أخبار عاجلة

حمى آيار ليونس الأخزمي هذيان الذات وموضوعية الحمى

بهذه المجموعة القصصية الجديدة "حمى آيار " يكون الأخزمي قد حفر اسمه بعمق في لوحة الكتابة السردية الجديدة في عمان، فعلى مستوى لكم هذه هيا لمجموعة الثالثة ( ربما كان الكاتب العماني الوحيد الذي أصدر ثلاث مجموعات قصصية ). وعلى مستوى الكيف استطاع أن يتقلص في هذه المجموعة من محك الغنائية التي كانت تعوق تدفق السرد وتفضي بالقصة نحو غموض دلالي ورؤية مبهمة كذلك اقترب من الواقع العماني بصورة أفضل من مجموعتيه السابقتين.

واذا ما جئنا الى مجموعة "حمى ايار " وجدناها تنقسم الى قسمين : الأول منها يضم سبع (ا) قصص (1)، وضع له المؤلف عنوان الغلاف "حمى ايار" ويضم القسم الثاني ثماني قصص، تحت عنوان «هذيان ». والمجموعة بهذا التقسيم تعتبر مجموعتين مختلفتين. ففي القسم الأول تسيطر الرؤية الموضوعية للسرد بغض النظر من نوع ضمير السرد المستخدم فدائما ثمة مسافة محسوسة بين الراوي والأحداث مما يمكنه من السيطرة على الحدث والشخصيات. لذلك غلب عل القصص إحكام البناء السردي ووضوح الرؤية والمغزى.

في القصة الأول «قميص ليلى » تروي الأحداث على لسان ضمير الشخص الثالث يقف الراوي خارج الأحداث المتفاعلة دون أن يخفي ميله العاطفي نحو ليلى التي اختطفت فجأة ذات مغربية من قرية صفون الوديعة، ليرتفع بها نحو الدلالة الرمزية،فليل الجميلة رمز للطهر والبراءة التي فقدتها البلدة.

وفي قصة «حالة تربص » التي تروى على لسان المتكلم هذه المرة نجد الراوي مطاردا من قبل شخص جبار طاغية متوحش، لذلك يهذي به طوال القصة ولكنه هذيان منظم محكوم برؤية سردية موضوعية، فهذا الهذيان سببه الحمى التي أصابت الراوي، لكن القصة في النهاية تعبير فني جيد للخوف وهو النغمة السائدة في السرد.

وتمضي قصة «تلك الغرانيق » في تأكيد القيمة السابقة، قيمة الخوف، غير أن ما يميزها اختلاط الفنتازيا بالواقع. وفي «موجة البحر» يستلهم الأخزمي حكايات البحر وأساطيره (وقد سبق أن جرب ذلك في مجموعتيه السابقتين، غير أنه هنا يبدو أكثر نضجا. سواء على مستوى الشكل أم على

مستوى المضمون. فعلى مستوى الشكل اعتمد التقطيع السينمائي والتقديم والتأخير في الأحداث، أما عل مستوى المضمون فبدت وجهة نظر الراوي واضحة في تتويج القصة بمغزى واضح يأتي كنتيجة طبيعية لسير الأحداث فمن يتخطى التقاليد يجن أو تقتله الجن، ففي القصة تلميح الى رفض الواقع والتمرد عليه.

