أخبار عاجلة

حكايات الهوية قراءة في «صرخة مونش» لمحمود الرحبي

المصطفى فرحات*

“كان سلوكي دائما على شفا هاوية ولم تكن حياتي إلا للبقاء واقفا”.
إدفارد مونش

هناك مؤلفات أدبية تَغويك قراءتها، تستمتع بها، ثم تضعها في رفّ مكتبتك، قد تعاود قراءتها من جديد، وقد تنساها إلى الأبد. وهناك مؤلفات أخرى تتضاعف فيها الغواية والإغراء فتدفعك للكتابة عنها لتُحقق مزيدا من المتعة والفائدة. وما يجعل قراءة عمل أدبي مثمرا حقا هو أن تكون هناك معرفة ولو محدودة بمؤلفها. صحيح أن العمل الأدبي هو الذي يتحدث عن نفسه ولكن إضاءة ولو كانت وامضة من الخارج تزيد من وهَج الإبداع، كما أن القارئ المتمرّس يثري بتجربته النص بسد الفراغات والبياضات التي يتركها المؤلف، وبالتالي يصبح المتلقي طرفا في العملية الإبداعية. (1) ويرى أمبرتو إيكو أن الظاهرة السردية تحتاج دائما إلى قارئ يعتمد آليات التعاون النصّي التي تمكنه من التواصل مع النصوص بفعّالية وإيجابية. (2)
في تفاعلنا مع المجموعة القصصية “صرخة مونش” للكاتب محمود الرحبي اخترنا لمقاربتها عنوان “حكاية الهوية”، ما أملى علينا هذا الخيار هو أن مجمل الحكايات تحيل على بيئة الكاتب الاجتماعية والجغرافية/عمان. وسنحاول الكشف عن ارتباط الحكايات ببيئتها من خلال خمسة مداخل وهي: العتبات والتيمات/الموضوعات والشخصيات والأمكنة والمنظور السردي.
العتبات
سنتوقف في هذا المدخل عند ثلاثة عناصر تظهر على الغلاف هي: العنوان والصورة والتجنيس. وهي أول ما يواجه القارئ حين يلتقي لأول مرة بالكتاب فيتفاعل معها سلبا أو إيجابا.
العنوان
تكمن أهمية العنوان في كونه جامع للمعاني والدلالات، ويشع بالإيحاءات. ومن وظائفه خلق أفق الانتظار لدى المتلقي، إنه بمعنى ما هوية النص/المؤلف، لدى أصبح يحظى باهتمام النقد من خلال تخصص في الأدب يسمى “اتْريلُوجي” Trilogie (يترجمها البعض بـ “العنوانيات”) ومن مهام هذا التخصص دراسة العناوين والكشف عن بنياتها ودلالاتها ودرجة تحقيقها للنجاح أوالإثارة أو التشويق. (3)
اختار محمود الرحبي عنوانا يحمله النص الافتتاحي للمجموعة القصصية: “صرخة مونش”. ولم يكن الاختيار اعتباطيا أو مصادفة طبعا بل هو اختيار واعٍ لما يتضمنه من دلالات وأبعاد رمزية، وحمولات تاريخية وفنية ونفسية تضع الكاتب في حالة شغف للقبض على صرخة مونش الأسطورية والتي تمتد على صفحات المجموعة متماهية مع صوت السارد مع فارق هو أن صرخة مونش جامدة وصامتة وصرخة /صوت السارد حية ومتفاعلة ومتجددة.
الصورة
إن الصورة التي يحملها الغلاف هي لوحة مونش الشهيرة، وهي رسالة بصرية ذات وظيفة مزدوجة: وظيفة فنية جمالية تزيينية. ووظيفة دلالية تختزل المضمون، وتلمح للرهان. وجاءت الصورة منسجمة مع العنوان. إنهما وجهان لعملة واحدة. (4)

