أخبار عاجلة

حياة كافية

يقينا لم يكن يتوقع أن يحدث له هذا الأمر، أن تصدمه سيارة مجنونة في شارع داخلي السرعة فيه حددت بأن لا تتجاوز الستين كيلو مترا في الساعة.
وبرغم وجود عدة مطبات على طول الطريق إلى منزله الكائن في أطراف العاصمة مسقط، إلا أنه ارتمى عاليا كطائر ثم سقط على بعد مترين من السيارة المصابة بالهوس والجنون.
تساقط كزجاجة عطر، مع فارق هائل في الرائحة التي انتشرت فجأة، لتعم أرجاء المكان. رائحة دم سطر مكان السقوط المدوي، فيما عدة سيارات توقفت إجباريا في مشهد فوضوي لم ينقصه إلا صوت الشهقة التي خرجت من إحداها كانت تمسك بهاتفها النقال وتعبث بخصلات من شعرها الفاحم وتنظر خلسة من وراء الستارة الناعمة إلى الشارع كأنما تنتظر أحدا أن يمر هناك.
شهقت هي وسقط هاتفها النقال من يدها التي أصابتها الرعشة فجأة، فتحت عينيها بقوة ولم تدرك أنها حاسرة الرأس عندما فتحت الستارة لترى المشهد بوضوح تام: كان صاحب السيارة التي تهشمت مقدمتها قد توقف خارج الشارع مثيرا بعض الغبار، وكانت جثة أحدهم تسقط على أسفلت أسود.
دارت بها الدنيا قليلا وظنت أن ما رأته لا يتعدى مشهدا في فيلم سينمائي، لكنها بعد وهلة استوعبت الصدمة ومسحت دموعها التي انسربت لا إراديا من عينيها، مسحت وجهها، وتناولت هاتفها الذي كان ينادي عليها حينذاك، قالت بكل هدوء: أكلمك بعدين.
أغلقت الهاتف.
ليس هناك ما يقال لحظتها سوى أنني أردته أن يموت في قصتي! أردته أن يتوقف عن عمله في الشرطة رغم أنه لم يكمل عاما واحدا حتى الآن، لكني لم أشأ له أن يتمادى فيقع ما لا أريده، كأن يعطل صفو لقاء عاشقين وتنرسم في عقله صورة الفتاة إياها التي لم تغادر مخيلته مذ أوقفها وهي في سيارة أحدهم تحاول أن تداري فضيحتها بعباءة شفافة فيما هو يمخر عباب حلم طالما راوده بأن يقل فتاة الجيران إلى شاطئ مظلم يسبح وإياها عرايا!
كان هذا حلما لطالما همس به لنفسه كلما كلم بنت الجيران في الهاتف.
قال لها:
بنروح البحر سوا يوم اشتغل وتصير وياي سيارة
تتضرج هي على الطرف الآخر بحمرة خفيفة محلقة في سماء حلمها بأن تمر شفتها على شفته بهدوء فيما يزداد نبض قلبها تسارعا ورجفة.
لكنه لم يكن يملك سيارة ولا عملا وهاتفه الذي يتصل من خلاله ببنت الجيران اشتراه له أخوه الأكبر مدير مدرسة البنين القريبة من منزلهم، ورصيد الهاتف اشترته أخته التي تعمل في المدرسة المجاورة لمدرسة أخيها الأكبر مؤكدة مرارا وتكرارا بأنه رصيد لمكالمات العمل!
عامان مرا مذ أنهى دراسة الثانوية بشق الأنفس مع أنه كان طموحا بأن يلتحق بالدراسة الجامعية ولكن كما قالت أمه كان حظه سيئا وبأن أحدهم أصابه بالعين أما أخته فكانت أكثر صراحة عندما أشارت إلى أنه ضيّع وقته في الشوارع مع أولاد السوء!
ولأنه كان أصيب بعين قررت أمه أن تبحث له عن وظيفة في الحكومة مهما كان الثمن، ولم توافق ابنها البكر على مقترحاته المتواصلة في أن يرضى بأي وظيفة أو عمل في إحدى الشركات الخاصة
تريد الناس تاكل وجهنا؟ ولدنا يشتغل في مكان ما زين؟ لا صارت ولا استوت!
هكذا ردت على بكرها بصرامة واضحة، مؤكدة أن ابنها سيعمل في الحكومة إن عاجلا أو آجلا!
