أخبار عاجلة

حوار مع الباحث سعد الجادر حول كتابه “كنوز”

*أثر المصوغات الفضية في الفن الاسلامي
* الاستفادة من التراث الصياغي المهمل في بلادننا
الاسلامية
*مخاطبة الغرب عبر الفن المعبر عن ثقافة الشعوب والاقوام الاسلامية وتراثها

صدر في المغرب مؤخرا ، عن مؤسسة "لاك " العالمية في الدار البيضاء، كتاب فريد في التعريف بأحد صفوف الفن الاسلامي ، ويتعلق الامر بفنون صياغة الفضة الاسلامية وما تتضمنها من مهارات يدوية تتفاوت بين الزخرفة الفنية المستمدة من عناصر متعددة ، وبين دقة الصنعة وجمالها. كما يتطرق اكتأ

ب بفصوله الستة ، الى مختلف المراحل التي مرت بها عملية الصياغة الاسلامية لمعدن الفضة ، ابتداء من العصور الجاهلية قبل الاسلام وحتى عمرنا الحاضر ، مستعرضا نماذج عديدة من الاختام والاسلحة والاواني وادوات الزينة والصحاف وغيرها، وكلها تعكس خبرات وتقنيات متعددة تمتد من الملايو وماليزيا الى المغرب العربي. ولمختلف المراحل التاريخية والعصور التي عرفتها الحضارة العربية الاسلامية.

الكتاب الذي ألفه د. سعد الجادر. الفنان والباحث العراقي المقيم في الرباط ، يحمل عنوان "الكنوز" وصدر باللغتين الفرنسية والانجليزية. متضمنا في الاساس بحثا أكاديميا لايقف عند موضوع الصياغة الخاصة بالفضة الاسلامية فحسب ، بل يتعداه الى الوظائف الاجتماعية والاقتصادية لهذا الفن الجميل والراقي في مختلف انحاء البلاد الاسلامية ، كما يضم الكتاب 325 صورة ملونة لخمسمائة قطعة فضية منتخبة من المجموعة الخاصة للمؤلف. وللتعرف على مادة الكتاب وخلفيات الموضوع اجرينا هذا الحوار مع الفنان سعد الجادر
الحوار
* مراحل التكوين

س : كيف تبلور اتجاهك للعمل في فنون الصياغة الاسلامية ، خاصة وانك متخصص في مجال الهندسة المعمارية كما نعرف ؟

ج : لقد نشأت في عائلة كان من افرادها أخي واستاذي الكبير خالد الجادر فنانا بارزا ، ولعدد من افرادها الآخرين علاقة مباشرة بالفن ، مما جعلني – وانا اصغر الاخوة – أميل الى التأثر والاخذ من مصادر بيئة الدار ، وكان لي ميل شديد الى الفضة منذ الصغر ، ولا أزال اتذكر حتى الآن صحاف الفضة التي كانت مستخدمة في دارنا – الى جانب ما يتزين به افراد العائلة من مصاغ. واذكر ان والدي كان يستخدم الفضة ، فالى جانب خاتمه ، كانت ساعته وسلسلتها من الفضة ، كما ان رأس نرجيلته كان من الفضة ايضا.

بعد تخرجي في معهد موسكو للهندسة المعمارية ، عملت منذ ذلك الحين

في مجال اختصامي: التخطيط الاقليمي وتخطيط المدن ، في عدة بلدان اوروبية وعربية – وفي عام 1979اضطرني ظروف العمل في بلد عربي الى مغادرته. فحللت في بلد آخر لم تتوافر لي فيه سبل متابعة العمل في اختصامي. وخلال فترة تكويني كمخطط للمدن ، وبعدها كممارس للمهنة ، وهو اختصاص ذو علاقة مباشرة بكل الفنون ، كنت اطلع على مختلف الادبيات الخاصة بالفنون الاسلامية ، وازور المتاحف المحلية والعالمية ، ولفت انتباهي الفراغ التام تقريبا في حقل فنون الصياغة ، بينما كنت خلال زياراتي للاقاليم الاسلامية ، كما في ليبيا والجزائر وابوظبي ، وخاصة مناطقها القروية واسواقها الاسبوعية ، ألاحظ ثراء البيئة بالفضة ، وبالذات الحلي والخناجر والصحاف ، وكانت اسواق "العنتيك " العالمية ، كما في لندن وباريس وفرانكفورت تقدم المصنوعات الفضية الاسلامية لبيعها بأسعار زهيدة ، لندرة الطلب عليها ، اذ كان معظمها ، في الستينات والسبعينات ، يذهب للاذابة. وهكذا بدأت بتكوين مجموعتي الخاصة ، ففي الوقت الذي كانت فيه اول قطعة فضية اقتنيها لنفسي عام 1958 صرت أتلقى هدايا فضية من العائلة ، وخاصة من اخي خالد – رحمه الله – الذي افادني كثيرا في توجيه هوايتي ودعمها. وخاصة في مراحلها الأولى.

