أخبار عاجلة

حنا عبود زمن الرعب ليس أبدياً

حوار: نضال بشارة *

لا بد أن يرتبك المرء في حضرة الناقد الأدبي والمترجم السوري حنّا عبّود إن أراد إجراء حوار صحفي معه، فلوحة نشاطه الأدبي متنوعة وغنية تضم سبعة عشر كتاباً مؤلفاً، وأكثر من خمسين مترجماً، وكتباً تزيد على العشرين غير مطبوعة. وعلى الرغم من إجراء أكثر من حوار سابق معه إلاّ أن لا شيء يخفف الارتباك سوى محبته التي تغمرنا كأبٍ وكصديق يقدّم لك النصح بشكل غير مباشر خلال حديثه عن مسألة أدبية فتجد أن ثمة تنبيهاً أو إرشاداً ليس خاصاً بك بل بكل المشتغلين بالأدب. أهم ما يميّز مؤلفاته (فصول في علم الاقتصاد الأدبي) الذي عرض فيه نظرية معاكسة تماماً للاقتصاد السياسي، ومؤلفاته التي صدرت لاحقاً تعميقاً لهذه النظرية. لو تمعنت في كتبه ستجد أنها تتوالد من بعضها، وكأنه وضع مخططاً لها منذ سنواته الأولى التي قرر الاشتغال فيها بالنقد الأدبي. لم يدع عبّود مرض السرطان الذي أصيب به منذ سنتين أن يتغلّب عليه بل يردد سأجعله يندم. ويواصل رحلة إبداعه تأليفاً وترجمة، لكن دور النشر غافلة عنه. افتقدنا في حمص التي غادرها في مطلع عام 2012 بسبب الحرب إلى قريته ” القلاطية “، إلى محاضراته المهمة والشيّقة، ليشتعل حنينه لحمص وحنينا إليه ولجلساته الدافئة. ثقتي بما أجاب الناقد عبود لا غروراً بأسئلتي تجعلني متأكداً بأنني لن أضيّع عليكم وقتكم، معاً نقرأ:
طبيعة عدوانية
vv أنت صاحب نظرية الاقتصاد الأدبي في مواجهة الاقتصاد السياسي الذي يسعى للاستيلاء على العالم مادياً، في حين الأدبي يسعى للاستيلاء عليه جمالياً. كيف ترى تراجع فعالية الاقتصاد الأدبي وغلبة أو سطوة الاقتصاد السياسي المتمثلة في الحروب التي نشهدها، وفي الوقت نفسه كيف ترى زعزعة إيمان كثير من منتجي الاقتصاد الأدبي به؟
ll الاقتصاد السياسي يعتمد الوسائل المادية لتحقيق هدفه في الكسب والهيمنة، فهو في طبيعته عدواني من حيث النشأة، وجشع إلى أبعد حدّ، فهو لا يقف عند حدّ سد الحاجات، بل هناك عمليات كثيرة يجريها الاقتصاد السياسي. ولا ننسى أن سبب الاستعمار الجديد هو نفسه الاقتصاد السياسي. الاقتصاد الأدبي يعتمد الوسائل المعنوية التي تتمتع بحرية شبه كاملة، اللهم إلا إذا كان مأجوراً، وعندها يصبح ملحقاً بالسلطة السياسية. والفرق كبير بين دافع الحرية، بغية الحصول على الكرامة والسعادة، ودافع الربح المادي والاكتناز والسيطرة والتغلغل والانتشار الواسع. وأنا أشك في أن يكون إيمان الكتّاب مزعزعاً. وسأقدم لكم مثالاً من الاتحاد السوفيتي السابق، فقد منعت كتب دستويفسكي، ولكنها صارت تتداول في السرّ، ومنعت الكتب المناوئة للسلطة فظهر أدب السامزدات والتامزدات أي المكتوبة بخط اليد، والمنشورة في خارج البلاد، هرباً من الرقابة، وفي الأغلب تكون الأسماء مستعارة. فالإيمان موجود، على ما أعتقد، ولكن الهامش المتاح في بلدان الأزمات ضيّق جداً، إذ في مثل هذه الأحوال تتشدد السلطات، التي ربما تتسامح عندما تصل إلى ظروف مريحة. وإنتاج السامزدات والتامزدات في البلدان المأزومة يتزايد، على ما يبدو، ويصعب رصده بالدقة المطلوبة، وسوف يظهر فيما بعد.
إذا كانت القصيدة، والفنون كلها، أسطرة للواقع، كيف سيفعل الأديب اليوم والواقع أكثر من أسطوري، فهل ينتج أدباً يستحق التقدير برأيك؟
كما في كل زمان ومكان، كل أديب له طريقته الخاصة في المعالجة. بالطبع هناك قوانين خاصة بالأدب لا يتخطاها الأديب وإلا سقط أدبه. إنه لا يستطيع- مثلاً- أن يكتب خاطرة ويسميها قصة، أو قصيدة، أو مسرحية… لكل فن قواعده، وهذا هو الثابت في الأدب. أما أساليب الأداء فكثيرة، فهناك الواقعية والواقعية النفسية والواقعية الاشتراكية والواقعية السحرية، وهناك الخيال الرومنسي، والخيال العلمي، والخيال التركيبي… أشكال وأشكال من التخيّل يتبعها أو يبتكرها الأديب. والملاحظ أن الحرية الأدبية اليوم أضيق بكثير حتى من الحرية التي كانت متاحة في العصر العباسي، مثلاً. فمن يجرؤ على القول “إبليس خير من أبيكم آدم…” في هذه الأيام؟ إن العتمة التي تغلف الأعمال الأدبية من سامزدات وتامزدات سوف تنقشع، إن عاجلاً أم آجلاً، وعندها يمكن أن نقارن ونحتكم ونقدر.