في نظرها كان لابد أن يعمل في جهة حكومية تضمن له مستقبله وترفع به جبهته وجبهتها هي أمام جاراتها وأهلها ومن يهمها أن يصله بأن ولدها الأخير تعين في الحكومة أيضاً أسوة بأخوته.
وكان أيضا أمرا صعبا ذلك الوضع الذي وجدت فيه ابنها بلا عمل ترفع به رأسها، حتى مر عامان أصيبت فيهما باليأس والقنوط وإن لم تعلنه على الملأ ولكنه بدأ يتضح بعض الشيء.
وبرغم مكالماتها لمن يملك الواسطة إلا أن ابنها الأخير لم يجد ما حلمت به أمه، حتى في الجيش أو في الشرطة لم تفد وساطات من تعرفهم، ومر العامان وابنها بلا عمل، يقضي وقته في رحلات مع أصدقائه صباحا، وفي آخر الليل ينهي رصيد هاتفه في مكالمة بنت الجيران.
من حسن حظي وأنا أكتب قصته أن حدثت تلك الأحداث الثقيلة التي ما عادت البلاد كما كانت قبلها، حدث أن تواجه الشباب وأغلبهم عاطلون عن العمل مع رجالات الشرطة ومكافحة الشغب والجيش، ليقتل أحدهم في صحار، ثم تعلن الحكومة عن سبعة عشر ألف وظيفة ألفان منها في الشرطة وحدها.
هذي فرصتك يا ولدي، قوم شل وراقك وعسى يشغلوك
حثته أمه وهي تمني النفس أن يجد عملا في وزارة من الوزارات إن لم يكن في الديوان، ولكن وفي لحظة معينة استجاب هو لنداء خفي يقول له: اتبع صديقك الذي ذهب ليسجل في سلك الشرطة.
ياخي الشرطة أحسن، راتب زين ومهابة
أغمض هو عينيه لوهلة وتراءى له حلم، بل أحلام جميلة، وتخيل نفسه في تلك البزة ذات اللون المميز، تراءى له شموخه وهو يخطو خارجا من أو داخلا إلى البيت وهو مرتدٍ ذلك الزي الجميل، تراءى له أكثر شكله وهو يقود سيارة الشرطة وسط الحارة، ثم كيف يوقف الشباب في الشارع السريع يخالفهم ضد السرعة وضد التجاوزات الخطأ وضد أشياء كثيرة لم يرتبها في ذهنه، شعر بزهو كبير وتنفس بعمق وكأنه سيقفز قفزة تغير حياته تماما.
خلاص انا بسجل في الشرطة، وبيقبلوني هذي المرة
قال لأمه وأخيه الكبير، وابتسامة تشع على وجهه، تؤكد أنه سيحصل على مراده هذه المرة، وهو ما حصل بعد عدة أسابيع عندما وجد اسمه في الجريدة مطلوبا من قبل الشرطة.
زغردت أمه ووزعت الحلوى العمانية على بيوت الحي بأكمله وقالت لهم بأنها حلوى الفرح، فرح ابنها الذي سيصبح «ضابطا» في الشرطة.
تدرك هي أن ابنها لن يكون «ضابطا» يحمل النجوم على كتفيه، ولكنها تريد أن تؤكد للجميع أن أملها لم يخب، وبأن إصرارها هو وراء هذا اليوم المشهود الذي تحتفل فيه بقبول ابنها في جهاز الشرطة.
لكنها يقينا لم تكن تدرك أن هناك لحظة فارقة في حياة ابنها، هي هذه اللحظة التي سعيت لها منذ أول القصة، وبأن ابنها كان له قدر كتابي، بأن يسقط وسط الشارع مضرجا بدمائه.
في نظري لم يكن ابنها مناسبا للعمل في سلك الشرطة، وكانت ضربة حظ عمياء ما أوصله لارتداء ذلك الزي الذي لا يليق بمثله على الإطلاق.
موقفي هذا ليس نابعا من كراهية ما للشرطة، لا سمح الله، فكثير من أهلي يعملون في سلك الشرطة، وكنت على وشك أن أنخرط في سلك الشرطة، ولكن نداء ما قال لي بأني لا أنفع لهكذا عمل، مع أني أكن احتراما كبيرا لرجل الشرطة، وأقدره كل التقدير، وربما هذا هو سبب ما فعلت تجاه هذا الشاب المسكين، الذي رأيت أن ذلك الزي الذي ارتداه فرحا بأن أصبحت له قيمة وهيبة ومكانة؛ لا يناسبه على الإطلاق، سيما بعد تلك الحادثة عندما توقف جوار سيارة عاشقة، ولم يعنه من كل الأمر إلا صورة الفتاة في ذهنه، التي لم تتزحزح إلى اللحظة التي وقع فيها الحادث الأليم.