وتدريجيا.. كان رصيد مجموعتي من التحف الصياغية الاسلامية ينمو ويتزايد ،واصبحت المجموعة نفسها مدرسة أخرى اتعلم من تنوع وثراء نماذجها وزخارفها وتقنياتها ، واضحت الاسواق والمزادات الاسلامية والعالمية المجال الاساسي الذي اقتني منه ما اراه مفيدا وجميلا ، كما أصبحت لدي علاقات واسعة مع الصاغة وباعة الفضة. فكنت أتعلم منهم "أسرار المهنة ". وكان اصدار كتابي الاول "الفضة العربية والاسلامية " بلندن والمعرض الاول الذي اقمته لنخبة من مجموعتي في لشبونة عام 1981 محطة رئيسية ، ونقطة تحول نوعية في تطوير هوايتي سواء بالنسبة لجمع التحف الفضية ام لدراستها وعرضها.

هكذا كانت محصلة العوامل الموضوعية والذاتية المتقدمة ان اتجهت متفرغا للعمل في حقل فنون صياغة الفضة الاسلامية ، فقد تطورت هوايتي الى عشق ، وهناك فراخ لا يزال كبيرا في هذا المجال الذي تخف فيه الضغوط والظروف الاستثنائية الصعبة التي تمارس على المجالات الاخرى والمشتغلين فيها!

*إهمالهم وسلبيتنا

س : ذكرت ان هناك فراغا كبيرا في مجال البحث في فنون الصياغة الاسلامية ، فما هي – في رأيك – أسباب ونتائج ذلك الاهمال ؟

ج : ان الآثار المادية ، كالعمارة والتحف المنقولة ، خير دليل على منهج ومستوى أية حضارة مرت بها الانسانية. وبالنسبة لدراسة التراث المادي الاسلامي فقد انصب اهتمام المتخصصين ومؤرخي الفن أساسا على العمارة. ثم توسع هذا الاهتمام تدريجيا ليشمل – بهذا القدر او ذاك – الفنون الزخرفية. لكن الصياغة ظلت في الظل الى حد كبير على الرغم من أنها حلية الحضارات الانسانية وزينتها ، واحد الادلة لرقيها ورفعتها. وقد ساهمت في ذلك عدة عوامل منها عدم الاكتراث بفنون الصياغة ، وندرة ما ورد عنها في المخطوطات وكتب التراث الاسلامي. وفرادة ما سلم من تحف صياغية اثرية ، وقلة الباحثين المسلمين في هذا الموضوع ، وقلة ما كتبره عن الصياغة خلال القرن الاخير. كل هذا وغيره لم يسمح بتكوين افكار واضحة عن طبيعة تطور اساليب الصياغة الاسلامية وسماتها في الزمان والمكان. ومن هنا تبرز أهمية الاهتمام بفنون الصياغة الاسلامية وسد بعض جوانب الفراغ عبر ابراز امالتها وتقديم اصولها الحقيقية.

الغريب ان الفن الاسلامي ، وهو افراز القبائل والاقوام والشعوب

الاسلامية. نال من غير المسلمين اهتماما بالغا ، نظريا وتاريخيا واثريا ، فكتب بعضهم منصفا ومقرا بالصورة المبتكرة للفن الاسلامي والجماليات المتميزة التي تجسدها التحف الاسلامية ، ووقف آخرون مشككين احيانا كثيرة في القيمة الابداعية للفن الاسلامي وسموه الجمالي وفرادة صورته ، فتغاضوا عن مبتكرات المسلمين ودورهم في صرع الحضارة الانسانية وتأثيرهم في الغرب. اما نحن ورثة الفن الاسلامي ، فلم نلتفت اليه بالقدر الذي يستحق ،ولم نعره الاهتمام اللازم ولم نوظفه لخدمة اهدافنا التنموية ، ولا لنشر الدعوة الاسلامية ، وادى موقفنا السلبي هذا الى توسع الغرب في دراسة التحف الزخرفية الاسلامية. خاصة وان متاحفهم تضم حشدا ضخما من افضل تحفنا اضحت مجالا للاعلام السينمائي والتليفزيوني والبرامج المتنوعة. واصبح في الغرب جامعون للتحف الاسلامية ، ونشأت فيه عشرات المزادات السنوية التي تمثل فيها التحف الاسلامية مواد مهمة مما ادى الى ارتفاع اسعارها لتصل الى ارقام خيالية.

