حضور مكثف للإيماء والصمت فـي «موسم الهجرة إلى الشمال»

عالج داء الاغتراب ومفارقات السياسيات الاستعمارية بين عالمنا العربي وأوروبا، بأسلوب سردي دخل ?باكتمال عناصر بنائه- طور العالمية من الحداثة والتجديد.. الطيب صالح في «موسم الهجرة إلى الشمال»..
ماركيـــــــــــــــــــز الشرق
كما هي رحلة نهر النيل العظيم شمالاً (من أقاصي جنوب القرن الأفريقي)، ذهب الطيب صالح (عظيم الأدب الروائي العربي) في روايته «موسم الهجرة إلى الشمال»، ليتدفق سرداً، وخيالاً روائياً وصوراً شعرية، وعذوبة ممتنعة، شمالاً وغرباً، مُعالجاً مشكلات إنسانية وسلطوية واجتماعية ومعيشية، أبرزها هجرة العقل الأفريقي والعربي والشرقي -بشكل عام- من نبعه وموطنه، إلى المهجر الغربي، الذي تحرص سلطاته دوماً على وضع اليد على أرض هذا المهاجر المطحون.
إنَّها رواية تحفل بمفارقات جوهرية، بين جنوب الشرق أو جنوب الغرب، كمراكز للصراعات والموارد الطبيعية، على عكس شمال الشرق، أو شمال الغرب، الذي هو مصدر للعلم، بحكم تقدمه وامتداده الاستعماري في دول الشرق، خصوصاً الدول النامية، وكيف تُستَغَلُّ مواردها الطبيعية والبشرية، من خلال الاهتمام بالكوادر والنوابغ من سكان هذه البلدان، حيث تتاح لهم فرص عظيمة، تُبدِّدُ في مغامرات ونزوات منبتها ثقافة الكبت والحرمان، لتكون ثمرتها ضياع عبقريات كان بالإمكان أن تنجح، في نقل الحضارة والـعلم إلى مواطنها، بدلاً من عودتها بماضٍ مثقل بمزيد من عوامل تعزيز الغربة والفقر، في أرض تربض على ذهب، ومجتمع ذكوري يعيش في سجن كبير، أغلقته بإحكام، ثقافة التسلُّط والهيمنة، بينما نصفه الآخر لم يزل في دوائر «المسكوت عنه»..
كل هذه الرسائل قدمها الطيب صالح في عمل أدبي روائي، يؤكد بفرادته واكتمال عناصر السرد فيه، واتساقه، الفني، والموضوعي، والبيئي العام، أن الطيب صالح هو «ماركيز الشرق» وأنه يستحق ـ فقط – بـ»موسم الهجرة إلى الشمال»(1)، جائزة نوبل للآداب..
التميُّز والفرادة المدهشة التي قدمت الطيب صالح كروائي عالمي، تجلَّت من أول عبارة استهل بها الرواية، وكما لو أن الاستهلال، ثقب صغيرٍ جداً يفضي إلى عالم تنيره الأسرار والتفاصيل المدهشة، ثم من الحضور المباشر فجأة للراوي المجهول بمهنته (الحكواتي أو الراوي)، المعروف لدى (المروي له) منذ زمن طويل، وأنه توقف منذ آخر لحظة غادر فيها قريته للدراسة في بلد أوروبي، ليفاجئ المنتظرين بعودته مستأنفا مرحلة جديدة من السرد:
«عدت إلى أهلي، يا سادتي، بعد غيبة طويلة، سبعة أعوام على وجه التحديد، كنت خلالها أتعلم في أوروبا. تعلمت الكثير، وغاب عني الكثير، لكن تلك قصة أخرى.» (2)
«بهذا الاستهلال المنتهي بإشارة القطع «النقطة»، يلفت ذهن المتلقي إلى عدم الاهتمام لقصة دراسته، بل عليه الاستماع (أو القراءة)، لمعرفة القصة الأهم، مواصلا السرد عن أجواء عودته واستقباله، وسرعان ما يوقع القارئ في شباك ورطة فنية، بإحالته ودحرجته نحو طلائع ملامح البطل، فيدرك أن الراوي المجهول ليس هو البطل، وهذه تقنية جديدة، دعمها المؤلف، بأسلوب حركي للمشاهد، بالأفعال: «وجاءت أمي تحمل الشاي. وفرغ أبي من صلاته وأوراده فجاء. وجاءت أختي، وجاء أخواي، وجلسنا نشرب الشاي … ».(3)
وكما لو أننا نتابع صوراً تتحرك درامياً بشخوصها وأمكنتها وبيئتها المتكاملة، لينجح بسرعة في دفع المتلقي، باتجاه ظهور البطل على سبيل المفاجأة، مثيراً عاصفة من الأسئلة المحورية في تقديم بطل بحجم هذه العمل الروائي:
«فجأة تذكرت وجهاً رأيته بين المستقبلين لم أعرفه. سألتهم عنه، ووصفته لهم. رجل ربعة القامة، في نحو الخمسين أو يزيد قليلاً من شوارب الرجال في البلد. رجل وسيم .وقال أبي : «هذا مصطفى» . (4)
« مصطفى من؟ هل هو أحد المغتربين من أبناء البلد عاد؟ وقال أبي أن مصطفى ليس من أهل البلد، لكنه غريب جاء منذ خمسة أعوام، اشترى مزرعة وبنى بيتاً وتزوج بنت محمود… رجل في حاله، لا يعلمون عنه الكثير. لا أعلم تماماً ماذا أثار فضولي، لكنني تذكرت أنه يوم وصولي كان صامتاً» . (5)
عند هذا الصمت يجد القارئ نفسه أمام رواية ليست مملة، ولا مجال لطي كتابها قبل معرفة ما وراء الصمت. ومن هي بنت محمود التي اتبع ذكرها المؤلف بأداة إشارية ترقيمية (…) ثلاث نقط متتابعة، كدلالة على قصة قد تطول حولها.. لكنه يواصل نقاشات شوق السنوات السبع المتبادل بينه، وأهل قريته الصغيرة، عند أحد منحنيات تفاصيل حياة المجتمع الأوروبي أجلها وأدقها، سطحها وعمقها، خصوصاَ ذات الصلة بالمرأة وطبيعة ارتباطها بالرجل، والزواج والعشق والعمل عبر وقفات تكتمل فيها دائرة عناصر السرد.. ويفاجأ المتلقي(القارئ) بوجود شخصية أنثوية، «بنت مجذوب» التي قدمها كمفتاح سر جديد، يجعل من الضرورة التساؤل عن هذه المرأة المنفتحة، في كوكبة من الرجال الكبار، وبنفس انفتاحهم: وقالت بنت مجذوب ضاحكةً: «خفنا أن تعود إلينا بنصرانية غلفاء». (7)
وباختزالٍ لغوي، يقدم جزءاً من خصائص وسمات الشخصيات عبر هذا النقاش، متدرجاً في أكثر من مقام، لتقديم سمات وخصائص شخصية البطل «مصطفى، مُخْبِراً أن كل هذا الحديث دار و»مصطفى» موجود في كوكبة المتحدثين، والمروي لهم، لكن مصطفى صامتاً، وكما لو أنه يخفي شيئا في نفسه تجاه كل ما دار بين الراوي والمروي له. «.. ليحس المتلقي أو القارئ في هذه الحالة أنه التفتَ إليه، ولم يعد الخطاب للحضور أهل قريته.