كانت حاضرة وبقوة، وثمة ما يود أن ينطلق بين فخذيه، وينفجر بقوة، كلما رسم صورة الفتاة بعباءة فقط تنزاح عن جسد عارٍ وعامر بالشهوة والحب والافتتان.
ولأن صورة وجهها تلاشت؛ ولم يعد حاضرا في خياله، استعاض عنه بوجه بنت الجيران، راسما ابتسامة تقول «هيت لك» قد حان وقت تحقيق الأمنية!
وبنت الجيران منذ أن كانت في السادسة عشرة وهي تحلم بلحظة حب دافئة، لحظة تدغدغ فيها أحاسيسها وتشعل فيها جذوة الاشتهاء.
لكن ما لا يعلمه الشرطي المضرج بدمائه الآن أنه طوال العامين اللذين لم يخرج فيهما معها، مكتفيا بلحظات الحب عبر الهاتف، والكلام الناعم والحراق آخر الليل؛ كانت هي تجد فرصتها في الخروج مع أخواتها ورفيقاتها اللائي كن يحكين قصصهن عن الحب والعشق والغرام ومغامرات آخر الليل وأول الصباح ومنتصف الظهيرة، عندما يمتطين صهوة أحلامهن برفقة مَن خرجن معهم، سواء إلى أماكن لا تثير الريبة ولا يأتيها أحد، أو كما تمادت بعضهن بقضاء ساعات في فنادق نائية وصغيرة بعيدة عن أماكن سكناهن متأكدات أن مشيتهن ودخولهن لتلك الأماكن لن تثير أحدا ما دمنّ غطينّ وجوههن بالسواد.
هي، بعد أن نهش الاشتهاء قلبها، وحرّقتها الرغبة، بعد مكالمات الليل الحامية، وبعد أن اكتمل صدرها في تكوره الشهي وتضخم، وخصرها باتت العين لا تمل الزحزحة عنه، خاصة مع مؤخرة ناعمة ومشدودة لا خيار لأي عين من البقاء ضمن حيزها، بعد كل هذا، ومضي أكثر من عام في مكالمات محمومة آخر الليل، وحكايات أكلت جوفها المشتاق، كانت ألقت برقم هاتفها لشاب أعجبها لون عينيه وذقنه الحليق وصدره المشدود للأمام.
كانت تلك هي أول مرة، حدث ذلك في رحلة قضتها مع رفيقاتها إلى «سيتي سينما» يشاهدن فيلم عمر وسلمى في جزئه الأول. عندما رأته أيقنت أنها فرصة ولا ينبغي أن تضيعها، ولذا تشاغلت عن زميلاتها بالذهاب إلى دورة المياه، التي لم تدخلها إلا لتكتب رقم هاتفها، ثم خرجت متيقنة أنه لا يزال موجودا، وهو كذلك، وكان من حسن حظها وقوفه وحيدا تلك اللحظة عندما مرت إلى جواره وارتطم ذراعها بخفة مقصودة بذراعه، لتبتسم له، وتغمز بعينها للورقة التي ألقتها على الأرض.
كان بديهيا أن ينتبه إليها، وأن ينحني ليلتقط الورقة، وعندما رفع رأسه، وجدها تلتفت إليه مجددا بنظرة ذات مغزى.
في حقيقة الأمر لم يكن وحده من حظي بتلك الفرصة، إذ بعد أن تعلمت فنون الدخول إلى برامج الدردشة على الإنترنت، في الكلية التي تعرفت من خلال طالباتها إلى عوالم جديدة ومغوية وجديرة بالولوج إليها، كانت دخلت إلى عالم جديد ومثير ومملوء بالمغامرات.
ابن جيرانها المضرج بدمائه الآن على الأسفلت الأسود، بزيه العسكري الخاص، كانت تكتفي منه بمكالمات آخر الليل، وكانت تعده ليكون عباءتها التي ستسترها عقب تخرجها، ولذا كانت تقول له في أحيان مقاطعة حديث المتعة الليلي:
خاطري أخلص دراستي عشان أدخل بيتك وأكون لك للأبد
