أخبار عاجلة

ثلاث قصائد من الشعر المنغولي الحديث

الأدب المنغولي المكتوب والشفوي هو ما أنتجه الكتاب والشعراء في بلاد منغوليا على مر العصور، وهي جمهورية غير ساحلية في آسيا الوسطى مترامية الأطراف إذ تفوق مساحتها مليونا ونصف من الكيلومترات المربعة ولكنها تكاد تكون غير مأهولة بالسكان الذين يبلغ تعدادهم حوالي ثلاثة ملايين، تحدها روسيا من الشمال والصين من الشرق والغرب والجنوب وعاصمتها أولان باتور التي يسكنها حوالي نصف سكان البلاد.
« التاريخ السري للمغول « يعتبر أقدم نص في الأدب المغولي وقد كتب في القرن الثالث عشر الميلادي حيث كانت القراءة والكتابة حكرا على الطبقة النبيلة التي بمقتضاها كانت تتحكم في عامة الشعب.
وفي بداية القرن السابع عشر أنتجت هذه الثقافة السائدة كتبا كان لها تأثير كبير في نهضة شعب منغوليا منها « ألطان طوبسي « لـ « ليبسنغ دانزن « و « ارديني جين طوبسي « لـ» صاغنغ صيسين « وهما عبارة عن دواوين شعرية فولكلورية مصحوبة بالغناء.
ومنذ القرن السادس عشر ظهرت في منغوليا بعض الكتب الوافدة من الصين والهند والتيبت اهتمت خاصة بالعقائد الدينية ( البوذية ) وتمت ترجمتها إلى اللغة المنغولية، وقد ازدهرت هذه الظاهرة في القرنين السابع عشر والثامن عشر إضافة إلى نصوص تاريخية وأدبية خاصة من الشعر الهندي (الكاليداصا )
في منتصف القرن التاسع عشر، بدأت تظهر كتابات أدبية خالصة في منغوليا الحديثة خاصة من طرف رجال الدين . ويعتبر « فانشين بالين انجناش « ( 1837 / 1892م ) أول الروائيين في منغوليا، وقد عاصره مجموعة من الشعراء الذين جددوا الشعر المنغولي منهم : دنزانرافجا ( 1803 / 1856م ) وقونرانزا فنشنبالي ( 1846/ 1923م) وبورجيغين فانشنبالي غولارنس ( 1820/ م1851) وهيشغبات ( 1899/ 1916 م).
ويعتبر داشدورجين ناتصاقدورج ( 1906 / 1937 م) أب الأدب المغولي الحديث بنصوصه الشعرية الجميلة خاصة قصيدته « أرض أجدادي « التي يمجد فيها بلاده منغوليا.
ومع استقلال منغوليا سنة م1921 وجدت البلاد نفسها تحت الحماية السوفيتية فاكتشف أدباؤها الأدب الروسي وتأثروا بالواقعية الاشتراكية التي سادت في روسيا السوفييتية وفي الدول التي كانت تدور في فلكها ومن أشهر كتاب تلك الحقبة « صودنوم بالجيرين بويان ميش ( 1901 / 1937م)، وقد نال هذا الكاتب شهرة واسعة قبل أن تقع تصفيته.
أما « تسنديين دامدينسورين « ( 1908/ 1986م) فقد نال هو الآخر شهرة واسعة وهو شاعر كتب كلمات النشيد الوطني لمنغوليا ورواية « الأم ذات الشعر الأسود « وقصة « البنت المنبوذة « ولكن عمله الأكبر تمثل في ترجمة موسوعة « التاريخ السري للمغول « إلى المغولية الحديثة.
ومن بين الكتاب المجددين في الأدب نذكر « بيانبين رنشين « ( 1905/ 1977م) الذي اشتهر بنقل نصوص من الأدب العالمي إلى لغة بلاده مثل كتابات ناظم حكمت وجي دوموباسان ومكسيم جوركي وفلاديمير مايكوفسكي وميخاييل شولوخوف، زيادة على اهتمامه بتحديث وتطوير اللغة المغولية.
أما أهم كتاب النصف الثاني من القرن العشرين فنذكر منهم الشاعرين « مندي أويو « و» أوشيرباتين داشبالبار» الذين سنترجم لهما بعضا من أشعارهما مع قصيدة للشاعر « داشدورجين ناتصاقدورج « الذي سبقهما بالولادة لعلنا نساهم من جانبنا في إيصال بعض من أدب هذا الشعب العظيم الذي ساد العالم في الماضي من خلال غزوات خاناتهم العظام هولاكو وجنكيز خان…
* * *