زمن الرعب ليس أبدياً
vv تقول في كتابك (من تاريخ القصيدة) “….لما تحولت السلطة إلى مصنع رعب تمسك الناس بالنص ووجدوا فيه وحده الخلاص، فحظي بشعبية قوية”. تقصد النص المقدس، وكأنك تريد القول لا زوال لسطوة هذا النص إلاّ بتخلي السلطة عن كونها مصنع رعب، لكن هل يمكن ذلك دون أن تزول هي ؟
ll هذا أمر متروك للظروف، فالانتصار لا يكون دائماً للأدب. والأدب اليوم في أضيق حالاته بعلاقته مع السلطات القائمة. روى صاحب الأغاني أن مؤذناً وصل في أذانه إلى “حيّ على الفلاح” فسمع مغنياً يؤدي شعراً لمجنون ليلى يقول فيه وقال أيضاً:
تَعَلَّقتُ لَيلى وَهيَ غِرٌّ صَغيرَةٌ
ولم يَبدُ لِلأَترابِ مِن ثَديِها حَجمُ
صَغيرَينِ نَرعى البَهمَ يالَيتَ أَنَّنا
إِلى اليَومِ لَم نَكبَر وَلَم تَكبَرِ البَهمُ.
فطرب المؤذن وكان ذواقة للنغم والموسيقى، ومن دون قصد صاح “حيّ على البهم” فانتبه بعد ذلك واعتذر من المصلين، فلم يؤذه أحد لا بالكلمة ولا بالفعل. فقارن واستنتج. ثم إن التاريخ لم يثبت أن زمن الرعب أبدي. وقد سميت الدولة دولة لأن السلطة فيها تقوم على التداول وليس على الثبات. لكنكم تعرفون أن الرعب ليس منوطاً بالسلطات وحدها، فهناك رعب الشارع ورعب الجموع ورعب الحشد ورعب العشيرة ورعب الأب ورعب الأخ الأكبر…الخ إن الدول المتقدمة تخلصت من معظم هذه الأنواع المرعبة، في حين يغرق فيها أكثر فأكثر العالم الثالث المنكود.

