أخبار عاجلة

جماعة ” تل كل ” وما بعد النبوية

هذه لعنة تقودنا نحو الارتداد المتواصل ونحن مجبرون دائما على ابتكار آخر ،
وهذا الجهد المضني ، عقاب وحشي بودلير على الرغم من أن البنيوبين من كل الاتجاهات ، سوف يؤكدون على أن القراءة نشاط بنين ، وضرورة لدراسة السيرورة التى يتم بها انتاج المعنى ، فان الكثيرين ، سوف يقومون بمعارضة المنظور البنيوي الذي قدمناه . وقد يرغبون ، على الأخص ، في التصدي لفكرة دراسة القراءة كسيرورة تحكمها القواعد ، أو كتعبير عن لون من "الكفاءة الأدبية" . وربما بدا البرنامج الذي قدمته بالنسبة للمنظرين من جماعة "تل كل " اخصاء أيدولوجيا لكل ما كان حيويا ورديكاليا في البنيوية :
محاولة جعلها منهجا تحليليا لدراسة ووصف الوضع الراهن عوضا عن كونها قوة نشطة تحرر الممارسات السيميوطيقية من الأيدولوجيا المقيدة لحركتها. ويمكن ان تصاغ حججهم على الوجه التالي :
"ان المظهر الذي قمت باستدعائه من نظرية "تشومسكي " في وصفك للبنيوية ، هو ما نرفضه على وجه التحديد . ان مفهومه عن "الكفاءة اللغوية" واستخدامه "لحدوس " المتحدثين من أهل اللغة ، تجعل من الذات الفردية مرجعا ومصدرا للمعنى ، ومركزا للخلق ، وتمنح مكانة متميزة لمجموعة من القواعد التي تحكم الجمل التي يراها ذات صياغة جيدة . ان مفهوم الكفاءة الأدبية ، هو طريقة لمنح الأولوية لأعراف عشوائية خاصة ، واستبعاد على الخروقات المنتجة الحقيقية من مملكة اللغة".
ومن غير المحتمل ، بناء على ذلك ، ان نقبل بفكرة الكفاءة الأدبية التي يمكن أن تكون أكثر وصفية وقمعا . ان الأيدولوجيا الخاصة بثقافتنا ، تكرس لطريقة خاصة في قراءة الأدب . وعوضا عن تحديها ومجابهتها ، تجعل منها مطلقا ، وتحولها الى نظام من القواعد والعمليات التي تتعامل معها بوصفها معايير للمعقولية Rationality ، والمقبولية Acceptability.
صحيح أن البنيوية في مراحلها الأولى ، قامت بتصور امكان قيام "نظام أدبي يتيح وصفا بنيويا لكل نص من النصوص " سوى أنه ينظر الى هذا النظام الأدبي ، وهو المقترح الوحيد الذي يسوغ الحديث عن الكفاءة الأدبية ، بوصفه خطأ . ان النصوص ، يمكن قراءتها بطرق شتى . وكل نص يضم في ذاته امكانية مجموعة هائلة ولا نهائية من البنى ، وتمييز هذه البنى ، بارساء مجموعة من القواعد التي توتدها ، يمثل حركة وصفية وايدولوجية سمجة ، وسوف تبدو المسألة رفضا وتعاليا على "نوع البويطيقا التي يقترحها "بارت " في "النقد والحقيقة  Et Verit Critqvc" ، والتي ترتكز على تحليل معقولية الأعمال والمنطق الذي يتم به انتاج المعاني المقبولة ، لمصلحة مقاربة اكثر انفتاحا ، تركز على الحركة المبدعة لكل من الكاتب والقارىء ، ويلاحظ بارت في معرض حديثه عن التبدل الذي طرأ على البنيوية ، والذي يتجاوب مع عمله في الانتقال من "مقدمة في التحليل البنيوي للسرد ( 2 ) ( 66 9 1 ) !لى "1970 ( " S / Z ) : "لقد كنت أتوخى في النص السابق بنية عامة تستمد منها تحليلات لنصوص سكنة ، أما فيS/Z ، فقد قمت بقلب هذا المنظور : لقد رفضت فكرة نموذج متعال على عدة نصوص (ومن ثم ، نموذج يتعالى كل كل النصوص ) لكي اقترض بان كل نمى ، له نموذجه الخاص . أو بعبارة أخرى ، ضرورة التعامل مع كل نص طبقا لاختلافه ، و كلمة (اختلاف) هنا ، هي على وجه الدقة ، بالمعنى الذي كان يقصده "نيتشة" ، أو "دريدا "، أو . بصياغة أخرى ، النص المحترق دوما وباستمرار بالشفرات . ولكنه ليس لشفرة واحدة (الشفرة السردية مثلا) . إنه ليس كلام parole اللغة Langug السردية .
وتلك محاجة غريبة ، لأنها ، وقد اتكأت على اختلاف في المصطلح ، تشبه الى حد بعيد ، الهجوم الذي شنه انصار المعسكر التقليدي عل البنيوية . ويفعل المعترضون على فكرة البويطيقا ، نفس الشيء ، بدعوى فرادة كل عمل أدبي ، والفقر النقدي الذي يتمخض عن التفكير فيه بوصفه مثالا للنظام الأدبي : ان تنوع
القراء والأعمال ، ومكانيات التجديد الأدبي ، تمنعنا من أن نضم في نظرية واحدة ، أشكال الأدب والمعاني التي يمكن أن تولدها ، ولا يوجد علم يمكن ان يحيط "بمشروطيات " العبقرية الخلاقة .
