أخبار عاجلة

حول نصوص شعراء العدد(51) من مجلة نزوى

  ليس للشعر حدود يقف عندها، لطغيان عواصف الانزياح العاطفي المتمرد على كل العوائق الزمكانية. وعليك أن تتوشح برداءٍ من عبق إنساني كي تحقق اتصالاً عميقا مع ما وراء بنى النص المنظورة. إذْ ليس القراءة الجادة رغبة عابرة لقتل الوقت، أو لكسر الملل الذي عادة ما يلازم إنسان العصر. إنها عملية معرفية خالصة تتطلب جهدا حثيثا لمتابعة ما يستجد، بحثا عن منجزٍ مضاف للثقافة الإنسانية شديدة التناسل. ولتوفر العدد51 يوليو/2007 من مجلة نزوى لدينا، أغوتنا نصوص الشعراء العرب المنشورة فيه على قراءتها، لما تتوفر عليه من محرّضات للتناول القرائي. فعملنا جهدنا في تأمل جنان بوحها، ومن ثمّ الوقوف عند بعض ملامح ورشها الاشتغالية. وذلك سعيا منا لتحقيق بعض ما نصبو إليه من تطلع رؤيوي على مستوى حداثة النص. وارتأينا إجراء فحصنا النقدي وفق أربعة عناوين ثانوية، يشمل كل عنوان ثلاثة شعراء، وحسب تسلسل نشر قصائدهم في المجلة.

/١ النص الحافل بمغريات القراءة

ان هدف الوصول إلى فهم رؤية الشاعر المتخفية في النص الشعري، يتطلب مغادرة التلقي لكل مناطق تحديد مواصفات النص المطلوب. وذلك بفتح فسح شتى للعلاقات الممكنة مع مدونته، والتي تمنح كلاً منهما فرصة عرض ما يراه مناسبا من رؤى على الآخر. لتحقيق التوازن الإنساني المفترض في العلاقة الجدلية التبادلية بين طرفي الاتصال والتلقي (إن الإصغاء للقصيدة وتحليلها إلى أجزاء، هما فعاليتان مختلفتان كلياً. فالتأثير يعتمد على الفعالية الأولى، في حين أن الثانية تفسر ما يحدث للطبيعة البشرية، عندما تتعرض لمجموعة من المعايير تعرف بالأسلوب)(١).

صحيح أن الشعر يكتب للناس وليس للشاعر أو الناقد، ولكن هذا لا يمنع من جدوى توفر المهارة الأدائية لكليهما. وهنا تكمن صعوبة بل حرج كل منهما إزاء ما يقومان به من عمل يتعلق بالذائقة. وعلى كل منهما أن يتحلّى بقدرٍ من المرونة التي توصله إلى التعرف على نوايا الآخر. فإذا كان على الشاعر أن يبذل أقصى طاقاته الإنتاجية، ليحقق النص تأثيره في التلقي خلال عملية الاتصال. فعلى الناقد أيضاً(أن يبذل جهده لممارسة تأثيره على القارئ الاعتيادي لجعله على وعي بما يميز العبقري عن صاحب القدرات المتوسطة أو المتواضعة)(٢) ولعلنا نغامر بهذه العلاقة بوقفتنا النقدية عند نصٍّ واحدٍ فقط لكل شاعر من الشعراء المنتخبين لإجرائنا القرائي هذا. ونتمنى أن نجد في الجانب الآخر من يتفهّم حرجنا من مخاطر هذا التناول.

أول الشعراء هو الشاعر اللبناني (إلياس لحّود) في نصه (قصائد من المسرحية) المستبطن لعدة عناوين ثانوية. يرسم لنا الشاعر علاقة حبٍ، بلاغته الصمت وتلعب فيه الحركة دورا تشفيريا إيحائيا. إنه نص الصورة المتسمة بالغموض المنفتح على احتمالات تأويل شتى، تستدعي قارئا ماهرا منصفا لمنتجه المبدع. أننا أمام مشهد من العرض الصوري المعبر عن كونية العلاقة الإنسانية هذه (في المقهى/ على «بحر» النيل، اثنان يبتسمان (فقط ولأكثر من أزمنة، يبتسمان) يقتربان على طاولة الحب و…يبتعدان) وليس هذا فقط فهو يعيد كتابة المشهد الشعري في نهاية المطاف ليمنحنا فرصة تأويل أخرى عن كونية العلاقة، بوصفه يبتكر صيغة أخرى لها. إن هذا الانفتاح الحلمي على فضاءات بصرية جديدة يحيلنا إلى أزمنة وأمكنة آيلة للتشظي المنتج دلاليا (في المقهى، وعلى «بحر» النيل، اثنان (فقط ولأكثر من أزمنة شيّدت هرما، يبتسمان) يقتربان على طاولة الكون و…يبتعدان) الشاعر يتناول الكارثة العراقية من خلال استحضاره لرموز أدبية وفنية وسياسية/ نازك الملائكة/ علاء بشير/ غيفارا/ جواد سليم، عبر مواشجة متخيلة لعمق الكارثة وهول تأثيرها على هذه الرموز الإبداعية التي كانت ولا زالت تشكل جماليات الأمكنة العراقية التي شوهتها الأحداث. منتهيا بنا إلى استدعائه المبتكر لشخصية(جاستون باشلار) الذي بدا لنا قادما من عمق التاريخ الجمالي للفن وكأنه يدخل إلى مكان جديد لا يعرفه أحد فيه. هو لم يقل شيئا، بل آثر الصمت، وكأنه معجب بقول(جول فاليه) عن المكان (المكان أحالني دوماً إلى الصمت) تمكن الشاعر فعلا من أن يضعنا في مواجهة عوالم سريالية بهذه المشاهد المرسومة بذهنية نمّت عن كفاءة عالية في تحريض التلقي على التأمل الجاد في ما وراء الصور الشعرية العامرة بأسباب غموضها الإيجابي الشفيف.