1/ قصيد أيام وليال
لـ «مندي أويو»

ولد سنة 1952 في عائلة بدوية في محافظة «داريقانقا» .
هو دكتور في الآداب وشاعر ورسام وكاتب أطفال منغولي.
حاز على جوائز أدبية كبيرة في منغوليا ، في الولايات المتحدة الأمريكية ، في بريطانيا ، في اليابان وفي كوريا.
له أعمال منشورة في الشعر والنثر أشهرها: «كلمات جوالة»:

أحب أن أستمتع، مع طلوع الفجر، بهدير جمل أبيض ثرثار.
أحب أن ألتمع عندما يشرق نور القمر الوضاء، وسط الغيوم.
أحب أن أتحول إلى جمرات عندما يولد طفل جميل وسط احمرار رياح الخريف.
أحب أن أرتعش عندما استمع إلى عذوبة شعر المعلم يفوخولان .
أحب أن التهب عندما استمتع بنغمات القانون والكمنجة العذبة.
أحب أن أستفيق عندما تطلع الشمس من وراء سهوبنا المزركشة بشقائق النعمان.
أحب أن أركض كراية في مهب الريح وأنا ألوح بسوطي عاليا في الهواء.
أحب أن أتسلق رؤوس الجبال المكللة بالثلوج تحت أنظار الوعول.
أحب أن ألعب بخشب أشجار الزان والصندل وأنصت إلى ألحانها العذبة الصادحة تحت يديّ.
أحب أن ألمس أقمشة الهند المطرزة بالذهب والفضة.
أحب أن أشعل نجوما في سماء الليل البهيم.
أريد أن ألتهب وأنا أصعد إلى قمة الجبل خطوة خطوة.
أحب أن أغني على أوتار القانون ألحان القديس يان جين جلاما.
أحب أن يغمرني ضوء معبد الشعر الكريستالي إلى أبد الآبدين.

2/ أرض أجدادي
لـ: داشدورجين ناتصاقدورج

داشدورجين ناتصاقدورج: أب الأدب الحديث المنغولي.
ولد سنة 1906 وتوفي سنة 1937

مياه اللجين الدافقة من الأنهار المقدسة : كارليرين ، أونو و توييل.
جداول جارية وعيون نضاخة بالصحة والعافية لشعبي،
البحيرات الزرقاء الوسيعة والعميقة: خوفسغول ، يوبس
أنهار بلادي التي تروي عطش الإنسان والحيوان،
هذه، كل هذه، هي أرض أرض أجدادي،
وطني الرائع، منغوليا.

وطن المروج المتمّوجة تحت الرياح الباردة،
وطن السهوب التي يكتنفها السراب العجيب،
وطن الصخور العالية صعبة المراس
حيث يتلاقى الرجال الشّمّ
منذ شعوب اووفس والمنهير حتى أجدادنا العظام
هذه، كل هذه، هي أرض أرض أجدادي،
وطني الرائع، منغوليا.

وطن يكلله في الشتاء الجليد والثلوج،
وتلمع أعشابه كالبلور المسبوك،
وطن تصير أرضه في الصيف زرابي كبيرة موشاة بالزهور
تصدح فيها الطيور من الشمال إلى الجنوب
هذه، كل هذه، هي أرض أرض أجدادي،
وطني الرائع، منغوليا.

3/ كُنْ كالسّماء
أوشيرباتين داشبالبار

وهو شاعر ورجل سياسة منغولي ولد في 10 فيفري 1957 في باران في منغوليا وتوفي في 16 أكتوبر 1999 في آلان باتور العاصمة.
زاول تعليمه في معهد الآداب مكسيم غوركي بموسكو حيث تخرج سنة 1984
عمل في الحقل السياسي بعد سقوط المنظومة الاشتراكية في بلاده حيث حاز على شهرة كبيرة.
مات سنة 1999 ميتة مسترابة.