ولا يختلف هذا كثيرا عن اقتراح "بارت " بأن كل نص هو نموذجه الخاص ، نظام في حد ذاته ، وبأن النص لا يضم بنية وحيدة ، يخصصها له النظام الأدبي ، كما لا يضم ضعنى مشفرا ، تمكننا معرفة الشفرات الأدبية من فضة ، ان على القراءة أن ترتكز على الاختلافات بين النصوص ، وعلاقات القرب ، والبعد ،
والاستشهاد ، والرفض ، والمفارقة ا لساخرة ، والمحاكاة الهزلية ، وهي علاقات لا نهائية ، وتعمل على ارجاء أي معنى نهائي .
وتبدو حجة بارت برغم ذلك غامضة من أساسها . انه لا يبقى فقط على فكرة الشفرة ، التي تقتضي معرفة جمعية ، ومعايير مشتركة ، وانما يصل بالفكرة الى مداها في "s/z" . إن الشفرات تشير الى كل ما تم كتابته ، وقراءته ، ومشاهدته ، وفعله ، إن النص يتم اختراقه بفعل الشفرات دون توقف . وهي مصدر معاينة .
وربما خلا النص من بنية يردها اليه نحو السرد ، ويعزى ذلك الى أن عمليات القراءة ، تمكنه هن ان ينبنى بطرق شتى . ان تعددمعاني النص ، لا ترجع الى كونه يضم بذاته معنى ، دانما لأنهيشرك القارىء في سيرورة إنتاج المعنى طبقا لمجموعة من الاجراءات المناسبة . ان رفض مفهوم النظام System على أساس
أن الشفرات التأويلية التي تمكننا من قراءة النص تنتج تعددا في المعاني ، يعد تناقضا غريبا ، لأن حقيقة امكان وجود تنوع فيالمعاني والبنى ، هو أقوى دليل على تعقد وأهمية ممارسة القراءة . فاذا افترضنا احتواء كل نص على معنى مفرد . فلربما غدا بالامكان اثبات أن هذا المعنى كان ماثلا فيه ، وبأنه لا يرتكز على نظام عام . الا أن حقيقة وجود مجموعة مفتوحة من المعاني الممكنة ، يشير الى أننا نتعامل مع سيرورات تأويلية ذات طاقة هائلة تستلزم الدراسة. ويغدو من الصعب تجنب الاستنتاج بأن نظريات مجموعة "تل كل " والحجج التي يمكن ايرادها في مواجهة أفكار النظام الأدبي والكفاءة الأدبية ، تفش ض ، في الحقيقة ، تلك الأفكارنفسها التي يزعمون رفضها.
وعلينا ، لكي نبرهن على صحة هذا الأمر ، واثبات استحالة تجاوز نمط البنيوية ، أن ندرس بشيء من التفصيل ، محاولات " تل كل " عن التعالي على الذاتSelf- Transcendence وربما كانت المحاولة التي قام بها "جاك دريدا" في "الكتابة الاختلاف " هي أفضل المحاولات التي بذلت لشرح أسباب محاولة تجاوز البنيوية حيث يقول : "(إن فكرة البنية ، بداية ، ذات طابع غائي بالنسبة لدراسة الأدب : ان البنية يتم حسمها بغائية ما . ويمكن التعرف عليها كهيئة Configuration تسهم في هذه الغاية .
كيف يتسنى لنا ادراك كلية منظمة ، الا ان نبدأ بغايتها ، أو مرماها "3" ؟ ولن يتسنى لنا اكتشاف بنية العمل ، بغير افتراض "علة غائية " متعالية ، أو مطلقة ، ذلك أن البنية ، هي ذلك الشيء الذي يمكن الغاية من التواجد داخل العمل . ان المحلل يقوم بمهمة عرض العمل كهيئة فضائية تشير الى الزمن الماضي المستقبل باتجاه غاية واحدة ، حافرة على الدوام :
ويمكن التسليم بسهولة باننا نعثر هنا على ميتافيزيفا البنيوية أو أي اجراء بنيوي . ان القراءة البنيوية عل وجه الخصوص ، برغم حدوثها في الزمان ، تفترض مسبقا ، وتتوجه الى تزامن Simultaneity الكتاب كما يدركه الاله " 4 " .
وتحكم دراسة البنية طبقا لهذا المعنى "حركة تمنحها مركزا ، وتحيلها الى لحظة "احضور" ، أو أصل محدد ، ويقوم هذا المركز بتأسيس وتنظيم البنية ، مجيزا بعض تآلفات العناصر ، ومستبعدا بعضها الآخر : "ويقوم المركز باغلاق اللعب الذي يقوم بتدشينه وابرازه الى حيز الممكن . . . ان مفهوم البنية المركزية ، هو في واقع الأمر ، مفهوم لعب محدد ، أو مؤسس " ، ويمكن القول بأن هذا الانغلاق ، يدل على حضور نوع من الأيدولوجيا .
وتوضيح هذه الفكرة ، ليس بالمسالة الصعبة . اننا عندما نتحدث عن بنية عمل أدبي . فاننا نفعل ذلك من نقطة تمايز ما : اننا نبدأ بأفكار عن المعنى ، أو الفعاليات المتعلقة باحدى القصائد ، ونحاول التعرف عل البنى المسؤولة عن هذه الفاعليات . ويتم رفض الهيئات أو الأنما!ط الممكنة التى لا تسهم في هذه
البنية باعتبارها غير موثوق بها . أي أن فهما"حدسيا للقصيدة يعمل "مركز" يحكم لعبة الأشكال . انه بمثابة نقطة ابتداء – الشيء الذي يمكننا من التعرف على البنى -ومبدأ للتحديد معا. واضفاء هذه المكانة المتميزة على مبدأ من المبادىء ، وجعله محركا أول لا يتحرك هو بذاته ، يمثل خطوة ايدولوجية معتمدة . ان مفاهيم معنى القصيدة أو فاعلياتها ، يتم تحديدها بفعل الحقائق الممكنة لتاريخ القراء ، وعبر بعض المفاهيم النقدية والأيدولوجية الرائجة للعصر .