القارئ والراوي.. ومهمة مشتركة
هذه التقنية والأسلوب المليء بالإشارات، عزز لدى القارئ أهمية السرّ الكامن خلف صمت مصطفى، في مقام سردي يربط القارئ بحبال الاشتياق، لمواصلة مهمة الاستكشاف لأغوار شخصية بدأت تبرز كمحور رئيسي تدور حوله الأسرار والأسئلة والحوارات التي تتخللها مقامات وصفية لمشاهد تتحرك، ذهاباً إلى الماضي، وإياباً إلى الحاضر، واستشرافاً للمستقبل، لكن المهمة أصبحت مشتركة بين القارئ والراوي، في تتبع سردي بوليسي، يختزل في ما قل ودل، تفاصيل عن حلقات الاتصال الاجتماعي للراوي المجهول، بطوافه قريته مهنئا من تزوج في غيابه، ومعزياً من فقد أحداً من أهله، ونافراً إلى ضفاف النهر ليحاور ذاته، مستحضراً مشاهدَ وصوراً عالقة بذاكرته الطفولية، لأماكن لعبه، وساعات مكوثه مستظلاً بشجرة ما، فتمتلئ عيناه بالحقول المنبسطة إلى طرف الصحراء، أو ضفة النهر، أو أقدام البيوت، ويتناهى إلى سمعه من تصايح الناس في الحقول وخوار ثور، ونهيق حمار، وطائر يغرّد، وكلب ينبح، وصوت فأس في الحطب.. لتبرز أمام هذا المشهد قدرة الكاتب اللغوية، في سياقات وصفية ومونولوج داخلي، حول شكل النهر الذي مرّ بتغيرات وزحافات طبيعية، بفعل جريان المياه، مسقطاً ضيق الشاطئ في مكان، واتساعه في مكان آخر، على الحياة نفسها، في وصف عذب يحمل أبعادا تكرّس قيم العمل الدؤوب والعطاء من غير منِّ أو توقف، وينجح المؤلف-عبر الراوي المجهول – في إيراد نُتَفاً مختزلة من التاريخ، ولكن بأداة أكثر جذباً، بإحالة القارئ إلى شخصيةٍ تملك خبرة حياة سياسية واجتماعية وإنسانية حافلة بالمختلف والمتغير، وهو جد الراوي الذي يقارب عمره القرن فيحدثه، وعن حاكم غاشم حكم الإقليم منذ الوجود التركي في البلاد العربية، وبعد وصفه المهيب والجميل والمشوق لجده، وحواره يصدم القارئ على سبيل المفاجأة، ليستكمل رسم ملامح شخصية البطل التي يريد القارئ معرفتها:
«ولست أعلم ما الذي دفع بمصطفى إلى ذهني، لكني تذكرته بغتة، فقلت أسأل عنه جدي….» (8)
غير أن جدّه لم يفده بجديد، لينتقل الراوي بعد ذلك إلى مقام سردي آخر، وبفاصل زمني يومين، حيث يصف زيارة مصطفى له، محضرا معه بعض الفواكه من مزرعته، مبدياً رغبته في التعرف على الراوي.
وقد لاحظ الراوي مبالغة (مصطفى) في الأدب، وحسن التحدث والتعامل، وهو أمر غير مألوف في ثقافة القرية، ليبدأ بعدها حوار بينهما، لا يخلو من الدقة في تقديم رسائل تحيي قيم العلم والعمل والتعايش، وفي إطار هذه الرسائل تأتي رسالة صادمة للراوي الذي يتدحرج مفاخراً، وإن بدا متواضعاً، إلى إخبار مصطفى أنه حصل على شهادة الدكتوراه في الشعر الإنجليزي, ليحس الراوي بالإهانة عندما عقّب ( مصطفى) على كلامه قائلا:
« نحن هنا لا حاجة لنا بالشعر».(9)
وأنه كان يجب أن يدرس مجالا أكثر عملية، يساعد على تطوير القرية كمجال الهندسة أو الزراعة.
