أخبار عاجلة

ثلاث رسائل وثلاث قصاصات من رياض الصالح الحسين (بمناسبة مرور ربع قرن على انتقاله إلى الطور الثالث: في 21/١١/1982)

  أولاً- ولادة أسطورة:

  لا أحد في سوريا، أو من المطلعين عن قرب على المشهد الشعري السوري، إلا ويعلم تلك المكانة التي يحتلها الشاعر الراحل رياض الصالح الحسين. وإذا كان يحلو للبعض، وأنا منهم، أن يعتبر أن موته الفاجع عن عمر /28/ عاماً فقط، لا ريب لعب دوراً كبيراً في ولادة ما يشبه الأسطورة، إلا أن الخلطة الشعرية السحرية التي قام بها رياض لأهم مؤثرات القصيدة السورية في السبعينات من القرن الماضي، أولاً، الإغواء الذي لا يقاوم لأدوات محمد ماغوط، المؤثر السوري الطاغي على قصيدة النثر السورية، وثانياً تلك العفوية والاستسهال الذي اتصفت به قصيدة بندر عبد الحميد، وثالثاً، الانفعال والحرارة التي ميزت شعر نزيه أبو عفش الإيقاعي والنثري على السواء، هذه التركيبة التي أوحت بقابليتها تحويل أي كلام إلى شعر، كان لها برأيي الدور الأكبر، لأنها تلاءمت، على نحو مباشر وغير مباشر، الجو الثقافي والسياسي السائد في سوريا خلال العقود الثلاثة الأخيرة من القرن المنصرم، وبالتحديد من أواسط عقد السبعينات إلى نهاية عقد التسعينات. حيث كان السوق الثقافي السوري مغلقاً في وجه التجارب الشعرية العربية الطليعية، أساليب ومضامين في آن!. رافق هذا تململ سوري ظاهر على هذين المستويين بالذات، وخاصة بالنسبة للجيل الذي كان يقف عند عتبة تجاربه الإبداعية، وبصعوبة يسمح له بالدخول. الأمر الذي أدى إلى تفشي هذه الوصفة وتعميمها مذ ذاك لليوم، حتى راح يمكننا القول إن قصيدة رياض ما زالت تكتب، وإن تجربته ما زالت تتابع وتتقدم، راسمة لليوم، إيجاباً وسلباً، أكثر ملامح القصيدة السورية انتشاراً ورسوخاً.

  قد يجد البعض أن هناك قدراً لا بأس به من المبالغة، في إطلاق صفة الأسطورة على رياض صالح الحسين، بالتأكيد أوافق على هذا، وكنت دائماً أعترض عليه، إلا أنني منساق إلى مفهوم رياض بالذات، ومفهومي أنا أيضاً، بأن عمل الشعر، بأحد أهم وجوهه، هو أسطرة الواقع، تحويل الهامشي إلى متن، رفع المهمل والمتروك إلى رف الصمديات، تجميع فتات زمننا وخلق حياة.. الأمر الذي جعله يطلق (أساطير يومية) عنواناً لمجموعته الثانية.