vv حول الحرية أيضاً، ترى في الكتاب ذاته مسألة هامة جداً وخلافية في يومنا هذا، فبعض الكتّاب والمثقفين يمتدحون زمن إصدار كتب من مثل (رجوع الشيخ إلى صباه) على أنه ( زمن لا توجد فيه رقابة على الفكر والإبداع)، مع أنك تربط إنتاجه بزمن انحطاط كل شيء، والابتعاد عن تأليف الكتب الخاصة بالموسيقى والغناء، والعلوم الرياضية والتطبيقية. ماذا تعلق؟
ll المعروف أن السلطة الغاشمة تتساهل في أشياء كثيرة لا ترى فيها تهديداً أمثال الرياضيات والعلوم التطبيقية والدعوات المبتذلة، فهذه الحرية الممنوحة للكتب الإباحية ليست الحرية الأدبية، بل الحرية التي تخدم السلطة، ترى ما قيمة كتاب يتحدث عن العلاقة بين الذكر والأنثى؟ إن البعوض يمارس هذه العلاقة، من غير أن يحتاج إلى قراءة هذا الكتاب المبتذل أو ذاك. فما كل مسموح يدل على الحرية الأدبية، ولا كل ممنوع يدل على الظلم… هناك حالات وحالات لا بد من أن نراعي فيها الظروف المحيطة. فنحن نعرف أن العربدة محرّمة في كل الأديان وفي كل السلطات… ولكن العصر العباسي عرف أعظم الخمور وأعظم الخمارات وأعظم أسمار الخمرة والشعر والعربدة… ومع ذلك لم تتحرك السلطات لقمعها؛ لأنها لا ترى فيها تهديداً لها. لكن مجرد كلمة حق حول علاقة الحاكم بالمحكوم تجلب عشرات التهم من الزندقة والمروق والكفر، وتمزيق الأمة … وهكذا. ثم إن لكل عصر ميزاته الخاصة، فعصر الانحطاط عندنا ليس بالضرورة مشابهاً لعصر الانحطاط في روسيا أو إيطاليا. والانحطاط في الاقتصاد والسياسة لا يعني بالضرورة انحطاطاً في الأدب، فقد مرت على أمريكا اللاتينية أنواع وأنواع من الدكتاتوريات، لكن الأدب تابع مسيرته، ولا يزال يتابعها، مستخدماً شتى أساليب الأداء والتمويه. إن مستنقعات البشر أفضل مولّد للأدب، ألا نرى أنه حين يعم الخير والرفاه وترف السعادة وتشمل العدالة الجميع، لا يعود الأديب يطالب بذلك، فيعيش هذه الظروف بدلاً من أن يكتب عنها؟ ألا نرى أن الغزل انتهى في الشعر العالمي عندما سمحت السلطات بحرية الاختلاط، بينما كان الحظر في الجاهلية خير موثّب للغزل؟