تستوقفنا الشاعرة السورية (رشا عمران) بنصها المورق (وهبتني الحياة مفاتيحها) الذي تنقل به النص النسوي إلى مناطق عسيرة على الخوض فيما سبق. ليت باستطاعتنا مواجهتها بما لم تتمكن الكلمات التعبير عنه بالمرة. أية طاقة تكمن وراء هذه المخيلة الجنونية؟ وهي تكشف لنا عن مدنها الغريبة المنصاعة للجلوس على ركبتيها!! الشاعرة المبدعة هذه تطل على العالم من شرفة التساؤل والتقصي عما وراؤه. وهي بهذا تستعرض بسردية محببة عن حميمية علاقتها بالعالم المستبطن للأسرار (على ركبتي كنت أجلسُ/ مدنا لا أعرفها/ سكان تلك المدن/ لم ينتبهوا إلى غواياتي/ وأنا أحدثهم عن/ ليالٍ ملتبسة/ ليالٍ طويلة/ خبّأتُ فيها رأسي/ بين ركبتي) لم تكن تأبه لفضائحية الكشف عن تجاربها في الحب الجالبة للخسائر. الفوضى هي ما تلازم سلوكها للتعرف على غموض العالم بأمكنته وأزمنته وشخوصه وأحداثه.

ولكم ارتكبت من أخطاء التصور لتداعيات ما جرى وما يجري انطلاقا من أوهام البدايات الأولى (في الحب أيضاً/ أنحاز إلى/ رهانات خاسرة/ الشالات الطويلة التي/ طالما اشتريتها/ تصل بين رهاني/ وأوهام البداية/ يحصل هذا دائما/لأسباب لا أحاول/ فهمها) ويا لجمال ورقة التواشج الإنساني بينها وبين حبيبها التي تقبع قامته في الشرفة المواجهة. وبماذا يمكن أن نصف تدحرج قطرات المطر من أصابعها إلى جلد الحبيب؟! غير أنها تمتلك خيالا ابتكارياً خصبا وجريئا على رسم صور لا معقولة لتحقيق الدهشة الشعرية؟؟(هكذا دائماً/ يتدحرج المطر النازل/ من أصابعي/ نحو دروب جديدة/ إلى جلدك/ هل تمطر عندك؟!).

أما الشاعر الجزائري (سعيد هادف) فقد فرش أمامنا نصّاً مزركشاً بـ(أيقونات) متناقضة في انتماءاتها وأشكالها وإيحاءاتها (والأيقونة icona> في التعريف البيرسي، علامة تقيم علاقة مشابهة مع موضوعها نفسه)(٣). في النص تتكشف لنا روحه المشاكسة المتمردة على وجوده، الزماني والمكاني، راسما لنا تطلعاته الإنسانية لعالم تسوده الألفة. غير أن مشرطه الشعري الجميل يقشّر الظواهر القائمة فاضحا أسرارها الخفية بأسلوب الترميز المستقبل لتعددية التأويل. ومعظم الأيقونات تتقصّى عن الهوية الإنسانية التي مزقتها ضراوة الوقائع ومهاترات ذوي القرار والرأي فيها. وبمشهد درامي مبتكر يصف هول كارثة الموت المقصود للأبرياء الذين يتساقطون كل لحظة على مذبح نزوات الأنا الباحثة عن المجد الشخصي المقيت (رصاصة ليست طائشة من سياسةٍ طائشة/ تسكن جسد الضحية/ ومن حافة المعنى تهوي الجثة/ بلا حيثيات في قبرٍ بلا هوية) ولفرط معاناته من الشعور بالغربة في هذا الزمن الطارد لما هو إنساني، يتساءل عن معنى المكان الذي طرد منه، بسبب الحب. لا يمكن لأيّ كائنٍ فقد حاسة الشم أن يتبيّن رائحة المكان الذي هو فيه، حتى لو كانت الرائحة زكية. وباستعارة رياضية بسيطة عن استحالة تطابق المستقيم والقوس، يسوق سؤالا ساخرا عن معنى الوطن، بالنسبة لذهنٍ شوّهته المعاناة (واحدٌ من فرط حبهِ للوطن صار بلا وطن/ وفي متاههِ المضاعف تساءل بتفلسف ساخر/ كيف يكون الوطن طيب الرائحة أمام أنفٍ مجدوع؟!