كن كالسماء
حتى وإن كرهك كل العالم وازدراك الكل
كن كالسماء
حتى وإن تملقك الجميع أو تبرّك
بك كل الناس
كن كالسماء
حتى وإن هجرك أحبابك وذاقت بك الدنيا
كن كالسماء، هادئة إلى الأبد
حتى وأن توجوك وأجلسوك على العرش
كن كالسماء، كأنّ شيئا لم يكن.
لا تكن حزينا مادامت السماء الملكية
لم تسقط على رأسك.
حتى وإن هجرتك حبيبة العمر
كن شجاعا مادمت السماء العالية لم تتفتت
حتى وأن شهّروا بك، وقذفوك، واستمتعوا بإهانتك
الفوز سيكون في الموعد،
كن كالسماء الأبدية
حتى وإن كنت في الرمق الأخير مهدودا بالمرض واليأس
لا تنسَ أبدا أن السماء العالية ترعاك
حتى وإن تناساك الجميع
وما عاد أحد يهتم بك
حتى وإن أوشكت حياتك على النهاية وسدت في وجهك كل الطرق
كن كالسماء، انتظر وأنت مطمئنا وابق هادئا
أن يسرقوك، أن تغيب عن ذهنك شعلة الفكر
كن كالسماء ، لا تحنِ ظهرك لتصير كالبائسين
إذا أغلفت في وجهك أبواب الغنى إلى الأبد
كن كالسماء
إذا هجرك الجميع، كن كالسماء
ابن أبيه لن يتخلى أبدا عن الرجاء
ما دامت الشمس والقمر تتقاطعان
والنجوم تتلألأ
كن كالسماء وانس الغضب والسخط
افرد جناحيك فوق كل الزوابع
ولا تنسَ أنك ابن رجل سريع الغضب
عندما يخنقه اليأس ويحوله إلى ذئب
من ذئاب البراري
ابني الوحيد، بناتي، أطفالي
لا تحاولوا الإفلات من عجلة القدر، لا تخافوا
اصبروا، تصالحوا مع القدر واقبلوه كما هو
تعلموا الانتظار كحال حكماء الأزمنة الغابرة
ستجد العالم أجمع عندما تفقد سقف بيتك
ستفهم طبائع الإنسان عندما تفقد
كل أصدقائك
السعادة ستغمرك ولكنك ستفقدها سريعا
الخطر والتعاسة سيقتربان منك ولكنهما سيتفرقان بعد هنيهة
حسب قانون الأشياء، كل شيء
يتناوب مع غيره
كما يبادل الليل النهار
كن كالسماء الأبدية في السعادة
كما في الشقاء
قدم جميلك لمن حاول الإساءة إليك
ففي فضاء الأرواح النقية
تتفتح ورود الخير
اعمل عقلك: قد تكون على خطأ
فكر مليا، وتحكم في لسانك وحركاتك
امتلك نفسك: كل الرغبات لا تتحقق
تحسس الحقيقة وكن كالسماء
لا فائدة في المكابرة فلكل شيء أوانه
غُمْد السيف يصلح عند الحرب لا وقت الأعراس
الجراء نعاقبها قبل أن تصبح كلابا
والأطفال الصغار نستهين بهم
قبل أن يصيروا رجالا
اترك المحرضين يلعبون في ساحاتهم
ابقَ كالسماء، فلا فائدة في أن تفقد صبرك أو تربكك الحيرة
لا تنزل إلى المستويات البائسة للمناورين
الرياح البيضاء تجيء في وقتها
رجال السلطة لن يفلتوا من الخطيئة
والأغنياء يظلوا مسكونين
طيلة حياتهم بالجشع
لا تنسَ أن لكل شيء في هذا الكون حدودا
لا شيء يدوم ،
وكل شيء إلى زوال كالغبار
كن متسامحا واغمر
بالحب الناس البسطاء
لا تشارك في الأعمال المخزية
لا تتأسف: تعلّم كيف
تعطي أشياءك الثمينة للآخرين
أنجز أعمالا ذات قيمة:
لا أحد سينعم بالخلود
كن متواضعا وزاهدا
فلا فائدة في أن تُصعّر
خدك للناس
كن في أعماقك كبيرا وكريما
عندما تتزاحم الكلمات
في حلقك تعلم أن تعبر
عن ذاتك بالنظرات
عندما يصعب عليك أن تفرّق
بين الحقيقة والكذب،
اهرب إلى الصلاة
لا تعط ثقتك في
من خدعك الآن
وسيخدع غيرك غدا
ابق مستقيما واتبع طريقك هادئا
أخيرا أقول لك يا بني: بجّل حياة الكلب
الذي يصبر ويغفر كل شيء
أنا لا أعرف
ميزة أجلّ من هذه.


ترجمة إبراهيم درغوثي *

شاهد أيضاً

شرفة المكان

طالب المعمري (على سبيل الوداع) يذبل نهارك و يموت على شرفة المكان جمرة شمس في …