في أعلى الصفحة من الغلاف وضع الكاتب على يسار الصورة/ اللوحة عنوانا صغيرا داخل مستطيل صغير (قصص)، وبهذا التوصيف فإن الكاتب يزيل اللبس ويضع المتلقي في جوهر الجنس الأدبي الذي ينتمي إليه الكتاب (فن القصة القصيرة). إنها دعوة صريحة للقارئ بأن يتعامل مع النصوص بأدوات ومفاهيم هذا الفن حتى لا يقع في انحرافات تأويلية تبعده عن رهانات الكاتب، ومع ذلك فهذا التوصيف لا يلغي حق القارئ في التعامل مع النصوص على ضوء تراثه الثقافي، وتراكماته المعرفية، ودرجة حساسيته الوجدانية وذائقته الجمالية.
المقاربة
انسجاما مع العنوان الذي اخترناه لهذه المقاربة والهدف الذي حددناه لها سننطق مما سميناه بـ “حكاية الهوية” أو ما يسميه بول ريكور “الهوية السردية” والتي تتشكل وفق ثنائية الواقع والمتخيل. يقول زهير الخويلدي: “إن جماعة تؤسس هويتها على السرد لا يهددها أي شيء، ولا تتعرض لأي مخاطر، فهي بعيدة كل البعد عن الانغلاق والتقوقع، وعن معاداة الأجنبي، وهي قادرة على احتمال التواجد مع الغريب والمدهش”. (5)
التيمات/الموضوعات
تنوعت الموضوعات التي شكلت متن التجربة السردية فتوزعت بين ما هو اجتماعي وعاطفي ونفسي وقيمي ومعرفي، وهي في كليتها ترتبط بالعجز والتوكل والفرح والتحرر والانتماء والألم والانتقام والضياع والحب والوعي والمعرفة والافتقاد والحلم.. إنها تيمات ترتبط بقيم إنسانية عمل الكاتب على تشريحها ونقدها وتثمينها من أجل، وفي بناء أفق بناء مجتمع إنساني متفاعل ومتعاون ومتفاهم ومتسامح.. والملاحظ أن هذه التيمات أو الموضوعات تجد مرجعيتها في بيئة الكاتب مما يدلل على انشغاله بالدفاع وحماية هويته المحلية، ومع ذلك فهذه الهوية بعيدة عن الانغلاق والانطواء. وتتجلى هذه الهوية في عنصرين أساسيين هما: المرجعيات والرهانات.
المرجعيات
لكل مبدع مصدر يستمد منه إلهامه ويكون خلفية لموضوعاته وتجاربه الإبداعية. وفي “صرخة مونش” تتحدد في ثلاث مرجعيات كبرى هي:
الأولى: الواقع المعيش كما في نصوص “غناء النخيل”، “سدول الليل”، “وليمة في بيت حسن”.. ويمكن توصيفها بالواقعية.
الثانية: الأسطورة أو الخرافة المرتبط بالتراث الحكائي الشعبي العربي، ويتمثل في نصين “الحجل العربي” و “صفحة من خيالنا” وهذا النمط من السرد ينتمي إلى ما يسمى بأدب الغرابة أو العجائبية.
الثالثة: هي مزيج من الواقعية والأسطورة. وهذه الظاهرة هي التي تحدد ما يتعارف عليه بالهوية السردية أو حكايات الهوية. ففي ثقافتنا العربية الإسلامية تتحطم ثنائية الواقعي والأسطوري ليشكلا معا حقيقة ثابتة وواقعية. وانطلاقا من هذه الرؤية فإن تجاور الواقعي والأسطوري في بنية الحكاية عند محمود الرحبي يأتي منسجما مع ثقافته العربية الإسلامية الشفهية منها والعالمة، وبالتالي إثراء هويته الثقافية المحلية.
الرهان
الكتابة هي رسالة أو مجموعة رسائل موجهة من كاتب إلى قارئ محتمل أو مفترض، ولتحقق المجموعة القصصية “صرخة مونش” هدفها فقد تبنت رهانين:
الأول: انشغال الكاتب بصوته له فلسفته ورؤيته الخاصة لواقعه ويسعى لإسماع صوته للأخر، وهو صوت مشحون بصرخة احتجاج، ألم ، معاناة في مجتمعه يتحمله الكاتب بعشق ويتطلع أن يراه أفضل.
الثاني: الانشغال بهويته المحلية بالتبئير على ما هو أصيل وذلك انطلاقا بوعيه بأن هذا التوجه في الإبداع هو من يمنحه هويته وخصوصيته وتفرده. ويتجلى هذا الاهتمام برصد الكاتب لتفاصيل المعيش اليومي في البادية، كما رصد سماتها الثقافية والاجتماعية المميزة.
الشخصيات
تعتبر الشخصية من العناصر الفاعلة في بلورة وتشكيل العمل القصصي، وهي، إلى جانب انشغالاتها الذاتية تعكس فلسفة الكاتب وهمومه ورؤيته للعالم.
في عوالم “صرخة مونش” نتعرف على أناس يعيشون في بيئات متنوعة متنوعة، متشبعين بمعتقداتهم، متشبثين بنمط حياتهم، ورغم اختلاف ثقافتهم وأمزجتهم ووعيهم بدواتهم وبالعالم الذي يحيون فيه إلا أنهم يشتركون جميعا في إرادة العيش. وتتأصل هوية الشخصيات من خلال أسمائهم المميزة: “سالمين”، “العم كليب”، “هجير مات”.. ومن خلال أفعالهم ونظرتهم للحياة، وطبيعة العلاقات القائمة بينهم. ويمكن رصد بعض سمات الشخصيات كالتالي:
* الفنان الحالم بالشهرة الفنية (أخ السارد في نص “صرخة مونش”)
* الإنسان البدوي العاشق للفن والجمال (سالمين في نص “غناء النخيل”)
* المرأة الحكيمة التي عاشت في الحياة ما يكفي لتملك الحكمة وتنقلها إلى أحفادها (أم فاطمة في نص “بطن الذهب”)
* الإنسان الحائر والتائه الذي قادته غريزته وفطرته وتجربته في تجاوز وضعه المأزوم. (أب السارد في نص “سدول الليل”)
إن السارد يميل إلى تقديم أبطاله على طبيعتهم دون روتوشات، وهي في مجملها تنتمي إلى وسط اجتماعي متواضع..
الأمكنة
المكان في النصوص السردية ليس مجرد جغرافية فحسب، يجري فيها السارد أحداث الحكاية ومجالا تتحرك فيه الشخصيات، بل إن للمكان دور في تشكيل الشخصية اجتماعيا ونفسيا وبدنيا وفكريا. إن الشخصية والمكان عنصران متلازمان، يتفاعلان ويتبادلان التأثر والتأثير إيجابا أو سلبا. وبالنظر إلى الأفضية المكانية في المجموعة القصصية لاحظنا أنها تنتمي إلى بلد الكاتب وتتوزع بين المدينة والبادية وإن هيمنت هذه الأخيرة بما ينم عن ارتباط الكاتب وجدانيا وثقافيا بها. فمعظم الوقائع أو الأحداث تجري في القرية أو ما يوحي بها. ومنها: ” السيب”، “صور”، “ساقية الفلج” الذي ذكرها في حكايتين، والأسواق التي بلغ عددها ثلاثة وهي: “الخوض”، “الفلج”، “صبخا”، إضافة إلى الجبال، وغابة “جوزاني.. أما الأمكنة التي تحيل على المدينة فهي نادرة، “ولاية بهلا”، ” ولاية نزوى”.
لقد شكل المكان عنصرا وعلامة بارزة في ربط الكاتب ببيئته مما أضفى على المجموعة القصصية أصالة ومنحها هوية. وأشار غاستون باشلار على أهمية المكان كمحدد للهوية قائلا: “العمل الأدبي حين يفتقد المكانية فهو يفتقد خصوصيته وبالتالي أصالته”. (6)