كيف يستقيم معنى الوطن في ذهنٍ مضغوطٍ على شكلِ حدوة؟! ويرمي بوجهنا استغرابه من الواقع اللا معقول الذي تعيشه أمة العرب، حيث لا يفكر أبناؤها بعمق في المعضلات التي تواجههم. لانشدادهم لأوهام توارثوها من الذاكرة الجمعية المأسورة بمحاذير التعامل مع الآخر. أمة تأكل أكثر مما تنتج، وعاطلة عن العمل والأمل في آن، وتجد في التطور العلمي والتقني، تهديدا لوجودها القائم على هرم الولاء للطوطم المانع للتفكير( عجباً…!/ من مباهج طنجة حتى محاسن أبها/ أمّةٌ تسابقُ أممَ البرقِ على ظهرِ مقهى).

وبهذا نكون قد أجرينا جولة فاحصة لثلاثة نصوص ذوات فضاءات خصبة بممكنات شتى للتناول القرائي المنتج لتعددية التأويل. ونؤكد جازمين بمتعة جولتنا هذه لأنها منحتنا فرصة تأويل نصوص حافلة بشتى مغريات القراءة الجادة.

٢/ تشظّي الذات الشعرية على جسد النص

عندما ترتطم (ذات) الشاعر بالذات الكبرى-العالم- تتشظى في النص ذوات شتى باحثة عن الجوهر النبيل للذات الإنسانية. فيما يأتي دور التلقي لاكتشاف صداها في ذاته المنشغلة بخروجها المفترض من أسر عراقيل انفتاحها على ذوات النص الماثل. وذوات النص هذه ربما تكون ذاتا واحدة تشظّيها الأزمنة والأمكنة والحوادث، لتنبري حيوات نصية مبتكرة موزعة على مستويات شتى في ثغور النص. ولربما تتقمّص الدور النبيل للجماعة الإنسانية والدور المناوئ أيضا خلال اتصالها الشعري مع التلقي. وهذه الذوات ليست كلها في نسق واحد في علاقاتها مع التلقي، فقد تتعدد اتجاهاتها ومراميها وأشكال مثولها أمامه. وقد يشهد التلقي صراعها في جسد النص، غير أنه في النهاية يفترض لها صراعا وخاتمة في مخيلته المنتجة لنصوص ما بعد التلقي. إن نجاح عمليتي الاتصال والتلقي في الشعر، يستدعي شاعراً وقارئاً يعيان دورهما الإيجابي في هذه العملية. فالأول عليه أن يوفر محرضات متعة الثاني خلال عملية الاتصال، لأن (الشعر في الأساس هو مرتبط وبشكل لا ينفصم بعملية تزويد القارئ باللذة، وإذا ما فقد الشاعر القارئ الذي يبغي اللذة والسرور فإنه سوف يفقد القارئ الجدير بالاهتمام به)(٤). بيد أنّ هذه المتعة لن تتم على الإطلاق، لو لم تتوفر حيادية كل منهما تجاه ذوات النص، وهذا ما وجدنا في هذه النصوص المنتخبة للشعراء أدناه.

الشاعر المغربي القدير (أحمد بلحاج آية وارهام) وفي نصّه (كأصابعِ المساء) يستدرجنا بمهارة لمتابعة صراع ذاتهِ الشفيفة مع الأمكنة والأزمنة والحوادث. ويحيلنا إلى الشعر الحر الذي لا يفرط بالتفعيلة، لكنه يتقن مهارات تشكيل الصورة الشعرية ذات الكفاءة الأدائية العالية في البث الإيحائي. ويفشي عن ملكة إبداعية في تطويع لغته الثرّة لكشف رموز مرجعياته البيئية والحسية والذهنية المؤثرة والفاعلة في عملية إنتاج النص ومثوله أمام التلقي (رموزٌ/ مناقيرها في شِعابِ الفؤادِ/ تُنَصِّبُ أبياتَها لغةً/ حينما/ زهرةُ اللوتسِ أجلَسَني/ في ترائِبِها/ طائرٌ من حُدُسٍ/ له في فمي حلمةٌ/ من ثديِّ الغروبْ) وما ينبض في كيانه رغماً عنه، مهدُ طفولته وحقل صباه، وبيت تطلعه ورؤاه، وطنه ملعب كبريائه المعفّر برفيف أجنحة أحلامه. وطنه الغريب عنه وفيه، لحظة عودته إليه هي لحظة ولادة جديدة في هذا الوجود المظلم. ولحظة تحقّقِ أمانيه العبقة من جنان كيانه الجديد التي تشكّلت أروقته من رماد أمكنة الغربة وخرائبها التي لسعته بلهيب حرائقها الخانقة (ليمطرَ على حجر الضوءِ/ هذا المساءْ/ دَمي وطنٌ/ فيهِ تبني الطيورُ خرائطَ/ ما تشتهي الكبرياءْ/ إليهِ تعودُ فراديسُ كينونتي/ من منافي الخرابِ…) وبرقة رومانسية يبتكر صورة لولادة ذاتٍ طالعة برقةٍ تنمُّ عن نبل مساعيها ودفءِ تطلعاتها. أحاسيسه ومشاعره الجياشة والحالمة بنت له عرشاً على تويجات زهرة اللوتس المقدّسة؟! ليصير وليداً متألّقا كنغمة حروفها ملونة تدهش العيون (على شفة اللونِ أولَدُ/ ينقلني النورُ موجَ هديلٍ/ لبابِ البصَرِ/ كما لو بذاتي/ يغتَلِمُ البرقُ/ أو يتَبَقْبَقُ ما أضمرَتْهُ السّرائرُ…).

