلى الدواخل، معيدة الذات إلى وعيها المسروق منها، وإلى ضرورة أن تقول كلومها، واضعة حدا للصمت المهين، مستحثة حقيقة الوجود الإنساني على أن يقول رغباته، ودفائنه، وحريته، وكرامته المهدورة. فلم يعد الصمت ممكنا في ظل الاستغلال، والتعذيب، والمصادرة على الحق في الكلام، والتهميش والإلغاء:
خذي طينك/ وصمتك/ حمرة الخجل فيك/أقيمي خارجي/ هيا دقي غيومك/في حاشية الصخر/هناك../اهجري أقبية الجسد
-إلى أن تقول:
اغتسلي بماء الشمس/ارقصي حول المرايا/ أصرخي بكلك/بسائر دوائر الصمت فيك/ أعلني كم أنت/ سيدة /حين تشائين.
وليس أدل على عذاب الذات الوجودي، وقلة ذات اليد لجسد منخوب، ومنذور للنسيان أكثر من تماهيه بالفراش: (الفراشة) في منتهى هشاشته، وتوقه الأبله أو الصوفي إلى الاحتراق:
أنا دليل الذهول/ أنت السراب/أختار أن أكون
الفراشةُ/ وتكونَ الضوء/ فهبني بعض هذا الحريق../ففيه البداية فيه النهاية.
بهذا المعنى، يصبح الاختيار وجوديا بامتياز، مُتَقَصَّدًا، وَمُوعَى به، لا قدرا مقدورا. فكأن الذات المهيضة، وقد ناوشتها الرماح، وتكسرت عليها النصال، توحدت-في أعلى درجات التوحد، بالنار المطهرة القيامية، تماما كالسمندل الذي يتوهج ويتجدد بالنار بما هي جوهر الكون.
وَتُبْقِي التجربة الشعرية على خيط الدلالة مستمرا جارحا يشي بنضج شعري رفيع من خلال ديوان: ( أي ذاكرة تكفيك). ففي نص (ظل الغائب) الطويل نسبيا، تنزع الذات نحو فعل الخروج من الشرنقة والسياج، وتصر على تهشيم المرايا، مرايا الألم حيث يشرق الجسد، ويتعدد، ويتشوف إلى العودة المنتصرة إلى ما كانه قبل «السبي» إلى كامل عنفوانه وحريته:
(يا أنت… يا المتعدد حولي/ لا تنتظر أحدا
ولا تطل النظر في مرايا (الألم)
ثابت الخطو يمشي إلى الغد المحلوم به، إلى أقواس الفرح، إلى تأكيد الذات، والانتصار لخيلائها وحياتها:
(لست واحة لأحد)
علما بأن غيوما من الأحزان لا تزال ترين على الذات المشروخة، بما يعني، على لغة النصوص. كما أن الظل ظل يلعب دورا مركزيا وحاسما في إدارة الدلالة، وتفتيق أوراق الخطاب:
(أنا العابرة دوما/ في الرياح/ لا شيء معي/ سوى ظلي/ وحده يجلس جواري/ يقتات من شجر الصمت.
لكنها تحمل المرايا في ليل الذئاب، فاتحة الطريق إلى ما يلتمع هناك.. بعيدا في آخر النفق: لعله هيوب الأمل والهواء
-( قدْتُ مراياي/ إلى حيت/ يدعوني هواي)
معلنة بإصرار أنها ليست ظلا لأحد:
لست ظلا لأحد/ أنا قوس فرح/ أترك ذاكرتي للريح
أرسم اشتهاءات الندى/ للجسد الحرير/ أغطي حفر الليل بالنسيان/ تهوي الفراشات من جسدي/ تحرث الضوء حولي/ ينحني الهواء لي/ كي أمر إلى الغد.
نعم، إن الذات متوجسة من الغد، وبما يَهْجِسُ بِهِ صوت دواخلها، وشكوكها، ومرارة خيباتها، إذ بقدر ما تخلع حُرُوفٍ الحداد، بقدر ما تعزف لحن الشجن، على رغم دعوة نفسها للرقص:
(أنا المسافرة/ نحو الأعالي/ كدالية عاشقة/ أخلع حروف الحِدَادِ/ عن ثنايا القصيدة / أفرش/ ِرمَالَ الفرح/ وأدعوني للرقص.
هذا الإصرار على الحياة، والبقاء ضمن اشتراطات الوجود ذي المعنى المركوز في الحال البهي، والمآل الأبهى، لا يمكن أن يكون إلا بتكسير المرايا، لأن المرايا عين على الذات، عين فاضحة، واضحة، وناضحة بكل اعتمالاتها، ودخائلها، وهو ما تحقق للأنا المغتربة،والمنشطرة، والذات المستكينة التي أريد لها الصمت والمحو:
( ليل تكاثر فوقي/ حتى نسيت وجه الصباح/ مداد تكاثر في ذاكرتي/ حتى عميت/ فلا تطاوع يا قلب
هذا الخريف/ إذا امتدت إليك يد الفصول/ واشربي يا أنا/ كأسك الأخرى/ واكسري يا أنا/ مراياك كلها.
ومن ثم، يصبح فعل التكسير فِعْلاً وُجُودِيًا بامتياز أيضا، فِعْلاً اسْتِعَادِياً للصوت الممنوع، والحلم المصادر، والجسد المستباح، والحرية المدوزنة والممنوحة بالجرعة وفق مزاجية باتريركية غاشمة، مُسْتَبدَّة وطاغية.
لكن الذات بِفِعْلِها الجسور هذا، وهي تنادي الليل أن يضيئها (أضئني أيها الليل) على عكس أبيها الروحي الشاعر أبو فراس الحمداني الذي أضواه الليل: أي أَنْحَلهُ وأَسْقَمُهُ، لم تستطع الفكاك من سديم اللحظة، من بياض المابين، من مزق البرزخ، إذ تدخل اللاحالة، وتدخل محو المحو، وتقيم في العدم. فكيف تستقيم الإقامة في العدم، والعدم لا قبل – لا أثناء، ولا بعد.
العدم لا لغة، ولا تفكير، لا جسد ولا ذات. بيد أنه الشعر الذي يعدم العدم ليضحى وجودا بالقوة، وكينونة في بؤرة التلاشي، واستيلادا للنطفة في مشيمة الظلمة والظلام:
لا أفكر/ لا أحب/ لا أكره/ كأني جدار/ لا أنْتَظِرُ شيئا/ ولا أَنْتَظِرُ…/ لا تحط العصافير على يدي/ لا تبني أحلامها في دمي/ لا أحتاج إلى أرض لأقف/ ولا أحتاج إلى سماء لأطير…/ لا مكان لي/ لا زمان.
فحتى الذرائع كلها، وهي ذرائع صدق لا تمويه- إلى الآخر المحتضن، لم تكن شفيعا لها في ما أغْدَقَتْ من محبة وعشق خَالِصيْن للمحبوب الذي لم يَرْعَِو، ولم يكن أهلا لهذه العاطفة الغامرة. لنقرأ هذا الكلام الشعري العذب:
أخفيت غيمة في عيني/ كي أرى مطرا/ أخفيت نحلة في الكلام/ كي أسقيك عسلا
عريت رأسي/ كي أشرق فيك
أشعلت دمي/ كي أراك.
أما بعد: فإننا نخلص من كل هذا، إلى اعتبار تجربة ثريا ماجدولين الشعرية، تجربة معتبرة من حيث جمالها، وعذوبتها، ووقعها الأليم في الذات المتلقية، وهو الوقع المنبجس من عمقها الأنطولوجي، ومعاناتها المخصوصة، وصدقها الفني. فنحن لا نتحدث عن تجربة لغوية متماهية مع تجربة حياتية لحظة… لحظة. وأثرا بعد أثر، مما يوقع في الوهم أنها سيرة الشاعرة الذاتية، وقد تَشَرَّبَتْها اللغة، وسما بها الخيال، وترحلت بذكاء واستبصار من عين الجارحة إلى عين الروح، بعد انصهارها في مجموع التحولات والمكابدات التي كانت الذات مسرحا لها. ما عنيناه هو أن النص الشعري يخترق النص الواقعي، متبنينا ومنكتبا حتى لا مجال إلى لحم الذات بالواقع، إذ أن التفكير في نقل التجربة الحياتية إلى اللغة، يُحْدِثُ – منذ المنطلق- مَسَافة زمنية وجمالية بينهما، ويحفر أخدودا عميقا يَنْمَلِىء في أثناء التحبير بأعشاب المجاز، ويُغَطَّى بمتواليات النسيان، على رغم أن الفكرة الشعرية التي تتخلق في أزهار اللغة، توحي بالحياة الشخصية للباث منقولة إلى الكتاب.
لقد انتصرت اللغة على الجوع الروحي، وانتصر البوح على صمت الجسد، وانتصر إيقاع الذات على إيقاع المحيط المُحْبِط والغازي، وانتصر الشعر أولا وأخيرا. ذلك أن ثريا ماجدولين: (رأت أن الشعر في الحياة مستبعد، فاختارت الحياة في الشعر).

شاهد أيضاً

اللصُّ الورديُّ

وأنتَ مشغولٌ في عالمِك الذي ينمو، مقتطعاً من رقعتنا كلَّ يوم مساحةً جديدةً، يرافقُني طيفُك …