أخبار عاجلة

جندي الحلم

في يوم زمهريري الى حد تجمد الأحلام

تراءى لي حلم رهيب

في صدر الأصيل

اعتمر حلمي قبعته ومضى خارجا

أوصدت الباب وراءه

حدث الأمر قبل خمسين عاما تقريبا يقولون إن الحقيقة لازمن لها، ولكن هذه القصة لها زمنها، وهو زمن الحقيقة.

منذ الليلة قبل البارحة، عمت عاصفة ثلجية رهيبة القرية الصغيرة الواقعة في كنف الجبال على امتداد حدود المقاطعة، وانطلق رفيف الريح كأنه صراخ معاناة، وفي الصباح الباكر مضت فصيلة من الجنود في تدريب لاحتمال الطقس البارد يتعثرون متجهين الى القرية من البلدة الواقعة عبر سلسلة الجبال. راحوا يجرون أحذ يتهم الضخمة المصنوعة من القش عبر الثلوج الثقيلة، التي دفعتها العاصفة على ايقاع نشيد عسكري، وعبروا القرية بخطي ينقصها الثبات وسر عان ما عاودوا الاختفاء في العاصفة الجليدية، كظلال عديدة.

ضرب المساء اطنابه وخمدت الريح وف مخفر الشرطة، على الطريق المفضي الى القرية جلس ضابط شرطة عجوز، متوحد، وراح يقشر البطاطا بذهن شارد، فيما هو يدفيء أخمص قدميه قبالة موقد متوهج الاحمرار. كان الراديو يتحدث بنبرة رتيبة عن شيء ما، لكنه لم يكترث به، وانما غرق في حلم يقظة بهيج.

راح يحدث نفسه متأملا: "أعرف حق المعرفة أن عمدة القرية ومعاونه مشغولان في البيع غير المشروع للسلع المدعومة المخصصة لنظام الحصص، وأن كبير كهنة المعبد ضالع في الأمر بدوره. ويخفي السلع تحت أرضية المعبد. لكنني ألزم الصمت، وكل من في القرية يعرفون أنني أمسك على لساني وليس القصد من الهدايا التي يجلبونها لي حملي على الصمت وانما إظهار حسن نواياهم، وعندما أتقاعد لن أضطر للهرب شأن الضباط المقيمين الأخوين ولسوف يكون بمقدوري البقاء على ما أنا عليه، وتحقيق الاستقرار، وربما الزواج من أرملة تحظي بمكانة عقارية صغيرة والاستمتاع بأيام كهولتي في سلام وطالما أنك ليست ذلك كيوف باهظة الإرضاء فليست هناك حياة أفضل من حياة المزارع. ولسوف احتاج الى دار لأرحب فيها بعودة ولدي بعد خروجه من الجيش أيضا. وبفضل الحرب هناك الآن ثلاث أرامل في القرية لديهن عقارات. وبالطبع وحسب الوضع الراهن، فلكل منهن ابن، ولكن ليس بمقدورك ان تعرف أبدا ما ستنتهي اليه الأمور. فقد يمكن لأي من هؤلاء الأبناء أن يلقى حتفه دفاعا عن وطنه في أي وقت الآن. ولسوف أخرج من الأمر ظافرا، أعلم أن هذا ما سيحدث لي، فلم يحدث ان أتيت شيئا واحدا من شأنه أن يستثير حفيظة القرية، ويدفعها لمعاداتي، ومن المؤكد أن عدد الأرامل سيرتفع. وليس هناك ما يدعو للتعجل. وكل ما علي هو الجلوس والتمهل والتفكير مليا في الأمر. مساحة الأرض المزروعة أرزا زائد العائلة مقسومة على اثنين…".

فجأة دوى رنين الهاتف، وانزلقت حبة البطاطا التي كان يقشرها من يده، فسقطت في الرماد. التقطها، ومسحها في ران قميصه التحتاني، وانبعث واقفا، وتمطى، كأنما من فرط الألم، قبل أن يمضي الى الدهليز. التقط سماعة الهاتف بالطريقة العرضية الغريبة التي تقتضيها مهنته، ورد بصوت متعب ولكن عندئذ ازداد التعبير المرتسم على محياه توترا، وشرعت الأصابع المطبقة على حبة البطاطا في الاتجاف.