مسائل مغلقة
vv لو أردنا أن نتوقف معك حول محفزات مؤلفاتك، التي أعتقد أنها توالدت من بعضها وفق ما يقرأ لك المرء. فهل يمكن أن نتوقف مع محفزات أول كتاب لك “مسرح الدوائر المغلقة”؟
ll “مسرح الدوائر المغلقة” كتاب له خصوصيته، فقد وجدت نفسي هزيل الثقافة المسرحية في سبعينيات القرن الماضي، فانكببت أقراً كل ما أستطيع الوصول إليه من المسرحيات، في كل العصور. وكلما قرأت مسرحية وضعتها في خانة. ولما كان المسرح غربياً في نشأته لم أرغب في كتابة تاريخ عام يعرض جميع التطورات، فاكتفيت بالمسرح الحديث، ورحت أقارن وأجمع وأطرح حتى انتهيت إلى مقولة أن المسرح الحديث لا يخرج عن كونه دوائر مغلقة، أي يطرح الكاتب مسألة مغلقة، بمعنى أنه لا حل لها. كيف نحلّ مشكلة الزواج في مسرحية “أميدية” ليوجين يونسكو، على سبيل المثال؟ لا حلّ لها. تصوّر رجلاً تزوج، فإذا الحياة الزوجية تجلب الاضطراب والمعاناة. ولو طلق الرجل زوجته وتزوج من غيرها لوقع في المأزق ذاته… وهكذا… إن المسرح الحديث يواجه الإنسان بمسائل لا يمكنه حلها. خذ مثلاً “زيارة السيدة العجوز”. إن هذه الثرية التي تعود إلى مسقط رأسها تغيّر كل القيم والعادات. هل هناك حلّ لهذه المشكلة؟ كم من ثري وثرية يدفعان الناس في هذه الأيام إلى ما لا يرغبون؟ هل هناك سلطة استطاعت أن تجتث سلطة الثراء، أو تحد منها؟ متى وأين؟ ألم تسمع صرخات الفلاسفة الفوضويين الذين طالبوا بالقضاء على الله والملكية والدولة؟ ألم تسمع بالصفات التي أطلقها شكسبير على الذهب الذي يحوّل الحقير إلى محترم واللص إلى نبيل…؟ فأنا في هذا الكتاب لم أخالف الخطوط العامة، بل بالعكس فقد التزمت بها. صحيح أنني كنت أسدّ النقص في ثقافتي المسرحية، ولكن النظرة الأدبية العامة لم تفارقني، ولم أنحرف عنها.
المسرح سجين الحبر
vv تؤكد في كتابك ” من حديث الفاجعة” على أهمية الإنفاق الثقافي على المسرح تحديداً منذ أيام اليونان، لأهميته وفق قولك في التربية الجمالية للإنسان. لكن في ظل غياب هذا الإنفاق المنشود، هل يعني أن مسرحنا العربي سيموت لاسيما وأنك تشكك أصلاً في رسوخه، بخاصة أن كتابك يحذر ويدرس الأثر السلبي لمحدثي النعمة على المسرح منذ أواخر التاريخ اليوناني، والذين تزداد خطورتهم وشراستهم؟
ll لا يموت المسرح، ولكنه في هذه الحالة يظل سجين الحبر الأزرق أو الأسود. كانت المسرحيات في اليونان تكتب، وعندما تعلن الحكومة أنها ستخرجها مسرحياً، كان الأغنياء ينخرطون في منافسة الإنفاق عليها من حسابهم. وعندما يفوز أحدهم باحتكار الإنفاق، فإن كل ما يعود عليه من هذا “الاستثمار” هو أن يذكر اسمه بأنه راعي المسرحية مالياً، وكان الناس يقبلون عليه مهنئين لأنه كان الأكثر سخاء على المسرحية من غيره. وظلت الدولة تحمي المسرح فترة طويلة من التاريخ. وفي النهضة ظهر المسرح الخاص الجوّال، فكان يطوف بالعربات في القرى، ويقدم المسرحيات، وينال ما ينال مما يتبرع به المشاهدون، وفي بعض الأحيان لا يقوم الدخل بسد الحاجات اليومية. فإذا تخلت الدولة اليوم عن المسرح، فقدنا العرض، ولكن النصوص الجديدة تظل أسيرة
القماطير حتى تحين الظروف المناسبة.
خرق الشعار
vv حددت في بحثك في ندوة الترجمة التي أقامتها جامعة البعث عام 2007 مفهوم النهضة الذي أصابه الانزياح إلى غير معناه ، فأشرت إلى أن النهضة لا تكون سوى في الأدب والفن والموقف النقدي. أسأل من المسؤول عن انحراف معنى المفهوم هل هو السياسي العربي الفاشل، أم الغرب، أم ثمة أسباب أخرى وراء ذلك ؟
ll كل ذلك يقف وراء انحراف النهضة عن سيرها. أهم شعار طرحته النهضة هو “الدين لله والوطن للجميع” وأخطر انحراف حدث في مسيرة النهضة هو خرق هذا الشعار. بالطبع مارست السلطات دورها السلبي في دفع الناس إلى الانحراف عن هذا الشعار، ولكن من جهة أخرى إن الناس أنفسهم مسؤولون عن هذا الانحراف الذي يسقط النزعة الوطنية، ويحل الدين محل العروبة. ولا ننسى أن البلدان العربية كانت غارقة في الأمية الثقافية، فحتى بين الدول العربية لم يكن هناك التفاعل الثقافي المرغوب والمطلوب، فكم من الكتب المفيدة والنبيلة منعت من دخول هذا القطر العربي أو ذاك؟ وأذكر أننا كنا نبحت عن كتاب طه حسين المحظور في مصر “في الشعر الجاهلي” فما حصلنا عليه إلا في ثمانينات القرن الماضي. وفي عام 1962 استطعنا الحصول على كتاب “رأس المال” ترجمة الدكتور راشد البراوي… وهكذا. ولم تستطع الجامعة العربية أن تفرض العلاقة الثقافية السليمة بين أعضائها. إن البلدان العربية التي استوردت أنظمة دولها من البلدان الاشتراكية عانت الكثير بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، ونعتقد أن مثل هذه الأنظمة لم تعد قادرة على مسايرة العصر الحالي، إن لم تغيّر تغييراً كاملاً نهجها وأسلوبها. إن مثل هذه الأنظمة تولّد الأزمات باستمرار ثم تعمل على حلها فتخلق أزمات جديدة وهكذا. إن لم تقم بنية تحتية متينة، إن لم يقم مجتمع مدني، إن لم توضع نواظم وطنية وديمقراطية… فإن الأزمات سوف تستمر، ونقع في “الدوائر المغلقة” التي عرضنا مسرحها في الكتاب المذكور آنفاً.