لماذا يتاح لهذه المنتجات الثقافية الخاصة – ما تم تلقينه للقراء عن الأدب – ان تظل خارج لعبة البنية ، محددة لها ، وغير متحددة بها بدورها ؟ ولا حداث أية فعالية مفترضة ، فان النقطة المثبتة لتحليلنا ، لا يمكن الا ان تبدو كحركة دوجمانية ووصفية تعكس رغبة في الحقائق المطلقة ، والمعاني المتعالية .
لقد غدت مكانة هذه المراكز موضع تساؤل حاد ، "في نفس اللحظة التي شرعت فيها النظرية في دراسة الطبيعة المبنينة للبنى" على حد قول "جاك دريدا" "ه " لقد غدت فكرة النظام المخلخل المركز جذابة عل ما يبدو . الا يمكننا تبديل وازاحة المركز عند التصدي لتحليل النظام ذاته  الا يمكن ان تشتمل حركة التحليل على نقد لذلك المركز الذي قام باقصائها عن القيام بدور المسلمة التي لم يقم عليها الدليل ، برغم احتياجنا مع ذلك الى منطلق ؟ وهكذا أصبحت البنيوية أو   السيميوطيقا تعرف بوصفها نشاطا تكمن قيمته في الشره الذي يقوم به هذا النشاط في تمحيص مسلماته : لا يمكن ان تتطور السيميوطيقا الا بوصفها نقدا
للسيميوطيقا . . . ويظل البحث في السيميوطيقا استقصاء لا يقوم باكتشاف شيء في نهاية بحثه سوى حركاته الأيدولوجية الخاصة ، لكي يقوم بادراكها ، وانكارها ، والشروع من جديد (6) .
وعلى الرغم من عدم وضوح الكيفية التي يمكن أن يؤثر بها برنامج "كرستيفا" على تحليل سيميولوجي فعلي ، فان بمقدورنا على الأقل ان نتخيل الكيفية التي يمكن بها معاملة اللغة بوصفها نظاما مخلخل المركز ، لقد اتخذت اللسانيات من بعض الاستخدامات العادية للغة ، منطلقا لها :
 التعبير عن المقاصد التواصليه الحاسمة ، بعبارات ذات صياغة نحوية جديدة ، ولقد جرى التفكير في اللغة من ثم ، كما يقول "دريدا" ، داخل ميتا فيزيفا اللوجس ، التي تمنح أولوية للمدلول ، وتنظر للدال بوصفه تدويناNotation يتم العبور عليه لبلوغ الفكرة ، وتم تنحية الطرق الخاصة التي ينتج بها الأدب المعنى ، بوصفها تقنيات للدلالة الحافة (الايحاء) Connotation. وقد يجادل البنيوي قائلا ، انه عند تأمل هذه التقنيات ، نجد رتلا من الحالات التي لا يصرح فيها الدال بمدلول ، وانما يتخطاه ، مقدما ذ اته كفائض يولد لعبأ للتدليل . وعلينا لكي ندرك هذا التخطي جديا ، أن ننظر للاستخدامات العادية للفة ى "(مركز" وما ان يتم لنا القبض عل الظواهر التي يستبعدها هذا المركز ، حتى يتعين علينا ازاحته عن دوره بوصفه مؤسسا وحاكما للبنية اللسانية ، ويمكن انجاز هذا ، بتبني نظرية سوسير حول الطبيعة التمييزية Diacritical للمعنى ، واعتقاده بأفه داخل المنظومة اللسانية
ا"توجد فقط اختلافات بدون مفردات ايجابية" فاذا كان المعنى. وظيفة من العلاقات التفاضلية ، فان كل عنصر يحيلنا بالتالي الى عناصر أخرى تختلف عنه ، وتضعه معها في علاقة من نوع ما . وتلك العلاقات لا نهائية ، وتمتلك جميعها طاقة كامنة لانتاج المعنى.
ونمضي قدما فنقول ، بأن من غير الممكن أن نشرع قي تحديد المعافي التي تنتجها اللغة ، ونستخدم هذا كمفهوم معياري نحكم به تحليلنا ، لأنه من الحقائق المميزة للغة ، هي عدم خضوع صيغها للحصر ، وتخطي الشاعر لأية حدود معيارية . ومهما يكن من اتساع نطاق الامكانات التي نؤسس عليها تحليلنا ، فبالامكان تجاوزها على الدوام. ان تنظيم الألفاظ في هيئات تقاوم مناهج القراءة المتلقاه ، تضطرنا الى تجريب وخلق أنماط جديدة من العلاقات من بين مجموعة الامكانات اللانهائية للغة. وكما يقول "مالا رميه " (7) :
،"إن الألفاظ بحد ذاتها تغدو دررا مفارقة ، يتم ادراك مظاهرها المتعددة ، بوصفها ندرة لا متناهية ، قيمة للعقل ، هذا المركز الذي تتردد وتتذبذب فيه . والعقل لا يدرك الألفاظ في نظامها المعتاد ، وانما يتم اسقاطها حوله ، مثل جدران كهف ، طالما أن حركيتها ، ذلك المبدأ الذي يجعلها تتخطى كل ما يقال في الخطاب ، لا يتم استنفاذها . انها جميعا سريعة في تلألؤها ، قبل تلاشيها ، منعكسة عل بعضها البعض يومضا ت ، مائلة ، و ممكنة " .