بينما تأخذنا الشاعرة السورية (إيمان الإبراهيمي) في نصها النثري (مضى… منذ..ها) إلى لعبة صورية مفترضة، بيد أنها إيحائية ومشاكسة في آن. الشاعرة العفريتةُ هذه، ليست على ما يرام مع وجودها القامع لمحرضات توهج رسالتها الإبداعية والإنسانية معاً. تعتصر ذهنها محاولة منها لإخراج عفريت الكلام، ولكن دون جدوى فاللعين تفر من شفتيه الحروف موقعا إيّاها في فخِّ الخرس(أرجٌّ القارورةَ جيداً/ غبشُ القارورةِ يُغريني/ بإطلاقِ كلماتٍ تشبهني/ أصابعي تلجُ عنقَ الزجاجةِ/ مهلاً مهلاً/ آهٍ/ لقد أضَعتُ الكلماتِ/ تبخّرتْ/ في المرةِ القادمة سأضعُها في…/ لنْ أقولَ حتى لا تتسرّب/ أو تلتصق بغيرِ أصابعي) وهي تعي تلك التجربة الجسدية بصورها الجنونية اللذيذة، التي تحولت إلى ذكرى جميلة جالبة لدوام سعادتها مدى العمر. ولعلها ليست جديدة ومتعارف عليها، غير أنها ذات تأثير بالغ العمق على حياتها. بوصفها تجربة حب شخصية خالصة، ولا يمكن لغيرها استحضار تفاصيل وحيثيات وقائعها بنفس الدقة والطزاجة. كانت بالنسبة لها تشبه حلما خاطفا ملونا وملتهبا بلظى المشاعر والأحاسيس العارمة والتي منحتها سعادة غامرة قلّ نظيرها(أتمكن الآن من المضي/ في حلمٍ حنونٍ يشبهها/ العنق السّاخن/ الفخذ المرتطم بشجرتي الصغيرة/ اليد المغروسة بظهري/ سعادتي فيها فاقت كلَّ/ سعادةٍ بأيةِ لحظة حبٍّ أخرى) وبهذه الجرأة تقف شاعرتنا في منطقة مزدانة بعتبات مروق وانزياح المشغل الشعري النسوي صوب آفاق الحضور المنتج لمنجزٍ معرفي اكتسب خصوبة منظومة بثّهِ من استبطانه لشتى فراديس إغراء التلقي على قراءته وتأويله. وبلعبة أخرى تنبؤية وكاشفة لما يأتي من أزمنة وبروح مطمئنة نالت خبرة التخطّي ونهلت من كنوز التجربة، تنبري أمامنا بسمو تطلّعها، وهي تتحلّى بطاقات قدرتها على تحمل حرقة ما فات (ربع قرنٍ آخر/ وأمزّقُ صوري الجميلة/ أطحن بعضَ القرفة وحبَّ الهالِ عليها/ وأمَرِّنُ لساني على لعقِ الماضي/ مهما كان لاذعا).

ماذا بعد؟! سؤالٌ نعيده للشاعرة العمانية الجادة (فاطمة الشيدي) لنعلن أسفنا على انتهاء نصها (رقية الحيوات السرّيّة) ونفشي رغبتنا بإعادة قراءته بالمقلوب علّنا نتمكن من تسلّقِ نداءاته المتعاقبة الخارجة بهذا التّدفق الباهر من عيون مشاعرها الحرّى، آملين الوصول إلى جمرات ثغرة الكلام. في مقطعه الأول لا يخامرنا شك بأنها كتبته بانصراف تام لما هو معرفي في الاشتغال الشعري. فهذا الانثيال المحموم من مواقد الحنايا، والمستنطق لمحرضات رؤى المخيلة الشعرية. لهو جدير بالتأمل القرائي المدجج بما بعافية التخيل، والمنطلق من وله التعرف على مكنونات النص وأسراره الغافية على وسائد الحلكة (تلدنا الصرخة طازجي الرّعشة خارجها.. فيما نجاهر الكونَ ببقاياها المتخثّرة على جروحنا المفتوحة/ لا مساحات تستوعبنا لنتسمى بها/ الأشياء المبهمة ترفض أن نتشبه بها/ لتستضيفنا المسميات/ فنمرّ عراةً من الأسماء كالأشياء التي لا تقف) المقطع الثاني فيه مناجاة حميمية لجوهر الحياة الغائب عن المثول، وهي أشبه بابتهالٍ أبدي خارج من أفواه حيوات يساورها شبح الانقراض الأكيد. ولعلها في هذا الاستبصار الفلسفي لمعنى الوجود الزمكاني المنحصر بين الولادة والعدم،  تستحضر نصوص ما قبل النص المدون، لتنسكب خرائطها المحرضة لمنظومة البث (أيّتها الحياة/ وزّعي أحجامنا على قامتك الفارعة كالضوء/ كوّري صراخنا في حنجرة ناي/ ادفعينا مع خفقة عصفورٍ يفنى على حدِّ مِديَةٍ إلى أعلى) ولن تقف عند هذا بل تحاول الكشف عن وجدها الذي لا يقاوم لكل ما هو إنساني نبيل. فيا لقلب الشاعر الحنون المنغرز في ترائبها المزدانة بالرحابة والعفو عن العتاة الذين نبشوا برماح حروبهم بياضَ الأعالي. تطلب لأعاديها السماح لا الفناء لفرط ما تستبطنه جوارحها من عبق المودة للآخر الذي استبد والذي أفرط في أساه(ولا تحاكمي الطغاة الذين ثقبوا عين السماء/ لتتساقط الدماءُ من خصور النجوم/ وفقط/ شرّدي الحنينَ خلفَ قضبانهم الهشّة) وبهذا نظن أننا كنا حياديين في إطلالتنا هذه، على نصوص كانت على درجة عالية من الكشف الحيادي لأسرار ذوات تصارعت على جسد التدوين المغري بجدارة المشتغل ومهارته في استدراج التلقي على التواصل معه حتى النهاية.