vv لماذا نحمّل الناس مسؤولية الانحراف، والناس لم يتم رفع وعيهم، لا من قبل الأحزاب ولا من قبل المؤسسات الثقافية والإعلامية والتعليمية؟
ll ترقية الوعي لها أنواع وأنواع، وليست ترقيته على يد المؤسسات والأحزاب دائماً مستحبة، إذ تنمو أعشاب سامة في الوعي إذا خضع لسياسة أو أيديولوجيا أو كرازة أو إعلام خاص… وكذلك إذا استخدم لدعاية معينة لا تنسجم مع مسار الحق والخير والجمال. إن أفضل أنواع الترقية هي الترقية الذاتية… أتدري لماذا؟ لأنها تكون بعيدة عن المؤثرات الأيديولوجية والسياسية والحزبية… إنها الترقية الحرّة التي عن طريقها يفهم القارئ قوانين المسرح بعيداً عن أي شيء. فالقراءة يجب أن تكون حرة طليقة، لا في خدمة حزب ولا في خدمة نظام ولا في خدمة دولة. وقد عاصرنا الاتحاد السوفيتي وشاهدنا مدى الضرر الذي وقع في القراء والمشاهدين من جراء الإلحاق الأيديولوجي والسياسي… الخ. لهذا السبب نضع معظم المسؤولية على “الناس” من دون أن نحدد الفئة القابلة لتلقي هذا الفن، وبخاصة أننا ورثنا من العربي القديم نفوراً من المسرح، فمن الصعب إقناع رجل عربي بأن يقوم بالتمثيل. إنه معتز بشخصيته، ولا يريد لبوساً غريباً، ويكاد يكون من المستحيل إقناعه بالقيام بدور المرأة. وأذكر أنني شاهدت احتفالاً بمناسبة كربلاء، وأمضينا وقتاً طويلاً من الانتظار حتى استطاع الجماعة إقناع أحدهم بالقيام بدور الشمر بن ذي الجوشن… بل حتى عندما قام به لم يكمله، وإنما تراجع وهو يقول “أكره اسمه، وتلبسوني شخصه!”… إن دخول التمثيل إلى العالم العربي هو الاستثناء وليس القاعدة. على أي حال هناك قاعدة في القراءة تقول إنه كلما كانت القراءة حرة نشأت منها الشخصية الموضوعية، شخصية العين الفاحصة الممحصة الناقدة التي تتجرأ أن تقول الحق في كل المناسبات.
أضعت زمناً
vv بالعودة للبدايات كل ناقد يبدأ حياته الأدبية بكتابة جنس أدبي ما، ثم يهجره ليمارس النقد. نعرف أنك كتبت الشعر، فما الذي دفعك إلى مسار النقد؟
ll إنه النقد. كنت أنظم الشعر وأهذبه بعفوية، فلما تلبسني شيطان النقد صرت أنقد كل كلمة في شعري وأستسخفها، فأغيّرها وأبدلها حتى تصير القصيدة مجموعة خبيصة من الجمل البراقة المتقطعة. حاولت مراراً أن أستمر في الشعر ولكنني لم أرض عن عملي. ولم أشعر بأن النقد التهم الحاسة الشعرية إلا بعد أن أضعت زمناً ليس بالقصير، فانتبذت الشعر، وأنا تواق إليه، واعتمدت النقد وأنا متهيّب منه. وأنا اليوم مثلي مثل المؤذن الذي جرفه الشعر ونسي ما يجب أن يتلوه… دائماً أحاول أن أمسك نفسي من الانجراف ولكن من العبث.
النقد الذي التهم الحاسة الشعرية هل التهم استمتاعك بقراءة الشعر؟ سؤال قد يخطر في بال كثيرين إنك كناقد كيف تتفاعل مع الشعر حتى في أرقى مستوياته، أسأل دون أن يغيب عن بالي مؤلفاتك بخاصة “النحل البري والعسل المرّ”؟
بالعكس صرت أشبه بالخليل بن أحمد الفراهيدي، يتقن تمييز الشعر، ويتقن نظمه، ولكنه لا يبدع فيه. صرت بعد الممارسة النقدية التقط اللمحة الفنية على الفور، ودون العناء الذي كنت أبذله عندما لم أكن أمارس إلا الشعر. وهذا أمر شائع في معظم الفنون وليس في الشعر وحده، فقد عرفت مدرّب رقص، يعلمهم طريقة الخطوات وأزمانها ومسار الحركات، ولكنه لا يستطيع أن يقدم ولو رقصة فاشلة. كما عرفت هاوياً موسيقياً يعرف دقائق المقامات والألحان ولكنه لا يجيد التلحين… وهكذا. فقد تتقارب الملكات ولكنها لا تندمج دائماً.
المسودة إلى النشر
vv لو أردنا أن نوجّه صاحب موهبة نحو ممارسة النقد، كيف يمكن أن يصبح المرء ناقداً متميزاً بالمعنى الذي تعترف به أنت أي أن يكون صاحب نظرية أدبية؟
ll أن يقرأ الفلسفة قبل أي شيء آخر. النظريات الأدبية ظهرت من الفلاسفة: ماركس سارتر فرويد يونغ أدلر… إلى آخر ما هنالك من أسماء وراء النظريات الأدبية. من دون هذه القراءة يصبح الكاتب جمّاعاً وصدى لغيره. وبالطبع من المفروغ منه أن يكون مطلعاً على التراث العربي، وهذا ليس بالأمر السهل، كما يجب أن يكون مطلعاً على التراث العالمي، قديمه وحديثه، وأن يتمكن من القواعد الأدبية: كقواعد فنون الشعر وقواعد اللغة وقوانين كل لون من الألوان الأدبية. على أن أهم شيء يجب أن يتحلى به الناقد ألا يغتر بثقافته، فيترك المسودة تأخذ طريقها إلى النشر. أذكر أنني في عام 1952 كتبت مقالة تدعو إلى ضرورة السلم العالمي حتى يستريح هذا العالم المنكود من ظروفه القاتلة، فأعدت النظر فيها أكثر من عشرين مرة، وكنت أطلع عليها الأصدقاء، وأعيد النظر فيما قدموه من ملاحظات، مع أن المقالة صغيرة جداً. إن ما يحتاجه الناقد يعتبر أكبر ثقافة على الإطلاق، ولكن يمكن لبذرة غرور صغيرة أن تحطم تلك الثقافة. أما إذا أراد أن يكون صاحب نظرية، فما عليه سوى أن يجعل النظريات الأدبية تتضارب فيما بينها، ويطرح عليها التساؤلات الكبرى والصغرى، حتى إذا تبيّن له ما فيها من مناقب ومثالب أمكنه أن يخط لنفسه نظرة ينطلق منها، فإذا توسع في تطبيقه، فليحاول في كل مرة أن يعيد النظر في نظرته ويعدلها حتى تشمل أكثر من مجال. وحين تتسع هذه النظرة ويتثبت من صحتها يتركها تشمل المجالات الاجتماعية والسياسية إلى جانب المجالات الأدبية والفنية. ولا يخفى أن العصر الحالي هو عصر ثورة المعلومات، الزمن فيه ضيق ومختصر، فيمكن للناقد اليوم الحصول على أي كتاب من الشبكة العنكبوتية، ولا يحتاج إلى البحث عنه في البلدان الأجنبية، وينتظره شهوراً، بل سنوات في بعض الأحيان.