وفي "سماء ياسمين " تبدو براعة الأخزمي في رواية القصة على لسان الفتاة ياسمين، فلو لم يكتب الأخزمي اسمه على القصة لقلنا أن كاتبتها امرأة. وفي «الفرصة الأخيرة » تبدو براعة الكاتب أيضا. ولكن هذه المرة في الاستفادة من تجربته كزوج. فهذه هي الفرصة الأخيرة لزوج يحاول أن يخرج ليلا لينعم بالحرية بعيدا عن زوجته خاصة وأن الطائرة ستقوم في التاسعة صباحا. وتستحق القصة الأخيرة في هذه القسم «العاصفة » الوقوف عندها قليلا، حيث كان يمكن أن تكون أفضل قصص المجموعة لولا حرص الكاتب عل شرح مغزى القصة بالتأكيد عل فكرة عقاب السييء ذلك الرجل الثري الذي يخدع الفتاة الفقيرة «هدى» فأهو الكاتب على حرق قصر هذا الثري وحرق ابنته الجميلة «سامية » التي كان يحبها أو يتمنى أن يحبها «محمد» أخو هدى المخدوعة. فقد كان يمكن أن تنتهي القصة لتأخذ بعدها الرمزي المشبع بالدلالة، لو أن الكاتب توقف عند عبارة : «الرياح الجبارة لم تترك محمدا رأباه لاعادة السقف الذي سقط الى مكانه » ص 72.

فسقوط السقف يرمز لسقوط هدى وأن الهوى تبقى واسعة بين الفقير والفني خاصة إذا كان ذئبا لا يحترم حرمة الجار.

القسم الثاني:

تشكل قصص القسم الثاني «هذيان » سلسلة من الحلقات المتصلة المنفصلة في ذات الوقت من حيث وجود (راو واحد) سواء جاء في صورة ضمير المتكلم أوالغائب. فنلمس في هذه القصص الملامح الداخلية لشخصية قلقة تشعر بالغربة والوحدة في بلاد بعيدة عن الوطن موطن الذكريات والأمان، تخشي الفشل، ويسيطر عليها الماضي والذكرى. إن هذه الشخصية تتماشى مع شخصية المؤلف في كثير من المواقف والملامح، وقد أجاد الأخزمي رسم هذه « الملامح من خلال تجاربه الذاتية، فجاءت بمثابة صدى لسيرته الذاتية، فيكثر في القصص مشاهد السفر والوداع والوحدة في غرفة كئيبة والجلوس في المقاهي والشوارع.

إذن هذه القصص الثماني التي يضمها هذا القسم تدور حول قيمة واحدة هي الاغتراب والوحدة والتطلع ال تحقيق الذات. لقد قلب الأخزمي الموضوع من كل جوانبه واعتبر أن العزف على لحن واحد يعد هذيانا.

والواقع أن الأخرمي قدم في هذه النصوص مستوى فنيا عاليا في البناء السردي، فاعتماد ضمير المتكلم في أغلب هذا القسم لم يؤثر كثيرا عل الحبكة، كذلك استفاد من لفته المجازية فجاءت ملائمة للموقف والأحداث. اضافة الى تصدير بعض القصص بمقاطع شعرية تصيرة جاءت بمثابة مفتاح لفهم مغزى القصة أو السماح بالدخول الى عالمها على الأقل.

ولما كان يصعب الوقوف عند جميع القصص الثماني لتشابه موضوعها ووحدة السارد فيها. فإننا سنقف عند قصة "ذلك الصوت " أتصر قصص هذا القسم نجد الراوي في حالة سكر بين يسمع صوتا جميلا خارج غرفته الوحيدة فيتبعه محاولا معرفة مصدر الصوت حتى يجد نفسه أو يجده الآخرون في الشارع عاريا، ولذلك عندما ينبهه أحد المدرة أنه يسير عاريا يتهمه بالخيول.

واذا كانت القصة السابقة أقرب الى النادرة في الأدب العربي فإن ما يغلب على قصص هذا القسم تعقيد البناء السردي بصورة أقرب الى الهذيان، ولكنه كما أشرنا هذيان منظم تحكمه رؤية سردية موضوعية.
 
محمد عبدالحليم غنيم (كاتب من مصر)

شاهد أيضاً

كارين بوي عيناها مصيرها

شعر الشاعرة السويدية كارين بوي كما حياتها يُعنى بأسئلة بسيطة : كيف نعيش وكيف يجب …