٣/ الرؤى المعلقة في سماوات النص

التنبؤ ميزة الشاعر الأصيل، وبدونها يتحول إلى كاتب غير مغرٍ لقارئه المفترض المتصف بجدية الفحص والتناول. وهذه الميزة ليست بالجديدة على المشغل الشعري، فالشاعر منذ الأزل كان رائيا يستبصر الآتي ويرشد الجماعة إلى المؤشرات التي من شأنها أن تنبئ عن المتوقع الذي يمكن أن يحدث. فهو بقراءته للعالم الذي حوله يسعى جاهدا لافتراض عالمٍ آخر يكون بديلاً مجدياً له. وعملية القراءة هذه تستدعي استحضارات أولية للمّ شتات نصوص ما قبل التدوين والخروج منها بنص جديد فيه من التنبؤ والتطلع الرؤيوي الذي يغري التلقي على التواصل معه بوصفه يحتمل الكثير من الرؤى الجديدة غير المعروفة. ونحن شئنا أم أبينا فان الكتابة ومنها الشعر-رغم جنوحه العاطفي- هي عمل من أعمال الفكر الإنساني اللغوي في بحثه عن الحقيقة. وهذا ما نقرأه في محاورة (فيدروس) اليوناني عن النفس البشرية حين تفكر (إن الفكر خطابٌ توجهه النفس إلى ذاتها، فالنفس حين تفكر لا تفعل شيئا سوى محادثة نفسها، سائلة ومجيبة، مؤكدة ونافية، إن الحكم يتم حينما تنطق به بصدد موضوع، الحكم إذن هو النطق والرأي والخطاب الملفوظ لا صوب الآخر وبصوت جلي، ولكن في دخيلة النفس وفي صمت)(٥). تلك هي نفس الشاعر في حديثها مع المتلقي التواق لمعرفة هذا الحوار الذاتي الرؤيوي للنفس، الذي يسمى الخطاب الشعري. ونسعى في وقفتنا النقدية هذه إلى تلمّس بلاغة الصمت ونتحسس انثيالات معانيه على بياض الورق، في النصوص التالية.

أول هذه النصوص هو(برتقالة ترفع حيطانها للضوء) للشاعر اللبناني (شارل شهوان) الذي بدأه بسياق سردي لا يخلو من تأملية عميقة في وجود يحاصر الشاعر بأمكنته التي أشبعته غباراً ودماً (هكذا تقدّمَ العالم كوجبة غبارٍ دامية) مخيلة الشاعر تستعيد ما فات من علاقة حب مؤلمة كان فيها الخاسر الوحيد لأنه ما نال منها سوى الغيظ والحنق. الاستعادة المؤلمة هذه لفترة اللهو والصبا وبهذه المرارة الموجعة عن الخطأ الذي ارتكبه في تلك التجربة، يجد فيها مخرجا مقنعا له على الأقل من حالة الإحباط العاطفي المقيتة( لم يكن مضنياً البتة أن نغرم جميعنا بفتاة واحدة/ وأن يقفز أكثرنا دهاءً كعفريت فوق رؤوس الجميع/ حين لقّنتها صفّارتنا نحن أولاد الأزقة/ سال ريقها بين شفتي/ فوق شرفتها تأرجحنا/ وكان صدرها أملس كصبي فاتن) إن هذا الشعور بالخذلان طافحٌ من ثنايا النص وهو ينبع من وصف لحادثة سقوط من على دراجة هوائية ولا يمكن لأي أحد الوصول إلى أدق تفاصيلها إلاّ إيّاه. وليس أمامه إلاّ بتشبيه نفسه بالغراب الذي يستحضر ذكرياته الموجعة والحالكة( قاتمة غير لمّاعة هي ذكريات الغراب/ ستعدم هذه المدينة لحظتما يستكين انهيارك/ وتلك الهيئات المكسورة/ …سحقاً، اللعنة فليحتضن الشيطان كلّ ما هنالك) ويا لليأس الذي يتعالى من مواقد بنى النص الجوانية، صور لا معقولة تتعانق أمام عيني الشاعر. صور ربما تكون مقنعة في لحظة وربما هي ليست كذلك في لحظة لاحقة. ولعلنا نوشك على التعرف على مشاعره المتضاربة إبّان تلك اللحظات وهو يواجه رعب حيثيات المكان (عاجزاً مثل شجرة مطفأة كان قلبك/ لا رأفة لمطلق عاشق/ البكاء وسخونة وجنتيك/ البرتقالة ترفع حيطانها للضوء، ثمة لا اشتعال).