vv بصراحة من لا يملكون نظرية نقدية ماذا يمكن أن تسميهم؟
ll أسميهم انطباعيين، يستسلمون لذوقهم المثقف، ويصدقون في حكمهم على النصوص. قد يزوغون في أحكامهم النقدية إذا كانوا مغرضين، ولكن المثقف منهم قادر أن يتعامل مع النصوص بحسب ثقافته الأدبية البعيدة عن الأيديولوجيا والمدارس النقدية، وفي هذا مكسب كبير للنقد والأدب. على أي حال لم نجد الانطباعيين يخطئون تلك الأخطاء الفاحشة، بل كل ما في الأمر أنهم في بعض الأحيان يبالغون فيما ينقدون، وبخاصة في تضخيم الضعف الفني في النصوص، كما فعل ميخائيل نعيمة في نظرته إلى شعر شوقي، وكما فعل مارون عبود في تقييمه لشعر الأخطل الصغير. فعندما يبالغ الناقد الانطباعي يقترب من رسام الكاريكاتير، الذي يجعل من الحبة قبة، ومن السمكة فيلاً طائراً.
الجهل دافع للترجمة
vv ما هي محفزات اشتغالك بالترجمة عموماً، وترجمتك للملاحم الشهيرة ( الإلياذة، والأوديسة، والأنياذة) خصوصاً، لاسيما وأنك زودتها بمقدمات نقدية غنية، تفردت فيها، تهم القارئ المدقق والدارس ؟
ll الجهل طبعاً. كنت كلما راجعت نفسي في موضوع أجدها جاهلة فيه أطلبه مترجماً، أو بلغة أجنبية. أما المترجم من الكتب فكنت ألخصه، حتى أنني لخصت كتاب “رأس المال” من ترجمة راشد البراوي، كما لخصت كتباً في غير هذا الميدان مثل “في علم الجمال” لهنري لوفيفر” لأن ذاكرتي لم تكن تحتفظ بالصورة الكاملة. وكذلك كنت أفعل في الكتب الأجنبية، إلى أن اقتنعت بأن خير طريقة لـ “هضم” الموضوع أن أترجم الأثر بكامله، فما تقبلته دور النشر ظهر منشوراً، ولا يزال في حوزتي قسم كبير من المترجمات التي سدّت بعض ثغرات جهلي الثقافي بتلك الموضوعات. هناك كتب كلفتني بها وزارة الثقافة فترجمتها. وهناك كتاب استعرته من الزميل الشاعر علي كنعان وهو “البنيوية في الأدب” فترجمته ونشره اتحاد الكتاب في دمشق. وكلفتني دار دمشق بترجمة الجزء الرابع من مؤلفات بليخانوف، وكذلك المؤلفات المختارة لليو شاو شي. أما ما تبقى فكنت أنشد الكتاب من بلده الأصلي، وكنت أجد مشقة في ذلك. اليوم يختلف الوضع بعد انتشار الشبكة العنكبوتية. ولا زلت حتى اليوم أترجم الكتاب الذي أجهل موضوعه، وأحتفظ به. ومن أهم الكتب التي ترجمتها كتاب “الجليل في الأدب” للكاتب السوري لونجينوس، الذي يعتبره النقاد العالميون بالإجماع أعظم كتاب في النقد الأدبي عرفه العالم، حتى أن بعضهم جعله يفوق كتاب “فن الشعر” لأرسطو. عرضته على بعض دور النشر فاعرض أصحابها عنه، وحجتهم أنه صغير الحجم.