ثانياً- الرسائل والقصاصات

إذن ضاعت رسالة رياض الأخيرة التي أرسلها لي قبيل وفاته بشهر أو بأيام، والتي يخبرني فيها أنه يحاول أن يكون قريباً مني أكثر من أي وقت مضى، وفي كل شيء تقريباً، يريد مثلي أن يحب بعواطف فاترة، وأن يكتب قصائده وكأنه رجل نصف نائم يحاول كش ذبابة عن وجهه، مثلي! #رأيت أن أبدأ بهذا الكلام رغم شبهته: #قال لي ميت»، تلك الرسالة التي كان علي أن أحرص عليها أكثر من سواها، ليس لأن فيها هذا الكلام وكلام آخر أكثر أذى، بل لأنها الأخيرة منه، ولكن من كان يصدق أن رياض سيموت بعد أيام! مع أننا نعرف أنه كاد يفعلها مرتين أو أكثر، ومع أنه كثيراً ما كان يقولها لنا!؟ كنت، كصديق بعيد، بعيد عن الشلل الثقافية في دمشق، بعيد عن (هات وخذ) بين الأصدقاء، بعيد عن التنافس على الفتيات اللواتي بأنواعهن انجرفن إلى العاصمة وبدأن حياتهن الأدبية والفنية!؟ أقول كنت كصديق آخذ حريتي في التعبير عن رأيي بشعره، الذي كنت آخذ عليه عفويته وانفعاله، كما آخذ عليه.. حريته الزائدة في الكتابة. فكان يرد علي ضاحكاً: #على الأقل اسمح لي أن أكون حراً وشجاعاً على الورق». لكن ملاحظاتي، وما كتبه عنه سعدي يوسف في مقدمة (بسيط كالماء واضح كطلقة مسدس) التي اعترضت على نشره لها، لكونها أقرب إلى مراجعة نقدية سريعة للمجموعة أكثر من كونها تقديماً، إلاّ أن رياض ، رغم موافقته لي، كان محرجاً لأنه هو من طلب من سعدي كتابتها، وعلى كل حال ليس قليلاً أن يقدمك شاعر له هذه المكانة كسعدي: #الفانتازيا ووهم الكلمات وتعمد التهويل والتهاويل.. ما تزال ماثلة.» نعم أدعي أن حواري الشعري المتقطع معه، وتلك التعليقات التي كنت أخلط بها الجد بالمزاح ولا أبخل بالكثير منها عليه كلما قرأت له قصيدة أو مجموعة جديدة، كانت تعمل عملها في كتابته لا ريب، كما كان يعمل معي ذلك الحوار وملاحظاته على كتابتي، حتى أني كتبت وقتها عدة قصائد حب فقط لأريه أن لي أنا أيضاً.. قلباً!؟ فقد كان يأخذ علي برودة العاطفة وذاتيتي الظاهرة، أنا.. أنا.. في الكثير من قصائدي!؟ وكنت مثله أدافع عن شعري بالتهجم عليه بالذات وبقولي له إن وقوعه في المجال المغناطيسي للماغوط ونزيه وبندر يمنعه من أن يقترب مني أو من الشعراء الذين كنت أحاول أن أدفعه لقراءتهم، كتوفيق صايغ وأنسي الحاج وشوقي أبي شقرا وعصام محفوظ.. الذين كنت أقرأ له قصائدهم كلما التقينا! أما هو فقد كان بكل بساطة، يعتبرني أغار منه!؟ وكان يقولها بصراحة، مازحاً طبعاً. وذلك لأنه حتى عام /1982/ كان قد أصدر ثلاث مجموعات شعرية، بينما أنا، ليس لدي سوى مجموعة واحدة، رغم أنه يصغرني بخمس سنين. وكان محقاً بالتأكيد، كنت أغار منه ولا أزال!؟.

 أضعت تلك رسالة، ولكن جيد أني احتفظت بالبقية، أنا المضياع لكل شيء، ولكن ليس الرسائل، لدي عشرات الظروف المخصصة لرسائل أبي وأمي وأخوتي وأصدقائي!؟؟ أحتفظ برسائل لها تاريخ في حياتي، ورسائل لم أرسلها، وأخرى ليست مرسلة لي!؟ في العقود الأهم في حياتي، الستينات والسبعينات والثمانينات، الصور لم تكن بكل تلك الأهمية، ذلك الزمن كان زمناً سادته الرسائل دون منافسة، كنت أكتب وأتلقى رسائل كل يوم تقريباً، حتى أنه عندما استدعيت لأحد فروع الأمن وسئلت مع من تتراسل، استطعت رغم تشتت ذهني وعدم قدرتي على التركيز آنذاك، أن أذكر ما يقارب الخمسة والعشرين اسماً، لم يجد الرجل من داع للوقوف عند أحدها، لأن واحداً من كل الذين ذكرتهم لم يكن مرسل تلك الرسالة اللعينة!؟ فكان المحقق يقول لي، مرسلها واحد أهبل، وكنت أرد على حياء، ولكنه إذا كان حسن من المغرب، كما يبدو من كلامك، فهو شاب ذو مشاعر عربية جارفة، تعرفت عليه أثناء دورة البحر الأبيض المتوسط، حيث تعرف خلالها على فتاة لاذقانية وتزوجها رغم معارضة خالها وزير الإعلام السوري حينها.. فإذ بالرسالة من الشاعر عادل محمود الذي كان وقتها يشغل موقع سكرتير تحرير مجلة اللوتس في تونس!.