الشاعر المغربي(عبد السلام المساوي) في نصه(رعشة في برد الملكوت) ولفرط معاناته من حياةٍ رتيبة، التي باتت تهدد حياتنا المعاصرة. يسارع إلى توريطنا في التأمل في صورته الغرائبية التي تبدو وكأنها رسمت من قبل رسام سريالي ماهر كدالي مثلا. إنها فكرة عن القرف من عيشٍ ممل لا يطاق نتيجة اللا متغيرات المفترضة التي تنعش اليومي وتعيد له رونقه (في كلِّ صباح/ تخرج ملابسي من البيت/ محمولةً على زوجِ حذاء/ ثمَّ تعود في المساء/ لتنامَ منهكةً/ في انتظار الصباح) وينقلنا إلى المهيمنات القامعة في هذا الوجود الضاري، التي تدعو الإنسان إلى مخافة الله والحاكم. وهي جملة الوسائل والأساليب ومنها الحروب الخبيثة التي تدعم السلطات المهيمنة على رقاب الأبرياء من الناس. والتي لولاها لما تمكنت من دوام توارثها لعروش الاستبداد والاستغلال المانع للحرية والتقدم والنهوض (كلّ هذه الكتب/ كل هذه الحروب/ من أجل أن يؤمن الإنسان/ بينما رعشة واحدة/ في برد الملكوت/ تشعرني بالحاجة إلى معطف الآلهة) وفي مقطع آخر في شعر حكمة المفشي عن المعقول واللامعقول في الحياة الإنسانية، فهو لم يصدق أن الزهرة قد نبتت بين نباتات الصبار الصحراوية. على اعتبار أن الظروف غير ملائمة ومهيأة لذلك، ولكنه وثق من حدوث فعل الإنبات حين شاهد النحلة تقوم بواجباتها الطبيعية في امتصاص الرحيق من تلك الزهرة (لم أعرف الزهرة/ حين نبتت بين الصّبار/ لكنّني صدّقت النحلَ/ حين عاد مضمّخاً بالأريج).

وبحميمية عذبة يقدم لنا الشاعر اليماني (محي الدين جرمة) نصه الإيحائي (العطر «يفهم» لا يُشَمُّ) باجتزائه لنصٍّ من الشاعر المبدع (أنسي الحاج) الذي ينم عن حفاوة عالية بالقاري لشعره(إصغاؤك لشعري أشعرَ منه) وهو يدعونا للتجوال في مشغله الشعري، الذي يتعالى فيه غبار معاركه مع اللغة الشعرية وهي تنهل توهجها من كنوز مشاعره ورؤاه. وذلك من خلال امتشاقه لحلم تساميه في فضاءات طقوسه الكتابية. إنه ينشئ علاقة انشداد مع عوالم كونية تزيد من سمو مشاعره ونبل مراميه (يشعلني ثقابٌ/ في أزرق الكون/ أضيءُ عتمةَ العدم/ كأني دمُ الماء/ وقلبي قميص الشّفق/ أحزمني بضلالٍ/ لا ترى في الضلال) إنه لا يتوانى عن الغور في جوهر مشاغله إبان زمن الكتابة. وباستخدامه للأداة(لو) السحرية يأخذ بنا من مجالسنا الأرضية إلى متاهات أحلامه ومسارب مراميه الرؤيوية(لو شجرة غريبٍ سالت/ على مرآة/ لتعرّى وجودٌ/ إلاّ من خضرة الأجساد/ وأزهار المطر) أنه الوجد الكتابي الموغل في الامتثال للعزلة. فلا شيء يمكنه أن يخرجه من جنة انبهاره بهذا العالم الحلمي الأخّاذ. ولعلنا نجد فيه ارتباطاً جنونيا بتصوفه المعرفي وانصرافه التام لهذا المشغل العبق بمسك الانشداه بأيقونات الرؤى المعلقة بتوزيع غرائبي على أركان المشهد (العطرُ يُفهمُ/ ولا يُشَمُّ/ كمطرٍ يقبّلُ زهوراً/ في صخورِ الحياة/ ويراقصها/ على تنهّدات النّهدِ الغريب/ وجلبة صمت العيون)

ولسنا إلاّ على يقينٍ أكيدٍ بتفحّصنا لنصوص نهلت أسباب ومحرضات حضورها المعرفي أمام لهفة التلقي، وشوقه للتفرس المتأمل في ثناياها القابعة تحت جلد مستوياتها السيميائية. كما أننا على ثقة تامة بمهارة منتجيها للحضور مستقبلا بنصوص جديدة تفشي عن طاقاتهم وقدراتهم الإبداعية، التي تستبطن المحتمل لكثير من الرؤى التنبؤية، المعلقة في سماواتها الساحرة.