ما إن تجاوز الجنود القرية، حتى مضوا قدما الى الجبال، وعل امتداد الطريق مروا بتلال وأ ودية وغابات، ماضين في المناورات حيثما ذهبوا، بحيث أنهم لدى وصولهم الى السلسلة الجبلية الأخيرة كانت الساعة قد تجاوزت الثالثة بالفعل. وعصفت الريح بشدة متفاقمة الزخم، وراحت تلقي بالثلوج حولهم كالسياط الى أن عجزوا عن التقاط أنفاسهم، وطوال هذا الوقت لم يتناولوا طعاما، وأجبروا على السير وقتا مضاعفا في طريق العودة. وكان من المعروف أن عقابا صارما ينتظر كل من يضبط متأخرا عن الباقين. ومع ذلك فإن ستة جنود تخلفوا وراء زملائهم. ولأن هذا التدريب كان تدريبا خاصا، أعد لاختبار التأثيرات المجتمعة للجوع والاعياء والبرد، فقد تم توقع امكانية أن يضل البعض الطريق. وتبعتهم وحدات طبية، ولكن عندما انضمت العناصر الطبية الى الفصيلة تبين أنه تم إلقاء القبض على خمسة معن تخلفوا في الطريق فقط، وبدا أن جنديا واحدا قد اختفى عن الأنظار.

من شأن الجندي الغائب أن يتضور جوعا، ومن المؤكد أنه سيتجه الى القرية، واذا ما أبدى له أدنى قدر من التشجيع فإنه يحاول الحصول على ملابس مدنية أو أي شيء آخر يخطر بباله باستخدام القوة.

أعاد الضابط العجوز السماعة الى موضعها وتهدلت كتفاه، وعلى مهل عاد الى موضعه بجوار الموقد. تنشق وحك قمة رأسه الصلعاء لبعض الوقت. تطلع الى الساعة. السابعة والنصف. لم يرغب في الحراك، فقد كان البرد شديدا للغاية في الخارج، وبالاضافة الى ذلك فإن هذه الحالة لم تكن بعد من حالات الفرار الواضحة من صفوف الجيش. فيا لها، في نهاية المطاف، من عاصفة ثلجية تلك التي كانت تهب ! وربما كان الفتى قد انفصل في يسر عن رفاقه وضل طريقه وسط الجليد. من ذا الذي سيستبد به الحمق الى حد الفرار من صفوف الجيش في طقس كهذا؟ من شأن آثار أقدامه على الجليد أن تشي به على نحو قاتل. لابد أنه قد ضل الطريق. وربما كان الآن قد تجمد بردا الى حد التصلب. ومن ناحية أخرى فطالما ظلت الريح على هبوبها فإن الجليد قد يكون أكثر أمنا، فالريح القوية تزيل أية آثار أقدام، بل وربما خطط للأمر على هذا النحو، ربما كانت جريمة سبق إهوار وترصد. ولكن هاهي الريح قد سكنت وربما سقط في الشرك الذي نصبه، فالجريمة، في نهاية المطاف، لا تفيد.

طيب، لقد تلقيت إيضاحا للموقف، ولكن لا أوامر محددة فهده مهمة الشرطة العسكرية، بالطبع، وبالاضافة الى ذلك، وعلى العكس من أي سجين فار، فإن الهارب من صفوف الجيش ليس إلا جبانا لا يقصد شرا. دع الأمر وشأنه ! دع الأمر وشأنه ! فلا طائل من دس أنفك في متاعب الآخرين، وبالاضافة الى ذلك فلم يسبق لي أن سمعت بهارب من صفوف الجيش أفلت بفعلته.

خيل اليه أنه سمع خمشا خافتا على الباب الخارجي، فالتفت ناحيته، أصاخ السمع، ولكن لم نتناه اليه ضوضاء أخرى. لابد أن ذلك كان من وحي خياله. ولكنه لسبب ما ساوره شعور غريب بالتشكك كان الأمر أكثر من ذلك – كان شعورا أقرب الى الفزع، كتلة متداخلة من المخاوف لم يملك لها تفسيرا حتى لنفسه. ليس خوفا من الجندي الهارب. ففي هذه المرة لم يستشعر شيئا من اندفاعة الكراهية التي يحس بها حيال المجرمين الهاربين من السجون وأيقظه عدم شعوره بتلك الكراهية، للمرة الأولى على وجود أشخاص وقوى يأمرونه بأن يكره، وسمح له بأن يلقى نظرة على الهوة التي تفصل القائم بالمطاردة عمن تجرى مطاراته – هوة منعه وضعه الآمن وسط القائمين بالمطاردة، من أن يردها من قبل.