المهم.. نصيبي من رسائل رياض، ها هو، وأتوقع إن هناك المزيد من رسائله لدى أصدقاء رياض في دمشق وحلب كسمر المير وهيفاء أحمد وحسن م يوسف وبندر عبد الحميد (أخبرني لاحقاً أنه ليس لديه أي رسالة من رياض) ونذير جعفر (لديه واحدة نشرها في موقع أبابيل) ومهدي محمد علي (نشر مرة صورة قصاصة تركها له رياض في مكان ما) وكذلك سيف الرحبي الذي كان من أصدقاء رياض اليوميين خلال دراسته في دمشق في بداية الثمانينات، وأظنه شيئاً جيداً أن نجمع منها ما أمكننا. الأمر، الذي يبدو بأحد وجوهه السلبية، أعود وأقول، تكريساً لأسطورة، ولكن ليس بالمعنى المختلق، الملفق، بل أسطورة بالمعنى الإنساني الحقيقي التي كان رياض قريباً منها، كما أحب أن نفهم هذا بأنه احتفاء بما يعنيه رياض في حياتنا، احتفاء بذاكرتنا الشاحبة، احتفاء بنا نحن، الحريصين على أن تبقى أشعار رياض بين أيدينا وعلى شفاهنا، أعداء العدم، الذين ما كان لرياض من قضية، الشعر والحب والانتماء السياسي، سوى معاندة الانزلاق إلى جوفه.

 وبما أنني سأترك للقارئ مهمة قراءة الرسائل بخط رياض مباشرة، فإنه يهمني أن ألفت النظر في كل رسالة على حدة إلى بعض النقاط التي أعتقد أنها تحتاج حيناً لإيضاح وحيناً لبعض من التركيز زائد. علماً أن القصاصات والرسائل غير مؤرخة ما عدا الثالثة التي خطّ رياض في أعلاها: 20/٦/1982 ليبين لي أنها رد مباشر على رسالة لي وصلته في: 19/٦/2008. مع اعتقادي أنه ماعدا الرسالة الأولى والقصاصة الأولى هي خلال النصف الأول من عام /1982/، العام الذي تحولت علاقتي معه إلى صداقة حميمة:

١- الرسالة الأولى:

٭ مثلها مثل بقية الرسائل وصلتني على عنواني في مديرية تخطيط اللاذقية، المكان الذي كان أول ما يحط به عندما يأتي لزيارتي. 

٭ بدون تاريخ، ولا ذكر لها في مذكراتي، لذا لا أستطيع أن أجزم إن كانت في عام 1980 أو ١٩٨١.

٭ بعد مقدمة يستطيع قارئها بسهولة أن يعرف أي إنسان كان رياض، #حياتي كالعادة، مليئة بالعمل..» حب ودموع وأشعار رومنتيكية. ويمكنني دائماً أن أحلم بشكل رائع بالحياة، إذا لم يكن ثمة حياة #يخبرني أنه يريد أن يثير الغبار عن بعض الشعراء بندر وبركات لطيف وحامد بدرخان وأنا. والغريب أن القائمة هذه -رغم صغرها- لا تتضمن نزيه أبو عفش!؟.

٭ يريد من محاوريه أن يكونوا طبيعيين، يطلب صور بالألوان، منذر مصري يلعب التنس!؟ أو منذر على البحر، بالمايوه!؟ أي رغبة باكرة بالفكاك من الايديلوجيات!؟

٭ على الصفحة الثانية ثمانية أسئلة تريد أن تعرف كل شيء عني:

٭ لماذا لا تكتب عن المرأة؟ كان أكثر ما يستغربه رياض في مجموعتي: (بشر وتواريخ وأمكنة) أنها لا تتضمن أي قصيدة حب!؟ كتب هذا في مقالته عن الكتاب في صحيفة تشرين بتاريخ 15/١/1980، وكان هذا، ربما، دافعي لأن أقوم بإعداد مجموعة (أنذرتك بحمامة بيضاء) التي حشرت نفسي فيها بين شاعرين متخصصين بشعر الحب، مرام مصري ومحمد سيدة!.