وهكذا ، مع "امنعكسة على بعضها بومضات قصية ، ماثلة وممكنةا، تمنحنا عبارة "Un Coup De Des" في ومضة متحركة ممكنة، الاختلافات التي تفصل CoupعنCou و Coupe وCouper وسلسلة Un وDeux و Des والابدال Des Coups ، أو تستغل التورية الانجليزية The blows of the day – صفحات النهار – أوThe cup of its radiance- كأس بهائها – ويمكن للسطر أن ينفتح عل ما تدعوه "كرستيفا" ، الذاكرة اللانهائية
للتدليل ، لعبة الأشياء التي تقف منها كمرايا مائلة . وبمقدورنا ان نقرأ في العبارة آثار متتاليات اخرى تميز نفسها عنها ، وتتطلب ان توضع في مقابلها.
وتدعو "كرتسيفا" هذا النص ذ ا الامكانيات اللانهائية ، الذي يعمل بوصفه أساسا لأي نص فعلي ، نمتا مولدا Ceno- text: ويمكن اعتبار النص المولد أداة تضم التطور التاريخي للغة برمته " والممارسات الدالة المتعددة التي يمكن أن
يحملها. ان امكانات لغة الماضي ، والحافر والمستقبل جميعها ، معطاة هنا ، قبل ان تتقنع ، او تقمع في النص الظاهري pheno- text   "8" .
وهذا في رأيها هو المفهوم الوحيد الذي يمكن ان يعمل كمركز لتحليل اللغة الشعرية ، لأنه يضم تحديدا ، كل التنويعات الممكنة للتدليل التي يمكن للشعراء والقراء ابتكارها . وسوف تتخلخل اية فكرة أخرى نكون قد حاولنا أن نؤسس عليها تحليلنا ، بمجرد تطوير اجراء ات جديدة قام هذا التحليل باستبعادها .
ويستتبع ذلك ، كنتيجة طبيعية لتعريفها ، ان يكون النص المولد مفهوما فارغا وغيابا عند المركز ، ولا يمكن توظيفه لغرض ما ، حيث لا يمكن مطلقا ادراك محتواه . وتغدو الغاية منه ، هي الحيلولة بيننا وبين الرفض القاطع لأي اقتراح حول البنية اللفظية للنص . ان أي تآلف أو علاقة توجد بالفعل في النص المولد ، تغدو من ثم مصدرا ممكنا للمعنى . ولا توجد نقطة استشراف يمكن منها رفض أحد الاقتراحات . وفي غياب فكرة أولية للمعاني أو لفاعليات النص (سوف يمثل أي حكم من هذا النوع ، طبقا لكرستيفا ، منعا خبيئا حاول أن يؤسس معيارا) . لا يوجد شيء يقيد لعب المعنى ، وكما يقول "دريدا" ان غياب معنى نهائي ، يفتح فضاء لا حدود له للعبة التدليل " (9).
ولقد أدى التخوف من امكانية الهجوم على في ة تحكم المفاهيم في تحليل المعنى ، بوصفها فرضية أيدولوجية ، بمنظري "تل كل " الى محاولة الاستغناء عنها ، ولو من ناحية المبدأ على الأقل . والنتيجة العملية الأولية لاعادة التوجه هذا ، هو التشديد على الطبيعة النشطة والمنتجة للقراءة والكتابة واستبعاد أفكار العمل الأدبي بوصفه "اتمثيلا " و "تعبيرا" ، ان التأويل ليس مسألة استعادة لبعض المعاني التي تكمن خلف العمل ، والتي تعمل بوصفها مركزا يتحكم في بنيته . انه بالأحرى محاولة للمشاركة في ، وملاحظة ، لعبة المعاني الممكنة التي يقوم النمر بانتاجها . وبعبارة أخرى ، فان وظيفة نقد اللغة ، هي تخليصنا من آية تشوف أو حنين لمعنى أصلي أو متعال ، وتهيئتنا لقبول "التأكيد النيتشوي البهيج على لصب العالم ، وبراءة الصيرورة ، والتأكيد على عالم من العلامات بلا آية حقيقة ، آو أصل ، أو ذنب تشوفي ، يتم تقديمه من أجل تأويل نشط . ويمضي دريدا قدما فيقول بوجود نوعين من التأويلات "التأويل الذي يسعى للفك-De
Ciphe ، ويحلم بفض حقيقة من الحقائق آو أصل من الأصول يقع خارج مملكة العلامات ولعبتها ، وهو يخبر الحاجة للتأويل كنوع من "المنفى Exile اقصاء عن الوفرة الأساسية التي يسعى اليها ، ويقبل النوع الثاني من التأويل بوظيفته النشطة الخلاقة ، مواصلا عمله دون النظر الى الخلف ( 10) .
وليس من العسير ، عند أحد المستويات ادراك جاذبية هذه المقاربة التي تحاول احلال مكابدة النكوص اللانهائي بمتعة الخلق الأبدي ، وبناء عليه ، ليس هناك مسوغ نهائي ومطلق لأي نسق آو للتأويلات التي تنبثق منه. ويحاول المرء أن يقسم نشاط التأويل نفسه ، أو نشاط الاحكام النظري عوضا عن أية نتائج يمكن
الحصول عليها . ولا يوجد ما يتعين عل النتائج أن تتجاوب معه ،  وهكذا ، بدلا من اعتبار ال!ويل لعبة في العالم ا ب كن ان تكون نتائجها ذات طرافة اذا ما اقتربت من احدى الحقائق خارج اللعبة ، فان علينا أن نعترف بأن نشاط القراءة بالمعنى الدريدي الواسع لـ  "انتاج المعنى" هو لعبة أو لعب العالم .