المنظور السردي
يحضر السارد كشخصية فاعلة في الأحداث ضمن عشرة نصوص من أصل اثني عشر نصا. هذا الحضور يومئ إلى ما يسميه دولوزيل “التماثل الوظيفي بين السارد والشخصية في الحكي بضمير المتكلم”. (7) فالسارد ينهض بوظيفة السرد والشخصية وتؤدي وظيفة الفعل.
ويغيب السارد في خمسة نصوص حيث ينزاح ويحضر وسيطا يتكلف بسرد الأجداث، وهذا يساعد كلا من السارد والوسيط على فهم حياتنا بطريقة موضوعية. (8)
ويحضر راوٍ يحكي عن غيره في نصين: “الحجل العربي” و”النصف”، ويستهل سرده بفعل “يُحكى”، وهو من الأفعال السردية المتواترة في الحكايات الشعبية مما يدعم هوية حكايات “صرخة مونش.”
ويتخذ وضعية مزدوجة كسارد غائب، وسارد ينقل عن راوٍ موظفا فعل “يُحكى” في نص واحد “هجير مات”. عموما فإنه يصعب الفصل بين المؤلف والسارد لأن “السارد هو شخصية يتقمصها المؤلف” (10).
على سبيل الختام
ما يميز المجموعة القصصية “صرخة مونش” هو انطلاقها من هويتها المحلية لتنفتح على العوالم الخارجية مستثمرة المخيال الجماعي والأصوات المهمشة في مسعى لسبر أغوار “ما في الحياة من كلية خفية”. (11) وبالتالي فهي تشكل إضافة نوعية إلى سجل ثقافتنا العربية. ففي عالم تهيمن فيه العولمة وتتمدد في جزئيات حياتنا نكون في أمسّ الحاجة إلى فن يدعم هويتنا، ويثمن خصوصيتنا وهذا ما نجح فيه محمود الرحبي.
المراجع
1 .أحمد المديني: تحت شمس النص، مطبعة النجاح الجديدة، ط/1، 2001، ص 203.
2. Eto Amberto : lector in fabula, grasset, 1985, p 29 .
3. Claud Duchet La fille abandonnée, n° 12, 1973, p 52
4 .لوحة الصرخة لإدفار مونش (1863-1944) التي رسمها عام 1893 تصور الألم الخاص بالحياة الحديثة، وهي تعبر عن القلق الوجودي.
5 .زهيرر الخويلدي، الهوية السردية والتحدي العولمي، منشورات أي وكتب، لندن، بدون، تاريخ، ص 110.
6 .غاستون باشلار: جماليات المكان، ترجمة غالب هلسا، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت، ط/3، 1987، ص 5-6.
7 .جاب لينفت، مستويات النص السردي الأدبي، ترجمة رشيد بنحدو، آفاق، عدد 8-9، ص 81-82.
8. Jean pouillon, Temps et Roman Gallimard,
2em eddition, 1964, p 86.
9 .فرانسوا فان روسو، وجهة النظر أو المنظرور السردي، نظريات وتصورات نقدية، نشر ضمن كتاب نظرية السرد من وجهة النظر إلى التبئير، ترجمة ناجي مصطفى، منشورات دار الحوار الأكاديمي المغربي، 1989، ص7.
10 .محمد الخبو: الخطاب القصصي في الرواية العربية تالمعاصرة، دار صامد، تونس، 2003، ص 248.
11 .جورج لوكاتش: نظرية الرواية، ترجمة الحسين سبحان، منشورات التل، ط/1، 1988، ص 25.

شاهد أيضاً

مارسيل بروست البحث عن الزمن المفقود

نزار سالم* الزمن اسم لقليل الوقت أو كثيره، ووقت الشيء هو الفعل المحدد المرتبط بذلك …