٭يعود وينبهني: #تحدث بعفوية بلا بهارات توابل».

٢- القصاصة الأولى:

٭ #كاصد يسأل عنك، أما زوجته حذام، فحدث ولا حرج» كان هو من عرفني على الشاعر العراقي صاحب () عبد كريم كاصد وزوجته في دمشق، أخذني إلى ذلك البيت الذي كانا يسكنانه في حي المهاجرين حيث أذكر أني قرأت حينها بناء على طلبهما عدة قصائد من نسخة لـ(بشر وتواريخ وأمكنة) لديهما. كان كاصد والعديد من الشعراء العراقيين يبدون اهتماماً بي، ويسألون عني، حتى أن كلا من هاشم شفيق وصلاح فائق ومهدي محمد علي قد جاءوا إلى اللاذقية لزيارتي. كان هذا ربما بسبب نشر جمال باروت مقالة عن شعراء السبعينات السوريين في مجلة (أقلام) العراقية نهاية عام 1978، التي مع عدد من الإصدارات والمطبوعات العراقية راحت تدخل إلى سوريا في الفترة التي أعقبت الميثاق، وربما أيضا بسبب مقالة سعدي يوسف عني في مجلة (البديل) العراقية التي كانت تصدر من قبرص، العدد الثالث عام ١٨٩١، فكان رياض يجيبهم ضاحكاً:# من منذر مصري هذا؟ إنه شاعر بورجوازي، لدى أهله سيارة، ولكنه صديقي»

٭ #اشتريت بذلة، لونها بني، سهرت بها ليلة رأس السنة، مع ربطة عنق!؟ » يخبرني بهذا لأنه شيء غريب حقاً أن ترى رياض الصالح الحسين ببذلة وربطة عنق، ربما كان ينتوي الزواج بها، فهو يقول: #عندما تزورنا سأرتديها، ولك أن تحكم عليها» ولكن لمن تعود (نا) هذه؟

٭ #تحياتي إلى أبناء الساحل» أظنه يقصد أصدقاء مثل زهير جبور وعز الدين ويوسف علاء الدين. الذين كانوا يلتقون به كلما جاء للاذقية.

٣- القصاصة الثانية:

?536; أشبه ببرقية، لا أذكر كيف وصلتني، يخبرني أنه قرأ لي في صحيفة النهار قصائد، وأنه ينتوي زيارتي مع زميلته أو قل صديقته أو حبيبته أو خطيبته أو زوجته… والله أعلم!؟ وكان قد زارني وحيداً أكثر من مرة، وكنت أوصله لبيت أخت له تعيش في اللاذقية، حاولت مراراً الاستدلال على هذا البيت بعد وفاته، ورحت أسأل سكان المبنى الذي كان يهبط من السيارة أمامه، ثم كل سكان ذلك الحي، عن عائلة غير لاذقانية أو عن سيدة من عائلة الصالح الحسين تسكن هنا!؟ لا أحد يعرف شيئاً!؟

٤- الرسالة الثانية:

٭ حملها لي الشاعر العراقي مهدي محمد علي الذي جاء خصيصاً للاذقية للتعرف علي، ما دامت زياراتي إلى دمشق نادرة جداً!؟ لم يكن يعرفني إلا بالصور، انتظرني في الشارع أمام مدخل البناية التي تقع فيها مديرية التخطيط، فما أن خرجت حتى سمعت شخصاً يناديني بالاسم واللقب.

٭  مطمئناً على أن مهدي سيحدثني عنه كثيراً، يختصر ويخبرني أنه وحسن (م يوسف) لم يجدا قصيدتي المنشورة في صحيفة النهار، والتي لم أرها أبداً!؟ كنت أحد السوريين القلائل، إن لم أكن الوحيد الذي ينشر قصائد في النهار آنذاك، كانت قصائدي تنشر بجانب قصائد محمود شريح وبسام حجار وشعراء لبنانيين كانوا قد بدأوا بالظهور ذلك الحين.