آخر كلمة كانت تعني أنها تريده زوجا يفعل بها ما يفعل كل زوج بزوجته، لكنها لم تكن متيقنة بأنه يريدها زوجة له، خاصة مع صمته الذي يلي تلك الكلمة، وكأنه صمت من يفكر في الخيار المعروض أمامه.
تضحك لتقطع الصمت وتقول:
بس شرط، أكون في بيت وحدي
فعليا هو لم يكن معنيا بتلك الفكرة، فكرة الزواج، كان كل تفكيره في ذلك الوقت، منصبا على رغبة هائلة بأن يصحب إحداهن إلى شاطئ البحر يسبح وإياها عرايا آخر الليل، لا يراهما أحد وهما يمارسان طقوس عشق جارف كموج البحر!
لم يتسن له أن يفعل كل هذا الأمر، فبعد أن كبرت الفكرة في رأسه، جاءت الأحداث متسارعة لتلقي به في أكاديمية الشرطة أشهر من الانضباط وتناسي كل الأحلام التي أوشكت على التحقق.
بعد مباشرة العمل اكتشف مميزات عديدة في عمله شرطي مرور، إذ لا تتاح لأي كان أن يوقف سيارة تقودها امرأة جميلة مثلا، أو كما حدث معه عندما وجد سيارة تقل موعدا غراميا في مكان متوارٍ لا يعرفه إلا العشاق فحسب.
يومها ولحسن حظه أن زميله الذي يرافقه في السيارة ويعلوه رتبة، طلب إليه أن ينزله لدقائق بجوار بناية
انته روح شوية وتعال لي بعد ساعة.
تلك البناية أثارت مخيلته أيضا، خاصة أن زميله لم يوضح أي سبب للتوقف هناك، ودخول تلك البناية! لابد أنه واعد إحدى الساكنات هناك، في تلك البناية التي لا يسكنها سوى العزاب والمغتربات.
لكنه لم يستفد شيئا سوى تهيجه أكثر فأكثر، وظلت الصورة، صورة الفتاة بالعباءة السوداء المنزلقة على جسدها العاري، تداهم خياله كل لحظة وأخرى.
وطد عزمه أن يجد فتاة يحقق من خلالها حلمه، لتكن بنت الجيران، فهي لن تماطله كثيرا في أن تخرج معه وتحقق رغبته في الذهاب إلى الشاطئ المظلم.
وبنت الجيران كانت فعلت ما هو أكثر من مجرد الخروج مع من تعده زوجا مستقبليا، إذ مذ حادثة السيتي سينما، كانت خرجت مع عشاق كثر، ليس من بينهم شاب السيتي سينما.
هي لا تكذب على صديقاتها عندما تخبرهن أنها عاشت اللحظات اللذيذة، وبأنها واعدت شبابا تعرفت عليهم في الإنترنت وجاءت بهم إلى مسقط حيث حجزوا لها غرفا جميلة في فنادق لا يدخلها أي أحد.
كانت تعرف كيف تجعلهم يقومون بكل ذلك، عندما تعرض لهم ساقها وفخذها الأبيض اللدن، أو جزءا من صدرها المتوهج بالغواية، في ثوانٍ قليلة تغلق بعدها كاميرا الدردشة، وتكتب جملة واحدة: تريد أكثر لازم تدفع!
كثير منهم يكونون وصلوا آخر مطافهم من تلك اللقطات، ولذا لا يجارونها في طلباتها، ليفقدوها بعد حين عندما تقوم بحظرهم من برنامج الدردشة، لكنها تحسن انتقاء من يمكن له أن ينفذ إلى رغباتها ويقوم بالمهمة الكبيرة.
لكن لأكون منصفا هي لم تفرط في عذريتها تحت أي ضغط، حتى عندما كانت تتلوى من اللذة لأن أحدهم استطاع أن يهيجها، كانت تركت ذلك الغشاء لليلة يباركها فيه جميع من تعرف، وفعليا كان الشرطي ابن الجيران هو الأكثر مناسبة الآن بعدما باتت له صورة مهيبة في حيّهم.
وها هو ابن الجيران الآن هناك مسجى، به نبض ضعيف، ولا يمده بحياة كافية كي يحقق لها حلمها، أو يحقق حلمه أيضا.

 

 

هلال البادي\
\ كاتب وقاص من عُمان

شاهد أيضاً

جارتي الصينية وبغداد ونائمات كاواباتا

فاروق يوسف * أوحي إلى يدي لتكون يدا أخرى، أصابعها وهي تنظر إلي توحي إلي …