ورغم تشعُّبِ الحوار، إلا أن الراوي عجز تماماً في الوصول إلى تفاصيل جديدة عن مصطفى، غير أنه (الراوي) أفضى بالمتلقي إلى ورطة أخرى، تشده للبحث عن أسرار شخصية البطل الذي أكتفى حين حاصرته أسئلة الراوي بعبارة: «جدك يعرف السر». ولم يمهلني حتى أسأله: ((أي سرِّ يعرفه جدي؟ جدي ليست له أسرار». (10)
وهكذا نجح الكاتب في تكثيف تقنية الإيحاء بأسرار هامة، عبر الإحالة إلى شخصية أخرى، ووضع ما يشبه دعوة الانتظار، لما سيأتي من خلال دعوة مصطفى للراوي بأن يتعشى عنده، وهنا يظل البحث مفتوحاً، وذهن القارئ ينتظر، بطل الرواية.. فيبدأ مقاماً سردياً جديداً في إطار الفصل الأول، مع تطور أدوات التشويق، في تداعيات أسلوب السرد الأشبه بالبحث البوليسي، المتكشف عن حقائق أكثر، تجيب عمَّا يدور حول مصطفى، ملمحاً إلى خصائصه كبطل:
«ذهبت للعشاء فوجدت محجوباً، والعمدة، وسعيد التاجر، وأبي. تعشينا دون أن يقول مصطفى شيئاً يثير الاهتمام. كان كعادته يسمع أكثر ممَّا يتكلم».(11)
ولم يكتفِ الراوي بهذا الوصف، بل وبعد خروجه من العشاء سأل الراوي صديقه محجوب وأصدقاءه الآخرين عن «مصطفى»، ولكنه لم يظفر بشيء جديد عنه. وبعد شهرين دعا ( محجوب) الراوي لاجتماع لجنة المشروع الزراعي المعنية بتنظيم الزراعة والري في القرية, وكان ( مصطفى) عضوا في اللجنة، وهو دائما ما يظهر كاريزما، خاصة عندما يقوم بحل الخلافات التي تنشأ بين القرويين:
«لم يكن ثمة أدنى شك في أن الرجل من عجينة أخرى، وأنه أحقهم برئاسة اللجنة، لكن ربما لأنه ليس من أهل البلد لم ينتخبوه.» (12)
وبهذه السمات الأعمق في شخصية البطل، ينهي المؤلف -عبرالراوي- المقام الثالث، ليبدأ مقاماً سرديا رابعاً في الفصل الأول، تتداعي فيه أحداث الحبكة الرئيسية من بين سلسلة حبكات دراماتيكية غنية وثرية بكل تفاصيل الحياة اليومية، وجزيئات من الفلاشات التي تشكل صور المشاهد العامة، لأمكنة ومسارح ودهاليز الرواية الممتلئة بالرسائل القيمية، وتتلاقي خيوط الزمن بشقيه: زمن القص، وزمن الأحداث، عند نقطة اجتماع شخصيات الرواية، عبر هذه الأمكنة، ومنها الشخصيات الثانوية والهامشية، التي كل منها يؤدي دوراً، لتكتمل الحبكة الرئيسة للرواية في بطلها مصطفى. ليصل إلى النقطة الأهم، ذات المفتاح الرئيسي لشخصية البطل، حيث يُدعى الراوي بعد ذلك للعشاء بفترة من قبل صديقه (محجوب) لجلسة شراب في بيته، ليمرّ مصطفى صدفة، ليسأل محجوب عن أمرٍ من أمور المشروع، وفي وصف دقيق يشي بحبكة الاكتشاف الرئيسة لجانب من شخصيّة البطل:
«دعاه محجوب أن يجلس فاعتذر، ولكن محجوب حلف عليه بالطلاق. مرة أخرى لاحظت سحابة التبرم تنعقد ما بين عينيه، ولكن جلس، وعاد بسرعة إلى هدوئه الطبيعي. وناوله محجوب كأساً من الشراب، فتردد برهة ثم أمسك بها ووضعها إلى جانبه دون أن يشرب منها. ومرة أخرى أقسم محجوب، فشرب مصطفى. كنت أعرف محجوباً متهوراً، فخطر لي أن أمنعه عن مضايقة الرجل، إذ من الواضح أنه غير راغب في الجلسة أصلاً. لكن خاطراً آخر هَجَسَ في ذهني، فتوقفت» . (13)
هكذا يقدم الراوي حواراته الداخلية الخاطفة مع ذاته حول مصطفى، ليدع للقارئ اقتفاء هواجسه، فالقارئ ذاته تمنى على الراوي ألا يمنع محجوب من اقناع مصطفى بالشراب، فربما تتكشف الأسرار في هذه اللحظات التي تتألف من مشاهد عديدة انتهت بسُكر (مصطفى) ليبدأ بإلقاء أبيات من قصيدة تعود للحرب العالمية الثانية، أعجب وهلع الراوي في آن واحد من الإنجليزية المتقنة التي تحدث بها (مصطفى).. لتتداعى بعد ذلك مشاهد درامية تتحرك تفاصيلها بسرعة، تبدأ بخروج مصطفى من المجلس، ولم ينطق بكلمة واحدة ليرد بها على أسئلة الراوي، وذهاب الراوي إليه في اليوم التالي، والمونولوج الداخلي الذي عاشه الراوي لحظة حواراته مع (مصطفى) وأسئلته التي تنازعتها الندية والاحترام والإصرار والضغط والتهديد الضمني، ليصل الراوي إلى حقيقة مصطفى، ومن ثم زيارة مصطفى للراوي إلى منزله عشية اليوم التالي، ودعوته للراوي لزيارته مساء الغد، ليدرك الراوي في بدايات الحديث أن مصطفى قرر أن يقول الحقيقة، ولكن بعد شد وجذب، استلزم من الراوي إعطاء مصطفى عهد الكتمان، وبينما تكفل الأخير بأن هذه الحقائق لا تضر بأحد أو بالقرية، فيتلقف الراوي من مصطفى رزمة وثائق مطالعاً فيها:
مصطفى سعيد، من مواليد الخرطوم، 16 أغسطس عام 1898م.. الأب متوفى، الأم فاطمة عبدالصادق… (14)
منطلقات العقد السردية