٭ #اطلب أي شيء آخر، فأرسله لك فوراً حتى لو كان حبيبتي». بالتأكيد لو كان باستطاعته هذا لما فعله!؟ ليس رياض من يفرط بحبيبة، أية حبيبة، كان يحيا لأجل الحب، قبل الشعر وبعد الشعر، كان الحب هاجسه الأول والأخير، وكل ما عداه يقع فيه محصوراً في داخله بين قوسيه. بدون حب كان رياض لا يستطيع العيش، حتى أن أغلب من كانوا قريبين منه في المرحلة الأخيرة من حياته، كانوا يرون بأم أعينهم ما ينال رياض من أذى نتيجة تركه من قبل آخر فتاة كان يحبها. مات رياض، ربما نتيجة أذى عاطفي قاس، قاس لدرجة تعطلت فيها كليتاه تماماً عن العمل، هو الذي كان يعاني أصلاً من مرض القصور الكلوي، الذي أخفاه كسر، قليلاً ما كشفه للآخرين مهما توطدت علاقتهم به.

٭ #ربما أتزوج، لا تسأل من، لا أحب الفضوليين»: لم اسأله من، لم يكن يهمني من، كان هو من يجبرني أنه في الحب وإنه يرافق هذه فتاة أو تلك، لكنه مات لم يتزوج أياً منهن.

٭ #لست سعيدا»: هذه حقيقة رياض، رغم مظهر الابتهاج والخفة الذي كان يبدو عليه دائماً.

٭ #كتبت قصائد جديدة… (غرفة الشاعر. غرفة المحارب. غرفة سائح. غرفة مهدي محمد علي.»): تضمنتها مجموعة: (وعل في غابة)

٭ #لم تسعدني عطلة العيد. أتمنى أن أزورك، يوم أو يومين، بدون أصدقاء بسنادا ومن لف لفهم. رغم جمالهم الخاص».

٭ #اكتب لي.. أنا حقاً أسر كثيراً برسائلك، أتلقاها بلهفة.»: كتبت له الكثير من الرسائل.. أين هي؟ بالتأكيد كان يحتفظ بها؟ فهل كانت بين الحاجيات والأوراق، ربما بينها قصائد لا تتضمنها مجموعاته الأربع، أو ما كتبه بعد قصائد (وعل في الغابة) والتي جمعها أهله من غرفته ومضوا؟ قال بندر إنهم لم يظهروا أي اهتمام بشيء سوى ما يمكن أن يكون وراءه مال.

٥- الرسالة الثالثة:

٭ الوحيدة التي خط رياض في أعلاها على اليسار، تاريخ 20/٦/1982، وذلك ربما ليبين أنها رد سريع على رسالة لي وصلته في ٩١/٦/1982 بينما كانت هي مرسلة منذ 19/٥/1982، العتب على البريد يقول!؟ يا لبراءته.

٭ أرفق بها نسخة من ديوانه (بسيط كالماء واضح كطلقة مسدس) #لا يمكن أن أنسى» بإهداء: (منذر بسيطاً وواضحاً) دمشق 20/٦/٢٨٩١. في قصيدة (غرفة صغيرة وضيقة ولا شيء غير ذلك) صفحة /63/: على الرف في الغرفة كتب وأصدقاء../صورة لغيفارا ولوحة سوداء لمنذر مصري/

٭ #الحرب (في لبنان) قائمة منذ بداية الشهر الحالي، وأنا أعمل – كما تعلم – في مكتب للمقاومة، أعمل ليلاً نهارا»

٭ يخبرني أنه أعد حواري معه للنشر، وسينشر على الأرجح في مجلة الموقف العربي، الأمر الذي لم يتم، أما بالنسبة لقصائدي: (بيروت- جثة ترتدي ثوب السهرة) و(برهانه- طفل الليل أنشودة الحلكة) ف#مندوب مجلة المصير الديموقراطي زار بيت خالته ولم يخرج من عنها بعد، ويبدو أن الأطعمة أعجبته»: كان قد نشر حواره مع حامد بدرخان في صحيفة تشرين، أما حواري فَقَد فُقِد.

٭ #كريم (عبد الكريم كاصد، مرة يسميه كاصد ومرة كريم) وزوجته سافرا إلى لندن للمعالجة» حذام مريضة.

٭ #محمد (كامل الخطيب) مناضل قديم».