لقد افرز اهمال المسلمين لفنونهم نتائج سيئة أخرى ، فالكتب التي تتناول الفنون الاسلامية لا تلقى رواجا بالعربية كما تلقاه باللغات الاوروبية ، وراجت كتابات مهمة عن الفنون الاسلامية من وضع باحثين غربيين واصبحنا نترجم كتاباتهم ونتخذها مراجع لباقي اعمالنا دون تمحيص دقيق احيانا فأصبحنا نترجم الخطأ والصواب. وعلى الرغم من ان هذه الحركة توسع معرفة المسلمين بتراثهم ، الا انها لا تزال ضعيفة ، لان الثقافة العامة بالفنون ضعيفة في بلاد المسلمين ، وهذه مسألة ذات علاقة بالتعليم والتربية وادخال الثقافة الفنية في برامج المدارس منذ الطفولة. وتشجيع المعارض والمتاحف التي توسع مدارك الذوق الفني ، اضافة الى الدور السمعي البصري في الراديو والتليفزيون وما شابه ذلك. من ناحية أخرى هناك عدد كبير من المؤلفات. ومنها الموسوعات ، سواء الاوروبية منها او الامريكية او السوفييتية سابقا..التي تستعرض الفنون العالمية ، لكنها لا تشير الى الفن الاسلامي الا بشكل عابر ، ذلك ان لم تعمل على الغائه ، في الوقت الذي يبالغ فيه الكتاب في الحديث عن الفنون الاغريقية والرومانية والبيزنطية وفنون عصر النهضة ، وحتى عندما تشير هذه المراجع الى الفن الاسلامي فانها تفعل ذلك بايجاز شديد وتنظرا ليا بمنظار المعايير الغربية الناتجة عن تطور آراء فلسفية واوضاع تنموية ومواقف ثقافية وانظمة اجتماعية لا علاقة لها بالمنهج الاسلامي ومعايير حضارته وطراز فنا ، لذا جاءت تلك الدراسات قاصرة وبعيدة ممن الواقع ، خاصة وانها غالبا ما توظف التفسيرات تبعا للمصالح السياسية الغربية الهادفة الى تكريس تخلف المسلمين وابعاد علاقة الفن بالفكر الاسلامي والنيل من الصورة الفنية التي قدمها الاسلام والمسلمون الى تاريخ الحضارة الانسانية.
* حبات المسبحة

س : وهل استطاع كتابك الاخير "كنوز" ملء ذلك الفراغ وتجاوز ما في الكتب الغربية من سلبيات ؟

ج : لعل ما يميز كتابي "كنوز" ابتعاده عن دائرة ، ردود الفعل ، فهو لم يطمس النشاط الحضاري لغير المسلمين ، اذ يتعرض ، وفي فصله الاول ، الى فنون الصياغة في جميع الحضارات سواء السابقة للاسلام او الموازية له ، انطلاقا من الايمان بان الحضارات على كوكبنا عمل انساني خلاق قام بمؤثرات متفاعلة بين مختلف الشعوب والاقوام. وبذلك يثبت هذا الفصل الظاهرة الطبيعية للتطور الحضاري: وهي ان كل فن يبدأ مما سبقه. صحيح ان الفنانين نتاج فكر وحضارة ومجتمع الفترة التي يعيشونها ، الا ان جميع الفنانين ، رغم ما ينفرد به كل منهم من سمات ، يستندون في عملهم على التراث الانساني السابق لهم في عملية التواصل والتجديد والابداع والابتكار. وبذلك لا يمكن فصل حبات المسبحة الواحدة ودراسة هذا الفن او ذاك بمعزل عن منجزات الآخرين ، ولابد اذن من التعرض الى النتاج الفني الانساني عامة بما يوضح مكانة الفن الاسلامي في سلسلة التطور الحضاري الانساني.