عند هذه البيانات التي تكمل دائرة المعلومات الشخصية للبطل، يدع المؤلف الطيب صالح، نهاية فصل روايته الأول -الذي يشتمل على (4) مقامات مكانية، كلامية (سردية) يديرها راوٍ مجهول- مفتوحةً على عالمٍ يضجُّ بخيوط الأسرار البوليسية المتدفقة باتجاه حقائق وجرائم ومخطط غير سوي، صار يحتمله الراوي والمروي له في شخصية «مصطفى»، الذي لم يكشف عن اسمه الثاني إلا في نهاية الفصل الأول، الذي تجلت فيه ملامح الأبعاد الموضوعية والشخصيات والأمكنة والأزمنة جميعها، داخل الإطار العام لـ»موسم الهجرة إلى الشمال».. ليشكل الفصل الثاني – تباعاً لذلك- مساحة سردية معنية بإيجاز حياة وفكر وعمل البطل وأسراره التي يخفيها، وكذلك الشخصيات الثانوية، التي أوحت مقامات ذكرها بأن وراء كل شخصية عمل وفكر وثقافة يتنازعها الخير والشر.. لكن الأهم أنه يتناول مأساة البطل، في اليُتْم والحِرمَان والتوحد بإحساسه، إنه ليس كمثل الأطفال، وكذلك تجرّع الهجرة المبكرة صوب الشمال (القاهرة ومن ثم إلى لندن)، وبين هذه المحطات تضج السياقات السردية بأحداث كثيرة، ومشاهد نجح المؤلف -عبر الراوي الورقي-في تحريكها درامياً، بعبارات ووقفات فنية، مستعرضاً فيها سلسلة من التحولات التاريخية والمجتمعية، وهو يصف رحلة انتقاله إلى القاهرة للدراسة، تحت رعاية (مستر روبنسن وزوجته مسز روبنسن)، بناء على طلب من مستر (ستكول) أحد رجالات الاستعمار في الخرطوم، وكذلك رحلته للدراسة في لندن، وما رافقه من شجن ووقفات استعادية لذكرياته الجميلة مع مستر روبنسن وزوجته الأوربيين.. ولا يغفل البطل (مصطفى سعيد) المتكوِّم أمام الراوي في غرفة سرية، ليحكي بلسانه أو بوثائقه، مآلات مغامراته ونزواته التي أوقعته في شباك جريمة القتل والمحاكمات، التي حرص المؤلف بحرفية عالية على سرد مشاهدها الحوارية، في لوحة درامية تعكس إحساس البطل بأن وجوده أكذوبة، بعد استعادته لشريط نزواته كذئب بشري، تسبب في انتحار فتاتين، وحطم امرأة متزوجة، وقتل زوجته، وكرجل أناني، أنصبّت حياته كلها على طلب اللذة، واليوم يمثل كجثة لا إحساس بها، أمام قاضي المحكمة الصارم:
«هل تسببت في انتحار آن همند ؟»/ «لا أدري »
«وشيلا غرينود ؟»/«لا أدري»/«وإيزابيلا سيمور ؟» / «لا أدري » / «هل قتلت جين مورس ؟ »/ «نعم » / «قتلتها عمداً ؟ » / «نعم » (15)
ليعود مايك السرد، في الفصل الثالث من البطل إلى الراوي المجهول، الذي غاب عامين في الخرطوم، ليعود على فاجعة لم يكن يتوقع سماعها، إذ أن البطل «مصطفى سعيد» يغادر الحياة في مصير مجهول، ولكن الأغلب يقول إنه مات غرقاً، بعد أن فاض النيل في إحدى ليالي شهر يوليو، في واحدة من أهم فيضاناته التي تحدث كل عشرين أو ثلاثين سنة، وتصبح أساطير يحدِّث بها الآباء أبناءهم، كما يستمع الراوي المجهول لأبيه، وهو يحدثه عن قصة موت مصطفى، التي أثارت الذعر في أوساط أهالي الحي.

 

ورغم موت البطل، إلا أن المؤلف عمد إلى إحياء حضوره، عبر ذاكرة الاستعادة المستمرة للجلسات التي جمعت الراوي والبطل، إلى أوقات متأخرة من الليل، مستعرضاً مع ذلك تفاصيل شيقة، ومشاهد لطبيعة حياة القرية، وبيوتها المتواضعة، والطبيعة الصامتة في الليل، إلا من صوت مكنة ماء، أو صوت ديك يتسابق مع آخر، وصوراً خاطفة لحياة حميمية وعاطفية، تتشكل في مربع العيب من مخيلة الراوي، لمجرد سماعه أنين لذة خافت أثناء مروره من جوار منزل «ود الريّس».. لكنه سرعان ما يوغل في وصف عالمه وتجربته في أوروبا، وعودته للعمل في الخرطوم، وعلاقته التي ارتبطت فجأة بمصطفى سعيد المتوفى قبل عامين، وكيف أصبحت حياة مصطفى وفكره وثقافته طيفاً لا يفارق خيال الراوي، حيث وجد الراوي أشخاصاً أفارقة وأوروبيين في الخرطوم، في لقاءات خاطفة، يعرفون مصطفى سعيد الذي أعجبوا بنبوغه الكبير، ولكن مصطفى سعيد مع ذلك -حسب وصفهم- خلق لنفسه أسطورة من نوع ما، وكان الرجل الأسود الوسيم، المدلل في الأوساط البوهيمية، فتزوج بامرأة أوروبية بيضاء، رغم كونه أفريقيا، وحصل على منصبه لمجرد عكس صورة لائقة عن تسامح وتحرر الإنجليز.. كما أنه أضاع فرصته، ولم يتفرغ للعلم، ليعود وينفع بلده الذي تتحكم فيه الخرافات.. ليعكس هذا السرد الجدلي، تماهي شخصية الراوي مع البطل، حين يتساءل الراوي مع ذاته (إن كان هو أيضا مجرد «أكذوبة» كما وصف م. سعيد نفسه، في إيحاء بالإحساس المشترك لمسار الهجرة، بين الراوي والبطل، لكن سرعان ما يبدد الراوي اعتقاد المتلقي بتشابه المسارين، مسيطرا على الوعي الكلي، من جهة، ومستشرفا المصير النهائي الذي ستؤول إليه الشخصية المنوط به سرد قصتها (16).. حيث ينفي الراوي بلطافةٍ – في مستهل الفصل الرابع- أن مصطفى سعيد قد أصبح هوساً يلازمه، مُكَرِّساً بهذا النفي عند المتلقي، الأهمية التي يشغلها البطل، كحالة فرد من المجتمع، حوى سلسلة من التناقضات والدروس التي يجب أخذ العبرة