أخبار عاجلة

جاذبية الانتباه الى الأشياء المشهد الشعري العماني الجديد

منذ بدء انطلاقة حركة التحديث الشعري في "سلطنة عمان" التي دخلت العصر الحديث منذ مطلع  السبعينات ضمن مجموعة متغيرات سياسية واقتصادية واجتماعية رأى الشاعر العماني ان تجربة الحداثلة الشعرية العربية قد قطعت شوطا كبيرا على يد أبرز رموزها عبر تحقيق العديد من الانجازات الفنية على صعيد اللغة الشعرية والرؤيا والشكل والايقاع واستخدام الرمز، وكأن المشهد الشعري العام في السلطنة  يرزح تحت اعباء تراث شعري تقليدي ضخم، فوجد المهمة أمامه بالغة التعقيد، ولكي ينتقل الى آفاق جديدة في التعبير حمل على عاتقه مهمة وضع أطر فنية لولادة نص يستمد وهجه من متانة جسد التراث العماني الزاخر بعمقه الحضاري الضارب في القدم،  مستثمرا خصوصية المكان بما تمنحه جغرافيا البحر والصحراء من قدرة على شحذ المخيلة وجعلها تتأرجح بين فضاءات الازمنة في بناء تجربة جديدة نابضة بالحياة على درجة عالية من الفرادة والتميز.

لقد استثمر الشاعر العماني الحديث عناصر المكان في اضرام مخيلته لدفع طاقات التعبير الشعري الى أقصى مدى من خلال تحويل مشاهداته الى لغة جديدة تجعل المتلقي يتفاعل مع معطياتها، بحيث يتلمس الاشياء بشكل مغاير وبذلك يكمن جوهر العملية الابداعية والشعر الحق كما يقول (رانسوم) هو الذي يجذب الانتباه الى الاشياء.

وقد اقتصرت قراءتي على ثلاث تجارب شعرية هي (علي المخمري) في ديوانه "الخطوة الأولى لاجتياز قماطي" الصادر عن دار الجديد بيروت 1998، و(صالح العامري) في مجموعته "مراودات" الصادرة عن دار الرؤيا للنشر مسقط 1994، و(اسحاق الهلالي) في مجموعته (سيجارة على سطح البيت) الصادرة عن دار الجديد – أيضا- بيروت 1998، لما وجدت في هذه التجارب من نقاط تلاق وافتراق، بما يحقق لكل تجربة فرادتها عن الاخري بشكل خاص والمشهد الشعري العربي الحديث بشكل عام بحث نتمكن من النظر إليها كتجارب تحمل بصمات هذا المشهد عندئذ سنرى انها اكبر من ان نصفها بأنها (نسخ مكررة من قصائد النثر العربية الأخرى) كما تهيأ للباحث (شبر الموسوي).

(الخطوه الأولى لاجتياز قماطي) لعلي المخمري: اغواءات الطفولة

ابتداء من عنوان المجموعة يسحبنا الشاعر (علي المخمري) لولوج عالمه الداخلي المؤثث بتفاصيل الطفولة، محاولا في خطوته الشعرية الاولي (للشاعر مجموعة ثانية ستصدر قريبا بعنوان "غيابات الجب") اجتياز عتبتها التي يرمز لها (القماط) وهو حبل من القماش تلف به نساء القرى أطفالهن فيحددن من حركاتهم في المهد، وفي الوقت الذي يفقد فيه حريته تشعر الأم بالاطمئنان على رضيعها وهكذا وجد نفسه مكبلا منذ البداية.

(كانوا يربطون الطفل والطفلة في القماط ويتركونه في صراع مع وحشته الى ان يأخذه الاعياء الى نوم حاد وحلم اسود).

وذهب تململه سدى وصرخات احتجاجه لاسترداد حريته وعندما كبر "تعززت الفاجعة، واجتازت الحلم، وكبر القماط، لذلك اتسعت فجيعة الشاعر فراح يعلن: ( أنا ابن القماط، والمدن الملتهبة والمدن الضالة ايضا  أنت مكفوف من الولادة وحتى الموت في كهوف معتمة، وقارصة القرص، حيث تتململ الساقان واليدان وتتعرج الروح الى انحناءات شتى…)