٤/ لا قداسة أمام الشعر

ألا تكون كرامة الإنسانية الحَقّة، في إزالةِ أوهامِها؟!

سؤالٌ جريءٌ وخطير، أنهى به (هارفي بواريه) مادته (كلُّ تفكيرٍ هو حساب) المنشورة في مجلة (علوم وحياة) الفرنسية. وبه نبدأ وقفتنا النقدية هذه، بوصفه يستبطن وجهة نظره المشكِّكَة بمجمل تصوراتنا المعاصرة عن الكون، والتي مفادها (إنه بعد، إهانة غاليلي الكوسمولوجية، الذي أقصى الإنسان من مركز الكون، وإهانة داروين البيولوجية، الذي رمى الإنسان في نفس الساحة مع الحيوانات، وإهانة فرويد البسيكولوجية، الذي نفى عن الإنسان تحكّمهِ الواعي في أفعالهِ، بعد تلك الإهانات الثلاث، قد يكون-جون لوي كريفين- قد حكمَ علينا بإهانة رابعة نورولوجية -عصبية- هذه المرّة، إنه يماثل بين دماغنا وبين دورات كهربائية بسيطة لحاسوب مكتب..)(٦). وبسحب وجهة النظر هذه إلى الشعر، نتبيّن مدى جدواها في تعامل الشاعر مع عالمه المحيط. الشعر بحاجة إلى متفحّصٍ جريء ومتفكّرٍ حالم، لا يقف عند هول ولا يأسره مألوف ولا يتهيب قمة ولا يتراجع عن مجهول ولا يقدّس رأيَ سلف. وهذا ما نطمح أن نجده في إجرائنا القرائي لهذه النصوص الثلاثة أدناه.

الشاعر السعودي (شريف بقنه الشهراني) وفي نصّهِ (تحوّلات) الذي قدم له بمقطعٍ شعريٍ جميلٍ وموحٍ عن تحولاته الرؤيوية المتواصلة لهذا الوجود. يشير لحزمة المتغيّرات في تجربته الشعرية، باعتباره ينتقل من منطقة اشتغالٍ إلى أخرى نتيجة اكتسابه لمعارف جديدة على المستويين العاطفي والذهني. إن ميزة حراكه المعرفي أفضت وتفضي بالنهاية إلى إخصاب تصوّراته الكونية بمحرضات انزياحها نحو التصويب (أرضٌ.. منذ ماموث ويافت، لكنّها تبدو طازجة جدّاً.. لتحوّلاتي) وبجرأة المتمرّدِ على الحياة بأسفلها وأعلاها يبتكر لنا مشهداً غرائبياً واخزاً لقيم المألوف، ومشاكساً للمتعارف عليه في الذهن البشري. مشهد صورته رادعة لرتابة حياته الحبلى بالموت البطيء للإنسان، وكاشفة للرعب المعرّش في الذات بفعل الجبروت متعدد الجهات(وذات غادرة، فيما كنت أسير في شارع المدينة/ سقطت جمجمة من السماء على رأسي/ غطّتْ بي غيهّب الجّب: كم أحسُّ أنني أموت!/ عقمٌ عاوٍ هنا/ لا أحدَ غيري/ فقمةٌ تتعبّاُ خواءً كلَّ مرة.. وتخور) ولمعرفته بلا جدوى انهماكه المخلص لدوره في العدو وراء آمال قصيّات وحالكات مختبئاتٍ وراء حجبٍ معبّأة بالفخاخ، يصرّ على إزالة (اللا) عن جدوى لهاثه الحياتي بالقول (إنّني أحتاجُ إلى تعويض).