vv أنت سيد من يعرف ما هو ” صندوق باندورا” الذي احتوى كل الشرور التي صارت تؤثر في العرق البشري ولم يظل حبيساً في داخله غير الأمل. لكن لماذا إنساننا اليوم أكثر من أي وقت مضى يُنكر وجود الأمل؟
ll في العالم الثالث تبسط الأنظمة التوتاليتارية سلطتها على كل شيء: من الرغيف حتى النزهة على ضفاف بحيرة. كل شيء بيد السلطة: الصناعة والتجارة والزراعة والحرف والمهن الحرة وحتى جمعية دفن الموتى لا تدفن من دون إذن السلطة… وهنا يتوجه البشر إلى تأمين حاجاتهم المادية، وتتغيّر نفسياتهم، وتتفشى فيهم الانتهازية والوصولية، وتصبح آمالهم مشكوكاً فيها فكم من مدّعٍ أنه تقدمي تكشف عن رجعي مقيت، وكم من ثوري ادّعى العلمانية فإذا هو طائفي…وهكذا. في هذا العالم عندما تنتهك أبسط الحريات لا تموت الآمال بل تتحول إلى مطامع فيها الكثير من رائحة العفونة البشرية. وفي البلدان الصناعية يتحوّل المرء إلى ما يشبه الآلة جراء الأعمال الروتينية، وأنت تعرف أن بطل “الآلة الحاسبة” رجل يعمل في مصرف، توفي وصعد إلى العالم الآخر، واستلمه المسؤول عن سجلات الخلق، ثم أخذه وأجلسه وراء آلة حاسبة… إن معاناة العالم المتقدم ليست بالسهلة أبداً. ولكني بموجب اهتمامي رأيت أن البلدان الإسكندنافية تقع في المقدمة من هذه الناحية. وقد هالني ما قرأت من عناوين في كتب الأطفال فقط. إن الآمال التي تزرعها الحرية غير الآمال التي تنبت في العالم الثالث، إن كان يجوز لنا أن نجمع الطرفين تحت اسم “آمال” أمل الحصول على الرغيف وأمل الحصول على السعادة.