ان تعددية الحضارات ، واحترام تراث الآخرين والاستفادة منه من شأنه موازنة العالم ، ويمكن للغرب ، اذا تحول نحو التسامح والوضوح والنظرة الانسانية ، ان يتحاور مع الآخرين في سبيل تقدم العالم. فالحوار خير من القسر والخراب وتواصل الاستغلال وفرض "التغريب" كما ان تسعير العنصرية ربما سيحرق المسلمين ، لكنه سيحرق الغرب ايضا ، ولن يجني احد – آنذاك – الاخراب العالم.
* من الماضي الى المستقبل

س : هل لك ان توضح بشكل اكثر تفصيلا دور الكتاب ، ونعني كتابك "كنوز" في التعريف باحد جوانب الحضارة الاسلامية ؟

ج : كثيرا ما نقرأ ان الاسلام ضد الزينة والفن والجمال ، وهذه نظرة خاطئة تماما، فالجمال مطلوب في الاسلام لما يسبغه على الانسان من بهاء ورضا ولذة عند نفسه ، ومن قبول لدى الآخرين. وقد طلب الله سبحانه وتعالى من الانسان التمتع بالجمال وعدم تعطيل حواسه ومتعته ( قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون) ( صدق الله العظيم ) اذ يعترض الله سبحانه وتعالى على اهمال الجمال باسلوب فيه القوة والاستنكار "قل من حرم زينة الله.." لان هذه الزينة نعمة الهية ، الغاية منها تمتع الانسان بها والاحساس بجمالها ، ولا رهبانية في الاسلام فالإسلام ، دين ودنيا. و"الجميل " من اسماء الله الحسنى ، التي على المسلمين التخلق بها. ولكي يكون الجمال ممتعا لابد من الاعتدال والتوازن ( يا بني ادم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكرا واشربوا ولا تسرفوا انه لا يحب المسرفين ) ومنتجات المسلمين من المسوغات كتلك المعروضة في "كنوز" ما هي الا دليل حاسم ، وتأكيد قاطع على تشجيع الاسلام للفن والزينة والجمال.

ان الوعي بتاريخنا الحضاري يقوي سيرتنا داخل العالم الاسلامي وخارجه : في الداخل عبر المحافظة على التراث ودراسته ورعا يته واستخلاص ايجابياته في تطورنا المعاصر والتأكيد على هوية الامة وتعبئتها للتواصل مم الماضي المجيد في سبيل مستقبل افضل ، وهذا سينعكس على العالم الخارجي ليبرهن لهم على اننا اصحاب حضارة قادت الانسانية وكان لها اكبر دور في التطور الحضاري للغرب المعاصر. كما ان تقديم المسلمين للحقائق عن مختلف جوانب المنهج الاسلامي وحضارته وفنونه يساعد في ترسيخ دعائم العلاقات الثقافية بين ربوع العالم الاسلامي ، ويؤكد الشعور بوحدة المسلمين. وفي هذا الكتاب «كنوز» تتوسع "ائرة التعريف بالحضارة العربية والاسلامية عبر المصوغات التي لم تأخذ نصيبها الذي تستحقه ولم تتناولها البحوث بما يتكافأ واهميتها كوثائق مادية على عبقرية الحضارة العربية والاسلامية.

وفي الوقت الذي لا نستطيع فيه استنطاق الصاغة الذين ابدعوا التحف المعروضة في هذا الكتاب ، فأضافوا الى التراث الانساني الاسلامي ، فإننا نستشف من خلال المصاغ روح العصر بفلسفته واقتصاده ومستوى تقنياته ، وكذلك المجتمع ونمط تفكيره واذواقه ، كما ان الصياغة فعالية انسانية تمثل ابداع الصاغة والفنانين من جهة ، واحتياجات المجتمع من جهة ثانية.

يضم هذا الكتاب مشات النماذج الصياغية لمواد متنوعة للاستخدام المنزلي واسلحة وحليا من شتى اقاليم العالم الاسلامي مما يمتع القارىء ، ويشده لمتابعة أفانين التقنيات الدقيقة والزخارف الرقيقة التي تطفى على القطه المسوغة ، والمواد المزخرفة بابداع واصالة تثير بواعث الدعوة للحفاظ على التراث الاسلامي وجمع ما تبقى منه ودراسته واستيحاء ايجابياته ، بعد ان عاث جهل الدهر به ، وتعرض لضروب الضياع والتخريب والتذويب.