وهكذا يتم اصطيادنا للوهلة الأولى ، في اللعبة اللامحفزة للرموز المتنامية .. . وغياب حافز الاثار الذي يربطها ، ينبغي فهمه الآن بوصفه عطية وليس حالة ، كحركة نشطة ، وسيرورة تفكيك للحافز ، وليس كبنية معطاة مرة والى
الأبد "  11 " .
وهذا يعني ضرورة التخلص من ذلك العقل المركزي -Log  Ocentric والتخييل اللاهوتي الذي يفكر في العلامات ، اثناء ادراكه  للطبيعة العشوائية للعلامة ، بوصفها شيئا تم تأسيسه مرة واحدة والى الأبد ، عبر اجازه ، والتي تحكمها من الآن فصاعدا ، أعراف صارمة . وحقيقة أن الشكل ليس محددا ضروريا وكافيا للمعنى ، هي شرط متصل لانتاج المعنى ان للعلامة حياتها الخاصة التي لا
يحكمها أصلArche محدد ، أو علة غائية Telos ، وتمثل الأعراف التي تحكم استخدامها في بعض أنماط الخطاب ، ظاهرة ثانوية مصاحبة . ان الأعراف بحد ذاتها ، منتجات ثقافية عابرة . ويتساءل فتجنشتينWittgenstein ، هل بامكاني ان أتلفظ ب "بابوبو" وأعني بها "سوف اقوم بالتمشي اذا لم تمطر" "انها بلغة يمكن أن اعني بها شيئا بشيء آخر"(13) . وهذا صحب بم من حيث أنه لا يمكنني استخدام ا"بابوبو" لكي اعبر عن ذلك المعنى أو أقوم بتوصيله . ويمكنني أن أؤسس ، كما فعل فتجنشستاين بالفعل ، علاقة بين الأمرين ويوجد الآن . وهو الأمر الذي يدعو الى السخرية بما يكفي ، لغة يتم فيها اختراق "بابوبو" بواسطة "سوف اقوم بالتمشي اذا لم تمطر" . وليست المسألة هي أن "بابوبو" قد أعطيت معنى مشابها لذلك المعنى الموجود في "الحدوث الغير محفزة للرمز" ، لقد غدت تحمل أثرا لمعنى ممكن . ان مشكلة اللغة باختصار ، ليست فقط مشكلة تعبير وابلاغ – النماذج التي تتنافر مع أعقد وأطرف الظواهر اللسانية التي نقابلها – انها ، كما يمكن لدريدا ان يقول ، مشكلة نقش Insoription، وانتاج "الآثار" التي تحملها المتتاليات اللفظية ، والتطورات التي يمكن لهذه المتتاليات ان تقوم بابرازها . ان المشكل اللفظي لا يحيلنا ببساطة  الى معنى ، وانما يفتح فضاء يمكن ان ينسب فية الشكل الى متتاليات أخرى يحمل آثارها .
ومهما تكن الجاذبية التي يتمتع بها هذا الراي من الناحية النظرية ، فان له مصاعبه العملية ، ان تحليل الظواهر الثقافية ، يجب ان يجري دائما في محيط ما ، وفقا لزمن تحكم فيه الأعراف انتاج المعنى في ثقافة ما . وفي الوقت الذي كان فيه فتجنشتاين يناقش مشكلة المعنى والقصد ، لم يكن ممكنا النطق ب "بابوبو"
لكي تعني "اسوف اقوم بالتمشي اذا لم تمطر" مهما يكن عليه الحال الآن . ويمكن للمشتغل بالسيميولوجيا القيام بدراسة القواعد الضمنية التي تمكن القراء من فهم النصوص -أي التي تقوم بتحديد نطاق التأويلات المقبولة – ومحاولة تغيير تلك القواعد، سوى آن هذه تمثل مشروعات مختلفة يمكن لحقائق التاريخ الثقافي
وحدها ان تفرض علينا عزلها . واليك هذا المثال الذي يمكن ان يجلو المسألة ، وهو تبني منظر ي "تل كل " لنظرية سوسير في الجناس التصحيفي Anagrams – لقد كان " سوسير " عل اقتناع بان الشعراء اللاتينيين ، كانوا يقومون باخفاء أسماء الاعلام المفاتيح بشكل منتظم في أشعارهم . ولقد انفق "دي سوسير" وقتا
طويلا لاكتشاف مثل هذه الجناسات التصحيفية ، الا انه كان يعتقد في أهمية مسألة القصد . ولقد أدت به شكوكه في هذا السجل – لم يعثر على أية احالات تتعلق بالممارسة ، كما ان النصيحة الاحصائية التي حصل عليها لم تكن حاف – لاط ل في ناف ، وعدم الاقدام على نشرها(13 ) . ولقد رأت "كرستيفا" وآخرون
ممن لا يبالون بالمقاصد ، في عمل سوسير ، نظرية تؤكد على مادية النص (الدال كتأليف للحروف ) وسلموا ب "اتمديد وظيفة دالة خاصة ، تستغني عن المفردة ، والعلامة كوحدتين رئيسيتين للمعنى ، عبر كل المادة الدالة لنص معطى"(14) 0 ان النص فضاء يمكن فيه للحروف ، وقد تم تنظيمها احتماليا بطريقة واحدة ، ان تجمع تفاضليا لاحداث نطاق من النماذج القارة .