vv دأبت في سنوات الحرب هذه على كتابة أبحاث هامة وعميقة تمجّد بها ما تفرد به تراثنا العربي تاريخياً، الذي تراه في أحد أبحاثك هو الأطول عمراً في العالم. تدافع عنه من زوايا نظر – كعادتك في تناول كثير من المسائل – لم يلتفت لها أحد. هل هي متابعة لشواغلك النقدية، أم محاولة للدفاع بسبب ما نتعرض له من خلخلة على معظم الأصعدة ؟
ll سؤالك الثاني هو الصحيح. إن ما اشتغل به المستشرقون، وما أكثرهم! هو الأدب العربي. أعجبوا به كل الإعجاب، كما لم يعجبوا بأي أدب، حتى بأدب بلدانهم. تصوّر أن مئات الكتب كرست موضوعها لدراسة المقدمة الطللية التي أذهلتهم، ولا تزال محط أنظار الكثيرين منهم، فلا تزال سوزان ستيتكيفيتش تتابع هذا الموضوع، ولا يزال زوجها يسعى لفك ألغاز الشعر العربي القديم. شخصيتنا أدبية صرف. فإذا خرجت من الأدب وبحثت عن الشخصية العربية فإنك غير عاثر عليها، الأدب وحده كيان العروبة، وهي ميزة غير موجودة في آداب العالم. فإذا أخرجت الإنجليزي من أدبه برز لك الإنجليزي الصناعي- القطار والسكك… حتى شفرات الناسيت… أما العربي فغير موجود إلا في أدبه فقط، وفي غير أدبه يضيع جداً، ولهذا السبب التفت إلى هذه الناحية، ليس لأني اكتشفتها من جديد، بل لأني أخاف أن تضيع شخصية العربي. وبالطبع شخصية العربي لا يمكن أن تضيع إلا إذا ضاع الأدب العربي. وأؤكد أن من يستهزئ اليوم بشعرنا القديم يكون قد قرأه قراءة سطحية، لذلك لم أحاول إعادة هذا الأدب، وإنما حاولت إظهار أهميته بالنسبة للشخصية العربية.

الأديان القديمة غير قامعة
vv ثمة مقولة كانت شائعة لا يزال البعض يتداولها أن الإنسان المتديّن لا ينتج إبداعاً. حضرت هذه المقولة في ذاكرتي خلال قراءتي بحثاً نشر لك مؤخراً بعنوان ( التطهّر في بحور النار) تحلل فيها وتعيد كل تراث البشرية إلى منشأ ديني (دون أن تقصد ديناً محدداً). ما رأيك بتلك المقولة ولماذا ما زلنا ننكر دور الدين ثقافياً بغض النظر عن الناحية الإيمانية؟ وهل ترى إن شاع إنصافه كما فعلت في بحثك، يمكن لنا أن نتلمس تفكيراً أكثر عقلانيةً؟
ll التطهّر في بحيرات النار تعبير استعرته من أفلاطون، وفيه أراد عرض نظريته في التقمص، والعودة ثانية إلى الحياة، بيد أنني استخدمته للتعبير عن الدين الذي يحمل بيده زهرة لا سوطاً. فبحيرات النار هي الأديان القديمة التي لم تعرف الطائفية ولا الحقد المذهبي، وكانت غذاء للروح، فهي ملهمة لا قامعة، كما أنها كانت تعبيراً عن الواقع، فأفروديتي ونيموسيني وزيوس وأثينا يمثلون القيم الطبيعية والبشرية، ولذلك لم تظهر الحروب الدينية في اليونان. كان إذا سمع شعب بدين جديد استوردوا تمثالاً لرب هذا الدين وجعلوه في البانثيون. فالشاعر يستلهم من ربات الفنون أو شياطين الشعراء الشيء الكثير، الشيء الراقي والجميل، ولكن ماذا يستلهم من سمعان العمودي الذي أمضى- على ما يقولون- أربعين عاماً على عمود؟

vv افتقدنا في سنوات الحرب هذه لإصدار جديد من مؤلفاتك ولم يصدر لك سوى مترجمات (المكتبة اليونانية، الجليل والجميل) عن دار الحوار، و(الميثولوجيا الأكاديمية) عن اتحاد الكتّاب. لماذا؟ مع أننا نعرف أن في حوزتك أكثر من عشرة كتب، وكما قلت ذات مرة أنت تحتاج لدار نشر خاصة بمنشوراتك لتستطيع طباعة ما في حوزتك؟
ll سل القائمين على دور النشر.

شاهد أيضاً

حمد الغيثي: لاستجلاء الحقيقة ينبغي تطبيق المنهج العلمي

رغم بُطء الناشر وغموضه، كان يتصدى بشجاعة لترجمة كتبٍ ذات رؤى مركزية مُحتفىً بها في …