وخزه الشعور بالذنب، فانبعث واقفا، فصاح بصوت أجش، ليس بإمكانه الافلات بفعلته ! ولكن هذا التوعد لم يترك أثرا يذكر على شعوره بالتشكك. كان ما يزال شعورا لا يتجاوز التشكك الداخلي المحدود الذي يغلفه خوف أوسع نطاقا. وفي أغرار نفسه استشعر القلق من امكانية أن ينتهي به الأمر الى التواطؤ – وهو قلق من المؤكد أن كل قروي يشاركه في الشعور به. وكان عجزه عن الهرب من ذلك القلق هو مصدر هذا الخوف الأوسع نطاقا، حدث نفسه قائلا: لقد أوغلت في العمر، ثم أحس بانبثاقة غضب هائلة. وحدث نفسه عندما يحين الوقت، ستكون هناك محاسبة، ومتتم تسوية كل شيء، لا يبدو الأمر وكأنني الوحيد المسؤول، وأحس بظهر حلقه مبتلا على نحو غريب. أغلق الصمام المنظم للموقد. وثبت سيفه في موضعه. وقلب ياقة معطفه ومضى خارجا.

كان الثلج خفيفا وبديعا وتهاوى على نحو يهيج تحت قدميه، ظهرت أثار الأقدام عليه، وكانت دونما وضوح. وغير بعيد عن حانوت بائع الأسماك كانت دار عمدة القرية، التي تفخر بالنافذة الوحيدة الغريبة الطراز في القرية بأسرها توهج السوء هناك، وترامى على امتداد المسافة الى الشارع الصوت المكتوم بضحك منبعث من القلب.. ذلك هو صوت كبير الكهنة. وبدلا من الذهاب كالمعتاد الى مؤخرة الدار فتح الضابط الباب الأمامي فجأة.

توتر الجو في الداخل بفعل المفاجأة، وتناهى مغطيا على ضجة تنحية الأقداح الصينية على عجل تشدق العمدة الهياب:

– من ذاك المقبل في مثل هذه الساعة ؟

انتظر حتى ترى جلية الأمر، هكذا حدث الضابط نفسا متنحنحا، ومتعمدا الامتناع عن السرد. فتح الباب الورقي الداخلي المنزلق، وأطل مساعد العمدة برأسه من الفتحة.

– طيب. أنظر من الذي أقبل ! لو لم يكن الضابط !

انضم اليه رئيس الكهنة، الذي فتح الباب على أقصده:

– أقبل ! أقبل !

بدا جليا أنهم كانوا عاكفين على الشراب. قال الضابط:

أخشي أنه كان هناك القليل من المتاعب.

– متاعب ؟ ما الأمر؟

– أوه، لسوف يحدثنا على مهل – هلم أقبل، على أي حال، أغلق الباب واحتسى قدحا من الشراب!

واصل الضابط حديثه:

– يبدو أن أحد الهاربين من الجيش يمضي مطلق السراح باتجاه الجبال الشمالية تطلع كبير الكهنة من فوق عويناته، وقال:

– هارب من الجيش. إذا كان يمضي في ذلك الطريق فسوف يجيء الى هنا أيا كان الطريق الذي يسلكه.

– نعم، لقد تم إبلاغي بأنه متوجه مباشرة الينا.

– متوجه ؟

قالها عمدة القرية، وهو يحك أحد أصابعه على امتداد أرنبة أنفه العالية، في شعور جلي بالضيق.

أضاف الضابط،

– إنهم يقولون كذلك إنه متضور جوعا.

– أووه، يبدو الأمر حافلا بالمتاعب بالفعل. أعرب مساعد العمدة عن دهشته منفعلا.

– عم تتحدثون ! إن الفارين من الجيش خونة لبلادهم، أسوأ أنواع الجبناء وأكثرهم وضاعة، لم لا ننطلق قدما لمطاراته ؟

أشار الضابط بقوله:

– نعم ولكن لديه بندقية، وبالاضافة الى ذلك فالرجل جائع، بحيث أنه يقدم على أي شيء.