منها، ولكن في سياقات مغايرة إذ يتجول الراوي في قريته، واصفاً لبعض أحوالها، وناسها، وعادات القوم فيها، وراهن التنمية فيها، موجهاً سهام النقد إلى الحكومة، كسبب لمظاهر التخلف، محاولاً بذلك الانفصال عن عالم مصطفى سعيد (17) ليس للفت انتباه المتلقي فحسب، ولكن لجرجرته إلى ورطة أسرار جديدة، وحبكة إنسانية بحتة، ففي زيارة خاطفة لزوجة «مصطفى» «حسنة محمود» وجد الراوي رسالة الوصية التي كتبها مصطفى، موصياً الراوي برعاية زوجته وطفليه، مُحمِّلاً إياه عهد تَحَيُّن الفرصة المناسبة لإعطاء ولديه مفتاح تلك الغرفة السريّة، ويُعْلِمهُما بقصة والدهما، وأن يجنبهما عدوى الهجرة، فهي معضلة أبناء هذا البلد.. ويخلص الراوي من قراءة الرسالة إلى حوار مع ذاته، بأسئلة وجودية عن فحوى النهايات المصيرية التي تشكل عِبَراً للأجيال:
«إذا كان مصطفى سعيد قد اختار النهاية، فإنه يكون قد قام بأعظم عمل ميلودرامي في رواية حياته».(18)
ويغلب في الفصل الخامس الحضور المستقل للراوي، على حساب البطل الأصلي، مبقياً على خيوط الربط بين الشخصيات الثانوية، أو مجمل أهل القرية، مع تركة مصطفى، كأبرز شخصيات القرية المؤثرة، وكونه الجزء المعبر عن الكل، مُظهراً نوعاً من البطولة الجمعية التي يريد لها الكاتب أن تنافس البطولة الفردية في محيط متشابك المصالح، فـ»ود الريّس» كشخصية ملفتة، وكذلك «بنت المجذوب» المرأة المسترجلة، وبكري، والجدّ الحكيم، البسيط، الذي يلتقي الكل في مجلسه، لتتراءى في هذا الجمع الطقوس والأجواء السودانية، وآداب المجالس ومكر العلاقات (19) وتداخلاتها، مورداً في هذا المقام، حدثاً يزيد من حبكة الرواية، ويجدد عوامل الجذب، حيث «ود الريس» يريد الزواج من حسنة محمود، والأهم هو أن الوسيط هو الراوي المجهول، الصديق الحميم لمصطفى سعيد، ولكن تحت ضغط جده الحاج أحمد، ما جعل الراوي يقاوم هواجس الغضب والرفض لهذه الزيجة غير المنسجمة، مكتفياً بالفرار إلى الصمت، الذي تتخلله سياقات حوارية مقتضبة مع الجد، وفي وقفات اشارية، توحي بأشياء كثيرة مسكوت عنها بالنسبة للراوي، حيث يأبى أن تُجْبَر امرأة ثلاثينية بالزواج من كهل سبعيني، بعد أن رفضت رجالاً أصغر منه، ورغم مقاومة الراوي لظهور نوبات الغضب، وهو يحاور جده حول تقبل فكرة أن يكون وسيطاً، وهروبه المتكرر إلى الصمت، إلا أن صوراً فاضحة – شعّتْ في ذاكرته- عن قصص زوجات ود الرّيّس الكثيرات، التي كان يرويها دون حرج، فتصير ضمن أحاديث التندر بين الناس، لتلتقي هذه الصور والخواطر في ذاكرة البيئة الاجتماعية عند نقطة العيب والاستبداد، وعدم مراعاة مشاعر المرأة، ليخرج غاضبا من منزل جده، فيصدم بإجابة أبيه المسبوقة بضحكة تعزز افتخار المجتمع بهذه الثقافة: ((هل هذا شيء يثير الغضب». (20)
وفي الفصل السادس يسيطرُ على المسار السردي، هوس «ود الرّيّس» وإصراره على الاقتران بأرملة مصطفى سعيد، وبطريقة تعكس ثقافة المجتمع المستبد، خارج حدود الاعتراف بحق المرأة في الرضى من عدمه، معتبرا المرأة وعاء للجنس والإنجاب والعمل المنزلي، لا أكثر، فيما تحاول حسنة بنت محمود مقاومة ثقافة الانغلاق الاجتماعي هذه، مُعْلِنةً رفضها لهذه الزيجة، متوعدة بالانتقام في حال صار ذلك غصباً عن إرادتها، ليخرج المؤلف من هذا الفصل على حبكة لا تدع للمتلقي مجالاً للملل، فهو في هذه الحالة ينتظر إلى أين ستذهب هذه الزيجة، في مجتمع لا يمكن إلا أن يلبي ويبارك هوس ود الرّيّس بالزواج بمن يريد. فيستغل المؤلف حال المتلقي، منصرفاً به في الفصل السابع إلى مشاهد وطقوس من الصحراء السودانية، يرصدها -عبر الراوي المجهول في رحلته من القرية إلى الخرطوم- وهي كلها لوحات احتفالية لأهازيج ومباهج وأحزان، يتجاور الشعر فيها مع النثر المصفى، والفصيح مع العامي، والواقعي الصلد مع الأسطوري، مكملاً بذلك دوائر حياة المجتمع السوداني.. ليشتعل الفصل الثامن بتفاصيل نتائج الإصرار والرفض، كدلالات مصيرية لشخصيات ثانوية في هذا العمل السردي فنهاية «ود الرّيّس المزواج، تكون صادمة، حيث تحولت علاقته مع أرملة مصطفى، إلى فاجعة هزّتْ جنبات الحي والجوار. ولم يغفل المؤلف في هذا الفصل تفاصيل سيرة شخصية بنت المجذوب، التي بدت عند هذه النقطة، وهي تشرح تفاصيل مشهد عراك ود الريس وبنت محمود، وكما لو أن المؤلف أراد لها دور المُعَايِن الأبرز لجثتي «حسنة»، و «ود الرّيّس»، بعد قتلهما لبعضهما.. ليُجمَع الفصلان التاسع والعاشر في وحدة مكثفة بين الراوي وبطله، في بؤرة التماهي، مرة أخرى، وفي لحظات جرد حساب الراوي مع نفسه، حول مصائر الشخصيات، ومآلاتها المتسقة، مع أعمالها، وفق رؤية صراع الخير والشر..