هذا التململ سيكون هو الخطوة الاولي للبحث عن حريته، واذا كان الرضيع لا يملك لغة خطاب يوصل من خلالها احتجاجاته، لذلك سيكون عليه ان يعد نفسه للبحث عن لغة بديلة، ولم يجد سوى لغة الشعر التي يحاول من خلالها (الخلاص كجدي بري مجعد علق في شجرة متوحشة الاشواك، وأخذ يرفس برجله، ويديه حتى بدت تعي حركاته)

واذا كان الشاعر الفرنسي (آرثر رامبو) في (فصل في الجحيم) يمجد الجمال الذي اجلسه على ركبتي حين وقف أمام مشهد يستقر في ذاكرة اسلافه الذين ورث منهم الجنون، فالمخمري رغم (القماط) الذي قيد خطواته يمجد الطفولة هاتفا (الطفولة يا للروعة لا اغواء يتملكني، لا تبعية ترتاد أغواري، ومساحاتي ملك لسيطرتي وهيمنتي) ذلك لانه استعاد حريته عند اجتياز خطوته الاولي التي أوصلته الى عالم البراءة والنقاء (أمن المصادفة ان تحمل هذه القصيدة عنوانا شبيها بعنوان قصيدة رامبو الطويلة (فصل في الجحيم) هو (قبة الجحيم والحوافر…؟).

ويستمر في سرد تفاصيل تلك الطفولة حين يتلمس اذنه المثقوبة فيستعيد وجوه العجائز اللائي داهمن وهنه وثقبن اذنه وهو يتلوى (كالثعبان عندما يموت على ظهر قنفذ) وهكذا تحتشد صور الطفولة في ذاكرة (علي المخمري) فيظهرها ممزوجة بطين القرى وتفاصيل الحياة اليومية لأناسها، فقصيدته تحمل دبق ندى الحقول وتضج بحضرتها وزفير كائناتها، وبذلك ينتمي نصه الى (الشعراء القرويين) الذين رأوا في القرية نموذجا مصغرا لهدأة لعالم وسكونه، بعيدا عن ضجيج آلات المدن وبناياتها الشاهقة وابراجها العالية:

(بالمشاعل كنا ننظر من علىو البرج، ومن خلل نافذته المربعة الصغيرة لكل طائر حر مهاجر يحلق فوق أشجار الصنوبر العالية.. حو الأفق الازرق المفتوح)

لقد وفق الشاعر في جعل قصيدته (قبة الجحيم والحوافر) مستهلا طويلا لمجموعته جاعلا "خطوته الاولي لاجتياز قماطي" تأتي في الترتيب الثاني لقصائد الديوان محاولا تنظيف ذاكرته مما علق بها من اوحال (خلاصة الاشياء) فيصف ذلك: (انه الجحيم الحق.. انها النيران تلتهم الجبين تحت ضحكات الأبالسة في ليل البؤس كانت المعركة أكثر ضراوة من أدخنة نار….)

وهو اذ يختار هذا الشكل السردي المبني على الجمل الطويلة عبر حشد الكثير من التفاصيل عبر تفجير طاقات اللغة الدلالية ذلك لانه (يضيق بمعطف الاجداد الموشى بالصوف الكثيف في حرارة عالمه المتجدد) لكنه عندما تتفتح العواصف في داخله يتدثر بذلك المعطف متسائلا:

"من يجمع الشتات ؟

من يجمع الحروب واللغات ؟

من يجمع البنادق ؟

من يسق البيارق ؟

من يرسم النواة ؟

من يكسر الشعار دون لافتات ؟"

وقد عمد الشاعر الى جعل هذا المقطع موزونا ليضع فاصلا موسيقيا يذكرنا بالمقاطع التي ترد على لسان الجوقة او (الكورس) في المسرحيات الاغريقية من اجل تعميق دلالات المشاهد المعروضة للناظرة.

وكأي طفل ينشأ في قرية يكون من الطبيعي ان تمتلئ ذاكرته بصور (الجنيات) و (مصباح علاء الدين) و(حوريات البحر المجنونات والصعاليك المجانين) في حكايات الجدات لتشكل هذه الرموز قاموسه الشعري بالاضافة الى مفردات البيئة نتيجة تحسسه الاشياء المحيطة حوله: (حالما بالغيوم والمطر وحقول ضبابية شاسعة وبأشجار تطاول السماء)

ومن حيث الاداء ينوع الشاعر (علي المخمري) في خطابه الشعري منوعا في الاساليب فهو يكسر استطالات جمله السردية بضربات فنية بارعة بالغة الكثافة والاختزال:

(لبقية النجوم

بكاء النوافذ

وشهادة الاسرة بفجيعة الاجساد)

وهذا ما نلاحظه ايضا في قصائده القصيرة التي تلت قصيدتيه الطويلتين (قبة الجحيم والحوافر) و(الخطوة الاولي لاجتياز قماطي) اللتين شملتا نصف صفحات المجموعة المؤلفة من (54) صفحة حيث نلاحظ عمق المعنى وكثافة اللغة الشعرية:

(هناك من يتباهى

بلمعانه

في ظلمة غيره)

او (خلف الباب صرير

الوقت قد يفتح قدرا مكتوبا)

ان تجربة الشاعر (علي المخمري) تمتلك الكثير من مقومات النضوج والتفرد في المشهد الشعري العماني الجديد وتستحق اكثر من وقفة فاحصة.

مراودات صالح العامري:

رعشة اللغة

يولي الشاعر (صالح العامري) الصورة الشعرية في ديوانه (مردودات) عناية فائقة مستثمرا معطياتها الجمالية على مستوى البناء الفني والشعر على رأي (الجاحظ) (جنس من التصوير) لذلك يهيمن على نسيج نصه تراكم كمي من الصور الشعرية التي تضيء اسرار مملكته القائمة التشكيلات اللغوية ليرسم لنا صورا مشهدية فيها الكثير من جموح المخيلة عبر تدفق لغوي يرد مرصوفا بعناية على شكل جمل ناتئة منفصلة عن بعضها البعض لكنها بتراكمها تكون مشهدية شعرية تستمد قوتها من (رعشة اللغة):

(الطيور تصهل المكائد، السؤال اللقيط الذي لا ينتسب ولا يعرف: يأخذه بأظافره بصاعقة الرقص بمياه عمائه المخاتلة، ولأن الخوف من فولاذ وأطفال خبلوا العناصر، والمصائر مكفنة في البعيد بتضاريس العرافات وأعاجيب التنور).

إن مقطعا شعريا كهذا يحاول من خلاله الشاعر ان يكسر رتابة العالم الواقعي الماثل أمامنا عبر رسم لوحة من المتناقضات والشاعر كما يرى (بودلير) "يسير في غابة" من المتناقضات التي تنظر اليه بعيونها وقد يبدو هذا العالم غامضا، وعصيا على الامساك بتفاصيله لكن الشاعر يمضي في رسم ملامح هذا العالم الذي يستقر في أعشاش المخيلة: (المساء أحمر في التخييل والبرء والانصكاك واقف بالمقلوب على الباب الذي يشبه الريح الخائنة لفرج قبيلتها المنسلة من شباب الماء المغسول بالقطن وحبر الجاسوس دعاني المنظر للتناول فردا فردا أعرته القيوط القديم…).

تداعيات الفاظ وصور تفتقر الى الترابط المنطقي، ذلك لانها تحاول ان تؤسس منطقها الخاص، ولأن الشاعر يدرك ان من الصعب تلمس هذا المنطق لوجود هوة خلفتها فوضوية كائناته التي تنطق من رحم مخيلة جامحة، ليقع في فخ (الثرثرة) اللغوية والصورية لذلك يجد في البحث عن مخرج ينقذه من هذا المأزق (السريالي):

(قلت لكم

لا أجيد الكلام

فانصتوا لعيّ أشجاري)

رامزا بـ(الكلام) للخطاب الشعري السائد الذي لا يستطيع مجاراته لذلك ترك المهمة لكائناته تنوب عنه في تحقيق هذا التواصل، ومن هنا تتضح ازمة الشاعر التي تكمن في بحثه عن (لغة)جديدة تنقله الى بر الأمان في أزمنة تفتقر الى (الانصات) مادام الخطاب قد تحول الى أحجية وطلاسم وعلاقات لغوية على قدر من الغرابة

(دخلتني اللغة الأكالة

ربما قالوا خذنا فيك

نحن المطر الموجع

حتى تسوخ العين

وتهرم البقعة

من أية جهة أقوم)

هذه التشكيلات الصورية والتداعيات التي هي اقرب للهذيان تبدو كذلك لمن ينظر اليها من خارج جسد النص، لكنه ما إن يتلمس دفأه من خلال الاغتسال بحرارة دمائه حتى تتكشف اسراره لتكشف عن رؤيا تجسد عذابات ذاتية، عميقة:

(ها أنذا أرصد مكائدي الأولى

أرتب دؤوس غرائزي

أنقل صفصاف ثلجي

الى اعناق الزاوية الغريبة

تقبضني الرائحة

في أقصى الطيور

تسدني البلد

حتى لا أعرف فوضاي ولا آباري)

ويخرج من ذاته ليقترب من المصائر الانسانية المؤلمة و(الحروب التافهة) والمتاعب اليومية التي يواجهها الكائن في رحلة عذاباته المستمرة التي تشكل هموما تضغط على وجدان الشاعر الذي يجعل ذاته مرآة للعالم

(كأن العالم هو أيضا

مكنوزا في الدولاب الاشيب

موعودا بأخذ الروح الخيطية

من مناقير العين

من مفاتيح النبش

كما قالت جدة اللغة)

لكنه لا ينظر الى (جدة اللغة) بعين التقديس بل يستمر في خطابه الساخر الهازئ من (الشعراء العالقين في اللغة) ذلك لانهم لا يدركون اشواقه وتجلياته التي لا يجيد الكلام عنها ونصحنا (بالانصات) لا شجار قصيدته في عيها لمعرفة تلك المفاتيح التي توصلنا لأبواب عوالمه المرسومة بـ(الكلمات المشعة) التي من خلالها يستطيع ان يحول الجهات الى مباغتة.

(سأقشر المدينة هذه الليلة

وامطيها لفم السكتة)

ويبدو ان انغمار الشاعر صالح العامري) بترتيب عوالمه الصورية جعله يلجأ الى تقنية ليست مطروقة في الطباعة الشعرية حيث عمد الى حذف عناوين قصائده مستعيضا عنها بالارقام، لكنه يثبت العناوين في (فهرست) المجموعة الذي أطلق عليها (بعد الضحك) تسمية بديلة (للفهرست) امعانا في السخرية والغرابة، وبذلك يذكرنا بما يفعل الرسامون في المعارض التشكيلية عندما يحذفون عناوين اللوحات المعروضة ويضعون بدلا منها ارقاما لمنع زوار المعارض فرصة للتأمل والتفكير والتأويل والسؤال، واذا ما أراد احد هؤلاء الزوار ان يتوغل في عالم اللوحة يستعين بـ(دليل المعرض) الذي تثبت به العناوين أمام الارقام، وقد اراد بهذا الاجراء ان يذكرنا انه قدم لنا لوحات فنية تمرد فيها على وصايا (جدة اللغة) وأساليب (الشعراء العالقين في اللغة) مكتفيا منها (برعشتها) وقد يكون الشاعر (صالح العامري) بما تحقق لغته من رعشات في مخيلتنا قد أوصل رسالته الجمالية.

سيجارة على سطح بيت اسحاق الهلالي:

مركب طرفة بن العبد

يفتح الشاعر (اسحاق الهلالي) في مجموعته (سيجارة على سطح البيت) محارات الاسرار في استلقائه الوثير تحت خيام الاسئلة، حين يضع قدر مجموعته على (ثلاثة أثاف) حملت التسميات التالية (كائنات البيت)، (أطياف البيت)، (قليل من ذاكرة البيت) يضم القسم الاول منها أحدى وعشرين قصيدة، والثاني عشر قصائد والثالث اثنتي عشرة قصيدة، وبذلك يكون مجموع قصائد المجموعة التي تقع في (49) صفحة من القطع الصغير ثلاثة واربعين قصيدة قصيرة و(اسحاق الهلالي) خلافا لعلي المخمري وصالح العامري يواظب على كتابة القصيدة ذات النفس القصير معتمدا على قدرته العالية على الاختزال الشفوي وتكثيف المعاني باستثناء قصيدته (رحلة الموت) التي روى فيها جانبا من سيرة طرفة بن العبد حيث عمد الى البناء الدرامي وعناصره من حوار وشخصيات وتصاعد درامي وسرد فني:

(… وصلنا الى قصر عمرو بن هند

تقيأ في مدخل القصر

ثم دخلنا

تلا شعره جالسا ووقفت

وكان يردد أبياته دون رغبة

ويسترق النظرة الماكرة

خلال الحجاب

فيرتجل الشعر في وصفها

خفت ذعرت

ولكنه كان يضحك يضحك)