ومن الواضح أن تلك تقنية تأويلية ممكنة : فاذا سمحنا للمحلل أن يجد جناسات تصحيفية للكلمات المفاتيح التي تثري قراءته للنص ، فاننا نكون بذلك قد منحناه اجراء فعالا لانتاج معنى. الا انه من الواضح أيضا في نفس الوقت ، أن القيود
"الأيدولوجيةا، تحول بيننا وبين القراءة بهذه الطريقة . فاذا حاولنا التخلص من هذه القيود ، فلن يتأتى ذلك بغير الاستفادة من مبادىء أخرى أيدولوجية أيضا بطريقتها الخاصة . فمثلا ، تحاول كرستيفا ان تثبت ان سوسير كان مخطئا حين قصر بحثه في الجناسات التصحيفية عل أسماء الاعلام (15) . فاذا كانت كرستيفا تعني ان بالمقدور ايجاد جناسات تصحيفية في النصوص ، فانها تكون محقة دون شك . سوى أنه يفكن القول ، طبقا لهذه الأسس ، انها "تخطيء " حين تقصر بحثها عن الجناسات التصحيفية على الكلمات الفرنسية ، ومن ثم ، استبعادها "العشوائي " للجناسات التصحيفية في الكلمات الألمانية التي يمكن العثور عليها في النصوص الفرنسية ، أو الجناسات التصحيفية للخيوط العبثية التي يمكن العثور عليها في أي نص (Un coup de des) كجناس تصحيفي . وفضلا ى ت ذلك ، وهذا هو المهم ، فان بالامكان استخدام الجنالسات التصحيفية لانتاج معنى ، فقط اذا اعتمدنا عل تقنيات تأويلية سائدة للتعامل مع أي شيء تقوم صيغة القراءة هذه باكتشافه . فاذا عثرنا على جناس تصحيفي Rire في عنوان "مالا رميه "Brise marine " فان باستطاعتنا الاستفادة منها لأننا نعرف ما يمكن ان نفعله اذا ما ظهرت اللفظة ذاتها في القصيدة . ويلزم وجود طرق خاصة لربط الجناس التصحيفي بالنص اذا
كان على أي معنى أن يتمخض عن العملية .
وعندما تقوم كرستيفا فعلا بتحليل جزء من نص ما، فانها تبدو في الحقيقة وكأنها تستخدم مبادىء للوثاقة مستمدة من اجراء ات عامة للقراءة . وهكذا ، فان كرستيفا لم تستفد الاستفادة القصوى من تلك الامكانات اللانهائية عند تصديها لمناقشة جملة Uncoup de des gamais nobolira Le nasard على الرغم من زعمها بوجوب قراءتها طبقا لسجلRegister الترجيع (التردد) Resonanceالذي يجعل من كل كلمة ، نقطة يمكن عندها قراءة عدد لا نهائي من المعاني وأقرب ما تصل اليه في الجناس التصحيفي هو استخراج Lyra, bol lira, ira من Abolira، ونادرا ما تلجأ الى "كل لغات الماضي والمستقبل ، المتضمنة ، افتراضا في النص المولد . وعلى الرغم من استخدامها لصور من قصائد أخرى لكي تظهر الكيفية التي تجلب بها كلمة Coup "السيرورة القراءة مدونة موضعاته كاملة تسكن في النص ، عبر سلسلة من
التراجعات ، والتحديدات ، والانفلاتات " فانها تهمل تداعيات واضحة مثل Cout و Coupe الخ … التي يمكن ان تؤدي الى اتجاهات عديدة(16) . ولكي تنجز شيئا يشبه التحليل ، فانها  تضطر لنشر أعراف حصرية تماما للقراءة ، يستحيل بغيرها التأويل .
وفي الحقيقة ، وبسبب الحرية الغير محدودة التي تكفلها نظريتها تحديدا ، فان الأمر الأهم بالنسبة لها ، هو تطبيق بعض مبادىء الوثاقة ، وان يكن لمجرد تقرير أي من مجموعة العلاقات الممكنة التي سوف تقوم باستخدامها . وهي تحتاج الى طريقة مالدمج ما تم انتقاؤه . وتقتضي محاولة تحرير سيرورة القراءة من القيود المفروضة عليها بفعل نظرية ثقافية معينة ، تقديم بعضالقواعد الفعالة الى حد ما ، لاستخدامها في التآلفات أو التقابلات التي يتم انتاجها عبر الاقتباس العشوائي والتداعي .
ومن المؤكد اننا نستطيع ان نرد اي شيء الى شيء آخر : ان بقرة يمكن ان تشبه القانون الثالث للدينا ميحراريات في أن أيا منهما ليس سلة أوراق مهملة . الا ان هذه الحقيقة ، لا تنطوي الا على قيمة متهافته . وعل الجانب الآخر ، تضم العلاقات الأخرى طاقة موضوعاتية كامنة . والسؤال الهام هو . ما الذي يحكم انتخابها وتطورها ؟ وسوف يقوم المركز بملء نفسه حتما ، حتى مع
"فراغه " بفعل نظرية راديكالية ، اثناء قيام المحلل بعمل اختباراته وتقديم نتائجه . وسوف يظل هناك دائما نوع من الكفاءة السيميوطيقية أو الأدبية الفاعلة . وتغدو الحاجة اليها اعظم اذا ما تم توسيع نطاق العلاقات التي يتعين عليها التعامل
معها .