٭ أما أنا فأبحث عن كوخ للزواج، فالأمر أصبح جدياً، والطفل يقرع الجدران# لا أعلم هنا إن كان رياض يمازحني، رغم إدعائه الجدية، أو أنه في الحقيقة كان على علاقة مع فتاة وكانت حاملاً منه ذلك الوقت!؟ فإذا كان الأمر حقاً كما يقول، فلا ريب أن الفتاة قد قامت بعملية قيصرية ما، ومات رياض وليس له ابن.

٦- القصاصة الثالثة:

?536; هذا هو القسم الأعلى من ورقة تركها رياض لنا في البيت الذي أنزلته فيه، عند مدخل اللاذقية، في زيارته الأخيرة لي، بصحبة هالة (فيصل) وابنها أركان، التي أكدت لي مراراً، بحضرة رياض وفي غيابه؛ أن مجيئها مع رياض لا يعني أنها على أية علاقة به سوى الرفقة. وقد رأيت أن لا أنسخ الرسالة كاملة لتضمنها أمورا شخصية عادية لا تفيد في السياق.

ثالثاً: تواريخ:

– 10/٣/1954: ولد رياض الصالح الحسين في مدينة درعا  لأب موظف بسيط من قرية مارع في شمال حلب.

– 1967: أصيب بالطرش وليس البكم، كما يكتب البعض الآن، مما منعه من متابعة تعليمه، فقام بتثقيف نفسه بنفسه.

1974: ابتدأ بكتابة الشعر، وكتب قصائد تفعيلة، نشر بعضاً منها ثم أهملها جميعها منتقلاً لكتابة قصيدة نثر، ترسم قطيعة شبه كاملة مع قصيدة التفعيلة السائدة آنذاك، فجاءت باكورته: (خراب الدورة الدمويّة) 1979، نثرية صافية!؟

خلال الأربع سنوات الأخيرة من حياته أصدر ثلاث مجموعات شعريّة، والرابعة صدرت في العام الثاني من وفاته، وهناك بالتأكيد عدد من القصائد لا تتضمنها المجموعات الأربع، وأخرى كتبها بعد إعداده لمخطوطة (وعل في غابة)، إلا أن لا أحد من أصدقاء رياض استطاع جمعها، وخاصة أن أباه قد حمل معه كل أوراق وكتب رياض:

– 1979: (خراب الدورة الدمويّة) وزارة الثقافة – دمشق/غلاف ورسوم داخلية بشار عيسى/٭

– 1980: (أساطير يوميّة) وزارة الثقافة – دمشق/غلاف: عاصم باشا/

– 1982: (بسيط كالماء واضح كطلقة مسدَّس) دار الجرمق – دمشق/غلاف: يوسف عبدلكي/

– 21/١١/1982: توفي، يقال عن خطأ طبي، في مستشفى المواساة – دمشق.

– 1983: (وعل في الغابة) وزارة الثقافة- دمشق/غلاف: هالة فيصل/

٭ يلاحظ أن الفنانين الأربعة المذكرين أعلاه، يحيون اليوم خارج سوريا، وجميعهم ذو تجارب هامة، أما يوسف عبدلكي وبشار عيسى فهما من أهم الأسماء في تاريخ الفن التشكيلي السوري.

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

رابعاً: من كل مجموعة قصيدة

أظنها موفقة لحد بعيد، المختارات التي نشرها الشاعر السوري علي سفر في موقعه الخاص، معلقاً على خبر نشر كافة أعمال رياض الصالح الحسين، على موقعي (جدار) و(أبابيل) الاليكترونيين، وداعياً الجميع للمساهمة، وذلك بأنه اختار قصيدة واحدة من كل مجموعة من مجموعات رياض الأربع. فأنا رغم اعتقادي أن مجموعة (وعل في غابة) تتضمن أفضل ما كتبه رياض، أرى أن أكثر ما يمثل رياض هو القصيدة التي راح يكتبها غير مكترث بشيء، سوى بما يدفق حاراً في شرايينه مخرباً دورته الدموية، في المجموعات الثلاث الأولى:

١- دخان :