ان اهم ما يتسم به كتاب «كنوز» هي سمة التكامل ، فهو يشمل مصوغات تمثل جميع الاقاليم الاسلامية ، فيمتد على رقعة جغرافية واسعة من العالم الملايوي شرقا ، عبر وسط وغرب آسيا ، ثم شبه جزيرة العرب حتى افريقيا ، دون اغفال الوجود الاسلامي في اوروبا ، سواء في الاندلس وصقلية ام في دول البلقان ، وبالنسبة للعمق التاريخي هناك تحف مصنوعة من مختلف الفترات التاريخية الاسلامية ، ويمتد هذا التكامل ليشمل جل ما صنع من هذا المعدن النفيس ، اذ لا يقتصر كتاب «كنوز» على الحلي بل يشمل السيوف والخناجر والمسكوكات والاختام والنياشين ، الى جانب المصوغات للاستخدام اليومي كالمباخر ومرشات ماء الورد وصفوف الصحاف والاراعي والاواني والاكواب والعلب وغيرها.وتأكيدا على التكامل فان الكتاب يستعرض اللغة الزخرفية للفنون الاسلامية من زخارف كتابية وهندسية ونباتية وآدمية وحيوانية. وجميع التقنيات الصياغية التي أتقنها الصاغة ، ونفذوا بها المسوغ الاسلامي ليخرج بهذه الجمالية المتميزة والذوق الراقي. ولا شك ان ربط القارىء بين النص المدون والصورة الملونة ستزيده معرفة ومتعة روحية وجمالية. كما تساعده في فهم هذا الجانب من التراث الاسلامي والانساني، اضافة الى انها تضع بين يدي المهتمين مرجعا يتزودون من خلاله بمعارف تساعدهم في تشخيص نسبة التحف الصياغية الاخرى. كما انها تقدم للصاغة المعاصرين منبعا ثريا من النماذج والزخارف والرموز التي يستوحون منها الجديد ويبتكرون تحف هذا العصر للقرون القادمة : افكار جديدة ، تصاميم حديثة وتقنيات معاصرة ، من الماضي الى الحاف الى ونحو المستقبل ، لكي لا ينقطع خيط التواصل ولا تتوقف مسيرة التطور الاقتصادي المدعم بالبعد الثقافي والفني، ومنه بعث فنون الصياغة الاسلامية على اسس معاصرة.

من خلال ذلك نأمل ان يشجع هذا العمل على ايجاد السبل اللازمة للاستفادة من التراث الصياغي المهمل في بلداننا الاسلامية. وكذلك من الكم الهائل لتحفنا الفنية المنقولة التي تحتفظ بها خزائن الغرب ومتاحفه. والتي تمثل كنوزا ثمينة ، وتشكل كتلة اساسية للتراث المادي الفني الاسلامي ، وذلك بشكل مباشر وليس من خلال دراسات بعض المستشرقين والمستغربين غير المصنفة. كما نأمل ان يحفز هذا العمل الباحثه إلاثراء وتعميق وترسيه الدراسات المتخصحمة بالتصور الاسلامي للفنون ، وطرق الاستفادة منها ، ونشرع الرؤية الجمالية الاسلامية التي كونت ، ولا تزال ، الذوق السائد في المجتمعات الاسلامية.
* نحو الاخر

س : هل كون الكتاب منشورا باللغتين الانجليزية والفرنسية يكفي لان يخاطب القاري، الغربي؟

ج : الانسان واحد في كل زمان ومكان ، مخلوق ينشد السعادة وتعزيزها عب التقدم والتطور. ولكن طالما سممت الفئات الحاكمة هذا الاتجاه الفطري لدى الانسان. ومن ذلك انه ، ومنذ قرنين واعلام الغرب يكثف عمله من اجل تغريب المادية ، وكأن الكرة الارضية ملك للغرب وحده. وللاسف فقد قلدت فئة من المسلمين الغرب بخنوع وذل ، فضيعوا قيمهم وتقاليدهم وعقيدتهم ، واصبحوا وكلاء محليين للجانب الاستعماري من العمل الاستشراقي وبإدارة غربية ، على أساس ان هؤلاء المسلمين المتغربين أمضى اثرا في تخريب مجتمعاتهم اقتصاديا وثقافيا من المستشرقين.

لا شك ان هناك جوانب من "الآخر" مفيدة ومتطورة الى ابعد الحدود ، خاصة في مجالات العلم والتقنية ، مما لابد من اقتباسها والافادة منها ، شريطة الحفاظ على الهوية الثقافية الاسلامية. وهذا منهج اسلامي اصيل اخذ به المسلمون منذ فجر الدعوة.

في نفس الوقت رسم اعلام الغرب ، ولا يزال ، صورة للعرب والمسلمين مشوهة ومختلقة ´لاسطورة الخطر الاسلامي في الشعور الغربي جعلت مجتمعات الغرب تعادي كل ما هو عربي ومسلم حتى أضحى الاسلام في الغرب صنوا للارهاب ، وذلك دون وعي الانسان الغربي بالحقيقة ودون محاولة منه لمد جسور الحوار والثقة والتعاون.