ومن الممكن الا تنكر كرستيفا هذا الأمر . ويمكنها القول ببساطة . ان المركز لا يتم تثبيته أبدأ ، وانه يتم بناؤه وتفكيكه بحرية تسعى اليها النظرية كغاية في حد ذاتها "إن عل السيميوطيقا ، فى كل لحظة من لحظات تطورها ، أن تنظر لموضوعها ، ولمنهجها ، وللعلاقة بينها ، انها تنظر نفسها ، وتغدو ، وبهذا تلوب على ذاتها ، نظرية الممارسة العلمية الخاصة بها . . . بوصفها فضاء للتفاعل بين العلوم المتنوعة ومشروعا نظريا على مسار التطور بصفة دائمة " ولا يمكن للسيميوطيقا ان تمد نفسها كعلم ، فما بالك بالعلم . انها بالأحرى اتجاه للبحث مفتوحة دائما ، مشروع نظري ، يلوب على نفسه ، ونقد دائب للذات :(17 )
وتستدعي هذه الدعوى دون خجل ، ما يمكن ان تدعوه أسطورة براءة الحدوث -The myrh of the innocence of be Coming : التغير المستمر كغاية في حد ذاته هو الحرية ، وهو الذي يحررنا من المطالب التي يمكن أن تقتضيها أية حالة خاصة من
حالات النظام . فاذا كان عالمنا الاجتماعي والثقافي ، كما أوضح بارت وفوكو ، هو ثمرة النظم الرمزية المتعددة ، أفلا يتعين علينا رفض أية مكانة متميزة للأعراف التي قامت بتشييدها المؤسسات القمعية للحظة الراهنة ، ونذعي لأنفسنا بابتهاج حق انتاج معنى حرِAd libibitum  وبذا نكفل عبر سيرورة التعالي الدائمة على الذات ، حصانة ضد أي نقد مؤسس عل محكات وضعية يأتينا من
الخارج ؟ولهذه الرؤية أخطاؤها . فبركنهم انه من الصحيح ان دراسة أية مجموعة من الأعراف السيميوطيفية سوف يتم ابطالها جزئيا عبر المعرفة التي تتولد عن الدراسة (كلما غدونا اكثر دراية بالأعراف ، كلما سهلت علينا محاولة تغييرها) فاننا لن نتمكن من الهرب من هذه الحقيقة بنشدان التعالي عل الذات وحتى اذا
رفضت السيميولوجيا أن تمد نفسها كعلم ، فانها لا تفلت لهذا السبب من النقد. ومهما يكن ماضي وحافر المنهج Discipline، فان أي تحليل خاص ، يجري في مرحلة بعينها ، هو موضوع له فرضياته ونتائجه ، وامكانية انكار هذه الفرضيات في اللحظة التالية ، لا يجعل التقويم امرأ مستحيلا أو غير مناسب .
ثانيا: ان فكرة الحرية في خلق المعاني تبدو خادعة . ان القواعد والمفاهيم التي تعمل بوصفها ركيزه لانتاج المعنى ، كما يسارع "فوكو" الى التوضيح ا،موارد عديدة لا متناهية لانتاج الخطاب ، وهي بالضرورة ، وفي ذات الوقت " مبادىء للحصر ، ومن المحتمل ألا نتمكن من تعليل دورها الايجابي والمنتج دون الأخذ في الاعتبار وظيفتها الحصرية والتقييدية .(18 )
ان الشيء يغدو ذ ا معنى فقط اذا وجدت معان أخرى لا يمتلكها هذا الشيء . ويمكن لنا فقط التحدث عن طرق قراءة القصيدة ، اذا ماتوفرت لدينا طرق أخرى متخيلة ، غير ملائمة . وبغير قواعد حصرية ، لن يكون هناك معنى من أي
نوع .
وفي الحقيقة ، فان دريدا نفسه ، الذي لم يتعجل في تقديم اقتراحات ايجابية ، على وعي حاد بالفعل باستحالة الهروب ، وبالقيود التي تفرضها اللغة ذاتها ، والمفاهيم التي يشتهر فيها الهروب:
"ويمكننا من ثم ، ان نحاول تحرير أنفسنا من هذه اللغة . الا "نحاول " بالفعل تحرير انفسنا منها ، لأن هذا مستحيل دون انكار لموقفنا التاريخي ذاته ، وانما بالأحرى ، ان نتخيل فعل هذا . الا "نحرر" انفسنا منها ،لأن ذلك سوف يغدو بلا
معنى ، وسوف يحرمنا من الضوء الذي يمكن أن يقدمه المعنى . وانما بالأحرى ، مقاومته بقدر الامكان ( 19 ) " .
وبتحرير أنفسنا من أكثر ايدولوجياتنا السائدة ، فان أعرافنا للمعنى تغدو "بلا معنى" لاننا ولدنا في عالم من المعنى ، ولا يمكننا حتى تجنب مطالبه ا دون الاعتراف به من ثم . وحتى لو أمكننا أن نفعل ذلك ، فاننا سوف نجد أنفسنا وسط لغو بلا معنى ،محرومين من "قبس المعنىا، الذي يجعل المناقشة أمرا ممكنا ، وما يتوجب فعله ، هو أن نتخيل تحرير أنفسنا من الأعراف الفاعلة لكي نرى بوضوح أكثر ، الأعراف ذاتها .