تقنية بناء الشخصيات
تميّز الطيب صالح في خلق عناصر البناء السردي، ومن أهمها الشخصيات، من خلال الوصف الدقيق في عبارات قليلة مفتوحة الخيال والمداخل الإدراكية، بين الشخصية وعناصر البناء الأخرى، فعلى صعيد بناء الشخصية التي تشكل جوهراً للعمل الروائي، ومحوراً هاماً في أداء الرسالة الاجتماعية والإنسانية التي يريد المؤلف تكريسها لمعالجة معضلات المجتمع، نجح الطيب صالح في خلق جملة الملامح الخارجية للشخصيات، فبدت الرواية غنية بالتفاصيل الخارجية لبطل القصة »مصطفى سعيد«، الذي تشكل في ذهن القارئ بناء على ذلك الوصف، مطلقاً فضول حواس المتلقي، لكشف غور الشخصية، وفك رموز ماضيها المنغلق على الأسرار:
«دققت النظر في وجهه، وهو مطرقٌ. إنه رجلٌ وسيم دون شك، جبهته رحبة، وحاجباه متباعدان، يقومان أهلة فوق عينيه، ورأسه بشعره الغزير الأسيب متناسق تماماً مع رقبته وكتفيه، وأنفه حاد، منخاراه مليئان بالشعر. ولما رفع وجهه أثناء الحديث، نظرت إلى فمه وعينيه، فأحسست بالمزيج الغريب من القوة والضعف في وجه أقرب إلى الجمال منه إلى الوسامة. ويتحدث بهدوء، لكن صوته واضح قاطع. حين يسكن وجهه. وحين يضحك، يغلب الضعف على القوة. ونظرت إلى ذراعيه، فكانتا قويتين، عروقها نافرة، لكن أصابعه كانت طويلة رشيقة، حين يصل النظر إليهما بعد تأمل الذراع واليد، تحس بغتة كأنك انحدرت من الجبل إلى الوادي (21).
وبهذا الأسلوب يضع الطيب صالح القارئ أمام شخصية عظيمة، لبطلٍ يليق من الناحية المظهرية بأن تدور حوله أحداث هذه الرواية العظيمة، فـ»الملامح الخارجية لشخصية البطل ليست ملامح مجردة قائمة بذاتها، وإنما هي مرآة تكشف أغوارها النفسية والفكرية، فهيئة ومظهر الشخصية ما هي إلا مرآة لجوهر فلسفتها الإنسانية«، وهذا ذو غاية في البناء السردي، لدى كل المدارس النقدية.. (22) لتتحرك الشخصية -بعد هذا الوصف الخارجي- أمام المتلقي، وتتفاعل بمحيط البيئة والأحداث، فيما الوصف الداخلي للشخصيات، والحوارات الذاتية، ووصف متغيرات الطبيعة، وعطائها، منح السياق السردي، هالة من الخيال الروائي، حيث أطلق الطيب صالح في رواية «موسم الهجرة إلى الشمال» العنان للذهن الإنساني في فضاء من المخيال الشعري، والعمق الدلالي والفلسفي، وهي خصائص تُعَدّ جديدة في بناء الراوية العربية، قياساً بزمن الإنتاج في ستينيات القرن الماضي.
البيئة والأبعاد الموضوعية
تميز المؤلف في خلق الاتساق بين الأمكنة التي تشكل البيئة العامة للرواية، وبين الأبعاد الموضوعية التي تعالجها الرواية.. فشخصية البطل، والشخصيات الأخرى الثانوية تعكس – بحضور ملامحها التي رسمها المؤلف بتلك الدقة في مخيلة المتلقي- التكامل بين البيئة والمكان والموضوع والرسالة، وفي مشاهد جلية للحركة والمكان والزي والمأكل والملبس.. وهذه المشاهد تعكس قوة الذاكرة الشاملة التي تختزل الحياة اليومية، وخفاياها المحاط أغلبها بالسرية التامة، في دهاليز المجتمع الذي يسكن أحياء بسيطة أكثر ارتباطا بالطبيعة الأولى، حيث يحيا نهاره تحت لسعة الشمس، ويبيت الليل على لُجين القمر ووميض النجوم، ولم يغفل الكاتب منح الراوي الورقي القدرة على قص مشاهد تعبر عن زوايا الزمن وارتباطها بالإنسان روحانيةً وشهوانيةً ومهنيةً، وترفيهيةً، وفلسفةً وجودية..