قال العمدة، مطلقا تنهيدة:

– في الصين، كل قرية وتجمع للناس له سور قلعة يحيط به. دمدم المساعد:

– ليس سور قلعة.

– ليكن، ليس سور قلعة.

– مجرد سور طيني.

– ليكن. سور طيني

دهشوا جميعا من صوت يشبه قعقعة السلاسل، والتفتوا حولهم ليشاهدوا ساعة الجدار وهي تشرع في اعلان حلول الساعة الثامنة. سعل الكاهن والتفت متسائلا.

– هكذا ما الذي سنفعله ؟

– إنني أقول بأن علينا الانطلاق للامساك به بأنفسنا وضربه الى أن يغدو كتلة من اللحم والعظم.

لم يكن من المدهش أن يتحدث مساعد العمدة بمثل هذه الجرأة، فقد كان الذكر الوحيد في القرية بأسرها الذي بلغ الثلاثين من عمره، ولم يلتحق بصفوف الجيش بعد، ورغم ذلك فإن صوته فقد القليل من اقتناعه السابق. أومأ الضابط موافقا، كأنما تشجيع له، وقال:

– فكرة جيدة، ففي نهاية المطاف ليس الرجل إلا كلبا خائنا. ومع ذلك… أضاف محذرا بصوت خفيض، وقد أمال رأسه الى أحد الجانبين.

– لا تنسوا أنه مسلح، ضعوا بندقية في يد رجل جائع ويائس ومحاصر وعندئذ من ذا الذي يدري ما عساه أن يفعل. وافقه الكاهن قائلا:

– ذلك صحيح، لسوف يكون ذلك مثل اعطاء سيف لمجنون.

لوح بإحدى يديه ناحية المساعد، معترضا على اقتراحه، ثم نظر الى الضابط، وقال:

– ما الذي ستقوم به ؟

قال العمدة، حاكا أنفه:

– تقوم به ؟ طيب. كل ما علينا…

وعندئذ دمدم، وكأنما طرأت على باله فكرة لاحقة:

– لا أحسبكم تفترضون أن الهارب هو من قريتنا ! أهو كذلك ؟

قال المساعد بصوت عال، وبقوة، دافعا ذقنه للامام:

– مستحيل ! فمثل هذا الجبان لا يمكن إلا أن يكون من منطقة مناخها حار.

– إذن، لماذا هرب الى هنا من بين كل الأماكن وسط هذا البرد؟

– من ذا الذي يعرف ! لا يمكنه الهرب، فكروا في أبويه المسكينين !

– ولكن الا تذكرون – ألم تكن هناك قصة عن أرملة في إحدى القرى القريبة من هنا أخفت جنديا هاربا قرابة ما يزيد على شهرين.

– كان ذلك منذ وقت طويل. أما الآن فما من أحد يقترف هذه الفعلة الغادرة.

– صحيح. صحيح.

حدث الضابط نفسه قائلا: انظر اليهم انهم جميعا خائفون حتى الموت. وأنا لست الوحيد، فكلهم خائفون من أن يمسهم الأمر بشكل من الأشكال ومع ذلك فإن مجرد علمهم به يعني أنه ليس بمقدورهم تجنب توسيخ أيديهم ولو أنهم غطوا آذانهم فإن أيديهم ذاتها ستسمع صرخاته طلبا للعون. وعملية تغطية الآذان هي في ذاتها مؤشر دال على التواطؤ.

قال متشمما، وقد رد حديثه بنغمة مقصودة، وقد تجرد محياه من أي تعبير:

– طيب إذا سألتموني فإن علينا أن نحذر أبناء القرية توا، ونمرر الأخطار بحالة الطواريء من باب الى آخر، ينبغي أن يقال لهم إن هناك جنديا فارا قد انطلق في هذا الاتجاه، ومن هنا فإن عليهم أن يعرفوا بضرورة إغلاق أبوابهم باحكام والبقاء في دورهم. ينبغي أن يتخذوا الاجراءات الوقائية نفسها التي تتخذ خلال غارة جوية، والتأكد من عدم تسرب أي ضوء من الخصاص، والا يردوا حتى إذا فاداهم أحد، فبمجرد أن يحادثوه سيعزف على أنغام تعاطفهم معه. ولنقل انه سيبدأ بطلب الماء، ولسوف يحدثون أنفسهم قائلين: طيب، ما الضرر الذي سيلحقه بنا قدح من الماء؟ وهكذا فسوف يعطونه الماء، وبعد ذلك سيرغب في الطعام، ولدي قيامهم بتقديم الطعام له سيطلب عقب ذلك تبديل ملابسه، وبعد الملابس يأتي دور النقود.. وبعد ذلك ما الذي تظنون أنه سيحدث ؟ لسوف يقول: شكرا على كل شيء،ولكنكم رأيتم وجهي الآن، وذلك يجعل الأمور صعبة بعض الشيء. وقبيل انصرافه مباشرة، سيقول: أوه، شيء واحد آخر ولسوف يطلق النار عليهم بانج".