بينما نرى شدة اقتصاده بالألفاظ في القصائد الاخرى من الديوان ولأن القصيدة المذكورة كانت استثناء ولا يمكن ان نبني قاعدة على الاستثناء كما يقول المنطق لذلك نستطيع القول ان الطابع الاختزالي هو ما يميز تجربة (اسحاق الهلالي): "انه الجبل مازال يؤرجح القمر في مهد"

او كما في قوله:

"كأس وتحتجب المسافات"

وتتميز تجربة (اسحاق الهلالي) ايضا بقدرته الفائقة على الاشتغال من اجل صنع الرموز فمفردة (البيت) تغدو رمزا للصفاء الروحي في قصيدته (اللغة المفقودة العين) بقوله:

(الكلمات تتدحرج على التراب ويمكنني ان المح واحدة "ثملة" بالقنينة بين يديها واخرى تغط في عميق السبات إثر سهر فائت بينما تحج ثالثة الى بيت صوفي تتلمس فيا الرضا) وتحمل مفردة (البيت) في قصيدته (عريش تكتم على عاشقين) دلالة جديدة عندما تصبح رمزا للماضي البعيد: (لا أجرب الا ما تدفعني اليه الرياح فأعتصم بيدين تشفان عن بيت في الطفولة) ويصبح (البيت) في قصيدته (ما عثرت على صوتي لاستجير بيوسف) رمزا للضياع والغربة

(يأخذني الحنين من يدي الى بيت يعج بالاشباح

لم يعرفني أحد فركنت الى جدار عضني من كتفي

حتى دميت)

وقد يأتي بهيئة تناقض ما سبق عندما يصبح (البيت) رمزا للطمأنينة بقوله:

(كل الليالي نهاياتها في سواد الكلام، بينما تقتفي نملة بيت سيدها الرمل حيث التزاوج ما بين شمس وبين سراب الحقول)

واحيانا يصبر (البيت) هو عالم الشاعر الذي يفتت فيه الحجر حينما يواجهه سؤال المصير (فيضحك يضحك ينشدني بيت شعر لكسر الحجر)

وهكذا مع بقية الرموز التي تنخرط دلالاتها عن عناقيد اللغة في ابنيتها المختلفة كالسيجارة، الباب، المرأة، الجبل، الصحراء، الموت، واضعا بصماته على هذه المفردات التي فجرها بالمعاني الشعرية. وتبدو (اللذة) هي ضالة الشاعر ابتداء بمغامرته البسيطة بالهروب الى سطر البيت لشرب سيجارة، مقتربا من السماء في الوقت الذي تبتعد عنه، ويواصل بحثه عن (اللذة) عبر بواباتها العديدة الكأس كما في قوله:

(أنا الذي نسيت اعقاب سجائري

وروحي في حانة افتقداها النهار)

واللذة تأخذ معنى فلسفيا حينما تمتزج بالموت، كما جرى في نهاية طرفة بن العبد التراجيدية، وتتوحد بالغياب:

(لا فرق بين موتين

الا في اللذة

اللذة نبع غياب)

وتأخذ اللذة صيغة حسية مع النساء اللواتي يرى انهن (امتداد الحياة لذة في الخلود وان الخمور مضاجعة اللحظة الهاربة)

مختتما نشيد (اللذة) (برحلة الموت) التي عرض فيها مقطعا من حياة (طرفة بن العبد)، – رفيقه في رحلة البحث عن اللذة – فالهلالي يتوحد بـ (طرفة) من خلال استدعائه هذا الرمز، لكنه عندما يتحدث عن سيرته يرويها على لسان خاله (المتلمس) الذي فلت من المصير المعد له بقراءة الرسالة التي حملها فيلقيها (في اليم)، اما (طرفة) الباحث عن اللذة.. عن حلم حتى في الموت فقد آثر السير في مغامرته الى الآخر، فكان فيها موته، لقد استعار الشاعر صوت (المتلمس) لينظر الى مصير (طرفة) من زاوية خارجية هي زاوية الموقف النقيض، وبذلك خلق حركية جدلية مبينا أقصى درجات اغتراب الشاعر:

(كان يحب النساء يضاجع امرأة ثم يبكي ويشرب خمرا ليسكر يقول كلاما غريبا: فلا أفهمه ولولا ثلاث ولولا ثلاث…)

مشيرا الى قول (طرفة بن العبد) في معلقته التي مطلعها:

لخولة اطلال ببرقة ثهمد  تلوح كباقي الوشم في ظاهر اليد

والتي يقول فيها:

ولولا ثلاث هن من عيشة الفتى لعمرك لم احفل متى قام عودي فمنهن سبقي العاذلات بشربة كميت متى تعل بالماء تزبد

وتقطير يوم الدجن والدجن معجب

بهكنة تحت الخباء المعمد

وكري اذا نادى المضاف مجنبا

كسيد الفضى أي السورة المتورد

ومن خلال استدعاء رمز (طرفة بن العبد) الذي سار الى حتفه غير عابئ بنصائح خاله (المتلمس) هل قصد (الهلالي) بذلك ان الشاعر في كل زمان ومكان (يحمل موته على راحته)! وان الرسالة التي يحملها (رسالة الشاعر) يكمن فيها فناؤه كجزء من عبثية تراجيدية يحس بها:

وبدلا من ان يلقي الرسالة في اليم كما فعل (المتلمس) واجه الموقف بالسخرية (وكان يسائلي ما الحياة ؟ فأصمت  يقول: امرأة وكأس نبيذ وقطع لذاكرة الموت باللذة الشاردة ويسألني: ما المصير؟ فأصمت يقول: حجر ويضحك.. يضحك)

وقد كرر مفردة (يضحك) في نهايات عدد من المقاطع ليؤكد موقفه الساخر من الوجود. وتبدو صلة (اسحاق الهلالي) بالتراث متينة عبر العديد من الاشارات بشكل غير مباشر: (هويت في جب مظلم وما عثرت على صوتي لأستجير بيوسف) فقد استعان بشظية من قصة النبي (يوسف) (ع) كما ورد ذكرها في القرآن الكريم، مستفيدا منها كحجر في بناء كبير وبذلك يعطي الرمز طراوة وابعادا معاصرة، وهكذا كان الحال مع سيرة (لطرفة بن العبد) وامرىء القيس.

ولم تأت تسميات اقسام "ديوانه اعتباطا ففي القسم الاول الذي اسماه (كائنات البيت) تتردد رموز عائلية (الأم، الشجرة، امرأة، عطر، السلم، الشاعر) فالحقل الدلالي لهذه الرموز هو (البيت) بكائناته وتفاصيله، اما القسم الثاني الذي حمل عنوان (أطياف البيت) فهو ذهني تتصارع فيه الأخيلة والمشاعر داخل ذات الشاعر الملتهبة (علامات الشتات، اللغة المفقودة العين..) فيما يشير عنوان القسم الثالث (من ذاكرة البيت) الى العودة الى الرموز التراثية، وقد جاءت قصائد هذا القسم موزونة على نمط (شعر التفعيلة) خلافا لقصائد القسمين السابقين النثرية انسجاما مع ذاكرة البيت الشعري العربي، والذاكرة العربية التي تحتفي بالموسيقى، وبذلك يمنح الشاعر (اسحاق الهلالي) تجربته عمقا وخصوبة.

قبل اغلاق الملف

يمكنني من خلال هذه القراءة السريعة لهذه المجاميع الثلاث ان اتلمس النواحي الفنية والجمالية والتي اوجزها بما يلي:

– اللجوء للسيرة الذاتية وتفاصيل الطفولة لصد هجمات الواقع وتشكيل رؤيا يستطيع من خلالها الشاعر وضع حد لمعاناته اليومية.

– الاستفادة من معطيات البيئة والجغرافيا في زخرفة النص وتمثلها بشكل يجعل المكان العام مكانا خاصما بالشاعر.

– استخدام لغة الحياة اليومية وضخها بهواء جديد في محاولة جادة لمنح المفردة الشعرية دلالات متعددة.

– استثمار طاقة المخيلة لانتاج صور شعرية تخترق قشرة الواقع وتؤسس عوالم من الكلمات عبر صيغ بلاغية حيوية.

– قراءة الرموز التراثية قراءة واعية لا من أجل استنساخه بل الخروج به من المتحفية الى استنشاق (اوكسجين) الحياة المعاصرة.

 
 
عبد الرزاق الربيعي (شاعر عراقي يقيم في مسقط)

شاهد أيضاً

الأصول الحقيقية.. لأهم الأساطير الغربية

قبل بدء الكشوفات الميدانية وبالتالي التنقيبات الأثرية المنظمة في عموم بلاد الرافدين والتي بدأت تحديداً …