فيما يتعرّض الشاعر المصري (محمد سعد شحاته) في نصه (خبرتهم عن المدينة) لمعضلة أجيال الحالمين بسعادة تشبه سعادة أبطال الأفلام القديمة، التي افترضتها أفكار السيناريوهات الرومانسية. ولعلّه أيضا يطرح أمامنا مشكلة هجرات أبناء الريف إلى المدينة تلك الهجرات المتعاقبة المتواصلة في دلق ثقافة التصحّر على عشب أزقة الحارات الناعسة. ولعلها مشكلة العصر التي يعاني منها كل الشرق، حيث تصهل القبائل في شوارع مدنٍ معاقة عن الحراك الحضاري والمدني (خبرتهم عن المدينة/ أن يسكنوا شققاً واسعةً في عماراتٍ كبيرةٍ/ تُطِلُّ على النيل) من حقّ أيِّ إنسان أن يحلم بحياة سعيدة وآمنة، ولأن الحب غريزة تميّزُ كلَّ كائنٍ حي، فله كلّ الحق بأن يحلم بشريك حياته المفترض. ولكن عليه أن يجتهد للوصول إليه بأقدامه، مجتازاً فخاخ الواقع، وليس طائراً بين الربابات، على أجنحة الأماني(خبرتهم عن المدينة/ أن بنت الجيران- الجميلة دائماً والثرية غالباً- سوف ترتمي عند أقدامهم) الشاعر يوجز في نصه هذا إشكالية جيل توارث الجوع والوجع واجترار فقاعات الأحلام. جيل تبكيه معسكرات الخدمة وتفرحه الإجازات الدورية، وترعبه عابرات القارات الإمبريالية، وتخدعه سيناريوهات الأفلام الهندية والمصرية. بيد أنه يأمل من الأجيال القادمة أن تستفيد من باقة أخطاء جيله، بالقراءة الواعية لسيناريوهات الأفلام الإلكترونية وعصر الليزر (ربما ينشأ جيلٌ جديدٌ/ يستفيد من الأفلام الفضائية).

أما الشاعر العماني (طالب المعمري) وفي نصّه (أطفو بكِ أو أغرق) يناشد حبيبته التي أرقته أمواج بحرها المتلاطم بأجمل معاني الألفة بين رجلٍ وامرأة في الكون. ولفرط عشقه لها فهو لا يغادر جبلّةَ استحضار صورتها أمام ناظريه. وذلك من أجل أن يتأمل سحر جمالها وعذوبة طقس اللقاء بينهما (أستعيدكِ/ وأستعذبكِ/ وهل، لي غيركِ/ أستعيد؟) ويواصل تساؤلاته عن الحب كثيمة وجودية أزلية تواجه الإنسان منذ صرخته الأولى حتى صرخة فنائه. الشمس رمز الضوء والدفء في هذا الكون، وهي محطّ أنظار البشر على اختلاف أماكنهم وأزمنتهم، وهي أحد أهم أسرار هذا الوجود المكتنز بالألغاز. وبنسج خيوط أشعتها المنسابة إلى الأرض في أخيلة الأحبة، تتشيّاُ فسحةٌ ما لتحقيق أحلامهم المشروعة. شمسه هنا هي رمز إشراقٍ لخطوات المحبين على درب المحبة المليء بعذابات اللهفة والتوق والحنين. وهو يتمنى شمساً غير هذي الشمس، شمساً ليست لاهبة، تمنح الدفءَ لا الاحتراق، وتبعث في قلبيهما نبضَ الأمل بدوام السعادة. وأمنيته هذه سكبها على هيئة سؤالٍ وجودي لا يخلو من إمكانات شتى للتأويل، وفيه امتعاضٌ من حياةٍ مريرةٍ كان الناس وما زالوا يكتوون بجمرات أزمنتها وأمكنتها وحيواتها(ماذا، لو كانت لنا/ شمسٌ لا نقطفُ/ جحيمها بأيدينا؟..) في هذا النص البسيط، حداثة تجربة، وعذوبة سياق، ونبل تطلّع، وكثافة لغة. ولعله من النصوص التي تلائم الذائقة المعاصرة، المبتلاة بتقلّبات عصر السرعة، وانشغالها في متابعة آخر صيحات الاتصال لتقنيات الصورة. وليس بمقدورنا سوى الاعتراف بأننا طفنا مع نصوص أطاحت بالمصدات والعراقيل التي تحدّ من نزق الشعر وتمرّدهِ على ما هو قائمٍ ومعقول. وفتحت كل الاحتمالات المجدية لانثياله في عوالم مجهولة لا تقطنها إلاّ الرّيب والخفايا. ولنا أن ننحني إجلالاً لأيِّ نصٍّ شعريٍّ ينفتح على فضاءات ثرائه السيميائي والثيمي. الشعر الجاد هو الباحث الأبدي عن محرضات حريّته واندياحه إلى آفاقٍ شتى دون الالتفات لما هو راسخٌ وأزلي لدى الذائقة. فلا قداسة أمام الشعر.

المصادر:

١- أوليفيه فريغجيري/ نقد الشعر/ الثقافة الأجنبية/العدد٢/ بغداد2004/ ص65.

٢- نفس المصدر.

٣- إمبرتو إيكو/ السيميائية وفلسفة اللغة/ بيروت2005 ص455.

٤- الشاعر الإنجليزي فيليب لاركن/ مجلة الثقافة الأجنبية/ العدد٢/ بغداد2004/ص45.

٥- مجلة فصول/ الهيئة المصرية العامة للكتاب/العدد68/2006 ص266.

٦- هارفي بواريه/ كل تفكير حساب/ ترجمها عن المجلة الفرنسية(صابر الحباشة)

     ونشرت في مجلة الثقافة الأجنبية/ العدد٢/ بغداد-2004.   
 
علي شبيب ورد كاتب من العراق 

شاهد أيضاً

نصوص

البيوت التي كنا نقصدها خلال طفولتي كانت نوعين: أماكن زيارات مرتبطة بصداقات اختارتها أمي طوعاً، …