انتظر الرجال الثلاثة بأنفاس لاهثة ما سيقوله الضابط عقب ذلك، ولكن بما أنه لم يبد أنه سيواصل الحديث، فقد تساءل العمدة على استحياء:

– أهذا كل شيء؟

– الباقي منوط بالشرطة العسكرية.

انبعث الكاهن واقفا، وهو يقول بارتباك، وباستياء ظاهر:

– طيب، مكاني بعيد عن هنا، ولذا يستحسن ان انصرف. فيما شرع العمدة يتصل مسرعا بالهاتف بمخفر وحدة الدفاع المدني، نهض مساعده، وحذا حذو الكاهن، وقال:

– ربما كان يجوب أرجاء القرية الآن دون أن نعرف. في خلال أقل من ساعة، انتشر الأمر في أرجاء القرية كأنما تم اصدار تحذير من اعصار وفي كل دار أوصدت المغاليق التي تستخدم في حالات هبوب العواصف، ودقت بالمسامير عوارض خشبية عبرها لمزيد من التحصين. بل مضى بعض الناس الى فراشهم حاملين معهم الحراب الخيزرانية والبلط في وضع التأهب لاستخدامها وبعد العاشرة بقليل، غرقت القرية بأكملها باستثناء مخفر الشرطة الفرعي، في ظلام عميق يكتنفه الصمت.

أغفت معظم العائلات، متخاذلة في رحاب الظلام.. ولم يبق مستيقظا إلا ضابط الشرطة العجوز، وقد أرهف السمع لأدنى صوت في الخارج، كأنه ينتظر شيئا ما. ورغم ذلك فإن أبناء القرية الذين، اعتصموا بدورهم لم يكن أمامهم من سبيل لمعرفة ذلك.

في صبيحة اليوم التالي ولدى انبلاج الفجر، ومن وراء سلسلة الجبال الواقعة الى الجنوب دوى الصفير الحاد الصادر عن قطار، في سلسلة طويلة من الصفارات السريعة، وحملت السحب الخفيضة الدوي المخيف بلا هوادة الى القرية فأيقظت معظم أبنائها، وفتح الكثير منهم، وقد أدركوا معنى هذا الدوي مصاريع دورهم.

التفت الضابط العجوز، الذي اعتكرت عيناه بالحمرة من جراء السهر نحو النافذة الجنوبية، وحدق في الخارج نحو التلال. لحان بمقدوره أن يرى بوضوح الخط الرمادي الفاصل في الثلوج، الذي يفني مباشرة الى السلسلة الجبلية. أغرق الصمت صفير القطار، وبعد ذلك بوقت قصير، أقبل مساعد العمدة ومعه رجلان آخران، وتحت إبطيه زوج من الزحافات. قال:

– يبدو أن أحدهم قد مضى وألقى نفسه تحت القطار. ربما كان الخائن، لسوف نمضي لالقاء نظرة. أتريد المجيء معنا؟

– كلا. سأبقى هنا، تحسبا لاتصال هاتفي من البلدة.

عثر المتزلجون الثلاثة سريعا على الأثر الرمادي المتواصل عبر السلسلة الجبلية، فأومأ أحدهم للآخر مغتبطا، وشرعوا في اقتفائه. ترك الضابط العجوز النافذة، وجثم أمام الموقد محتضنا ركبتيه.

عندما أقبل المساعد من جديد، كان الضابط مايز الى غافيا في الوضع ذاته. فانتظر صامتا أن يستيقظ، ولكن لم يبد عليها ما يشير الى أنا يوشك على ذلك. وعندما تخلى عن الأمر وشرع في الانصراف فتح الضابط عينيه وهمس:

– طيب، هل رأيته.

– نعم رأيته.

قال الضابط متنهدا:

– آه..