فموضوعياً قارنت الرواية بين حياة الشرق (الجنوب- السودان جنوب أفريقيا، والشمال- مصر شمال أفريقيا) والغرب (أوروبا- لندن- شمال العالم الغربي)، حيث ارتكزت الرواية على قضية الهجرة من الجنوب إلى الشمال، ومن الشرق إلى الغرب، وتعاريج هذه المعضلة الإنسانية في المسار التاريخي، من زاوية السياسات الاستعمارية، وبواطن أطماعها الاقتصادية والرأسمالية في البلدان النامية، ومن أهمها السودان، كنموذج لدول جنوب إفريقيا.. وهي تجسِّد بصفة عامة معضلة نزيف العقل العربي إلى الغرب، ليدفع الكثير من أبناء القرن الإفريقي والعربي، حياتهم ثمناً لها، حتى قبل أن تطأ أقدامهم تلك البلدان، وإن وصلوا فعليهم أن يتعرفوا بشكل جيد، على تلك المجتمعات، وعلى عاداتهم وتقاليدهم، وما سوف يؤول إليه مصيرهم من أجل هذه الهجرة، فالطريق ليست معبدة بالورود والرياحين، والانطباعات الحالمة، عن تلك المجتمعات، كما يتصورها البعض، فهي حبلى كثيرا بالآلام والأحزان والمفاجآت والمآسي، فالكثير ممن هاجروا، ورجعوا إلى أوطانهم، بخفي حُنين، وقتلتهم الغربة كثيرا، ومزقت نفوسهم، المعاناة من العنصرية والبرد القارص والاضطهاد، وتمنوا لو أنهم لم يتركوا أوطانهم، وعاشوا على الكفاف.. وهو ما تعكسه أحداث الراوية، ومقامتها السردية بجلاء.. ويمكن فهم « بطل الرواية (مصطفى سعيد)، بأنه أحد أبناء الطبقة الكومبرادورية، التي اعتاد الاستعمار الأوروبي بناءها أثناء احتلاله للمستعمرات، في كافة أنحاء العالم، حيث يتمكن المستعمر من خلالهم، من التواصل مع البلد المحتل، حتى بعد زوال الاحتلال، كي يمكنه من خلالهم السيطرة على اقتصاديات البلد المحتل، وقد قدم هذا الشخص، خدمات كثيرة للمحتل البريطاني، كما قدّمَ غيره من الفئات المستفيدة من الاحتلال، من خلال ما كان يكلف به من أعمال خاصة، يقوم بها خدمة لمن عملوا على تعليمه وتوظيفه. (23)
هذا البُعْد الموضوعي الهام على الصعيد الإنساني، يقود المتلقي إلى معرفة ثقافة وتكوين الكاتب الطيب صالح، الذي ولد في إقليم مروى شمال السودان، ليعيش حياة القرى البسيطة، ويخلق منها تفاصيل روايته السردية الفريدة بالنسبة للقارئ العربي الذي غالباً ما يجهل تفاصيل العوالم السودانية، وهو الذي انتقل للخرطوم ليكمل دراسته، ومنها إلى لندن، حيث تألق في المجال الإعلامي، بعمله في واحدة من أقدم الإذاعات في العالم، وهي إذاعة الـ»بي بي سي» فتخصص في القضايا الدولية. (24) كما أصبح مديراً لقسم الدراما، ومن ثم مديراً إقليمياً لليونسكو في باريس، وممثلاً لها في الخليج العربي. فكانت حياة صالح – بذلك- مجموعة كبيرة من الهجرات، ما بين شمال العالم (لندن) وشمال القلب (المنطقة العربية). كما كانت أعماله متخمة بالعلاقة بين الغرب والشرق، ليستعرض رؤيته للسياسة والاستعمار والجنس، التي أثارت اهتمام القارئ الغربي، ولهذا التكوين والحضور، اعتبرت روايته »موسم الهجرة إلى الشمال« في قائمة أفضل مئة رواية في تاريخ الأدب العالمي، من بين رواياته الأخرى، إذ حصدت جوائز عربية عدة، منها جائزة »عبقري الأدب العربي« و»الرواية العربية الأفضل في القرن العشرين«. كما كتب صالح قصصا قصيرة عدة، وتحولت روايته »عرس الزين« إلى فيلم أخرجه السينمائي الكويتي خالد الصديق، وقد فاز في مهرجان كان السينمائي، وحُوِّلَ لاحقاً إلى مسلسل درامي في ليبيا. (25)
وفي دراسات غربية لرواية صالح الشهيرة «موسم الهجرة إلى الشمال» وجد القارئ الغربي نموذجاً أدبياً من الطراز الراقي، يتناول نظرة إنسان العالم الثالث للثيمات المختلفة من حوله، التي تتحول إلى صدامات.. (26) فيما وجد النقاد العرب التميُّز في كونها جَمَعَتْ بين قوة النص السردي، ودرايته بثقافة شعبه السوداني والثقافات الأفريقية أحياناً، ليحاول أن يعكس هذه التعددية التي شهدها وقرأ عنها من دون أن تخلو أعماله من الثنائيات الفضفاضة، التي نجدها في الغالبية العظمى من أدب العالم، خاصة الصراع بين الخير والشر، برمزياته وأبعاده المختلفة. ولم يكن صالح في هذه القراءة للإنسان السوداني عشوائياً، لأنه أراد- بتأثير من توجهاته الأيديولوجية- أن يوضح كيف يقوم المجتمع، بمعتقداته وأساطيره، بطحن الإنسان وتحويله إلى آلة، وذات منقسمة، تتصارع لتقدم المثالية أمام الآخر، والرغبة أمام ذاتها. (27)
ومن يعرف الطيب صالح، يدرك هنا اكتمال أضلاع مثلث الاتساق الموضوعي والبيئي والتكويني بين:
الراوي المجهول:
كان مهاجراً، وعاد ليستأنف سرد تفاصيل حكاياته، فيجد وجهاً جديداً في قريته، فيعزف عن سرد تفاصيل هجرته، بعد أن يقع في ورطة البحث عن تفاصيل هذا الشخص(مصطفى).
بطل الرواية «مصطفى سعيد»:
كان مهاجراً كالراوي المجهول، وفي لندن، فاكتفى بسرد حالته وتجربته.
المؤلف، الطيب صالح:
قضى معظم حياته مهاجراً (أهم أمكنة هجراته لندن) لتشكل هذه النقطة من الالتقاء روحاً تضج بالواقعية، وتتدفق بقيم الانتماء الصادق لعذابات الغربة.