 ومهما تكن الحرية التي تكفلها جماعة "تل كل " لنفسها ، فانها سوف ترتكز على أعراف ما ، وسوف تتألف من مجموعة من الاجراءات التأويلية ، وهناك فرق جوهري ببين انتاج المعنى ، والتحديد العشوائي للمعنى ، بين التطور المقبول ظاهريا ،والتداعي العشوائي ، ان جماعة ،اتل كل " تنشد الشق الأول أكثر
مما تنشد الشق الثاني – ان أعضاء الجماعة لا يودون الزعم بان تحليلاتهم ليست أفضل من غيرها ، ويلتزمون داخل هذا النطاق ، بالعمل داخل اطار التقاليد . وفي الحقيقة ، فان فكرة أن بالامكان ا"اجلاء ا، الخاصية الثورية لكتابة "دانتي " ، على ما يقول سولير ، او تعيين المكانة للحقيقة د "لوتر يامون " في تاريخ الأدب الفرنسي ، تعني قبولنا بمعايير معينة في الجدل والمقبولية.
ان ما تقوم "تل كل " في الحقيقة باقتراحه ، هو تغيير في الكفاءة السيميوطيقية ، وليس حركة تتجاوزها . انها تسعى لتقديم بعض الاجراء ات الجديدة والخلاقة للمعنى . ومثل هذا المشروع جائز تماما . ومن الممكن ان يمنحهم التفاعل بين عملهم النظري والأدبي ، فرصة للنجاح . سوى أنه طبقا لطبائع الامور ذاتها ، فانبامكانهم التقدم مجرد خطوة ، خطوة ، متكئين على الاجراءات التي يقوم القراء فعلا باستخدامها ، محبطين بعضي  ، حتى يتم تطوير طرق جديدة لانتاج المعنى ، وهناك فقط ، يقومون بالاستغناء عن غيرها من الطرق . ما أشبههم ببحارة "فوف نيراثVon Neurath " الذين يحاولون اعادة بناء سفينتهم وسط المحيط ، وبدلا من ان يدركوا ان هذا العمل ينبغي ان يتم لوحا بلوح ، يجادلون بوجوب تفكيك السفينة برمتها . والفرق بين الطريقتين ، هو أن الأنسان في المحيط الحقيقي ، يغرق .
وما أحب أن أثبته اذن هو . انه في الوقت الذي لا يمكن فيه للبنيوية ان تهرب من – الأيدولوجيا ، وتقديم أسسها الخاصة ، فان ذلك يغدو قليل الأهمية ، لأن النقد الموجه للبنيوية ، وعلى الأخص البويطيقا البنيوية ، لا يمكنه ان يفعل ذلك بالمثل ، ويؤدي هذا النقد من خلال استراتيجياته في الهروب ، لأوضاع يتعذر الدفاع عنها . أو ربما جاز لنا القول ، بتواضع أكثر ، ان اي هجوم على البويطقيا البنيوية ، يرتكز على الدعوى بعجزها عن القبض علىالصيغ المتنوعة للتدليل الأدبي ، سوف يخفق ذاته في تقديم بديل متماسك . وفي الحقيقة ، فان كلا من النقد التقليدي الساذج ، الذي يؤكد عل فرادة العمل الفني وعدم جدارة النظريات العامة بالسيميولوجيا التحليلية ، Semanalyse "تل كل " التي تحاول أن تنظر لتعال دائم على الذات ، يخفق بطرق مشابهة . ان كلا التحليلين يوحي بأن سيرورة التأويل عشوائية وجزافية : الأول بالحذف (عبر رفضه تأييد نظريات سيميوطيقية عامة) والأخيرة بتمجيدها الصريح لكل ما ينطوي على المخاطرة .
وعلينا ان نؤكد بالمقابل ، على أن نطاق المعاني التي يمكن أن يحملها بيت من الشعر ، يعتمد على حقيقة ان معان أخرى لا حصر لها مستحيلة بشكل صريح ، وبأنه لكي تسأل .
بأي ""حق " تم استبعاد المعاني الأخرى ، وان تتلمس في سعيك للاجابة على هذا السؤال اكثر من صياغة للأعراف الفاعلة ، هوان تخرج عن نطاق الثقافة كلية صوب منطقة حيث لا معاني على الاطلاق . ويتم ارشاد القارىء ، كما يقول بارث ، بفعل القيود الشكلية للمعنى . اننا لا نقوم بتاليف المعاني بالطربقة
التي تحلو لنا (جرب ان كنت لا تصدق )(20) وربما بدت هذه النقطة بسيطة ، الا انها احدى النقاط التي أغفلت دون مبرر مؤخرا ، ولا يمكن لنا أن نجيب ايضا بأن امكانية التغيير تعتمد على بعض مفاهيم الهوية ، وبوجوب وجود اعراف فاعلة لانتاج المعنى اذا ما تغيرت الأعراف غدا ، وبانه حتى احساسنابامكانية التغيير يشير من ثم الى وجود أنساق رمزية شخصية يتعين دراستها . وبدلا من محاولة الخروج عن اطار الايدولوجيا ، ينبغي ان نوطد العزم على البقاء داخل اطارها ، ذلك أن كلا من الأعراف التي يلزم تحليلها ، وأفكار الفهم ، تكمن داخل هذا الاطار . واذا سلمنا بوجود دورة ، فلن تكون هذه الدورة، سوى دورة الثقافة ذاتها .
الهوامش :
1 – هذه ترجمة للفصل العاشر من كتاب الناقد الانجليزي المعروف "جوناشن
كلر" المعنو

شاهد أيضاً

هذيان المدن الاسمنتية

 احمرار  « المدينة.. المدينة…» يبدو اللفظ زلقاً وهو يخرج من بين الشفتين الممتلئتين باحمرار قان. …