أخبار عاجلة

حـيـز

قدر الطاولة أن يتركها الجميع.. فكرت ، وأنا خارج أن أتيقن من عددهم.

انسل نصوف الليل كديك الجن "كما تقول أمي" الى أقرب خرسانة صخب باردة.. كانت الساعة تقارب التاسعة.. دلفت المكان ازدحام شديد كالمعتاد ، وطاولة وحيدة بكرسيين.

فكرت بهذه الفرصة.. الكأس البلاستيكية مملوءة في اليسرى أبعدت باليمنى أحد الكرسيين.. ما كدت أنتهي من اللفافة التي أشعلتها حين فكر أحد المعارف القدامى بانضمامي الى المجموعة.

أصوات الليل ، والموسيقى.. مسافات من الأشياء التي فقدتني.. لم استوعب أي شيء مما دار في نقاشات تلك المجموعة ، ومعرفتي كبقايا مهرج عجوز يدير الحديث.. في الصباح التالي فكرت أن أسقط الحديث كاملا.

كانت الطاولة وحيدة استغلها الشخص المربوع الأخضر الذي دلف المكان.. اشعل لفافة حال انتهائها خرج.. حل محله أخر.

احتدم النقاش بين معرفتي المهرج ، ومجموعته.. انشغلت في متابعة حركات المتحدثين التمثيلية.. أدركت الى أي مدى تورطت "امتعضت داخلي".

الطاولة يأتيها الأوحدون ،ويرحلون سراعا.. ما يكادون ينفثون لفافة حتى يمضوا خفافا كأنهم اكتشفوا بشاعة اللغط المستمر.. تصورت عددا غير منته ممن عبروا الطاولة تلك الليلة.. أية وحدة قاسية رغم ضجيج الليل ، وصخب المكان.. حتى النادل لم يمر إلا شزرا.

انسل أواخر الليل كديك جن فقد عرف رأسه.. فكرت أن أتيقن من عدد الأشخاص.. غمز الراقصة لي أقعدني ، والمهرج يقود تخبط الرغاء بحذلقة.

تسع لغافات هرسها الأوحدون الذين مضوا خفافا سواي.. غمز الراقصة اشتبه علي بابتسامة مرتاد طويل كنصف الليل. انطفأ توهجي.

دست اللفافة بين الوسطى والابهام.. ذابت في المنفضة ومضيت. كانت الطاولة تسبح في توهجها كما كانت منذ أمد..

قدر المكان أن يتركه الجميع.. منسلين الى قماط الحلكة.. متخفيا كديك الجن المنتوف العرف ولجت الصباح. صراصير

مسخ هذه الفضائيات

كنت أفكر أن أساسيات أفضل المشاريع المقبلة لما يتبقى من أساسيات الراتب المتواضع للبيت، والأطفال.

كان ابهام يدي ينتقل بسلاسة باردة ورتيبة أواخر الليل بين هذه السخايات حينما فاجأتني واحدة بمجموعة النعام..

– آه كم أكره الافلام التعليمية.

– كم أنا أحب النعام..

– لا أطيق الأفلام التعليمية خصوصا أواخر الليل.

انتقل ابهامي بسلاسته الباردة ،والرتيبة ،لا أدري الى أي حد.. يبدو أن ليس هنالك عرض أفضل.

– آه كم أنا أحب النعام.

كنت أفكر آنذاك لماذا أنا أحب النعام.. ربما للشنفرى السليك.. تأبط شرا.. ربما لأسباب أخرى.

كان الفيلم بأكمله عن هذا الطائر، ولأنني لم أكن أدرك دخول الصباح من أواخر الليل فإنني لم استوعب منه الا معلومة نسخت كل معرفتي عن هذا الطائر البري الشريد الذي لا يدفن رأسه في الرمل هروبا من المواجهة كما أثبته الفيلم..لماذا خدعوا برمجة الرأس اذن كالعادة ؟

أغلقت المسخ البيتي بأكمله ، عاودت لويت بإبهامي كل السخايات.. لا أثر للنعام ، ولا حدس لابهامي.

دخلت الحمام.. أشعلت لفافة بعيدا عن عيون المسوخ ، وروائح متقني الأثر أواخر الليل.

صرصار كبير على الجدار.. نفثت عليه مجموعة الدخان الأولى من حلقي.. هرب الى الأعلى..

نفثت عليه الثانية ، الثالثة.. تدارك بقرنيه لعنة النار/ الدخان منزلقا الى الأسفل..

نفثت السحابة الرابعة بقوة..انحدر الى الحضيض داسا قرنيه الى أسفل الدائرة ذات الفتحة الحديدية، ومؤخرته المتورمة الى الأعلى منتشيا بما شم.. متناسيا النار والدخان.

أدركت مسخ الصراصير وحدها القادرة حقا على دفن رؤوسها في البالوعات.
 
 
سالم الحميدي (قاص من سلطنة عمان)

شاهد أيضاً

ألبير كامي مسار مفكر تحرري

«للكاتب، بطبيعة الحال، أفراح، من أجلها يعيش، ووحدها تكفيه لبلوغ الكمال» ألبير كامي. كامي شخصية …