والغريب ان اعلام المسلمين ومؤسساتهم الثقافية والادارية وقفت ولا تزال في جل الاحيان موقف المتفرج على هذه الصورة الزائفة والمهيمنة على العقل الغربي التي ادت الى احتقار الاسلام وكره العرب والمسلمين ، بينما الاعلام الاسلامي مطالب بالتقدم بمبادرة استراتيجية متكاملة وهادفة للرد على خطط الاعلام الغربي وتوضيح الصورة الحقيقية للاسلام ونظامه الرائد كدين وفكر وفن وتطور وتجديد وابتكار وكدعوة عالمية توحيدية ومتكاملة هي تواصل لليهودية والمسيحية ، اذ ان المسلمين وحدهم يجمعون بين العزة للاسلام والتسامح مع اتباع الديانات الاخرى. خاصة ان التاريخ يقدم للمسلمين الآن فرصة ذهبية لان النمط الحضاري الغربي المعاصر ، برغم توافره على جميع أسباب الرفاه والتطور التقني فانه يعاني من ازمة خانقة وخواء روحي مرعب.

ان ما يضمه كتاب "كنوز" ، من نصوص اكاديمية ومشات الصور الجميلة لتحف صياغية اسلامية يخاطب المجتمع الغربي عبر الفن المعبر المادي عن ثقافة الشعوب والاقوام الاسلامية وتراثها. والدليل المادي يختلف عن الخطاب الادبي والسياسي. اذ ان للادلة المادية دورا حاسما في ضبط الميزان الصحيح للرأي العام. وعندما لا يستطيع المرء التعبير بالقلم واللسان يكون المنتج الفني عجزا ماديا يدركه العقل بلا وصف ، اذ ينتقل تأثيره من التحفة الى قلب المتلقي وروحه ، متحديا بذلك عجز اللغة وقصور الاعلام.

وبذلك يتصدى هذا الكتاب ، وبشكل مباشر ، لحملات التشويه الغربية ويسلط الضوء على زيف الشبهات التي يثير الاعلام وبعض المستشرقين ضد الاسلام ، ويحسن صورة الحضارة الاسلامية في العرب عبر المصوغ ، وهكذا فان الاطلالة التي يطل بها "كنوز" هي المصوغة ، وبقدر ما هي صغيرة فهي معبرة. انها اصغر الدلائل المادية على عبقرية الحضارة الاسلامية وفرادة فنها. انها مصوغة المسلمين التي تحمل في طياتها فائدة استخدامها وتقنية صناعتها وجمالية اخراجها بروح جذابة وألوان مشرقة وضياء اسلامي جذاب.
* رموز ودلالات

س : تشتمل المسوغة الفضية الاسلامية على عدد من الرموز المرتبطة بتفسيرات ذات دلالات محددة ، هل يمكن لك ان توضح لنا ذلك ؟

ج : يعته م الهلال والنجمة والكف من أشهر الرموز الفضية الاسلامية ، فقد اتخذ كل من الهلال والنجمة رمزا في الحضارات القديمة ، كما هو الحال لدى السومريين والبابليين والاشوريين ، كما عرف الهلال لدى الاغريق والساسانيين والبيزنطيين ، والعرب قبل السلام. وشاع زخرف الهلال والنجسة ، مجتمعين او منفردين ، في الفنون ، ومنها الصياغة ، في مختلف بقاع الاسلام ، خاصة وان الهلال رمز اسلامي يشمخ على قمم المآذن وقباب الجوامع والمساجد. واول ما ظهر الهلال رمزا اسلاميا كان على واجهتي المسكوكات العربية الساسانية ، مصحوبا بنجمة خماسية منها عملة ضربت بدمشق في عهد الخليفة عبدا لملك عام 75 هجرية – 5 69 ميلادية. وزخرفت بالهلال الاسلحة البيضاء التي كان اشهرها الهلال والنجمة التي تحلي مقبض سيف الامام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه المعروف بسيف "ذو الفقار"، ويشيع رمز الهلال في الحلي عند المسلمين كالأقراط والمعلقات والدلايات. وخاصة الفاطمية وكانت المنشآت الدينية في المدن الاسلامية المهمة مثل القدس واسطنبول والجزائر تطوها أهلة.

ومنذ عهد السلطان سليمان القانوني صار الهلال والنجمة من سمات الفن العثماني ، وظل شكلا زخرفيا لدى الاتراك العثمانيين ، ولم يصبح شعارا رسميا إلا في نهاية القرن الثاني عشر للهجرة. وفي القرن التالي اصبح الهلال المصحوب غالبا بنجمة خماسية رمزا مهما في العالم الاسلامي، ومنه ما يزين عددا من الرايات في البلدان الاسلامية حتى الوقت الحاضر. وفي فنون المسلمين ، خارج الاطار الرسمي ، يزين الهلال كأحد المفردات الزخرفية ، الحلي والسلاح والنقود والصحاف وغيرها من التحف.