كئيبًا و منفتحًا كالبحر، أقف لأحدِّثكم عن البحر

مستاءً و حزينًا من الدنيا، أقف لأحدِّثكم عن الدنيا

متماسكًا و صلبًا و مستمرًّا كالنهر،

أقف لأحدِّثكم عن النهر

و عندما يصبح للنافذة عينان تريان يأسي

و للجدران أصابع تتحسَّس أضلاعي

و للأبواب ألسنة تتكلَّم عنِّي

و عندما يصبح للماء طعم الماء

و للهواء نكهة الهواء

و للحبر الأسود هذا رائحة الحبر

 و عندما تهيّء المطابع الأناشيد للقرَّاء بدلاً من الحبوب المنوِّمة

و تهيّء الحقول القمح بدلاً من الأفيون

و تهيّء المصانع القمصان بدلاً من القنابل…

سأقف، أيضًا، سأقف لأحدِّثكم عنِّي

 لأحدِّثكم عن الحبّ الذي يغتال المراثي

عن المراثي التي كانت تفتح دفترها الملكي

٭ لتسجِّل أسماءكم في قائمة القتلى

عن القتلى المتشبِّثين بالضمَّاد و الميكرو كروم

الذي لم يأتِ

و سأقف، أيضًا، سأقف

لأحدِّثكم عنِّي

مثلما يتحدَّث الديكتاتور عن سجونه

و المليونير عن ملايينه

و العاشق عن نهدي حبيبته

و الطفل عن أمِّه

و اللصّ عن مفاتيحه

و العالم عن حكَّامه

سأحدِّثكم بحبّ، بحبّ، بحبّ

بعد أن أشعل سيجارة!.

ـــــــــــــــــــــــــــــــ (خراب الدورة الدمويَّة)

 

٢- بعد ثلاثة أيَّام :

ما الذي سيحدث في هذا الضياء الواسع

إذا لم تشرق الشمس

لمدَّة ثلاثة أيَّام؟

ما الذي سيحدث في هذا الفضاء الواسع

إذا توقَّفت العصافير عن الزقزقة

لمدَّة ثلاثة أيَّام؟

ما الذي سيحدث في هذا الجحيم الواسع

إذا تعطَّلت أجهزة اللاسلكي

لمدَّة ثلاثة أيَّام؟

ما الذي سيحدث في هذا المستنقع الواسع

إذا توقَّفت الضفادع عن النقيق

لمدَّة ثلاثة أيَّام؟

ما الذي سيحدث في هذا القبر الواسع

إذا فقدتْ السجائر من الأسواق

لمدَّة ثلاثة أيَّام؟

ما الذي سيحدث في هذا الخنجر الواسع

إذا توقَّفت أمريكا عن أكل لحوم البشر

لمدَّة ثلاثة أيَّام؟

ما الذي سيحدث في هذا العالم الواسع

إذا أضربنا عن اليأس

لمدَّة ثلاثة أيَّام؟

و ما الذي سيحدث في قلبي الواسع

إذا لم أحبك

بعد ثلاثة أيَّام؟

منذ القبلة الأولى على رقبتك الطويلة

و حتَّى الحرب العالميَّة الثالثة

التي لم تأتِ بعد

كنت أوزِّع الحبّ على النازحين

و هم يوزِّعون بطاقات الإعاشة

كنت أوزِّع الحبّ على السجناء

و هم يوزِّعون الصدمات الكهربائيَّة

كنت أوزِّع المصانع في الصحاري

و هم يرصدون سجنًا لكل مصنع

منذ انبثاق النار من احتكاك حجرين

و حتَّى اختراع القنابل العنقوديَّة

كنت أوزِّع الحبّ في القلوب

كما يوزِّعون الرصاص

كنت أنثر الأغاني في الطرق الجبليَّة

كما ينثرون الألغام

منذ أن جلس بوكاسا على عرشه العريض

و أنا أحاول أن أحبُّهُ

بعدَ ثلاثة أيَّام

بعد ثلاثة ايَّام

ستقابل عاملة في مصنع للنسيج

رجلاً يصنع التوابيت

بعد ثلاثة أيَّام

السماء ليست سوداء

و الأحاديث ستكون أجمل

بعد ثلاثة ايَّام

ستقابل العاملة رجلاً

هي لا تحمل حقيبة

و هو لا يضع ربطة عنق حمراء

بعد ثلاثة ايَّام

ستحدث مهزلة بسيطة

-رغم أنَّ كلا منهما لا يملك أجرة تكسي-

عندما تقول له:

لا استطيع أن أحبك

إلاَّ بعد ثلاثة ايَّام

راعي بقر مكسيكي

يمتطي دبَّابة سمينة

أسنانه في نهد خطّ الاستواء

و أصابعه تلعب البوكر في داريا

جزمته في طهران

و دماغه في واشنطن

راعي بقر مكسيكي

أطلق قذيفة واحدة

فأصاب ثلاث عائلات

الأولى: لم تسمع بالأمم المتَّحدة

الثانية: لم تسمع بالأمم المتَّحدة

الثالثة: لم تسمع بالأمم المتَّحدة

راعي بقر مكسيكي

أطلق قذيفة واحدة

فثقب قلبي من ست جهات

شحذت سكِّيني ببرود

أيُّها الراعي… أيُّها الراعي

تعال لأحبَّك!

بعد ثلاث قبلات

بعد ثلاث قذائف

بعد ثلاثة أرغفة

بعد ثلاث مجاعات

بعد ثلاث حروب

بعد ثلاث جرائم

بعد ثلاث مصفَّحات

بعد ثلاث مراوح كهربائيَّة

بعد ثلاث جثث

بعد ثلاثة أرانب

بعد ٤٢ سنة من التعب البارد

من يستطيع أن يحبّني

بعد ثلاثة أيَّام؟.

ـــــــــــــــــــــــــــــــ (أساطير يوميَّة)

٣- قمر:

كل ما قاله الراعي للجبل

و النهر للأشجار

و كل ما قاله الناس و ما لم يقولوه

في ساحات الرقص و المعارك

قلته لك

عن الفتاة التي تغنِّي في النافذة

و الحصى الذي يتكسَّر تحت عجلات القطار

و المقبرة التي تنام سعيدة منذ قرون

حدَّثتك

زهرة جسدي، كل صباح

أقطفها و ألقيها في الشارع

ليطأها القادة و الحكماء و اللصوص…

و زهرة جسدي، كل مساء

أجمع تويجاتها المفتَّتة لأجمعها لك

و أقول كل ما حدث لي

مرَّة بجانبك جلست و بكيت

كان قلبي حقل أرز محترق

و أصابعي تتدلَّى كألسنة الكلاب في الصيف

أردت أن أعَبِّرَ عنِّي بالحركات:

أن أكسرَ كأسًا

أن أفتحَ نافذةً

أنا أنام…

و ما استطعت

عمَّ أتحدَّث بعد ستة و عشرين عامًا

أو بعد ست و عشرين طلقة في الفراغ؟

لقد تعبت من الكلام و الديون و العمل

لكنِّي لم أتعب من الحريَّة

و ها أنذا أحلم بشيء واحد أو أكثر قليلاً:

أن تصير الكلمة خبزًا و عنبًا

طائرًا و سريرًا

و أن ألفَّ ذراعي اليسرى حول كتفك

و اليمنى حول كتف العالم

و أقول للقمر:

صَوِّرْنا!.

ـــــــــــــــــــــــــــــــ (بسيط كالماء، واضح كطلقة مسدَّس)

٤- الخنجر :

الرجل مات

الخنجر في القلب

و الابتسامة في الشفتين

الرجل مات

الرجل يتنزه في قبره

ينظر إلى الأعلى

ينظر إلى الأسفل

ينظر حوله

لا شيء سوى التراب

لا شيء سوى القبضة اللامعة

للخنجر في صدره

يبتسم الرجل الميت

و يربت على قبضة الخنجر

الخنجر صديقه الوحيد

الخنجر

ذكرى عزيزة من الذين في الأعلى.

ـــــــــــــــــــــــــــــــ (وعل في الغابة) 
 
منذر مصري
  شاعر من سوريا

شاهد أيضاً

اللصُّ الورديُّ

وأنتَ مشغولٌ في عالمِك الذي ينمو، مقتطعاً من رقعتنا كلَّ يوم مساحةً جديدةً، يرافقُني طيفُك …