– كنت تعلم بالأمر طوال الوقت، أليس كذلك ؟

– بل، كنت أعلم به.

– وكنت أنت من دفعه للاقدام على ما أقدم عليه ؟

– نعم … ولكنني.. أو، يا للعار ! لم تعين عليه اختيار هذا المكان ؟ لقد فعل ذلك نكاية بي.. إنه ليس بولدي.

ساد الصمت برهة. أضاف الضابط.

– ومع ذلك فإنك لن تبلغ باقي القرية بجلية الأمر. أليس كذلك

– لكن الاثنين الآخرين يعرفان به فعلا.

– أوه، نعم، إنهما يعلمان، سيتعين على تحمل المسؤولية عن هذا بشكل من الأشكال..

– لقد مات ميتة حسنة. علقت بندقيته على غصن أحدى الأشجار، على مبعدة.

– أكانت كذلك ؟

– ثمة شيء أخر – ألا تظن أن من الخير لك أن تفعل شيئا حيال آثار الاقدام تلك الموجودة تحت نافذتك ؟

– أجل، أظن أن علي القيام بذلك. بعد عشرة أيام غادر ضابط الشرطة، العجوز القرية، جارا عربة وراءه.

في يوم متقد الى حد ذوبان الأحلام

تراءى لي حلم غريب

في صدر الأصيل

لم تعد إلا قبعتي وحدها.

 

* ولد كربو آبي في 7 مارس 1924 في طوكيو، غير أنمه نشأ في موكدين بمنشوريا، حيث كان أبوه يعمل ضمن هيئة التدريس بكلية الطب هناك، وفي نهاية الحرب العالمية الثانية عاد الى اليابان، حيث تخرج في جامعة طوكيو الامبراطورية، بعد حصوله على درجة البكالوريوس في الطب، لكنه لم يمارس هذه المهنة قط.

في عام تخرجه أصدر كتابه الأول "لافتة في نهاية الطريق" وشأن سائر أبطاله احتجب في رحلة اغتراب طويلة، دامت ثلاث سنوات، ليطل على قرائه من جديد بروايته القصيرة "جريمة السير س. كاروما" التي فازت بإحدى أهم الجوائز الأدبية في اليابان، وهي جائزة أكوتاجاوا.

وفي العام 1960 فازت روايته الفاتنة «امرأة فى الرمال» بجائزة يوميوري، وسرعان ما نقل هذا الانجاز الروائي الى الشاشة الفضية وبسيناريو كتبه آبي نفسه، ومن اخراج المخرج الياباني هيروشي، فحاز الفيلم على جائزة لجنة التحكيم الخاصة في مهرجان كان، ومازال حتى اليوم يعد من أبرز روائع السينما اليابانية.

وتوالت أعمال آبي فاستقطبت الاهتمام في اليابان وخارجها، ودفعت باسمه الى مقدمة أسماء أدباء اليابان، كما كون فرقة مسرحية، تولى ادارتها، وقدم من خلالها روائع أعماله التي قدمها لخشبة المسرح. وترجمت رواياته الى أكثر من ثلاثين لغة عالمية، وفي مقدمة هذه الروايات «الرجل العلبة» و"الخريطة الممزقة" و"وجه الآخر" و«مرحبا بعصر الجليد». وقبل وفاته مؤخرا دفع الى المطبعة بروايته المتميزة «مذكرات فيل» وهي جميعها تدور حول مفهوم الاغتراب.

وقد ترجم كاتب هذه السطور الى اللغة الغربية روايتين لكوبو آبي هما،"امرأة في الرمال" من اصدار دار الآداب و"موعد سري" من إصدار دار الفارابي، ومجلدا يضم عددا من مسرحياته بعنوان "الرجل الذي تحول الى عصا" لم ينشر حتى كتابة هذه السطور، كما ترجم عبدالكريم ناصف مسرحيته الرائعة "الأصدقاء" والقصة المائلة بين يدي القاريء من مجموعة آبي «فيما وراء المنعطف» الصادرة عن دار كورانشا في 1991.
 
 
النص: كوبو أبي
ترجمة: كامل يوسف حسين (مترجم من مصر)

شاهد أيضاً

طــرنيـــــــب

دفع الباب بقدمه وتقدم إلى الغرفة شبه المفرغة إلا من شخير رتيب يتصاعد من الرجل …