اما الكف ، فبرغم شيوعه كعنصر زخرفي في عموم العالم الاسلامي ، فانه كان معروفا قبل الاسلام كتعبير انساني بدائي عن دفع الشر. فقد استخدمه البابليون والفراعنة والفينيقيون واليونانيون والرومان وقدماء الهنود

كتعاويذ ضد العين الشريرة والحسد ، وهو اعتقاد لا يزال شائعا في عدة مناطق من العالم ، كما في شمال افريقيا وسوريا وفلسطين والعراق والهند وايران وجنوب اوروبا ، حيث يتواصل نقش الكف في فنونهم الزخرفية ، غير ان الباحثين عن التحليلات المتنوعة والباس الرموز لبوسات طريفة ، وضعوا في هيئة الكف ما يتعلق بالرقم خمسة كالصلوات الخمس واركان الاسلام الخمسة وحواس الانسان الخمس. وذهب آخرون الى اعتبار الكف رمزا لكف النبي منم أو كف عائشة او فاطمة رفي الله عنهما كما في المغرب ، او كف العباس رفي الله عنه كما في العراق ، اضافة الى تسميات كثيرة ومتنوعة. لكنني لا اعتقد بهذا المجال الواسع من التفسيرات ، فالكف وحشد من الرموز السياغية الاخري هي مجرد تتابع معتقدات غيبية وسحرية كانت موجودة منذ مشات وآلاف السنين ، واخذها الخلف عن السلف بتوالي الاجيال في المجتمعات الاسلامية معتقدا للحماية والوقاية. فقوة الاعتقاد تكمن وراء تواصل واستمرارية الكف ، وليس في التفسيرات التي يولع باقتراحها الباحثون وبعض الانثروبولوجيين الغربيين.

* خناجر واختام و…

س : ما هي ابرز المصرفات الفضية الاسلامية التي تؤرخ لمراحل الفن الاسلامي ومازالت محتفظة بأشكالها حتى اليوم ؟

ج: يمكن اعتبار السلاح الابيض من خناجر وسيوف ابرز المصوغات التي استخدمها المسلمون بشكل واسع ، ولا يزال الخنجر في مجتمعات المغرب واليمن وعمان والقوقاز وكردستان والهند والملايا ، ليس أداة توضع بعيدا في الخزائن وانما يستمر فعلها كرمز مهم في دلائل الرجال وجزء من الزي والثقافة المحلية يشير الى الوضع الاجتماعي للرجل والى انتسابه الاقليمي. والخناجر والسيوف من المواد المهمة في الاحتفالات الرسمية والاستعراضات والمناسبات الخاصة والرقص الشعبي. وبعض الخناجر تتوارث عبر الاجيال وتعتبر من افضل ما يتبادله الرجال من هدايا. ويفضل استخدام مقابض وحيد القرن في قبضات السيوف والخناجر في عموم العالم الطبيعي. وللخناجر المغربية – مثلا -زخارف مختلفة تبعا لمراكز صنا عتها. وتعتبر السوسية اكثرها تنوعا وشيوعا، وتدعى "كمية "، وهو شكل معروف منذ عدة قرون. اما "السبولة " فاسمها مقتبس من السنبلة ، وهي ذات نصال قوية ومستقيمة وطويلة ، وتتميز السيوف المغربية باخراج مقابضها، حيث تتكون عارضة المقبض ، من أربع واقيات : اثنتان من كل جانب ترتفع احداها نحو القبعة فتلتصق بها مكونة تشكيلا جميلا.

وتنفرد خناجر شبه جزيرة العرب بزخرفة الاحزمة الحاملة لها بالفضة المصحوبة بعدة محافظ ، وتختلف الصورة الفنية للخناجر تبعا للمناطق ، فللعماني شكل معقوف على هياة زاوية قائمة ، ويميز السعودي بضخامته وقوسه المنساب ، اما اليماني فاكثرها اثارة ، نتيجة الارتداد الحاد لأخمصه نحو الأعلى وزينته بكتل مجسمة ، وتحمل بعضها كتابات طريفة مثل "ملبوس العافية ".

وفي غرب آسيا تسترعي قطع السلاح العثمانية انتباها خاصا لاشكالها الفريدة ونماذجها المدهشة وزخرفتها وجمالها. ومنها سيف السلطان سليمان القانوني الذي صنعه "سنان"، أحد أمهر الفنانين العثمانيين ، وقد نتش عل وجه نصله "هذا حسام معتبر حرز سلطان البشر السلطان سليمان بن سليم الله يعطيه الظفر": وفي فارس ذاع ميت الاسلحة البيضاء لرقة واناقة اخراجها ، خاصة تلك التي انتجها الفنان الحاذق أسد الله اصفهاني، امهر صناع السيوف ، عمل خلال حكم الشاه عباس الصفوي الكبير.