مغايرة المألوف
المتعارف عليه في الأدب الروائي العربي ومعظم العالمي، أن البطل يأخذ معظم مفاصل زمن الرواية على صعيد (الحاضر) زمن القص، ولحظاته، بكل ما تحويه من وقفات لغوية ومقامات كلامية، تمكن الراوي من الإمساك بخيوط الجذب والتشويق، وعلى صعيد (الماضي) زمن الوقائع، أو الأحداث والتجارب وتسلسلها الزمني، من خلال أدوات تسهم في تمكين الراوي(البطل) من تشبيك سلسلة من الاستدعاء الماضوي، وما تستلزمه وظيفة البطل الورقي، من حضور في صناعة الأحداث، أو الإسهام فيها بمحورية، أو على الأقل في نقلها عن البيئة الاجتماعية التي عايشها، أو مراقبتها وتحليل خفاياها، وربطها موضوعياً برسالة الكاتب المتخفي وراء البطل أو الراوي.. وعلى صعيد زمن المستقبل-احتساباً من لحظات زمن القص أو زمن الوقائع- عبر الاستفاضة السردية في تطلعات البطل وأحلامه الكبرى، التي تعكس هجْس الوجدان الجمعي، في حياة أفضل من بؤس الماضي وتعاسة الحاضر، وصراعاته. وحده الطيب صالح في روايته «موسم الهجرة إلى الشمال» غاير بإبداع هذه الأطر المتعارف عليها في الأعمال الروائية العربية، ومعظم العالمية، التي تؤدي إلى الملل من التفاصيل على لسان راوٍ واحد، أو حواريات طويلة أكثر مللاً في أغلبها.. فتمكن صالح من تجنُّب الملل المحتمل، من خلال تقنية الحوارات الخفيفة والتقاطعات ذات الوميض الخاطف، بين شخوص الرواية، ما جعل حظ بطل رواية «موسم الهجرة إلى الشمال» «مصطفى سعيد» ضئيلاً جداً، فسرعان ما كان الراوي المجهول يخطف المايك، من فم البطل بحيلة المونولج الداخلي حول شخصية مصطفى، أو من خلال السرد من تفاصيل الوثائق، حيث كان متميزاً في سرد الماضي من واقع الوثائق المتضمنة تفاصيل من مغامرات مصطفى سعيد، وفي أسلوب سرد تلونت لوازمه وتداخلت مساراته حواراً ووصفاً وتلويحاً فلسفياً لملامح رئيسة في شخصية البطل..
أخيراً
وخلاصة القول إن الطيب صالح قدم بـ(موسم الهجرة إلى الشمال)عملاً روائياً، به من ثراء التكوين السردي واللغوي والموضوعي والفني، ما يجعلها بمقاييس الأدب العالمي الحاصل على جائزة نوبل للآداب، ليس من حيث انفتاحه على تفاصيل لم تزل في مربّع العيب الاجتماعي والثقافي- من منظور شرقي محافظ، منع توزيع الرواية في البلدان العربية، فور صدورها في ستينات القرن الماضي- فحسب بل وبما شملته من تنوع كبير في تقنيات السرد الفنية والأمكنة الافتراضية، والشخوص الورقية، وحركة المشاهد الدراماتيكية التي تحركها الكلمات والعبارات والأدوات الإشارية اللغوية والترقيمية،في سياقات لا تترك لقارئها فرصة لرشفة من كوب قهوته الساخنة.. حيث نقلت واقعاً لحياة السودان اليومية وتاريخه الشجون في ريفه وعلى ضفاف نهر نيله الزاخر، وفي قرى بسيطة ذات تفاصيل حياة اجتماعية وإنسانية آسرة، وبلغة عربية فصحى، وجزلة، وتناص واضح مع لهجات الجنوب، في سياقات جعلها الطيب صالح بمثابة الملح للطعام.. ليبرز الطيب صالح محمد أحمد، بهذا التفرد في صدارة رواد التجديد في السرد بتقنياتٍ أكثر حداثة، خصوصاً في ما يتصل بإحكام المسار التصويري لحركية المشاهد عبر الإلمام بعمق اللغة، وثقافة المجتمع وتفاصيل من تراكم معضلات، ماضيه، وحاضره، المستوجب لثورة التغيير باتجاه العلم والعمل والنماء.
المصادر والمراجع ــــــــــــــــــــــــــــ :
1- موسم الهجرة إلى الشمال? الطيب صالح?الطبعة الثالثة عشرة? دار العودة، بيروات 1981م.
2- موسم الهجرة إلى الشمال?صـ5
3- نفس المصدر.
4- نفس المصدر صـ 6
5- نفس المصدر صـ 7
6- نفس المصدر.
7- نفس المصدر صــ 8
8- نفس المصدر صـ 10
9- نفس المصدر صـ 13
10- نفس المصدر صـ 15
11- نفس المصدر.
12- نفس المصدر صـ16
13- نفس المصدر ص (17-18)
14- نفس المصدر صـ (22-23)
15- نفس المصدر (36-37)
16- (الهجرة المعكوسة في موسم الطيب صالح ) قراءة أخرى للكاتب أحمد المديني في موقع الاتحاد الاشتراكي يوم 02-04?2010م http://www.maghress.com/alittihad/106501
17- نفس المصدر.
18- موسم الهجرة إلى الشمال صـ 71
19- (الهجرة المعكوسة في موسم الطيب صالح ) قراءة أخرى للكاتب أحمد المديني في موقع الاتحاد الاشتراكي يوم 02-04?2010م http://www.maghress.com/alittihad/106501
20- موسم الهجرة إلى الشمال صـ 90
21- نفس المصدر صـ (11-12)
22- عناصر الخطاب السـردي لدى الطيب صـالـح: »موسم الهجرة إلى الشمال« و»دومة ود حامد« نموذجاً) للكاتبة والأديبة هدى جولاني: http://www.arrafid.ae/arrafid/f3_5-2012.html
23- قراءة في رواية»موسم الهجرة إلى الشمال»، بقلم الكاتب والباحث أحمد محمود القاسم ? دنيا الوطن: http://pulpit.alwatanvoice.com/articles/2008/07/30/140829.html
24- «الطيب صالح.. يموت شمالاً» الأديبة الكويتية منى كريم-(شهادات كويتية في رحيل عبقري الرواية العربية) للكاتب عبد الرزاق القادري، في موقع جهات الشعر: http://www.jehat.com/jehaat/ar/Sha3er/altayab_saleh-7.htm
25- نفس المصدر
26- نفس المصدر
27- المريد البرليني الطيب صالح (مفتوناً وراوياً وباحثاً) للأديب والكاتب د . حامد فضل الله- الراكوبة السودانية: http://www.alrakoba.net/articles-action-show-id-29947.htm

 

 


محمد محمد إبراهيم

شاهد أيضاً

الهوية فـي (سيقان ملتوية) لزينب حفني

تستثمر الرواية النسوية الخليجية إخفاقات وصعوبات حياة الأنثى في المجتمعات الخليجية ، بالعديد من التابوات …