والى جانب التنوع المدهش لاسلحة الهند فقد انتج العالم الملايوي في ماليزيا واندونيسيا وبعض اجزاء القلبين خنجر "الكرس " المثير بفرادته

وروائع زخارفه وخاصة بالنسبة للقبضة والغمد. ويتواصل الشكل التقليدي لهذا الخنجر منذ اكثر من ستة قرون ، ومنه نماذج موشحة بنصوص كتابية عربية ، وخاصة العبارات الدينية.

بالاضافة الى الخناجر والسيوف هناك الاختام الاسلامية التي تحمل نصوصا كتابية تشير الى مالكها ، اضافة الى زخارف متنوعة كالنجمة او الهلال او مفردات توريقية. ومعروف ان اول ختم فني معروف في الاسلام هو ختم الرسول (صلى الله عليه وسلم) الذي يرن مثقالين وقد نقش عليه "محمد رسول الله " وكان عليه الصلاة والسلام يختم به رسائله الى ملون عصرا داعيا اياهم الدخول في السلام. وقد صنع الخلفاء الراشدون ابوبكر وعمر وعثمان وعلي خواتم تحمل أختاما خاصة بهم. الى جانب خاتم الرسول الذي توارثوا واحتفظوا به تبركا ، حتى فقد من عثمان ، وقيل انه سقط منه في بئر أريس في المدينة المنورة. وتوارث الحكام والخلفاء هذا التقليد.

أما بالنسبة للميداليات والاوسمة والنياشين فقد كان العرب ولا يزالون يتبعون اسلوبا خاصا في تمييز الاكفاء والطيبين من الناس ، وذك باطرائهم ومدحهم. وتطور اسلوب المديح هذا الى الخلع والنياشين ، كما هو الحال لدى الاندلسيين. فقد كانت منتجات دار الطراز بترطبة من الثياب النفيسة مما يخلعه الخليفة على قواده وما يرسل هدايا الى ملون اسبانيا المسيحيين ولمن حسن بلاؤه من المسلفين في الحروب كنياشين لهم. كما ان سلاطين آل عثمان يوزعون على الوزراء. وغيرهم من سراة القوم ، في مناسبات معينة ، ملابس من الحرير والقطيفة مملاة بخيوط من الذهب والفضة.

أما في العصر الحديث فقد حظيت الاقطاع الاسلامية بمجاميع من القلائد والأوسمة والنياشين والانواط التي صنع كثير منها من الفضة والذهب والاحجار الثمينة ، لكنها ، على العموم. لا تمثل الا صدق لأفكار وتصاميم الغرب ومسايرة لأساليبها.

* د. سعد محمود الجادر.

– ولد ببغداد سنة 1941.

– أنهي دراسته الثانوية في بغداد.

– أكمل دراسته في معهد موسكو للهندسة المعمارية.

– حصل على شهادة الدكتوراة في التخطيط المعماري سنة 1969.

-عمل في حقل التخطيط الاقليمي وتخطيط المدن في كل من اليونان وليبيا والجزائر وابو ظبي وفرانكفورت وبريطانيا. ويقيم الآن في الرباط – يجمع الجادر مع حرفته. هوايته في جمع التحف الفضية الاسلامية ، وكون منها مجموعة تفوق الاحد عشر الف تحفة فضية.

– عرضت اجزاء من مجموعته الفريدة في كل من لشبونة والخرطوم والرياض وستكهولم وكوالالمبور، وبقيت معظمها محزونة و" حبيسة " لدى البنوك الاوروبية.

– تخصص ، اضافة الى ذلك في ميدان البحث في موضوع الفضة الاسلامية ، ونشرت له عدة مقالات وبحوث وكتب واهم مؤلفاته في هذا الموضوع :

* الفضة العربية الاسلامية – صدر عن دار ستاسي العالمية / لندن – 1981.

* زخرفة الفضة والمخطوطات عند المسلمين  صدر عن مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الاسلامية – الرياض 1988م.

* الفضة الاسلامية -صادر عن متحف حضارات البحر المتوسط في ستوكهولم 1989.

* الفضة وتقنيات الصياغة الاسلامية – صادر بالدار البيضاء 1993.
 
أجرى الحوار: فراس عبدالحميد
(صحفي وكاتب عراقي مقيم في المغرب)

شاهد أيضاً

كارين بوي عيناها مصيرها

شعر الشاعرة السويدية كارين بوي كما حياتها يُعنى بأسئلة بسيطة : كيف نعيش وكيف يجب …